Ibn 'AtiyyaAl‑Mu'minun · 23:76–108

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:76–108

23:76–77Page 347

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦

And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]

حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧

Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾

هَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ- عَنِ اسْتِكْبارِهِمْ وطُغْيانِهِمْ بَعْدَ ما نالَهم مِنَ الجُوعِ، هَذا قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ "العَذابَ" هو الجُوعُ والجَدَبُ المَشْهُورُ نُزُولُهُ بِهِمْ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ وما جَرى مَجْراها، وأنَّ "البابَ" المُتَوَعَّدَ يَوْمَ (p-٣١٤)بَدْرٍ، وهَذا القَوْلُ يَرُدُّهُ أنَّ الجَدْبَ الَّذِي نالَهم إنَّما كانَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، «وَرَوِيَ أنَّهم لَمّا بَلَغَهُمُ الجَهْدُ جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى النَبِيِّ -ﷺ- فَقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمْ يا مُحَمَّدُ، أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: فَقَدْ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، وقَدْ أكَلْنا العَلْهَزَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ». و"اسْتَكانُوا" مَعْناهُ: انْخَفَضُوا وتَواضَعُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ السُكُونِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ "اسْتَكَنُوا"، ووَجَّهَهَ أنَّ فَتْحَةَ الكافِ مَطَلَتْ فَتَوَلَّدَتِ الألْفُ، ويُعْطِي التَصْرِيفُ أنَّهُ مِن "كانَ"، وأنَّ وزْنَهُ (اسْتَفْعَلَ)، وعَلى الأوَّلِ وزْنُهُ (افْتَعَلَ)، وكَوْنُهُ مِن "كانَ" أبْيَنُ، والمَعْنى: فَما طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا لِرَبِّهِمْ أهْلَ طاعَةٍ، وعَبِيدُ خَيْرٍ. ورُوِيَ عَنِ الحُسْنِ -رَحِمَهُ اللهُ- أنَّهُ قالَ: إذا أصابَ الناسُ مِن قِبَلِ الشَيْطانِ بَلاءٌ فَإنَّما هي نِعْمَةٌ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا نِعْمَةَ اللهِ بِالحَمِيَّةِ، ولَكِنِ اسْتَقْبِلُوها بِالِاسْتِغْفارِ، واسْتَكِينُوا وتَضَرَّعُوا إلى اللهِ. وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾.

و"العَذابُ الشَدِيدُ" إمّا يَوْمَ بَدْرٍ بِالسُيُوفِ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، وإمّا تَوَعُّدٌ بِعَذابٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وهو الصَوابُ لِما ذَكَرْناهُ مِن تَقَدُّمْ بَدْرٍ لِلْمَجاعَةِ، ورَوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ العَذابَ والبابَ الشَدِيدَ هو كُلُّهُ مَجاعَةُ قُرَيْشٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا حَسَنٌ، كانَ "الأخْذُ" كانَ في صَدْرِ الأمْرِ، ثُمْ فُتِحَ البابُ عِنْدَ تَناهِيهِ حَيْثُ أُبْلِسُوا وجاءَ أبُو سُفْيانٍ.

و"المَلْبَسُ": الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ شَرٌّ ويَئِسَ مِن زَوالِهِ ونَسْخِهِ بِخَيْرٍ.

23:78–83Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨

And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.

وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩

And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.

وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠

And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?

بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١

Rather,1 they say like what the former peoples said.

قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢

They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣

We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَيْلِ والنَهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ (p-٣١٥)ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

ابْتَدَأ تَعالى بِتَعْدِيدِ نِعَمٍ في نَفْسِ تَعْدِيدِها اسْتِدْلالٌ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّها لا يَعْزُبُ عنها أمْرُ البَعْثِ ولا يَعْظُمْ.

و"أنْشَأ" بِمَعْنى اخْتَرَعَ، و"السَمْعَ" مَصْدَرٌ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، وقِيلَ: أرادَ الجِنْسَ، و"الأفْئِدَةَ": القُلُوبُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى النُطْقِ والعَقْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شُكْرًا قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ: قَلِيلًا مِنكم مَن يَشْكُرُ، أيْ يُؤْمِنُ ويَشْكُرُ حَقَّ الشُكْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والأوَّلُ أظْهَرُ.

و"ذَرَأ" مَعْناهُ: بَثَّ وخَلَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فِيهِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: إلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ، و"تُحْشَرُونَ" يُرِيدُ آيَةَ البَعْثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ أيْ: لَهُ القُدْرَةُ الَّتِي عنها ذَلِكَ. و"الِاخْتِلافُ" هُنا التَعاقُبُ والكَوْنُ خِلْفَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي هو المُغايِرَةُ البَيِّنَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ، والجَحَدُ قَبْلَهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهم نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، أو نَحْوَ هَذا، و"الأوَّلُونَ" يُشِيرُ بِهِ إلى الأُمَمِ الكافِرَةِ كَعادٍ وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ" أيْ لَمُعادُونَ أحْياءٌ، وقَوْلُهُمْ: "وَآباؤُنا" إنْ حَكى المُقالَةَ عَنِ العَرَبِ فَمُرادُهم مِن سَلَفَ مِنَ العالَمِ، جَعَلُوهم آباءً مِن حَيْثُ النَوْعِ واحِدٍ، وإنْ حَكى ذَلِكَ عَنِ الأوَّلِينَ فالأمْرُ مُسْتَقِيمٌ فِيهِمْ، و"الأساطِيرُ" قِيلَ: هي جَمْعُ أُسْطُورَةٍ كَأُعْجُوبَةٍ وأعاجِيبَ وأُحْدُوثَةِ وأحادِيثَ، وقِيلَ: هي جَمْعُ جَمْعٍ، يُقالُ: سَطْرٌ وأسْطارٌ وأساطِيرُ.

23:84–89Page 347

قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤

Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥

They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"

قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦

Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧

They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"

قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨

Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩

They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ السَبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾

(p-٣١٦)أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا يُمْكِنُهم إلّا الإقْرارُ بِها، ويَلْزَمُ مِنَ الإقْرارِ بِها أنْ يُؤْمِنُوا بِبارِئِها ويُذْعِنُوا لِشَرْعِهِ ورِسالَةِ رَسُولِهِ.

وقَرَأ الجَمِيعُ في الأوَّلِ: "لِلَّهِ" بِلا خِلافٍ، واخْتُلِفَ في الثانِي والثالِثِ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لِلَّهِ" جَوابًا عَلى اللَفْظِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "لِلَّهِ" جَوابًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ في السُؤالِ: لِمَن مُلْكِ السَماواتِ السَبْعِ؟ إذْ قَوْلُكَ: لِمَن هَذِهِ الدارُ؟ وقَوْلُكَ: مَن مالِكُ هَذِهِ الدارِ؟ واحِدٌ في المَعْنى.

ثُمْ جَعَلَ التَوْبِيخَ مُدْرَجًا بِحَسْبِ وُضُوحِ الحُجَّةِ شَيْئًا شَيْئًا، فَوَقَفَ عَلى الأرْضِ ومِن فِيها وجَعَلَ بِإزاءِ ذَلِكَ التَذَكُّرَ، ثُمْ وقَفَ عَلى السَماواتِ السَبْعِ والعَرْشِ وجَعَلَ بِإزاءِ ذَلِكَ التَقِيَّةَ وهي أبْلَغُ مِنَ التَذَكُّرِ، وهَذا بِحَسْبِ وُضُوحِ الحُجَّةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ وعِيدٌ، ثُمْ وقَفَ عَلى مَلَكُوتِ كُلِّ شَيْءٍ، وفي الإقْرارِ بِهَذا التِزامُ كُلِّ ما تَقَعُ بِهِ الغَلَبَةُ في الِاحْتِجاجِ، فَوَقَعَ التَوْبِيخُ بَعْدُ في غايَةِ البَلاغَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾. ومَعْنى "أنّى": كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ؟، وفي هَذا تَقْرِيرُ سِحْرِهِمْ، وهو سُؤالٌ عَنِ الهَيْئَةِ الَّتِي سُحِرُوا بِها، والسِحْرُ هُنا مُسْتَعارٌ لَهُمْ، وهو تَشْبِيهٌ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ التَخْلِيطِ ووَضْعِ الأفْعالِ والأقْوالِ غَيْرَ مَواضِعِها بِما يَقَعُ مِنَ المَسْحُورِ، عَبَّرَ عنهم بِذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تُسْحَرُونَ" مَعْناهُ: تَمْنَعُونَ، وحَكى بَعْضُهم ذَلِكَ لُغَةً.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، و"مَلَكُوتُ" مَصْدَرٌ في بِناءِ مُبالَغَةٍ. و"الإجارَةُ": المَنعُ مِنَ الإنْسانِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى إذا مَنَعَ أحَدًا فَلا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وإذا أرادَ أحَدًا فَلا مانِعَ لَهُ، وكَذَلِكَ في سائِرِ قُدْرَتِهِ وما نَفَذَ مِن قَضائِهِ، لا يُعارِضُ ذَلِكَ شَيْءٌ ولا يُحِيلُهُ عن مَجْراهُ.

(p-٣١٧)

23:90–92Page 348

بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠

Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.

مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١

Allāh has not taken any son, nor has there ever been with Him any deity. [If there had been], then each deity would have taken what it created, and some of them would have [sought to] overcome others. Exalted is Allāh above what they describe [concerning Him].

عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, so high is He above what they associate [with Him].

قوله عزّ وجلّ:

﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿ما اتَّخَذَ اللهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهُ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ مِن نِسْبَتِهِمْ إلى اللهِ تَعالى ما لا يَلِيقُ بِهِ، بَلْ أتَيْناهم. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "آتَيْناهُمْ" عَلى الخِطابِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"لَكاذِبُونَ" يُرادُ بِهِ: فِيما ذَكَرُوا اللهَ تَعالى بِهِ مِنَ الصاحِبَةِ والوَلَدِ والشَرِيكِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ دَلِيلُ التَمانُعِ، وهَذا هو الفَسادُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، والجُزْءُ المُخْتَرَعُ مُحالٌ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ قُدْرَتانِ فَصاعِدًا، ولَوِ اخْتَلَفَ إلَهانِ في إرادَةٍ فَمُحالٌ نُفُوذِهِما ومُحالٌ عَجْزُهُما، فَإذا انْفَرَدَتْ إرادَةُ الواحِدِ فَهو العالِي والآخَرُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قِيلَ: نُقَدِّرُهُما لا يَخْتَلِفانِ في إرادَةٍ قِيلَ: ذَلِكَ يَعْرِضُ فَإذا جَوَّزَهُ الكُفّارُ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فَإنَّ ما التُزِمْ جَوازُهُ جارَ في الحُجَّةِ مَجْرى ما التُزِمْ وُقُوعُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إذًا" جَوابٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهِ: لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "عالَمِ الغَيْبِ" بِكَسْرِ المِيمِ اتِّباعًا لِلْمَكْتُوبَةِ في قَوْلِهِ: "سُبْحانَ اللهِ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "عالَمُ الغَيْبِ" بِالرَفْعِ، والمَعْنى: هو عالَمُ، قالَ الأخْفَشُ: الجَرُّ أجْوَدُ لِيَكُونَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُ الرَفْعِ أنَّ الكَلامَ قَدِ انْقَطَعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والِابْتِداءُ عِنْدِي أبْرَعُ.

(p-٣١٨)والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَتَعالى" عاطِفَةٌ بِالمَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: "عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ فَتَعالى"، وهَذا كَما تَقُولُ: زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مَنزِلَتُهُ، أيْ: شَجُعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَأقُولُ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ عَلى إخْبارٍ مُؤْتَنَفٍ، و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ الناسِ، و"الشَهادَةِ": ما شَهِدُوهُ.

23:93–98Page 348

قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣

Say, [O Muḥammad], "My Lord, if You should show me that which they are promised,

رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤

My Lord, then do not place me among the wrongdoing people."

وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥

And indeed, We are Able to show you what We have promised them.

ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦

Repel, by [means of] what is best, [their] evil. We are most knowing of what they describe.

وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧

And say, "My Lord, I seek refuge in You from the incitements of the devils,

وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨

And I seek refuge in You, my Lord, lest they be present with me."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ﴾ ﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾

أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ بِالنَجاةِ مِن عَذابِ الظَلَمَةِ إنْ كانَ قُضِيَ أنْ يَرى ذَلِكَ، و"إنْ" شَرْطٌ و"ما" زائِدَةٌ، و"تُرِيَنِّي" جَزَمٌ بِالشَرْطِ لَزِمَتِ النُونَ الثَقِيلَةِ، وهي لا تُفارِقُ "إمّا" عِنْدَ المِبْرَدِ، ويَجُوزُ عن سِيبَوَيْهِ أنْ تُفارِقَ فَيُقالُ: "إمّا تُرِيَنِي"، لَكِنَّ اسْتِعْمالَ القُرْآنِ لُزُومُها فَمِن هُنالِكَ التَزَمَهُ المُبَرِّدُ.

وهَذا الدُعاءُ فِيهِ اسْتِصْحابُ الخَشْيَةِ والتَحْذِيرِ مِنَ الأمْرِ المُعَذَّبِ مِن أجْلِهِ، ثُمْ نَظِيرُهُ لِسائِرِ الأُمَّةِ دُعاءٌ في جَوْدَةِ الخاتِمَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ بِجُمْلَتِها إعْلامٌ بِقُرْبِ العَذابِ مِنهم كَما كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ. وقَوْلُهُ ثانِيًا: "رَبِّ" اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَرْطِ وجَوابِهِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَيِّئَةَ﴾ الآيَةُ أمْرٌ بِالصَفْحِ ومَكارِمُ الأخْلاقِ، وما كانَ مِنها لِهَذا فَهو حُكْمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبَدًا، وما فِيها مِن مَعْنى مُوادَعَةِ الكَفّارِ وتَرْكِ التَعَرُّضِ لَهم والصَفْحِ عن أُمُورِهِمْ فَمَنسُوخٌ بِالقِتالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الدَفْعُ بِالَّتِي هي (p-٣١٩)أحْسَنَ هو السَلامُ، يُسَلِّمْ عَلَيْهِ إذا لَقِيَهُ، وقالَ الحَسَنُ: واللهِ لا يُصِيبُها أحَدٌ حَتّى يَكْظِمْ غَيْظُهُ ويَصْفَحَ عَمّا يَكْرَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

هَذانَ الطَرَفانِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ عِدَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أيِ: اشْتَغِلْ أنْتَ بِهَذا وكِلْ تَعْذِيبَهم والنِقْمَةَ مِنهم إلَيْنا، وأمَرَهُ بِالتَعَوُّذِ مِنَ الشَيْطانِ في هَمَزاتِهِ، وهي سَوْراتُ الغَضَبِ الَّتِي لا يَمْلِكُ الإنْسانُ فِيها نَفْسَهُ، وكَأنَّها هي الَّتِي كانَتْ تُصِيبُ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكَفّارِ فَتَقَعُ المُحادَّةُ، فَلِذَلِكَ اتَّصَلَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَمْزُ الشَيْطانِ: الجُنُونُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اللهم إنِّي أُعَوِّذُ بِكَ مِنَ الشَيْطانِ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ»، قالَ أبُو داوُدَ: وهَمْزَةُ المَوْتَةِ وهي الجُنُونُ، ونَفْخُهُ الكِبَرُ، ونَفْثُهُ السِحْرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والنَزَعاتُ وسَوْراتُ الغَضَبِ مِنَ الشَيْطانِ، وهي المُتَعَوِّذُ مِنها في الآيَةِ، والتَعَوُّذُ مِنَ الجُنُونِ أيْضًا وكَيْدٌ، وفي قِراءَةِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "رَبِّ عائِذًا بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَياطِينِ، وعائِذًا بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونَ". وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَحْضُرُونِ﴾ مَعْناهُ: أنْ يَكُونُوا مَعِي في أُمُورِي، فَإنَّهم إذا حَضَرُوا الإنْسانَ كانُوا مُعَدِّينَ لِلْهَمْزِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ حُضُورٌ فَلا هَمْزٌ.

(p-٣٢٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأصْلُ الهَمْزِ الدَفْعُ والوَخْزُ بِيَدٍ وغَيْرَها، ومِنهُ هَمْزُ الخَيْلِ وهَمْزُ الناسِ بِاللِسانِ، وقِيلَ لِبَعْضِ العَرَبِ: أتَهْمِزُ الفَأْرَةَ؟ سُئِلَ بِذَلِكَ عَنِ اللَفْظَةِ فَظَنَّ أنَّ المُرادَ شَخْصُ الفَأْرَةِ فَقالَ: الهِرُّ يَهْمِزُها.

23:99–102Page 348

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩

[For such is the state of the disbelievers] until, when death comes to one of them, he says, "My Lord, send me back

لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠

That I might do righteousness in that which I left behind."1 No! It is only a word he is saying; and behind them is a barrier until the Day they are resurrected.

فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١

So when the Horn is blown, no relationship will there be among them that Day, nor will they ask about one another.

فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢

And those whose scales are heavy [with good deeds] - it is they who are the successful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

"حَتّى" في هَذا المَوْضِعِ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غايَةً مُجَرَّدَةً بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ، والأوَّلُ أبْيَنُ لَأنَّ ما بَعْدَها هو المَعْنِيُّ بِهِ المَقْصُودُ ذِكْرُهُ. والضَمِيرُ في "أحَدَهُمْ" لِلْكُفّارِ، وقَوْلُهُ: "ارْجِعُونِ" مَعْناهُ: إلى الحَياةِ الدُنْيا. وجَمْعُ الضَمِيرِ يَتَخَرَّجُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ يُخاطِبَهُ مُخاطَبَةَ الجَمْعِ تَعْظِيمًا، عَلى نَحْوِ إخْبارِهِ تَعالى عن نَفْسِهِ بِنُونِ الجَماعَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ اسْتِغاثَةً بِرَبِّهِ أوَّلًا ثُمْ خاطَبَ مَلائِكَةَ العَذابِ بِقَوْلِهِ: "ارْجِعُونِ". وقالَ الضِحاكُ: هي في المُشْرِكِ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: «إذا عايَنَ المُؤْمِنُ قالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: نَرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ؟ بَلْ قُدُمًا إلى اللهِ تَعالى، وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا». وقَرَأ الحَسَنُ والجُمْهُورُ: "لَعَلِّي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (p-٣٢١)"لَعَلِّي" بِفَتْحِ الياءِ، و"كَلّا" كَلِمَةُ زَجْرٍ وهي مِن كَلامِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحُدُها: الإخْبارُ المُؤَكَّدُ بِأنَّ هَذا الشَيْءَ يَقَعُ ويَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّها كَلِمَةٌ لا تُغْنِي أكْثَرَ مِن أنْ يَقُولَها، ولا نَفْعَ لَهُ فِيها ولا غَوْثَ، والثالِثُ: أنْ تَكُونَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ رُدَّ لَعادَ، فَتَكُونُ آيَةَ ذَمٍّ لَهم. والضَمِيرُ في "وَرائِهِمْ" لِلْكُفّارِ، أيْ يَأْتِي بَعْدَ مَوْتِهِمْ حاجِزٌ مِنَ المُدَّةِ، و"البَرْزَخُ" في كَلامِ العَرَبِ: الحاجِزُ بَيْنَ المَسافَتَيْنِ، ثُمْ يُسْتَعارُ لِما عَدا ذَلِكَ، فَهو هُنا لِلْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ مَوْتِ الإنْسانِ وبَيْنَ بَعْثِهِ، هَذا إجْماعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. و"يَوْمِ" مُضافٌ إلى "يَبْعَثُونَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فِي الصُوَرِ" وهو القَرْنُ، وقَرَأ ابْنُ عِياضٍ: "فِي الصُوَرِ" بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ﴾، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صِفَةِ ارْتِفاعِ الأنْسابِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هَذا في النَفْخَةِ الأولى، وذَلِكَ أنَّ الناسَ بِأجْمَعِهِمْ يَمُوتُونَ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم نَسَبٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهم أمْواتٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ يُزِيلُ ما في الآيَةِ مِن ذِكْرِ هَوْلِ الحَشْرِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: إنَّما المَعْنى أنَّهُ عِنْدَ النَفْخَةِ الثانِيَةِ وقِيامُ الناسِ مِنَ القُبُورِ فَهم حِينَئِذٍ لِهَوْلِ المَطْلَعِ قَدِ اشْتَغَلَ كُلُّ امْرِئٍ بِنَفْسِهِ، قَدِ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمُ الوَسائِلُ وزالَ انْتِفاعُ الأنْسابِ، فَلِذَلِكَ نَفاها، فالمَعْنى: فَلا أنْسابَ نافِعَةٌ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ: أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أبْغَضُ إلى الإنْسانِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِمَّنْ يَعْرِفُ، لَأنَّهُ يَخافُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ، ويَفْرَحُ كُلُّ أحَدٍ يَوْمَئِذٍ أنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ عَلى ابْنِهِ وأبِيهِ، وقَدْ ورَدَ بِهَذا حَدِيثٌ. وكَذَلِكَ ارْتِفاعُ التَساؤُلِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها، ثُمْ تَأْتِي في القِيامَةِ مُواطِنُ يَكُونُ فِيها السُؤالُ والتَعارُفُ.

(p-٣٢٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ حَسَنٌ، وهو مَرْوِيُّ المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وثِقَلُ المَوازِينِ هو بِالحَسَناتِ، والثِقَلُ والخِفَّةُ إنَّما يَتَعاقَبانِ بِأجْرامٍ يَخْتَرِعُ اللهُ تَعالى فِيها ذَلِكَ، وهي فِيما رُوِيَ بَراءاتٌ.

23:103–108Page 348

وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣

But those whose scales are light - those are the ones who have lost their souls, [being] in Hell, abiding eternally.

تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤

The Fire will sear their faces, and they therein will have taut smiles.1

أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥

[It will be said], "Were not My verses recited to you and you used to deny them?"

قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦

They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.

رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧

Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."

قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨

He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾

جَمْعُ "المَوازِينِ" مِن حَيْثُ المَوْزُونِ جَمْعٌ وهي الأعْمالُ، ومَعْنى الوَزْنِ: إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى الناسِ بِالمَحْسُوسِ عَلى عادَتِهِمْ وعُرْفِهِمْ، ووَزْنُ الكافِرِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُوضَعَ كُفْرُهُ في كِفَّةٍ فَلا يَجِدُ شَيْئًا يُعادِلُهُ في الكِفَّةِ الأُخْرى، وإمّا أنْ تُوضَعَ أعْمالُهُ مِن صِلَةِ رَحِمْ ووَجْهِ بِرٍّ في كِفَّةِ الحَسَناتِ ثُمْ يُوضَعُ كُفْرُهُ في الكِفَّةِ الأُخْرى فَتَخِفُّ أعْمالُهُ.

و"لَفْحُ النارِ": إصابَتُها بِالوَهَجِ والإحْراقِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "كَلِحُونَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، و"الكَلَحُ": انْكِشافُ الشَفَتَيْنِ عَنِ الأسْنانِ، وهَذا يَعْتَرِي الإنْسانَ عِنْدَ المُباطَشَةِ عِنْدَ الغَضَبِ، ويَعْتَرِي الرُؤُوسَ عِنْدَ النارِ، وقَدْ شَبَّهَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ بِما يَعْتَرِي رُؤُوسَ الكِباشِ إذا شُيِّطَتْ بِالنارِ فَإنَّها تَكْلَحُ، ومِنهُ كُلُوحُ الكَلْبِ والأسَدِ، ويُسْتَعارُ لِلزَّمانِ والخُطُوبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ، (p-٣٢٣)وَ "الآياتُ" هُنا: القُرْآنُ، وأخْبَرَ عنهم تَعالى أنَّهم إذا سَمِعُوا هَذا التَقْرِيرَ أذْعَنُوا، وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ، وسَلَّمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "شِقْوَتُنا" بِكَسْرِ الشِينِ دُونَ ألِفٍ، وهي قِراءَةُ الحَرَمِيَّيْنِ، وقَرَأ الحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "شَقاوَتُنا" بِفَتْحِ الشِينِ وألِفٍ بَعْدِ القافِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وخَيَّرَ عاصِمْ في الوَجْهَيْنِ، وهُما مَصْدَرانِ مِن شَقِيَ يَشْقى، ثُمْ تَدَرَّجُوا مِنَ الإقْرارِ إلى الرَغْبَةِ والتَضَرُّعِ، وذَلِكَ أنَّهم ذَلُّوا؛ لَأنَّ الإقْرارَ بِالذَنْبِ اعْتِذارٌ وتَنَصُّلٌ، فَوَقَعَ جَوابُ رَغْبَتِهِمْ بِحَسْبِ ما حَتَّمَ اللهُ تَعالى مِن عَذابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾، وجاءَ "وَلا تُكَلِّمُونِ" بِلَفْظِ نَهْيٍ وهم لا يَسْتَطِيعُونَ الكَلامَ عَلى ما رُوِيَ، فَهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَنعِ، ويُقالُ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إذا سَمِعُوها يَئِسُوا.

وحَكى الطَبَرَيُّ حَدِيثًا طَوِيلًا في مُقاوَلَةٍ تَكُونُ بَيْنَ الكُفّارِ وبَيْنَ مالِكٍ خازِنِ النارِ، ثُمْ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، وآخِرُها هَذِهِ الكَلِمَةُ "اخْسَئُوا فِيها"، قالَ: فَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ جَهَنَّمُ، ويَقَعُ اليَأْسُ، ويَبْقَوْنَ يَنْبَحُ بَعْضُهم في وجْهِ بَعْضٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واخْتَصَرْتُ ذَلِكَ الحَدِيثَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، لَكِنَّ مَعْناهُ صَحِيحٌ، عافانا اللهُ مِن نارِهِ بِمَنِّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "اخْسَئُوُا" زَجْرٌ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في زَجْرِ الكِلابِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِابْنِ صَيّادٍ: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ».

(p-٣٢٤)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском