Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:19–29
24:19–20Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩
Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
(p-٣٦٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى المُنافِقِينَ، عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ومَن أشْبَهَهُ، وهي خاصَّةٌ في أمْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَحُبُّهم شَياعُ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ مُتَمَكِّنٌ عَلى وجْهِهِ لِعَداوَتِهِمْ في أهْلِ الإيمانِ، وعَذابُهُمُ الألِيمُ في الدُنْيا الحُدُودُ، وفي الآخِرَةِ النارُ.
وقالَتْ فُرْقَةٌ -وَقَوْلُها هو الأظْهَرُ-: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ قاذِفٍ مُنافِقًا كانَ أو مُؤْمِنًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقاذِفُ المُؤْمِنُ لا يَتَّصِفُ بِحُبِّ شَياعِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ جُمْلَةً، لَكِنَّهُ يُحِبُّها لِمَقْذُوفِهِ، وكَذَلِكَ آخَرُ لِمَقْذُوفِهِ، وآخَرُ حَتّى تَشِيعَ الفاحِشَةُ مِن مَجْمُوعِ فِعْلِهِمْ، فَهم لَها مُحِبُّونَ بِهَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ أحَبَّ كُلُّ واحِدٍ جُزْءًا مِن شَياعِها، والعَذابُ الألِيمُ في الدُنْيا الحُدُودُ، وفي الآخِرَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ القاذِفُ مُتَوَعَّدًا مِن بَيْنِ العُصاةِ بِعَذابٍ في الآخِرَةِ لا يُزِيلُهُ الحَدُّ حَسْبَ مُقْتَضى حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، ويَكُونُ أمْرُهُ كَأمْرِ المُحارِبِينَ إذا صُلِبُوا، خِزْيٌ في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ. والوَجْهُ الثانِي أنْ يُحْكَمَ بِأنَّ الحَدَّ مُسْقِطٌ عَذابَ الآخِرَةِ حَسْبَ حَدِيثِ عُبادَةَ، وأنَّ قَوْلَهُ: "والآخِرَةِ" (p-٣٦١)لا يُرِيدُ بِهِ عُمُومَ القَذْفَةِ، بَلْ يُرِيدُ إمّا المُنافِقِينَ وإمّا مَن لَمْ يَجِدْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: إنْ ماتَ مُصِرًّا غَيْرَ تائِبٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ يَعْلَمُ﴾ مَعْناهُ: البَرِيءُ مِنَ المُذْنِبِ، وسائِرُ الأُمُورِ، ووَجْهُ الحِكْمَةِ في سَتْرِكم والتَغْلِيظِ في الوَعِيدِ والعَذابِ عَلى قاذِفِيكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ﴾ الآيَةُ. جَوابُ "لَوْلا" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: لَفَضَحَكم بِذُنُوبِكم ولَمْ يَسْتُرْكُمْ، ولَعَذَّبَكم فِيما أفَضْتُمْ فِيهِ مِن قَوْلِ الباطِلِ والبُهْتانِ.
24:21Page 352
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١
O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللهِ يُزَكِّي مِن يَشاءُ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
هَذا الخِطابُ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، و"خُطُواتِ" جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ، فَكَأنَّ المَعْنى: لا تَمْشُوا في سُبُلِهِ وطُرُقِهِ مِنَ الأفْعالِ الخَبِيثَةِ. وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خُطُواتِ" جَمْعُ خَطَأٍ مِنَ الخَبِيثَةِ وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ فَنَطَقَ بِها خُطُواتِ. وقَرَأ بِضَمِّ الطاءِ مِن "خُطُواتِ" الجُمْهُورُ، وقَرَأ بِسُكُونِها عاصِمْ، والأعْمَشُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ما زَكى" بِتَخْفِيفِ الكافِ، أيْ: ما اهْتَدى ولا أسْلَمَ ولا عَرَفَ رُشْدًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والحُسْنُ، والأعْمَشُ: "ما زَكّى" بِشَدِّ الكافِ، أيْ: تَزْكِيَتُهُ لَكم وتَطْهِيرُهُ وهِدايَتُهُ إنَّما هي بِفَضْلِهِ لا بِأعْمالِكم وتَحَرُّزِكم مِنَ المَعاصِي. ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ وكانَ عَمَلُهُ الصالِحُ أمارَةً عَلى سَبْقِ السَعادَةِ لَهُ.
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ سَمِيعٌ لِجَمِيعِ أقْوالِهِمْ وكَلامِهِمْ مِن قَذْفٍ وغَيْرِهِ، عَلِيمٌ بِحَقِّ ذَلِكَ مِن باطِلِهِ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ وهم ولا غَلَطٌ.
(p-٣٦٢)
24:22Page 352
وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢
And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهِ لَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
المَشْهُورُ مِنَ الرِواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ ابْنِ أبِي قُحافَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ ومِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ ابْنَ بِنْتِ خالَتِهِ، وكانَ مِنَ المُهاجِرِينَ البَدْرِيِّينَ المَساكِينِ، وهو مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ المُطَّلِبِ، بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وقِيلَ: اسْمُهُ عَوْفٌ، ومِسْطَحٌ لَقَبٌ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِمَسْكَنَتِهِ، فَلَمّا وقَعَ أمْرُ الإفْكِ وقالَ مِسْطَحٌ ما قالَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ألّا يُنْفِقَ عَلَيْهِ ولا يَنْفَعَهُ بِنافِعَةٍ أبَدًا، فَجاءَ مِسْطَحٌ فاعْتَذَرَ وقالَ: إنَّما كُنْتُ أغْشى مَجْلِسَ حَسانَ فَأسْمَعُ ولا أقُولُ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ ضَحِكْتَ وشارَكْتَ فِيما قِيلَ، ومَرَّ عَلى يَمِينِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ الضَحاكُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ قَطَعُوا مَنافِعَهم عن كُلِّ مَن قالَ في الإفْكِ وقالُوا: واللهِ لا نَصِلُ مَن تَكَلَّمَ في شَأْنِ عائِشَةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في جَمِيعِهِمْ. والأوَّلُ أصَحُّ، غَيْرَ أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ الأُمَّةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِألا يَغْتاظَ ذُو فَضْلٍ وسَعَةٍ فَيَحْلِفُ ألّا يَنْفَعَ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ غابِرَ الدَهْرِ.
ورَأى الفُقَهاءُ أنَّ مِن حَلَفَ ألّا يَفْعَلَ سُنَّةً مِنَ السُنَنِ أو مَندُوبًا وأبَّدَ ذَلِكَ أنَّها جُرْحَةٌ في شَهادَتِهِ، ذَكَرَهُ البَلْخِيُّ في المُنْتَفى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «أيُّكُمُ المُتَألِّي عَلى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ»؟
و"يَأْتَلِ" مَعْناهُ: يَحْلِفُ، وزَنُها يَفْتَعِلُ، مِنَ الألْيَةِ وهي اليَمِينُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يُقَصِّرُ، مِن قَوْلِكَ: ألَوْتُ في كَذا إذا قَصَّرْتَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْلُونَكم (p-٣٦٣)خَبالا﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلا يَتَألَّ"، وهَذا وزْنُهُ يَتَفَعَّلُ مِنَ الألْيَةِ بِلا خِلافٍ، وهي في المُصْحَفِ "ياءٌ تاءٌ لامٌ" فَلِذَلِكَ ساغَ هَذا الخِلافُ لِأبِي جَعْفَرٍ وزَيْدٍ فَرَوَياهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ مَعَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ، فَظاهِرُ قَوْلِهِ إنَّ ثُمْ ألِفًا قَبْلَ التاءِ. و"الفَضْلُ والسَعَةُ" هُنا: المالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تُحِبُّونَ" الآيَةُ تَمْثِيلٌ وحُجَّةٌ، أيْ: كَما تُحِبُّونَ غُفْرانَ اللهِ لَكم عن ذُنُوبِكم فَكَذَلِكَ أغْفِرُ لِمَن دُونُكُمْ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «مَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ»، فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ النَفَقَةَ والإحْسانَ الَّذِي كانَ يَجْرِي عَلَيْهِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: وكَفَّرَ عن يَمِينِهِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "وَلْتَعْفُوا ولْتَصْفَحُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثُ لُطْفُ اللهِ تَعالى فِيها بِالقَذَفَةِ العُصاةِ بِهَذَهِ اللَفْظَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما تُعْطِي الآيَةُ تَفَضُّلًا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في الدُنْيا، وإنَّما الرَجاءُ في الآخِرَةِ، أمّا إنَّ الرَجاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقِياسٍ، أيْ إذا أمَرَ أُولِي السَعَةِ بِالعَفْوِ، فَطَرَدَ هَذا التَفَضُّلَ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ لا رَبَّ سِواهُ، وإنَّما آياتُ الرَجاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]، وسَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: (p-٣٦٤)أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى عِنْدِي قَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] فَشَرَحَ الفَضْلَ الكَبِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ وبَشَّرَ بِها المُؤْمِنِينَ في تِلْكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ، أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لا يَرْضى بِبَقاءِ أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ في النارِ.
24:23–25Page 352
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment
يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.
يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥
That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللهُ هو الحَقَّ المُبِينُ﴾
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ لَعْنَ القاذِفَ وتَوَعُّدَهُ الشَدِيدَ إنَّما هي خاصَّةً في رُماةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضِحاكُ، وغَيْرُهُما: بَلْ هَذِهِ لِجَمِيعِ أزْواجِ النَبِيِّ ﷺ، غِلَّظَ اللهُ أمْرَ رَمْيِهِنَّ لِمَكانِهِنَّ مِنَ الدِينِ، فَلَعَنَ قاذِفَهُنَّ ولَمْ يَقْرِنْ بِآخِرِ الآيَةِ تَوْبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقاذِفُ غَيْرِهِنَّ لَهُ اسْمُ الفِسْقِ وذُكِرَتْ لَهُ التَوْبَةُ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَلْ هي في شَأْنِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها إلّا أنَّهُ يُرادُ بِها كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ أوَّلًا في القاذِفِينَ، ثُمْ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي صَدَرَتْ في السُورَةِ الَّتِي فِيها التَوْبَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "المُحْصَناتِ" ما مَعْناهُ.
و"اللَعْنَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الإبْعادُ، وضَرْبُ الحَدِّ، واسْتِيحاشُ المُؤْمِنِينَ مِنهم وهَجْرُهم لَهُمْ، وزَوالُهم عن رُتْبَةِ العَدالَةِ، وعَلى مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةً (p-٣٦٥)لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها تَرَتَّبَتْ هَذِهِ الشَدائِدُ في جانِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأشْباهِهِ. وفي ضِمْنِ رَمْيِ المُحْصَنَةِ رَمْيُ الرَجُلِ مَعَها، وقَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا.
والعامِلُ في قَوْلِهِ: "يَوْمَ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ العَذابُ، أيْ: يُعَذِّبُونَهُ يَوْمَ، أو نَحْوَهُ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ مِن أعْظَمَ الخِزْيِ والتَنْكِيلِ، فَيَشْهَدُ اللِسانُ وقَلْبُ المُنافِقِ لا يُرِيدُ ما يَشْهَدُ بِهِ، وتَشْهَدُ الأيْدِي والأرْجُلُ [وَتَتَكَلَّمُ] كَلامًا يُقَدِّرُها اللهُ تَعالى عَلَيْهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَشْهَدُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَشْهَدُ" بِالياءِ.
و"الدِينُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الجَزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَمْ يُبْقَ سِوى العُدْوا نِ دِنّاهم كَما دانُوا
(p-٣٦٦)أيْ جازَيْناهم كَما فَعَلُوا، ومِنهُ المَثَلُ "كَما تَدِينُ تُدانُ". وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى الصِفَةِ لِلدِّينِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى الصِفَةِ لِلَّهِ تَعالى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ الحَقَّ دِينَهُمْ" بِتَقْدِيمِ الصِفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ يُقَوِّي قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ في الدُنْيا يَعْلَمُ أنَّ اللهَ هو الحَقُّ المُبِينُ، وإلّا فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
24:26Page 352
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
قوله عزّ وجلّ:
﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَوْصُوفِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَبِيثِ والطَيِّبِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ، وقَتادَةُ: هي الأقْوالُ والأفْعالُ، ثُمُ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: الكَلِماتُ والفِعْلاتُ الخَبِيثاتُ لا يَقُولُها ويَرْضاها إلّا الخَبِيثاتُ مِنَ الناسِ، فَهي لَهم وهم لَها بِهَذا الوَجْهِ، وكَذَلِكَ الطَيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: الكَلِماتُ والفِعْلاتُ الخَبِيثاتُ لا تَلِيقُ ولا تَلْصَقُ عِنْدَ رَمْيِ الرامِي وقَذْفِ القاذِفِ إلّا بِالخَبِيثِينَ مِنَ الناسِ، فَهي لَهم وهم لَها بِهَذا الوَجْهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَوْصُوفُ بِالخَبِيثِ والطَيِّبِ النِساءُ والرِجالُ، وإنَّما الآيَةُ عَلى نَحْوِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً﴾ [النور: ٣]، فَمَعْنى هَذِهِ: التَفْرِيقُ بَيْنَ حُكْمِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأشْباهِهِ وبَيْنَ حُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وفُضَلاءِ الصَحابَةِ رَضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ وأُمَّتِهِ، أيْ: إنِ النَبِيَّ ﷺ طَيِّبٌ فَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ إلّا كُلَّ طِيبَةٍ، وأُولَئِكَ خِبِّيثُونَ فَهم أهْلُ النِساءِ الخَبِيثاتِ.
(p-٣٦٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِهَذِهِ الآيَةِ قِيلَ لِأزْواجِ النَبِيِّ ﷺ: الطَيِّباتُ المُبْرَآتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى "الطَيِّبِينَ" في قَوْلِهِ: ﴿والطَيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾. وقالَ النِقاشَ: الإشارَةُ بِـ ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾ إلى صَفْوانَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَمَعَهُما في الضَمِيرِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] والمُرادُ: أخَوانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا التَمْثِيلِ بِآيَةِ الأُخُوَةِ نَظَرٌ، وبِحَسْبَ هَذِهِ المَعانِي يَتَقَدَّرُ المُرادُ بِالضَمِيرِ في "يَقُولُونَ"، فَتَأمَّلَهُ. ثُمْ وعَدَ اللهُ تَعالى الطَيِّبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالمَغْفِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ، وبِالرِزْقِ الكَرِيمِ في الجَنَّةِ.
24:27–28Page 352
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧
O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].
فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨
And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكم ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن عُدَيِّ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أكُونُ في مَنزِلِي عَلى الحالِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي أحَدٌ عَلَيْها والِدَ ولا ولَدَ، وإنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي وأنا عَلى تِلْكَ الحالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ثُمْ هي عامَّةٌ في الأُمَّةِ غابِرَ الدَهْرِ مِن حَيْثُ هَذِهِ النازِلَةِ تَخْتَصُّ بِكُلِّ أحَدٍ في نَفْسِهِ، وبَيْتُ الإنْسانِ هو البَيْتُ الَّذِي لا أحَدَ مَعَهُ فِيهِ، أوِ البَيْتُ الَّذِي فِيهِ زَوْجَتُهُ وأمَتَهُ، وما عَدا هَذا فَهو غَيْرُ بَيْتِهِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ ألّا يَدْخُلَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ أُمُّهُ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْناسِ. ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، اسْتَأْذِنَ عَلى أُمِّي؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: إنَّما هي أُمِّي ولا خادِمْ لَها غَيْرِي، قالَ: أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟ قالَ: لا، قالَ: فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها»، وكَذَلِكَ كَلُّ (p-٣٦٨)ذاتِ مَحْرَمٍ مِنهُ لَأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَراهُنَ عارِياتِ، وقالَتْ زَيْنَبُ امْرَأةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذا جاءَ بَيْتَهُ تَنَحْنَحَ مَخافَةَ أنْ يَهْجُمْ عَلى ما يَكْرَهُ.
و"تَسْتَأْنِسُوا" مَعْناهُ: تَسْتَعْمِلُوا، أيْ: تَسْتَعْلِمُوا مَن في البَيْتِ وتَسْتَبْصِرُوا، تَقُولُ: آنَسْتُ إذا عَلِمْتَ عن حِسٍّ وإذا أبْصَرْتَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦]، وقَوْلُهُ: " آنَسْتُ نارًا "، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
؎ اُنْظُرْ خَلِيلِيَّ بِبابِ جَلِّقٍ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مَن أحَدِ
وقَوْلُ الحارِثِ:
؎ آنَسْتُ نَبْأةً.... البَيْتُ ∗∗∗.........................
ووَزْنُ آنَسُ: أفْعَلُ، واسْتَأْنَسَ وزْنُهُ: اسْتَفْعَلَ، فَكَأنَّ المَعْنى في "تَسْتَأْنِسُونَ": تَطْلُبُونَ ما يُؤْنِسُكم ويُؤْنِسُ أهْلَ البَيْتِ مِنكُمْ، وإذا طَلَبَ الإنْسانُ أنْ يَعْلَمَ أمْرَ البَيْتِ الَّذِي يُرِيدُ دُخُولَهُ فَذَلِكَ يَكُونُ بِالِاسْتِئْذانِ عَلى مَن فِيهِ، أو بِأنْ يَتَنَحْنَحَ ويَشْعُرَ بِنَفْسِهِ بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَهُ، ويَتَأنّى قَدْرَ ما يَتَحَفَّظُ، ويَدْخُلَ إثْرَ ذَلِكَ.
(p-٣٦٩)وَذَهَبَ الطَبَرِيُّ في "تَسْتَأْنِسُوا" إلى أنَّهُ بِمَعْنى: حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ مِن أنْفُسِكم بِالتَنَحْنُحِ والِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهُ، وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَعْلَمُوا أنْ قَدْ شُهِّرَ بِكم. وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن آنَسَ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى تَسْتَأْذِنُوا وتُسَلِّمُوا"، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وحَكاها أبُو حاتِمْ "حَتّى تُسَلِّمُوا وتَسْتَأْذِنُوا"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَسْتَأْنِسُوا" خَطَأٌ أو وهْمٌ مِنَ الكُتّابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
مَصاحِفُ الإسْلامِ كُلُّها قَدْ ثَبَتَ فِيها "تَسْتَأْنِسُوا"، وصَحَّ الإجْماعُ فِيها مِن لَدُنْ مُدَّةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَهي الَّتِي لا يَجُوزُ خِلافُها، والقِراءَةُ "يَسْتَأْذِنُوا" ضَعِيفَةٌ، وإطْلاقُ الخَطَأِ والوَهْمِ عَلى الكُتّابِ في لَفْظٍ أجْمَعَ الصَحابَةُ عَلَيْهِ قَوْلٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والأشْبَهُ أنْ يَقَعَ "تَسْتَأْذِنُوا" عَلى التَفْسِيرِ، وظاهِرُ ما حَكى الطَبَرِيُّ أنَّها قِراءَةٌ، ولَكِنْ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما أنَّهُ قالَ: "تَسْتَأْنِسُوا" بِمَعْنى: تَسْتَأْذِنُوا، ومِمّا يَنْفِي هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنْ "تَسْتَأْنِسُوا" مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، بَيِّنَةُ الوَجْهِ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ «قالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: أسْتَأْنِسُ يا رَسُولَ اللهِ؟ وعُمَرُ واقِفٌ عَلى بابِ الغُرْفَةِ...» الحَدِيثُ المَشْهُورُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ الأُنْسَ بِهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُخَطِّئُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ (p-٣٧٠)عنهُما أصْحابَ الرَسُولِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذا؟
وحَكى الطَبَرِيُّ أيْضًا بِسَنَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهم قالُوا: نُسِخَ واسْتُثْنِيَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩]، وهَذا أيْضًا لا يَتَرَتَّبُ فِيهِ نَسْخٌ ولا اسْتِثْناءٌ؛ لَأنَّ الآيَةَ الأُولى في البُيُوتِ المَسْكُونَةِ والمَقْصُورَةِ، والآيَةَ الثانِيَةَ في المُباحَةِ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى الِاسْتِثْناءِ رَأى الأُولى عامَّةً.
وصُورَةُ الِاسْتِئْذانِ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخَلُ؟ فَإنْ أُذِنَ لَهُ دَخَلَ، وإنَّ أُمِرَ بِالرُجُوعِ انْصَرَفَ، وإنْ سَكَتَ عنهُ اسْتَأْذَنَ ثَلاثًا ثُمْ يَنْصَرِفُ بَعْدَ الثَلاثِ، فَأمّا ثُبُوتُ ما ذَكَرْتُهُ مِن صُورَةِ الِاسْتِئْذانِ فَرَوى الطَبَرِيُّ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى بَيْتِ النَبِيِّ ﷺ فَقالَ: ألِجُ؟ أو أنَلِجُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأمَةٍ لَهُ يُقالُ لَها رَوْضَةٌ: "قَوْلِي لِهَذا: يَقُولُ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُلُ؟"، فَسَمِعَهُ الرَجُلُ فَقالَها، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "ادْخُلْ"». ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما آذَتْهُ الرَمْضاءُ يَوْمًا فَأتى فُسْطاطَ امْرَأةٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُلُ؟ فَقالَتِ المَرْأةُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ، فَأعادَ فَأعادَتْ، فَقالَ لَها: قُولِي: ادْخُلْ، فَقالَتْ ذَلِكَ فَدَخَلَ، فَكَأنَّهُ تَوَقَّفَ لَمّا قالَتْ: بِسَلامٍ؛ لِاحْتِمالِ اللَفْظِ أنْ تُرِيدَ: ادْخُلْ بِسَلامِكَ لا بِشَخْصِكَ. ثُمْ لِكُلِّ قَوْمٍ في الِاسْتِئْذانِ عُرْفُهم في العِبارَةِ. وأمّا ثُبُوتُ الرُجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا فَلِحَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ مَعَ عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وشَهِدَ بِهِ لِأبِي مُوسى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ثُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.. الحَدِيثُ المَشْهُورُ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ (p-٣٧١)هَذا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «رَسُولُ الرَجُلِ إذْنُهُ»، أيْ: إذا أرْسَلَ في أحَدٍ فَقَدْ أذِنَ لَهُ في الدُخُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ بِكم ونَبَّهْناكم لَعَلَّكم.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ لِلْبُيُوتِ الَّتِي هي بُيُوتُ الغَيْرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾: إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم فِيها مَتاعٌ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا التَأْوِيلَ، وكَذَلِكَ هو في غايَةِ الضَعْفِ، وكَأنَّ مُجاهِدًا رَأى أنَّ البُيُوتَ غَيْرَ المَسْكُونَةِ إنَّما تُدْخَلُ دُونَ إذْنٍ إذا كانَ فِيها لِلدّاخِلِ مَتاعٌ، ورَأى لَفْظَةَ "المَتاعِ" مَتاعِ البَيْتِ الَّذِي هو البُسُطُ والثِيابُ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَما أدْرَكَتُها، أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي فَيَقُولُ لِي: ارْجِعْ، فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا هو أزْكى لَكم ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَوَعُّدٌ لِأهْلِ التَجَسُّسِ عَلى البُيُوتِ وطَلَبِ الدُخُولِ عَلى غَفْلَةٍ لِلْمَعاصِي والنَظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ، ولِغَيْرِهِمْ مِمّا يَقَعُ في مَحْظُورٍ.
24:29Page 353
لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩
There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكم واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾
رَوِيَ أنَّ بَعْضَ الناسِ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الِاسْتِئْذانِ تَعَمَّقَ في الأمْرِ، فَكانَ لا يَأْتِي مَوْضِعًا خَرِبًا ولا مَسْكُونًا إلّا سَلَّمَ واسْتَأْذَنَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أباحَ اللهُ تَعالى فِيها رَفْعَ الِاسْتِئْذانِ في كُلِّ بَيْتٍ لا يَسْكُنُهُ أحَدٌ؛ لَأنَّ العِلَّةَ إنَّما هي في الِاسْتِئْذانِ خَوْفَ الكَشَفَةِ عَلى الحُرُماتِ، فَإذا زالَتِ العِلَّةُ زالَ الحُكْمُ.
ومَثَّلَ أهْلُ التَأْوِيلِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ أمْثِلَةً، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةَ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هي الفَنادِقُ الَّتِي في طُرُقِ المُسافِرِينَ، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَسْكُنُها أحَدٌ، بَلْ هي (p-٣٧٢)مَوْقُوفَةٌ لِيَأْوِيَ إلَيْها كُلُّ ابْنِ سَبِيلٍ، وفِيها مَتاعٌ لَهُمْ، أيِ اسْتِمْتاعٌ بِمَنفَعَتِها، ومَثَّلَ عَطاءٌ في بُيُوتٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ بِالخِرَبِ الَّتِي يَدْخُلُها الإنْسانُ لِلْبَوْلِ والغائِطِ، فَفي هَذا أيْضًا مَتاعٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ والشَعْبِيُّ: هي حَوانِيتُ القَيْسارِيّاتُ والسُوقُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: لَأنَّهم جاؤُوا بِبُيُوعِهِمْ فَجَعَلُوها فِيها وقالُوا لِلنّاسِ: هَلُمْ، وهَذا قَوْلٌ غَلِطَ قائِلُهُ، وذَلِكَ أنَّ بُيُوتَ القَيْسارِيَّةِ مَحْظُورَةٌ بِأمْوالِ الناسِ، غَيْرُ مُباحَةٍ لِكُلٍّ مَن أرادَ دُخُولَها بِإجْماعٍ، ولا يُدْخِلُها إلّا مَن أُذِنَ لَهُ بِها، بَلْ إنَّ أرْبابَها مُوَكَّلُونَ بِدَفْعِ الناسِ عنها. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةَ أيْضًا: أرادَ تَعالى دَوْرَ مَكَّةَ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها غَيْرُ مُتَمَلِّكَةٍ، وأنَّ الناسَ شُرَكاءُ فِيها، وأنَّ مَكَّةَ أُخِذَتْ عنوَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا هو في هَذِهِ المَسْألَةِ القَوْلُ الضَعِيفُ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مَنزِلًا»، وقَوْلُهُ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ» ومَن دَخَلَ دارَهُ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ النَظَرِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، ظاهِرُهُ التَوَعُّدُ.
(p-٣٧٣)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences