Ibn 'AtiyyaAsh‑Shu'ara · 26:69–122

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:69–122

26:69–77Page 370

وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩

And recite to them the news of Abraham,

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠

When he said to his father and his people, "What do you worship?"

قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١

They said, "We worship idols and remain to them devoted."

قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢

He said, "Do they hear you when you supplicate?

أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ ٧٣

Or do they benefit you, or do they harm?"

قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤

They said, "But we found our fathers doing thus."

قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥

He said, "Then do you see what you have been worshipping,

أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦

You and your ancient forefathers?

فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧

Indeed, they are enemies to me, except the Lord of the worlds,1

قوله عزّ وجلّ:

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أو يَنْفَعُونَكم أو يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾

هَذِهِ القِصَّةُ تَضَمَّنَتِ الإعْلامَ بِغَيْبٍ، والإتْيانَ بِما يَقْطَعُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلى لِسانِهِ في ذَلِكَ ما في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِثالًا لِقُرَيْشٍ إلّا في أمْرِ الأصْنامِ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها تَكْذِيبٌ وعَذابٌ. وقَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، والصَنَمُ ما كانَ مِنَ الأوثانِ عَلى صُورَةِ ابْنِ آدَمَ، كانَ مِن حَجَرٍ أو عُودٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ. و"ظَلَّ" عُرْفُها في فِعْلِ الشَيْءِ نَهارًا، و"باتَ" عُرْفُها في فِعْلِهِ لَيْلًا، و"طَفِقَ" عامَّةً لِلْوَجْهَيْنِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ "ظِلٌّ" بِمَعْنى العُمُومِ، وهَذا المَوْضِعُ مِن ذَلِكَ. و"العُكُوفُ": اللُزُومُ، ومِنهُ المُعْتَكِفُ، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:

؎ ................... عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا

ثُمَّ أخَذَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ يُوقِفُهم عَلى أشْياءَ يَشْهَدُ العَقْلُ أنَّها بَعِيدَةً عن صِفَةِ الإلَهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الياءِ مَن "يَسْمَعُونَكُمْ"، وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّها وكَسْرِ المِيمِ، مَن أسْمَعَ، والمَفْعُولُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَحْذُوفٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إذْ تَدْعُونَ" بِإدْغامِ الدالِّ في التاءِ، بَعْدَ القَلْبِ، ويَجُوزُ فِيهِ قِياسٌ "مُذَكَّرٌ"، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ، والقِياسُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ بِهِ "إذْ دَدْعُونَ"، والَّذِي مَنَعَ مِن هَذا اللَفْظِ اتِّصالُ الدالِّ (p-٤٨٩)الأصْلِيَّةِ في الفِعْلِ فَكَثُرَتِ التَماثُلاتُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أقْبَحُ وُجُوهِ التَقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ عَلى ضَلالَةٍ، وفي أمْرٍ بَيِّنٍ خِلافُهُ، وعَظِيمٍ قَدْرُهُ، فَلَمّا صَرَّحُوا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ عن عِظَمِ ذَلِكَ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ، وأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُمْ، خاطَبَهم بِبَراءَتِهِ مِن جَمِيعِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وعَداوَتِهِ لَهُ، وعَبَّرَ عن بُغْضَتِهِ واطِّراحِهِ لِكُلِّ مَعْبُودٍ سِوى اللهِ تَعالى بِالعَداوَةِ؛ إذْ هي تَقْتَضِي التَفْسِيرَ، وقِيلَ: في الكَلامِ قَلْبٌ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تُعادِي وإنَّما هو عاداها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ في الآباءِ الأقْدَمِينَ مَن قَدْ عَبَدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما أرادَ عِبادَةَ الأوثانِ مِن كُلِّ قَرْنٍ مِنهُمْ، ولَفْظَةُ "عَدُوٌّ" تَقْتَضِي لِلْجَمِيعِ والمُفْرَدِ والمُؤَنَّثِ.

26:78–87Page 370

ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨

Who created me, and He [it is who] guides me.

وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩

And it is He who feeds me and gives me drink.

وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠

And when I am ill, it is He who cures me

وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١

And who will cause me to die and then bring me to life

وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢

And who I aspire that He will forgive me my sin on the Day of Recompense."

رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣

[And he said], "My Lord, grant me authority and join me with the righteous.

وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤

And grant me a mention [i.e., reputation] of honor among later generations.

وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥

And place me among the inheritors of the Garden of Pleasure.

وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦

And forgive my father. Indeed, he has been of those astray.

وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧

And do not disgrace me on the Day they are [all] resurrected -

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ﴾ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَعِيمِ﴾ ﴿واغْفِرْ لأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضالِّينَ﴾ ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾

أثْنى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى اللهِ تَعالى بِهَذِهِ الأوصافِ الَّتِي وُصِفَ اللهُ تَعالى بِها، والمُتَّصِفُ بِها يَسْتَحِقُّ الأوصافَ الفِعْلِيَّةَ الَّتِي تَخُصُّ البَشَرَ. و﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ بِقُدْرَتِهِ (p-٤٩٠)﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أيْ: يُرْشِدُنِي إلى طاعَتِهِ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ تَجْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ في الرِزْقِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: المَعْنى: يُطْعِمُنِي بِلا طَعامٍ، ويَسْقِينِي بِلا شَرابٍ، كَما قالَ النَبِيُّ ﷺ: «إنِّي أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ». وأسْنَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ، والشِفاءَ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا حُسْنُ الأدَبِ في العِبارَةِ، والكُلُّ مِن عِنْدِ اللهِ، وهَذا كَقَوْلِ الخِضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩]. وقالَ جَعْفَرٌ الصادِقُ: إذا مَرِضْتُ بِالذُنُوبِ، شَفانِي بِالتَوْبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ هَذِهِ الأفْعالَ: [يَهْدِينِ يَسْقِينِ يَشْفِينِ - يُحْيِينِ] بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ إسْحاقَ: "يَهْدِينِ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ.

وأوقَفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ نَفْسَهُ عَلى الطَمَعِ في المَغْفِرَةِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِ مَعَ مَنزِلَتِهِ وخُلَّتِهِ. وقَوْلُهُ: "خَطِيئَتِي" ذَهَبَ فِيهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ أرادَ كِذْباتِهِ الثَلاثَ: قَوْلُهُ: "هِيَ أُخْتِي" في شَأْنِ سارَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالخَطِيئَةِ اسْمَ الجِنْسِ، قَدَّرَها في كُلِّ أمْرِهِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ تِلْكَ الثَلاثَ قَدْ خَرَّجَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى المَعارِيضِ، وهي وإنْ كانَتْ كِذْباتٌ بِحُكْمِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ»، وبِحُكْمِ ما في حَدِيثِ الشَفاعَةِ مِن قَوْلِهِ في شَأْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ (p-٤٩١)السَلامُ: «نَفْسِي نَفْسِي»، وذَكَرَ كِذْباتِهِ فَهي في مَصالِحٍ وعَوْنِ شَرْعٍ وحَقٍّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خَطِيئَتِي" بِالإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "خَطايايَ" بِالجَمْعِ.

و"الحُكْمُ" الَّذِي دَعا فِيهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ هو الحِكْمَةُ والنُبُوَّةُ، ودُعاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في مِثْلِ هَذا هو في مَعْنى التَثْبِيتِ والدَوامِ. و"إلْحاقُهُ بِالصالِحِينَ": تَوْفِيقُهُ لِعَمَلٍ يَنْتَظِمُهُ في جُمْلَتِهِمْ أو يَجْمَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الجَنَّةِ، وقَدْ أجابَهُ تَبارَكَ وتَعالى حَيْثُ قالَ: ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢]. و"لِسانُ الصِدْقِ" هو الثَناءُ وتَخْلِيدُ المَكانَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وكَذَلِكَ أجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ، فَكُلُّ مِلَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وتُعَظِّمُهُ، وهو عَلى الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ. قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: مَعْنى سُؤالَهُ أنْ يَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في آخِرِ الزَمانِ مَن يَقُومُ بِالحَقِّ فَأُجِيبَتِ الدَعْوَةُ في مُحَمَّدٍ ﷺ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يُعْطِيهِ إلّا بِتَحَكُّمٍ في اللَفْظِ.

(p-٤٩٢)وَلَمّا فَرَغَ مِن مَطالِبِ الدُنْيا طَلَبَ سَعادَةَ الآخِرَةِ وهي جَنَّةُ النَعِيمِ، وشَبَّهَها بِما يُورَثُ، قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، واسْتِغْفارُهُ لِأبِيهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهُ، أيْ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ، وهو عَنِ المَوْعِدَةِ المَذْكُورَةِ. قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "واغْفِرْ لِأبَوِيَّ إنَّهُما كانا مِنَ الضالِّينَ".

﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ إمّا مِنَ الخِزْيِ وهو الهَوانُ، وإمّا مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ، والضَمِيرُ في "يَبْعَثُونَ" ضَمِيرُ العِبادِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، أو ضَمِيرُ الضالِّينَ، ويَكُونُ مِن جُمْلَةِ الِاسْتِغْفارِ.

26:88–95Page 371

يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨

The Day when there will not benefit [anyone] wealth or children

إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩

But only one who comes to Allāh with a sound heart."

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٩٠

And Paradise will be brought near [that Day] to the righteous.

وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ ٩١

And Hellfire will be brought forth for the deviators,

وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٩٢

And it will be said to them, "Where are those you used to worship

مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ ٩٣

Other than Allāh? Can they help you or help themselves?"

فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ ٩٤

So they will be overturned into it [i.e., Hellfire], they and the deviators

وَجُنُودُ إِبۡلِيسَ أَجۡمَعُونَ ٩٥

And the soldiers of Iblees, all together.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلا مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أو يَنْتَصِرُونَ﴾ ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾

"يَوْمَ" بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، والمَعْنى: يَوْمَ لا تَنْفَعُ أعَلاقُ الدُنْيا ومَحاسِنُها، فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ الذِكْرَ العَظِيمُ والأكْثَرَ؛ لِأنَّ المالَ والبَنِينَ هُما زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا، والظاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَنْفَعُهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مَعْناهُ: خالِصٌ مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي وعَلَّقَ الدُنْيا المَتْرُوكَةَ وإنْ كانَتْ مُباحَةً كالمالِ والبَنِينَ، قالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي يَلْقى رَبَّهُ ولَيْسَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا يَقْتَضِي عُمُومَ اللَفْظَةِ، ولَكِنَّ السَلِيمَ مِنَ الشِرْكِ هو الأهَمُّ، وقالَ الجُنَيْدُ: بِقَلْبٍ لَدِيغٍ مِن خَشْيَةِ اللهِ، و"السَلِيمُ": اللَدِيغُ.

"وَأُزْلِفَتِ" مَعْناهُ: قُرِّبَتْ، و"الغاوُونَ الَّذِينَ بَرَزَتْ لَهُمُ الجَحِيمُ" هُمُ المُشْرِكُونَ، بِدَلالَةِ أنَّهم خُوطِبُوا في أمْرِ الأصْنامِ، والقَوْلُ لَهُمْ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ (p-٤٩٣)هُوَ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ والتَوْقِيفِ عَلى عَدَمِ نَظْرَتِهِمْ نَحْوَهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَبَرَزَتْ" بِالفاءِ، والجُمْهُورُ بِالواوِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَبَرَزَتْ" بِفَتْحِ الباءِ والتَخْفِيفِ ورَفْعِ "الجَحِيمِ".

ثُمَّ أخْبَرَ عن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ مِن أنَّ الأصْنامَ تُكَبْكَبُ في النارِ، أيْ تُلْقى كُبَّةً واحِدَةً، ووَصَلَ بِها ضَمِيرُ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ ذُكِرَتْ بِالعِبادَةِ، وكانَتْ يُسْنَدُ إلَيْها أفْعالُ مَن يَعْقِلُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "هُمْ" يَعُودُ عَلى الكُفّارِ، و"الغاوُونَ": الشَياطِينُ. و"كُبْكِبَ" مُضاعَفٌ مَن "كَبَّ"، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، والتَضْعِيفُ بَيِّنٌ، مِثْلُ: صَرَّ وصَرْصَرَ، وغَيْرُ ذَلِكَ. و"الغاوُونَ": الكَفَرَةُ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمُ الغَوايَةُ. و" جُنُودُ إبْلِيسَ ": نَسْلُهُ وكُلُّ مَن تَبِعَهُ لِأنَّهم جُنْدٌ لَهُ وأعْوانٌ.

26:96–104Page 371

قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ ٩٦

They will say while they dispute therein,

تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٩٧

"By Allāh, we were indeed in manifest error

إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٨

When we equated you with the Lord of the worlds.

وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٩٩

And no one misguided us except the criminals.

فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ ١٠٠

So now we have no intercessors

وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ ١٠١

And not a devoted friend.

فَلَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٢

Then if we only had a return [to the world] and could be of the believers..."1

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٠٣

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿تاللهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾

ثُمَّ وصَفَ تَعالى أنَّ أهْلَ النارِ يَخْتَصِمُونَ فِيها ويَتَلاوَمُونَ، ويَأْخُذُونَ في شَأْنِهِمْ بِجِدالٍ. ومِن جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ لِأصْنامِهِمْ -عَلى جِهَةِ الإقْرارِ وقَوْلِ الحَقِّ-: قَسَمًا بِاللهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ في أنْ نَعْبُدَكم ونَجْعَلَكم سَواءً مَعَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومالِكُهُمْ، ثُمَّ عَطَفُوا يَرُدُّونَ المَلامَةَ عَلى غَيْرِهِمْ، أيْ: ما أضَلَّنا إلّا كُبَراؤُنا وأهَّلُ الحَزْمِ والجُرْأةِ والمَكانَةِ، ثُمَّ قالُوا -عَلى جِهَةِ التَلَهُّفِ والتَأسُّفِ- حِينَ رَأوا شَفاعَةَ المَلائِكَةِ والعُلَماءِ والأنْبِياءِ نافِعَةً في أهْلِ الإيمانِ عُمُومًا، وشَفاعَةَ الصَدِيقِ في صَدِيقِهِ خاصَّةً: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ تَنْبِيهٌ عَلى مَحِلِّ الصَدِيقِ مِنَ المَرْءِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: "شافِعِينَ" مِنَ المَلائِكَةِ، و"صَدِيقٍ" مِنَ الناسِ.

(p-٤٩٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَفْظَةُ "الشَفِيعِ" تَقْتَضِي رِفْعَةَ مَكانَةٍ عِنْدَ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ، ولَفْظَةُ "الصَدِيقِ" تَقْتَضِي شِدَّةَ مُساهَمَةٍ ونُصْرَةٍ، وهو (فَعِيلٌ) مِن صِدْقِ الوِدِّ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ.

و"الحَمِيمُ": الوَلِيُّ والقَرِيبُ الَّذِي يَخُصُّكَ أمْرُهُ ويَخُصُّهُ أمْرَكَ، وجامِعَةُ الرَجُلِ خاصَّتُهُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ قَدْ مَضى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] هي عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ تُعَلِّقُ مِن صِفَةِ اليَوْمَ الَّذِي وقَفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَهُ في دُعائِهِ ألّا يَخْزى.

26:105–122Page 371

كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥

The people of Noah denied the messengers1

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦

When their brother Noah said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٠٧

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٩

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠

So fear Allāh and obey me."

۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١

They said, "Should we believe you while you are followed by the lowest [class of people]?"

قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢

He said, "And what is my knowledge of what they used to do?

إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣

Their account is only upon my Lord, if you [could] perceive.

وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤

And I am not one to drive away the believers.

إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ١١٥

I am only a clear warner."

قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦

They said, "If you do not desist, O Noah, you will surely be of those who are stoned."

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧

He said, "My Lord, indeed my people have denied me.

فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨

Then judge between me and them with decisive judgement and save me and those with me of the believers."

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩

So We saved him and those with him in the laden ship.

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠

Then We drowned thereafter the remaining ones.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنْ حِسابُهم إلا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ (p-٤٩٥)﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾

أسْنَدَ "كَذَّبَتْ" إلى "القَوْمِ" وفِيهِ عَدَمُ التَأْنِيثِ، مِن حَيْثُ "القَوْمُ" في مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ. وقَوْلُهُ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ إنَّ مَن كَذَّبَ نَبِيًّا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ؛ إذْ قَوْلُهم واحِدٌ، ودَعْوَتُهم سَواءٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخُوهُمْ﴾ يُرِيدُ: في النَسَبِ والمَنشَأِ، لا في الدِينِ، و"أمِينٌ" مَعْناهُ: عَلى وحْيِ اللهِ تَعالى ورِسالِتِهِ، يُرِيدُ: في المَنشَأِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ: "أجْرِي" ساكِنَةَ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِفَتْحِ الياءِ في كُلِّ القُرْآنِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمُ الأمْرَ بِالتَقْوى والدُعاءِ إلى الطاعَةِ تَحْذِيرًا ونِذارَةً وحِرْصًا عَلَيْهِمْ، فَذَهَبَ أشْرافُهم إلى اسْتِنْقاصِ أتْباعِهِ بِسَبَبِ صِغارِ الناسِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وضُعَفائِهِمْ، وهَذا كَفِعْلِ قُرَيْشٍ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وصُهَيْبٍ، وغَيْرِهِما. وقالَ بَعْضُ الناسِ: "الأرْذَلُونَ": الحاكَّةُ والحَجّامُونَ والأساكِفَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ المِثالِ، أيْ: أهْلُ الصَنائِعِ الخَسِيسَةِ، لا أنَّ هَذِهِ الصَنائِعَ المَذْكُورَةَ خُصَّتْ بِهَذا. و"الأرْذَلُونَ": جَمْعُ الأرْذَلِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا مُعَرَّفًا أو مُضافًا، أو بِمَن، ويَظْهَرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مُرادَ قَوْمِ نُوحٍ بِنِسْبَةِ الرَذِيلَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَهْجِينُ أفْعالِهِمْ، لا النَظَرُ في صَنائِعِهِمْ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ: ﴿وَما عِلْمِي﴾ الآيَةُ؛ لِأنَّ مَعْنى كَلامِهِ: لَيْسَ في نَظَرِي وعِلْمِي بِأعْمالِهِمْ ومُعْتَقَداتِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّما أقْنَعُ بِظاهِرِهِمْ وأجْتَزِئُ بِهِ، ثُمَّ حِسابُهم عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا نَحْوُ ما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقُولُوا إلَهَ إلّا اللهُ...» الحَدِيثُ بِجُمْلَتِهِ.

(p-٤٩٦)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واتَّبَعَكَ" عَلى الفِعْلِ الماضِي، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ: "وَأتْباعُكُ" عَلى الجَمْعِ، ونَسَبَها أبُو الفَتْحِ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ، والضِحاكِ، وطَلْحَةَ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والأعْمَشِ، وأبِي حَيْوَةَ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمَذانِيُّ: "لَوْ يَشْعُرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ:"تَشْعُرُونَ" بِتاءِ الخِطابِ. وإعْرابُ قَوْلِهِ: "وَأتْباعُكَ" إمّا جَعَلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وإمّا عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِقَوْلِهِ: "لَكَ".

وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالحِجارَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالقُرْآنِ والشَتْمُ ونَحْوُهُ وهو شَبِيهٌ بِرَجْمِ الحِجارَةِ، وهو مِنَ الرَجْمِ بِالغَيْبِ والظَنِّ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: "افْتَحْ" مَعْناهُ: احْكُمْ، والفَتّاحُ: القاضِي بِلُغَةٍ يَمَنِيَّةٍ، و"الفُلْكُ": السَفِينَةُ، وجَمْعُها فُلْكٌ أيْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ القَوْلِ في هَذا الجَمْعِ في سُورَةِ الأعْرافِ. و"المَشْحُونِ" مَعْناهُ: المَمْلُوءُ بِما يَنْبَغِي لَهُ مِن قَدْرِ ما يَحْمِلُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском