Ibn 'AtiyyaTaha · 20:87–107

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Taha 20:87–107

20:87–88Page 317

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧

They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."

فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨

And he extracted for them [the statue of] a calf which had a lowing sound, and they said, "This is your god and the god of Moses, but he forgot."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمُ غَضَبٌ مِن رَبُّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾

وبَخَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَوْمَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ، و"الوَعْدُ الحَسَنُ" هو ما وعَدَهم مِنَ الوُصُولِ إلى جانِبِ الطَوْرِ الأيْمَنِ، وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الفُتُوحِ في الأرْضِ، والمَغْفِرَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ أهْلَ طاعَتِهِ. وقَوْلُهُ: وعْدًا، إمّا أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ، والمَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَوْعُودِ، ويَكُونُ هو المَفْعُولُ الثانِي بِعَيْنِهِ.

ثُمْ وقَّفَهم عَلى أعْذارٍ لَمْ تَكُنْ ولا تَصِحُّ لَهُمْ، وهي طُولُ العَهْدِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم خُلْفٌ في المَوْعِدِ. وإرادَةُ غَضَبِ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ، ولَكِنَّهم عَمِلُوا عَمَلَ مَن لَمْ يَتَدَيَّنْ. وسُمِّيَ العَذابُ غَضَبًا مِن حَيْثُ هو ناشِئٌ عَنِ الغَضَبِ، والغَضَبُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ جُعِلَ ظُهُورُ النِقْمَةِ والعِقابِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، فَهو مِنَ التَرَدُّدِ بَيْنَ الحالَيْنِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ: "بِمَلْكِنا" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِمُلْكِنا" بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "بِمِلْكِنا" بِكَسْرِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ لُغاتٌ.

(p-١٢٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ظاهِرُ الكَلامِ أنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، ولَكِنَّ أبا عَلِيٍّ - وغَيْرَهُ - قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَعانِيها، فَأمّا ضَمُّ المِيمِ فَمَعْناهُ - عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ - لَمْ يَكُنْ لَنا مَلِكٌ فَنُخْلِفُ مَوْعِدَكَ بِقُوَّتِهِ وسُلْطانِهِ، وإنَّما أخْلَفْناهُ بِنَظَرٍ أدّى إلَيْهِ ما فَعَلَ السامِرِيُّ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ لَهم مَلِكًا، وإنَّما هو كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:

؎ يَشْتَكِي سَقْطَةً مِنها وقَدْ رَقَصَتْ بِها المَفاوِزُ حَتّى ظَهْرَها حَدَبٌ

أيْ: لا يَكُونُ مِنها سَقْطَةٌ فَتَشْتَكِي، قالَ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أيْ: لَيْسَ مِنهم سُؤالٌ فَيَكُونُ مِنهم إلْحافٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ مِن قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ، وإنَّما مَشى في ذَلِكَ أثَرَ الزُجاجِ دُونَ تَعَقُّبٍ، وقَدْ شَرَحْتُ هَذا المَعْنى في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وتَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الأمْثِلَةِ لِأنَّهم لَمْ يَرْفَعُوا الِاخْتِلافَ، والأمْثِلَةُ فِيها رَفْعُ الوَجْهَيْنِ.

(p-١٢٣)وَأمّا فَتْحُ المِيمِ فَهو مَصْدَرٌ مِن مَلِكِ، والمَعْنى: ما فَعَلْنا ذَلِكَ بِأنّا مَلَكْنا الصَوابَ ولا وُفِّقْنا لَهُ، بَلْ غَلَبَتْنا أنْفُسُنا.

وأمّا كَسْرُ المِيمِ فَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيما تَحُوزُهُ اليَدُ، ولَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الَّتِي يُبْرِمُها الإنْسانُ، ومَعْناها كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها. والمَصْدَرُ مُضافٌ في الوَجْهَيْنِ إلى الفاعِلِ. والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، أيْ: بِمِلْكِنا الصَوابَ، وهَذا كَما قَدْ يُضافُ أحْيانًا إلى المَفْعُولِ والفاعِلِ مُقَدَّرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩].

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "حُمِّلْنا" بِضَمِّ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حَمَلْنا" بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ. و"الأوزارُ": الأثْقالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التَسْمِيَةُ مِن حَيْثُ هي ثَقِيلَةُ الأجْرامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن حَيْثُ تَأْثَمُوا في قَذْفِها وظَهَرَ لَهم أنَّ ذَلِكَ هو الحَقُّ فَكانَتْ آثامًا لِمَن حَمَلَها. وقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ﴾ أيْ: فَكَما قَذَفْنا نَحْنُ فَكَذَلِكَ ألْقى السامِرِيُّ ما كانَ بِيَدِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ الألْفاظُ تَقْتَضِي أنَّ العِجْلَ لَمْ يَصُغْهُ السامِرِيُّ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِعْلِ السامِرِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا﴾، ومَعْنى (p-١٢٤)"جَسَدًا" أيْ شَخْصًا لا رُوحَ فِيهِ، وقِيلَ: مَعْنى "جَسَدًا": لا يَتَغَذّى، و"الخُوارُ": صَوْتُ البَقَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَذا العِجْلُ يَخُورُ ويَمْشِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَكَذا تَكُونُ الفِتْنَةُ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ خُوارُهُ بِالرِيحِ، كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ فَيُصَوِّتُ لِذَلِكَ.

20:89–91Page 318

أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩

Did they not see that it could not return to them any speech [i.e., response] and that it did not possess for them any harm or benefit?

وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠

And Aaron had already told them before [the return of Moses], "O my people, you are only being tested by it, and indeed, your Lord is the Most Merciful, so follow me and obey my order."

قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١

They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾

الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَقالُوا" لِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: ضَلُّوا حِينَ قالَ كِبارُهم لِصِغارِهِمْ، و "هَذا" إشارَةٌ إلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَنَسِيَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: فَنَسِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَبَّهُ وإلَهَهُ وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "فَنَسِيَ" إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عَنِ السامِرِيِّ أنَّهُ نَسِيَ دِينَهُ وطَرِيقَ الحَقِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالنِسْيانُ في التَأْوِيلِ الأوَّلِ بِمَعْنى الذُهُولِ، وفي الثانِي بِمَعْنى التَرْكِ.

ثُمْ قَرَنَ اللهُ تَعالى مَوْضِعَ خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾، المَعْنى: أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ضَلُّوا أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما هو جَمادٌ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَرْجِعُ قَوْلًا، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟ وهَذِهِ خِلالٌ لا يَخْفى مَعَها الحُدُوثُ والعَجْزُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الخِلالَ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ أوجَبَتْ كَوْنَهُ إلاهًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألّا يَرْجِعُ" بِرَفْعِ العَيْنِ، "وَأنَّ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، والتَقْدِيرُ: أنَّهُ لا يَرْجِعُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ألّا يَرْجِعَ"، "وَأنَّ" - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هي الناصِبَةُ.

وأخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ كانَ قالَ لَهم في أوَّلِ حالِ العِجْلِ: إنَّما هو فِتْنَةٌ وبَلاءٌ وتَمْوِيهٌ مِنَ السامِرِيِّ، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنُ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ والخَلْقُ (p-١٢٥)والِاخْتِراعُ، فاتَّبِعُونِي إلى الطُورِ الَّذِي واعَدَكُمُ اللهُ تَعالى إلَيْهِ، وأطِيعُوا أمْرِي فِيما ذَكَرَتْهُ لَكم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّما" "وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَحْمَنَ" بِكَسْرِ الهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنَما" "وَأنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّما" بِالكَسْرِ و"أنَّ" بِالفَتْحِ، والقِراءَةُ الوُسْطى ضَعِيفَةٌ.

فَقالَ بَنُو إسْرائِيلَ حِينَ وعَظَهم هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ ونَدَبَهم إلى الحَقِّ: لَنْ نَبْرَحَ عابِدِينَ لِهَذا الإلَهِ، عاكِفِينَ عَلَيْهِ، أيْ: لازِمِينَ لَهُ، و"العُكُوفُ": الِانْحِناءُ عَلى الشَيْءِ مِن شِدَّةِ مُلازَمَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:

؎ عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا

20:92–94Page 318

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

From following me? Then have you disobeyed my order?"

قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤

[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾

فِي سَرْدِ القِصَصِ اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فَوَجَدَ الأمْرَ كَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى لَهُ، فَجَعَلَ يُؤَنِّبُ هارُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" بِحَذْفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِها في الوَصْلِ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ الياءِ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" أيْ بِبَنِي إسْرائِيلَ نَحْوَ جَبَلِ الطُورِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَعْنى: إنِّي لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَشَتْ مَعِي طائِفَةٌ وأقامَتْ طائِفَةٌ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، فَتَفَرَّقَ الجَمْعُ، فَخِفْتُ لَوْمَكَ عَلى التَفْرِيقِ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" أيْ ألّا تَسِيرَ بِسَيْرِي وعَلى طَرِيقَتِي في الإصْلاحِ والتَسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَعْنى: إنِ الأمْرَ كانَ مُتَفاقِمًا، فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ وقَعَ القِتالُ واخْتِلافُ الكَلِمَةِ فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما لا يَنْتُ جُهْدِي.

(p-١٢٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّبِعَنِ" بِمَعْنى: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَبَّعَنِي. واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ دُخُولِ "لا"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي زائِدَةٌ، وذَهَبَ حُذّاقُ النُحاةِ إلى أنَّها مُؤَكِّدَةٌ، وأنَّ في الكَلامِ فِعْلًا مُقَدَّرًا، كَأنَّهُ قالَ: ما مَنعُكَ ذَلِكَ، أو خَصَّكَ، أو نَحْوَ هَذا عَلى "ألّا تَتَّبِعَنِ"؟ وما قَبْلُ وما بَعْدُ يَدُلُّ عَلى هَذا ويَقْتَضِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "يابْنَ أُمْ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "يا بْنَ أُمّا" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا واحِدًا: وبَناهُ كَخَمْسَةَ عَشَرَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يا بْنَ أُمْ" بِالكَسْرِ عَلى حَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وهو شاذٌّ لِأنَّها لَيْسَتْ كالياءِ في قَوْلِكَ: يا غُلامِي، وإنَّما هي كالياءِ في قَوْلِكَ: يا غُلامَ غُلامِي، وهَذِهِ ياءٌ لا تُحْذَفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا واحِدًا ثُمْ أضافَ إلى نَفْسِهِ فَحَذَفَ الياءَ كَما تُحْذَفُ مِنَ الأسْماءِ المُفْرَدَةِ إذا أُضِيفَتْ، نَحْوَ يا غُلامُ، وقالَتْ فَرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ هارُونُ أخا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلّا مِن أُمِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ شَقِيقَهُ، وإنَّما دَعاهُ بِأُمِّهِ لِأنَّ التَداعِيَ بِالأُمْ أشْفَقُ وأشَدُّ اسْتِرْحامًا، وأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ هارُونَ غَضَبًا، وكانَ حَدِيدَ الخُلُقِ عَلَيْهِ السَلامُ.

20:95–97Page 318

قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥

[Moses] said, "And what is your case, O Sāmirī?"

قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦

He said, "I saw what they did not see, so I took a handful [of dust] from the track of the messenger1 and threw it,2 and thus did my soul entice me."

قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا ٩٧

[Moses] said, "Then go. And indeed, it is [decreed] for you in [this] life to say, 'No contact.'1 And indeed, you have an appointment [in the Hereafter] you will not fail to keep. And look at your 'god' to which you remained devoted. We will surely burn it and blow it [i.e., its ashes] into the sea with a blast.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾

(p-١٢٧)المَعْنى: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مُخاطِبًا لِلسّامِرِيِّ: فَما خَطْبُكَ؟ وقَوْلُهُ: "فَما خَطْبُكَ" كَما تَقُولُ: ما شَأْنُكَ؟ وما أمْرُكَ؟، لَكِنَّ لَفْظَةَ الخَطْبِ تَقْتَضِي انْتِهارًا؛ لِأنَّ الخَطْبَ مُسْتَعْمَلٌ في المَكارِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ما نَحْسُكَ؟ وما شُؤْمُكَ؟ وما هَذا الخَطْبُ الَّذِي جاءَ مِن قِبَلِكَ. و" السامِرِيُّ " قِيلَ: هو مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويُقالُ: إلى قَرْيَةٍ يُقالُ لَها: سامِرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهِيَ مَعْرُوفَةٌ اليَوْمَ بِبِلادِ مِصْرَ، وقِيلَ: اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: "بَصُرْتُ"، قَرَأتْ فِرْقَةٌ "بَصُرْتُ" بِضَمِّ الصادِ عَلى مَعْنى: صارَتْ بَصِيرَتِي بِصُورَةٍ ما، فَهو كَظَرُفْتُ وشَرُفْتُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَصِرْتُ" بِكَسْرِ الصادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِنَ البَصِيرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ البَصَرِ، وذَلِكَ أنَّ في أمْرِ السامِرِيِّ ما زادَ عَلى الناسِ بِالبَصَرِ، وهو وجْهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وفَرَسُهُ، وبِالبَصِيرَةِ، وهو ما عَلِمَهُ مِن أنَّ القَبْضَةَ إذا نَبَذَها مَعَ الحُلِيِّ جاءَهُ مِن ذَلِكَ ما يُرِيدُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُبْصِرُوا بِهِ" بِالياءِ، يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُبْصِرُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقُ، يُرِيدُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قَبْضَةً" بِالضادِ مَنقُوطَةً، بِمَعْنى: أخَذْتُ بِكَفِّي مَعَ الأصابِعِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وغَيْرُهُمْ: "فَقَبَصْتُ قَبْصَةً" بِالصادِّ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، بِمَعْنى: أخَذْتُ بِأصابِعِي فَقَطْ، وقَرَأ الحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ - "قُبْصَةً" بِضَمِّ القافِ. و"الرَسُولُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الأثَرُ" هو تُرابٌ تَحْتَ حافِرِ فَرَسِهِ.

(p-١٢٨)وَسَبَبُ مَعْرِفَةِ السامِرِيِّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَيَّزَهُ فِيما رُوِيَ أنَّ أُمُ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَطَرَحَتْهُ في مَغارَةٍ، فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ يَغْذُوهُ فِيها ويَحْمِيَهُ حَتّى كَبِرَ وشَبَّ، فَمَيَّزَهُ بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ: "فَنَبَذْتُها" أيْ عَلى الحُلِيِّ فَكانَ مِنها ما تَراهُ، وهَذا مَحْذُوفٌ مِنَ اللَفْظِ يَقْتَضِيهِ الحالُ والمُخاطَبَةُ، ثُمْ قالَ: ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾، أيْ: كَما وقَعَ وحَدَثَ قَرَّبَتْ لِي نَفْسِي وجَعَلَتْهُ لِي سُؤْلًا ورَأْبًا حَتّى فَعَلَتْهُ. وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لا يَقْتُلُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا في حَدٍّ أو وحْيٍ، فَعاقَبَهُ بِاجْتِهادِ نَفْسِهِ بِأنْ أبْعَدَهُ ونَحّاهُ عَنِ الناسِ، وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِاجْتِنابِهِ واجْتِنابِ قَبِيلَتِهِ، وأنْ لا يُؤاكِلُوا ولا يُناكِحُوا، ونَحْوَ هَذا، وعَلَّمَهُ مَعَ ذَلِكَ، وجَعَلَ لَهُ أنْ يَقُولَ مُدَّةَ حَيّاتِهِ: "لا مِساسَ"، أيْ: لا مُماسَّةَ ولا إذايَةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا مِساسَ" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ السِينِ، عَلى النَصْبِ بِالتَبْرِئَةِ، وهو اسْمٌ يَنْصَرِفُ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:

؎ أصْبَحَ مِن ذاكَ كالسامِرِيِّ إذْ قالَ مُوسى لَهُ لا مِساسًا

ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎ حَتّى يَقُولَ الأزْدُ لا مِساسًا

واسْتِعْمالُهُ عَلى هَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لا مَساسِ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ، (p-١٢٩)وَهُوَ مَعْدُولٌ عَنِ المَصْدَرِ كَفُجّارٍ ونَحْوِهِ، وشَبَّهَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ بِنِزالٍ ودِراكٍ ونَحْوِهِ، والشَبَهُ صَحِيحٌ مِن حَيْثُ هي مَعْدُولاتٌ، وفارَقَهُ في أنَّ هَذِهِ عَدَلَتْ عَنِ الأمْرِ، و"مِساسَ" و"فُجّارَ" عَدَلَتْ عَنِ المَصْدَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَمِيمٌ كَرَهْطِ السامِرِيِّ

وقَوْلِهِ

؎ ألّا لا يُرِيدُ السامِرِيُّ مِساسَ

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُخْلَفَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، عَلى مَعْنى: لَنْ يَقَعَ فِيهِ خُلْفٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لَنْ تُخْلِفَهُ" بِكَسْرِ اللامِ، عَلى مَعْنى: لَنْ تَسْتَطِيعَ الزَوَغانَ عنهُ والحَيْدَةَ، فَتَزُولُ عن مَوْعِدِ العَذابِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لَنْ نُخْلِفَهُ" بِالنُونِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: المَعْنى: لَنْ نُصادِفَهُ مُخَلَّفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكُلُّها بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ.

ثُمْ وبَّخَهُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ الآيَةَ أيِ: انْظُرْ صَنِيعَكَ وتَغْيِيرَنا لَهُ ورَدَّنا الأمْرَ فِيهِ إلى الواجِبِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظَلْتَ" بِفَتْحِ الظاءِ، عَلى حَذْفِ اللامِ الواحِدَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظِلْتَ" بِكَسْرِ الظاءِ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ اللامِ إلى الظاءِ ثُمْ حَذْفِها بَعْدَ ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ لا أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحُسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شَوَسٌ

(p-١٣٠)أرادَ: أحْسُسْنَ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ السِينِ إلى الحاءِ ثُمْ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: حُسَيْنَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "ظَلِلْتَ"، و"ظَلَّ" مَعْناهُ: أقامَ يَفْعَلُ الشَيْءَ نَهارًا، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الدائِبِ لَيْلًا ونَهارًا، بِمَثابَةِ طَفِقَ. و"عاكِفًا" مَعْناهُ: مُلازِمًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنُحْرِقَنَّهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ بِمَعْنى: بِالنارِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "لَنَحْرُقَنَّهُ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الراءِ خَفِيفَةً، بِمَعْنى: لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، وقَرَأ نافِعٌ وغَيْرُهُ: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وهَذا تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وهي قِراءَةٌ تَحْتَمِلُ الحَرْقَ بِالنارِ، وتَحْتَمِلُ بِالمِبْرَدِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما: "لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمْ لَنَحْرُقَنَّهُ ثُمْ لَنَنْسِفَنَّهُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ مَعَ رِوايَةِ مَن رَوى أنَّ العِجْلَ صارَ لَحْمًا ودَمًا، وعَلى هَذِهِ الرِوايَةِ يَتَرَكَّبُ أنْ يَكُونَ هُناكَ حَرْقٌ بِنارٍ، وإلّا فَإذا كانَ جَمادًا مِن ذَهَبٍ فَإنَّما هو حَرْقٌ بِمِبْرَدٍ، اللهم إلّا أنْ تَكُونَ إذابَهً، ويَكُونُ النَسْفُ مُسْتَعارًا لِتَفْرِيقِهِ في اليَمِّ مُذابًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنَنْسِفَنَّهُ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنَنْسُفَنَّهُ" بِضَمِّ السِينِ، و"النَسْفُ": تَفْرِيقُ الرِيحِ الغُبارَ، وكُلَّ ما هو مِثْلَهُ كَتَفْرِيقِ الغِرْبالِ ونَحْوِهُ فَهو نَسْفٌ. و"اليَمُّ": غَمَرَ الماءَ مِن بَحْرٍ أو نَهْرٍ، وكُلُّ ما غَمَرَ الإنْسانَ مِنَ الماءِ فَهو يَمٌّ. و"نَسْفًا" تَأْكِيدٌ بِالمَصْدَرِ، واللامِ في قَوْلِهِ: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" لامُ القَسَمِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القِصَصِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَرَدَ العِجْلَ حَتّى رَدَّهُ كالغُبارِ ثُمْ ذَراهُ في البَحْرِ، ثُمْ أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَشْرَبَ جَمِيعَهم مِنَ الماءِ، فَمَن شَرِبَ مِمَّنْ كانَ في قَلْبِهِ حُبُّ العِجْلِ خَرَجَ عَلى شارِبِهِ مِنَ الذَهَبِ فَضِيحَةً لَهُ، وقالَ مَكِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ (p-١٣١)وَأسْنَدَ -: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ مَعَ السَبْعِينَ في المُناجاةِ، وحِينَئِذٍ وقَعَ أمْرُ العِجْلِ، وإنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أعْلَمَ مُوسى بِذَلِكَ فَكَتَمَهُ عنهُمْ، وجاءَ بِهِمْ حَتّى سَمِعَ لَغَطَ بَنِي إسْرائِيلَ حَوْلَ العِجْلِ، فَحِينَئِذٍ أعْلَمَهم مُوسى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ رِوايَةُ الجُمْهُورِ عَلى خِلافِها، وإنَّما تَعَجَّلَ مُوسى وحْدَهُ فَوَقَعَ أمْرُ العِجْلِ، ثُمْ جاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وصَنَعَ بِالعِجْلِ ما صَنَعَ، ثُمْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَبْعِينَ عَلى مَعْنى الشَفاعَةِ في ذَنْبِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ يُطْلِعَهم أيْضًا عَلى أمْرِ المُناجاةِ فَكانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهْضَتانِ، واللهُ أعْلَمُ.

20:98–102Page 318

إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا ٩٨

Your god is only Allāh, except for whom there is no deity. He has encompassed all things in knowledge."

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩

Thus, [O Muḥammad], We relate to you from the news of what has preceded. And We have certainly given you from Us a message [i.e., the Qur’ān].

مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠

Whoever turns away from it - then indeed, he will bear on the Day of Resurrection a burden [i.e., great sin],

خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١

[Abiding] eternally therein,1 and evil it is for them on the Day of Resurrection as a load -

يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢

The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عنهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾

هَذِهِ مُخاطَبَةٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَيِّنًا لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ بِمَعْنى: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، و"عِلْمًا" تَمْيِيزٌ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: "تَفَقَّأتْ شَحْمًا" و"تَصَبَّبَتْ عَرَقًا"، والمَصْدَرُ في الأصْلِ فاعِلٌ، ولَكِنْ يُسْنَدُ الفِعْلُ إلى غَيْرِهِ ويُنْصَبُ هو عَلى التَمْيِيزِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "وَسَّعَ كُلَّ شَيْءٍ" بِفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، بِمَعْنى: خَلْقُ الأشْياءِ وكُثْرُها بِالِاخْتِراعِ فَوَسَّعَها مَوْجُوداتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: كَما قَصَصْنا عَلَيْكَ نَبَأ بَنِي إسْرائِيلَ هَذا في خَبَرِ العِجْلِ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَكَذا نَقُصُّ عَلَيْكَ، فَكَأنَّها تَعْدِيدُ نِعْمَتِهِ، وقَوْلُهُ: "ما قَدْ سَبَقَ" يُرِيدُ بِهِ ما قَدْ سَبَقَ مُدَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، و"الذِكْرُ": القُرْآنُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْمِلُ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: "يُحَمَّلُ" بِفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أعْرَضَ عنهُ﴾ يُرِيدُ: بِالكُفْرِ بِهِ والتَكْذِيبِ لَهُ، و"الوِزْرُ": الثِقَلُ، وهو هُنا ثِقَلُ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "خالِدِينَ فِيهِ"، و"حِمْلًا" تَمْيِيزٌ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُنْفَخُ" بِضَمِّ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَنْفُخُ" بِفَتْحِ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ يَنْفُخُ المَلِكُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "نَنْفُخُ" بِالنُونِ، أيْ: بِأمْرِنا وإذْنِنا، وهَذِهِ القِراءَةُ (p-١٣٢)تُناسِبُ قَوْلَهُ: "نَحْشُرُ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُورِ" بِسُكُونِ الواوِ، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّهُ القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وبِهَذا جاءَتِ الأحادِيثُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُوَرُ: جَمَعَ صُورَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ، وهَذِهِ صَرِيحَةٌ في بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: "وَنَحْشُرُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَحْشُرُ" بِالياءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُحْشَرُ" بِضَمِّ الياءِ "المُجْرِمُونَ" عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمَّ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةٌ مُخالِفَةٌ لِخَطِّ المُصْحَفِ.

وقَوْلُهُ: "زُرْقًا" اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِحَشْرِهِمْ أوَّلَ قِيامِهِمْ سُودَ الألْوانِ زُرْقَ العُيُونِ، فَهو تَشْوِيهٌ ما، ثُمْ يُعْمَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهي مَواطِنُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عِطاشًا، والعَطَشُ الشَدِيدُ يَرُدُّ سَوادَ العَيْنِ إلى البَياضِ، فَكَأنَّهم يَبْيَضُّ سَوادُ عُيُونِهِمْ مِن شِدَّةِ العَطَشِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: زُرْقَ الألْوانِ، وهي غايَةٌ في التَشْوِيهِ لِأنَّهُمْ: يَجِيئُونَ كَلَوْنِ الرَمادِ، ومَهِيعُ كَلامِ العَرَبِ أنْ يُسَمّى هَذا اللَوْنُ أزْرَقَ، ومِنهُ زُرْقَةُ الماءِ، قالَ الشاعِرُ:

؎ لَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ وضَعْنَ عَصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمْ

ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "سِنانٌ أزْرَقُ" لِأنَّهُ نَحْوَ ذَلِكَ اللَوْنِ.

20:103–107Page 319

يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣

They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤

We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥

And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1

فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا ١٠٦

And He will leave it [i.e., the earth] a level plain;

لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧

You will not see therein a depression or an elevation."

قوله عزّ وجلّ:

﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾

(p-١٣٣)"يَتَخافَتُ المُجْرِمُونَ بَيْنَهُمْ": يَتَسارَوْنَ، المَعْنى أنَّهم لِهَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ ذَهابِ أذْهانِهِمْ قَدْ عَزَبَ عنهم قَدْرَ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثُوها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: في دارِ الدُنْيا ومُدَّةِ العُمْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: في الأرْضِ مُدَّةَ البَرْزَخِ، وقالَتْ أُخْرى: ما بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ في الصُوَرِ.

و ﴿أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾ مَعْناهُ: أثْبَتُهم نَفْسًا وأعْلَمُهم بِالحَقِيقَةِ بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ، فَهم في هَذِهِ المَقالَةِ يَظُنُّونَ أنَّ هَذا قَدْرُ لُبْثِهِمْ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيَسْئَلُونَكَ"، قِيلَ: إنَّ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الجِبالِ، ما يَكُونُ أمْرُها يَوْمَ القِيامَةِ؟ وقِيلَ: بَلْ سَألَهُ عن ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى النَسْفِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يُرْسِلُ عَلى الجِبالِ رِيحًا فَيُدَكْدِكُها حَتّى تَكُونَ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمْ يَتَوالى عَلَيْها حَتّى تُعِيدَها كالهَباءِ المُنْبَثِّ، فَذَلِكَ هو النَسْفُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيَذَرُها" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَواضِعَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ التُرابَ الَّذِي نَسَفَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَقَعُ عَلى الأرْضِ بِاعْتِدالٍ حَتّى تَكُونَ الأرْضُ كُلُّها مُسْتَوِيَةً. و"القاعُ": المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ المُعْتَدِلُ الَّذِي لا نَشَزَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ الخَطّابِ:

؎ لَتَكُونَنَّ بِالبِطاحِ قُرَيْشٌ بُقْعَةَ القاعِ في أكُفِّ الإماءِ.

و"الصَفْصَفُ" نَحْوَهُ في المَعْنى.

و"العِوَجُ" ما يَعْتَرِي اعْتِدالَ الأرْضِ مِنَ الأخْذِ يَمْنَةً ويَسْرَةً بِحَسْبَ النَشْزِ مِن جَبَلٍ وظَرِبٍ وكَدِيَةٍ ونَحْوِهِ، و"الأمْتُ": ما يَعْتَرِي الأرْضَ مِنَ ارْتِفاعٍ وانْخِفاضٍ، يُقالُ: "مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما تَرَكَ فِيهِ أمْتًا"، فَكَأنَّ "الأمْتَ" في الآيَةِ العَوَجُ في السَماءِ تِجاهَ الهَواءِ، و"العِوَجُ" في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالخَفْضِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

(p-١٣٤)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском