Ibn 'AtiyyaAr‑Rum · 30:23–38

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:23–38

30:23–25Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣

And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤

And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥

And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَيْلِ والنَهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾

ذَكَرَ تَعالى النَوْمَ بِاللَيْلِ والنَهارِ وعُرْفُ النُوَّمِ إنَّما هو بِاللَيْلِ وحْدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِهِ كَأنَّهُ فِيهِما، وإنَّما مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ عَمَّ بِاللَيْلِ والنَهارِ فَسَمّى الزَمانَ، وقَصَدَ مِن ذَلِكَ تَعْدِيدَ آيَةِ النَوْمِ وتَعْدِيدَ آيَةِ ابْتِغاءِ الفَضْلِ، فَإنَّهُما آيَتانِ ونِعْمَتانِ يَكُونانِ في لَيْلٍ ونَهارٍ، والعُرْفُ "تَحَيُّزُ" كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ النِعْمَتَيْنِ أيْ مَحَلَّها مِنَ الأغْلَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

(p-١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ.

وإنَّما أرادَ أنْ يُرَتِّبَ النَوْمَ لِلَّيْلِ، والِابْتِغاءَ لِلنَّهارِ، ولَفْظُ الآيَةِ لا يُعْطِي ما أرادَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُرِيكُمُ"﴾ فِعْلٌ مُرْتَفِعٌ لَمّا حُذِفَتْ "أنْ" الَّتِي لَوْ كانَتْ لَنَصَبَتْهُ، فَلَمّا حَلَّ الفِعْلُ مَحَلَّ الِاسْمِ أُعْرِبَ بِالرَفْعِ، ومَثَلُهُ قَوْلُ طُرْفَةَ:

؎ ألا أيُّهَذا الزاجِرِي أحْضُرَ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي؟

قالَ الرُمّانِيُّ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "وَمِن آياتِهِ آيَةُ يُرِيكُمُ البَرْقَ"، وحُذِفَتِ "الآيَةُ" لِدَلالَةِ "مِن" عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وما الدَهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ

التَقْدِيرُ: فَمِنها تارَةٌ أمُوتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا عَلى أنَّ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ كَسائِرِ هَذِهِ الآياتِ، ويَحْتَمِلُ في هَذِهِ وحْدَها أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ "آيَةٌ"، وإنَّما يَكُونُ الفِعْلُ مُخْلَصًا لِلِاسْتِقْبالِ.

(p-١٩)وَقَوْلُهُ: ﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾، قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ ونَحْوِهِ، بَلْ فِيهِ الخَوْفُ والطَمَعُ لِكُلِّ بَشَرٍ، قالَ الضَحّاكُ: الخَوْفُ مِن صَواعِقِهِ، والطَمَعُ في مَطَرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ﴾ مَعْناهُ: تَثْبُتُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]، وهَذا كَثِيرٌ، وقِيلَ: هو فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، أحَلَّهُ مَحَلَّ الماضِي لِيُعْطِيَ فِيهِ مَعْنى الدَوامِ الَّذِي هو في المُسْتَقْبَلِ، و"الدَعْوَةُ مِنَ الأرْضِ" هي البَعْثُ يَوْمَ القِيامَةِ، و"مِنَ الأرْضِ" حالٌ لِلْمُخاطَبِينَ، كَأنَّهُ قالَ: خارِجِينَ مِنَ الأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مِنَ الأرْضِ" صِفَةٌ لِلدَّعْوَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

و"مِن" عِنْدِي هاهُنا لِانْتِهاءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: "دَعْوَتُكَ مِنَ الجَبَلِ"، إذا كانَ المَدْعُوُّ في الجَبَلِ، والوَقْفُ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ نافِعٍ ويَعْقُوبَ الحَضْرَمِيِّ عَلى "دَعْوَةً"، والمَعْنى: بَعْدَ إذا أنْتُمْ تُخْرَجُونَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا عَلى أنَّ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، قالَ مَكِّيٌّ: والأحْسَنُ عِنْدَ أهْلِ النَظَرِ أنَّ الوَقْفَ في آخِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في "إذا" الثانِيَةِ أنَّها جَوابُ الأُولى، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ إذا دَعاكم خَرَجْتُمْ، وهَذا أسُدُّ الأقْوالِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الباقُونَ "تُخْرَجُونَ" بِضَمِّ التاءِ.

30:26–28Page 407

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦

And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.

وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨

He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسِكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

اللامُ في لَهُ الأُولى لامُ المِلْكِ، وفي الثانِيَةِ لامُ تَعْدِيَةٍ لِـ"قَنَتَ" وقَنَتَ بِمَعْنى خَضَعَ (p-٢٠)فِي طاعَتِهِ وانْقِيادِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرُ لَفْظِها العُمُومُ في القُنَّتِ، والعُمُومُ في كُلِّ مَن يَعْقِلُ، وتَعْمِيمُ ذَلِكَ في المَعْنى لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ ونَحْنُ نَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لا يَقْنُتُ في كَثِيرٍ مِنَ المُعْتَقَدِ والأعْمالِ، فَلا بُدَّ أنَّ عُمُومَ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ الخُصُوصُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا الخُصُوصِ أيْنَ هُوَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو في القُنَّتِ والطاعَةِ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ مَن يَعْقِلُ هو قانِتٌ لِلَّهِ في مُعْظَمِ الأُمُورِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ والرِزْقِ والقُدْرَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَبْخَلُ بِالعِبادَةِ وبِالمُعْتَقَداتِ فَلا يَقْنُتُ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ في مُعْظَمِ الأُمُورِ وفي غالِبِ الشَأْنِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ الخُصُوصَ هو في الأعْيانِ المَذْكُورِينَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ مِن مَلَكٍ ومُؤْمِنٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ مَعْناهُ: يُنْشِئُهُ ويُخْرِجُهُ مِنَ العَدَمِ، وجاءَ الفِعْلُ بِصِيغَةِ الحالِ لِما كانَ في هَذا المَعْنى ما قَدْ مَضى كَآدَمَ وسائِرِ القُرُونِ، وفِيهِ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ، فَكَأنَّ صِيغَةَ الحالِ تُعْطِي هَذا كُلَّهُ. و"يُعِيدُهُ" مَعْناهُ يَبْعَثُهُ مِنَ القُبُورِ ويُنْشِئُهُ تارَةً أُخْرى.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: وهو هَيِّنٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوجَلُ

(p-٢١)بِمَعْنى لَوَجِلٌ. وقَوْلُ الآخَرُ:

؎ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ

وقَوْلُهم في الأذانِ: "اللهُ أكْبَرُ"، وقَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَةُ اللهِ عَلَيْهِ:

؎ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ

(p-٢٢)يُرِيدُ: بِواحِدٍ، واسْتَشْهَدَ بِهَذا البَيْتِ أبُو عُبَيْدَةَ، وهَذا شاهِدٌ كَثِيرٌ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "وَكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: المَعْنى: وهو أيْسَرُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اليُسْرِ عَلَيْهِ في حَيِّزٍ واحِدٍ وحالٍ مُتَماثِلَةٍ، قالَ: ولَكِنَّ هَذا التَفْضِيلَ بِحَسْبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ، وما يُعْطِيهِمُ النَظَرُ في الشاهِدِ مِن أنَّ الإعادَةَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ أهْوَنُ عَلَيْنا مِنَ البُداءَةِ؛ لِلتَّمَرُّنِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ الرَوِيَّةِ الَّتِي كانَتْ في البُداءَةِ. وهَذانِ القَوْلانِ الضَمِيرانِ فِيهِما عائِدانِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى "الخَلْقِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهُوَ بِمَعْنى "المَخْلُوقِ" فَقَطْ، وعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلِينَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "المَخْلُوقَ"، أو يَكُونَ مَصْدَرًا مِن "خَلَقَ". فَقالالحَسَنُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ مِن إنْشائِهِ؛ لِأنَّهُ في إنْشائِهِ يَصِيرُ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، مِن نُطْفَةٍ إلى عَلَقَةٍ إلى مُضْغَةٍ ونَحْوَ هَذا، وفي الإعادَةِ إنَّما يَقُومُ في حِينٍ واحِدَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وهو أيْسَرُ عَلَيْهِ، أيْ: أقْصَرُ مُدَّةً وأقَلُّ انْتِقالًا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: وهو أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ أنْ يُعِيدَ شَيْئًا بَعْدَ إنْشائِهِ، فَهَذا عُرْفُ المَخْلُوقِينَ، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ أنْتُمُ الإعادَةَ في جانِبِ الخالِقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والأظْهَرُ عِنْدِي عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى اللهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾، لِما جاءَ بِلَفْظٍ فِيهِ اسْتِعارَةٌ واسْتِشْهادٌ بِالمَخْلُوقِ عَلى الخالِقِ، وتَشْبِيهٌ بِما يَعْهَدُهُ الناسُ مِن أنْفُسِهِمْ، خَلَصَ جانِبُ العَظَمَةِ بِأنْ جَعْلَ لَهُ المَثَلَ الأعْلى الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ تَكْيِيفٌ ولا تَماثُلٌ مَعَ شَيْءٍ. والعِزَّةُ والحِكْمَةُ صِفَتانِ مُوافِقَتانِ لِمَعْنى الآيَةِ، فَبِهِما يُعِيدُ ويَنْفُذُ أمْرُهُ في عِبادِهِ كَيْفَ شاءَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الأصْنامِ وفَسادَ مُعْتَقَدِ مَن يُشْرِكُها بِاللهِ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ، ومَعْناهُ: إنَّكم أيُّها الناسُ إذا كانَ لَكم عَبِيدٌ تَمْلِكُونَهم فَإنَّكم لا تُشْرِكُونَهم في أمْوالِكم ولا في أُمُورِكم ولا في شَيْءٍ عَلى جِهَةِ اسْتِواءِ المَنزِلَةِ، ولَيْسَ مِن شَأْنِكم أنْ تَخافُوهم (p-٢٣)فِي أنْ يَرِثُوا أمْوالَكم أو يُقاسِمُوكم إيّاها في حَياتِكُمْ، كَما يَفْعَلُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ، فَإذا كانَ هَذا فِيكم فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إنَّ مِن عَبِيدِهِ ومِلْكِهِ شُرَكاءَ في سُلْطانِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ، وتُثْبِتُونَ في جانِبِهِ ما لا يَلِيقُ بِكم عِنْدَكم بِجَوانِبِكُمْ؟ هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٍ، وجاءَ هَذا المَعْنى في مَعْرِضِ السُؤالِ والتَقْرِيرِ.

وقَرَأ الناسُ: ﴿كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ بِنَصْبِ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُفَصِّلُ" بِالنُونِ حَمَلًا عَلى "رَزَقْناكُمْ"، وقَرَأ عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ حَمَلًا عَلى "ضَرَبَ لَكم مَثَلًا".

30:29–32Page 407

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩

But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠

So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.

۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١

[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh

مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢

[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1

قوله عزّ وجلّ:

﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللهُ وما لَهم مَن ناصِرِينَ﴾ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

الإضْرابُ بِـ"بَلْ" هو عَمّا تَضَمَّنَهُ مَعْنى الآيَةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ لَهم حُجَّةٌ ولا مَعْذِرَةٌ فِيما فَعَلُوا مِن تَشْرِيكِهِمْ مَعَ اللهِ تَعالى، بَلِ اتَّبَعُوا أهْواءَهم جَهالَةً وشَهْوَةً وقَصْدًا لِأمْرِ دُنْياهم. ثُمَّ قَرَّرَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى مَن يَهْدِي إذا أضَلَّ اللهُ؟ أيْ: لا هادِيَ لِأهْلِ هَذِهِ الحالِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا ناصِرَ لَهم.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِإقامَةِ وجْهِهِ لِلدِّينِ المُسْتَقِيمِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، وإقامَةُ الوَجْهِ هي تَقْوِيمُ المَقْصِدِ والقُوَّةِ عَلى الجِدِّ في أعْمالِ الدِينِ، وذِكْرُ الوَجْهِ لِأنَّهُ جامِعُ حَواسِّ الإنْسانِ وأشْرَفُهُ، و"حَنِيفًا" مَعْناهُ: مُعْتَدِلًا مائِلًا عن جَمِيعِ الأدْيانِ المُحَرَّفَةِ المَنسُوخَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وقِيلَ: هو نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اتَّبِعْ والزَمْ فِطْرَةَ اللهِ تَعالى، واخْتَلَفَ الناسُ في الفِطْرَةِ هاهُنا، فَذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ جَمِيعَ ما يُمْكِنُ أنْ تُصْرَفَ هَذِهِ اللَفْظَةُ عَلَيْهِ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ قَلَقٌ، والَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَفْظَةِ (p-٢٤)أنَّها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ في نَفْسِ الطِفْلِ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّأةٌ لِأنْ يُمَيِّزَ بِها مَصْنُوعاتِ اللهِ تَعالى، ويَسْتَدِلَّ بِها عَلى رَبِّهِ جَلَّ وعَلا ويَعْرِفَ شَرائِعَهُ، ويُؤْمِنَ بِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ الَّذِي هو الحَنِيفُ وهو فِطْرَةُ اللهِ الَّذِي عَلى الإعْدادِ لَهُ فَطَرَ البَشَرَ، لَكِنْ تَعْرِضُهُمُ العَوارِضُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنَصِّرانِهِ..." الحَدِيثُ،» فَذِكْرُ الأبَوَيْنِ إنَّما هو مِثالٌ لِلْعَوارِضِ الَّتِي هي كَثِيرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ بِها هَذِهِ الفِطْرَةَ المَذْكُورَةَ، أيِ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الفِطْرَةَ لا تَبْدِيلَ لَها مِن جِهَةِ الخالِقِ، ولا يَجِيءُ الأمْرُ عَلى خِلافِها بِوَجْهٍ، والآخَرانِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ إنْحاءً عَلى الكَفَرَةِ، اعْتَرَضَ بِهِ أثْناءَ الكَلامِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ كَذا وكَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدْ خَلَقَ اللهُ لَهُمُ الكُفْرَ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، أيْ إنَّهم لا يُفْلِحُونَ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، والضَحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، والنَخَعِيِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا مَعْناهُ: لا تَبْدِيلَ لِلْمُعْتَقَداتِ الَّتِي هي في الدِينِ الحَنِيفِ، فَإنَّ كُلَّ شَرِيعَةٍ هي عَقائِدُها.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَأْوِيلاتٍ: مِنها قَوْلُ عِكْرِمَةَ - وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ مَعْناهُ: النَهْيُ عن خِصاءِ الفُحُولِ مِنَ الحَيَوانِ. ومِنها قَوْلُ بَعْضِهِمْ في الفِطْرَةِ: إنَّها المِلَّةُ. عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ في الفِطْرَةِ: (p-٢٥)الدِينُ. وتَأوَّلَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ "فَطَرَ الناسَ"﴾ عَلى الخُصُوصِ، أيِ: المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الفِطْرَةُ هو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللهُ تَعالى عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِينَ أخْرَجَهم نَسَمًا مِن ظَهْرِهِ، ونَحْوُهُ حَدِيثُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ مَرَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ: يا مُعاذُ، ما قِوامُ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قالَ: الإخْلاصُ، وهو الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللهُ الناسَ عَلَيْها، والصَلاةُ وهي الدِينُ، والطاعَةُ وهي العِصْمَةُ، فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: صَدَقْتَ.

و"القَيِّمُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ القِيامِ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاسْتِقامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مُنِيبِينَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَطَرَ الناسَ﴾، لا سِيَّما عَلى رَأْيِ مَن رَأى أنَّ ذَلِكَ خُصُوصٌ في المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾، وجَمَعَهُ لِأنَّ الخِطابَ بِإقامَةِ الوَجْهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأُمَّتِهِ، نَظِيرُها قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ﴾ [الطلاق: ١] و"المُنِيبُ": الراجِعُ المُخْلِصُ المائِلُ إلى جِهَةِ ما تَوَدُّهُ نَفْسُهُ، و"المُشْرِكُونَ" المُشارُ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ اليَهُودُ، وقالَتْ عائِشَةُ وأبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي في أهْلِ القِبْلَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَلَفْظَةُ الإشْراكِ - عَلى هَذا - فِيها تَجَوُّزٌ، فَإنَّهم صارُوا في دِينِهِمْ فِرَقًا، و"الشِيَعُ": الفِرَقُ، واحِدُها: شِيعَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّهم مَفْتُونُونَ بِآرائِهِمْ، مُعْجَبُونَ بِضَلالِهِمْ، وذَلِكَ أصِيلٌ فِيهِمْ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فارَقُوا دِينَهُمْ" بِالألِفِ.

30:33–35Page 408

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣

And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤

So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.

أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥

Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?

(p-٢٦)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذا مَسَّ الناسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾

هَذا ابْتِداءُ إنْحاءٍ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ غَيْرَهُ، بَيَّنَ اللهِ تَعالى لَهم أنَّهم كَسائِرِ البَشَرِ في أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعَوُا اللهَ سُبْحانَهُ، وتَرَكُوا الأصْنامَ مَطْرُوحَةُ، ولَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، فَإذا أذاقَهم رَحْمَتَهُ، أيْ: باشَرَهم أمْرُهُ بِها، والذَوْقُ مُسْتَعارٌ، إذا طائِفَةٌ تُشْرِكُ بِهِ أصْنامًا ونَحْوَ هَذا، و"إذا" لِلْمُفاجَأةِ، فَلِذَلِكَ صَلَحَتْ في جَوابِ "إذا" الأولى، بِمَنزِلَةِ الفاءِ، وهَذِهِ الطائِفَةُ هي عَبَدَةُ الأصْنامِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، فَعَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقٍ، أو بِحِذْقِ آرائِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فِيهِ قِلَّةُ شُكْرٍ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُسَمّى تَشْرِيكًا مَجازًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَكْفُرُوا"﴾ اللامُ لامُ كَيْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لامُ الأمْرِ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَتَمَتَّعُوا"﴾ فَأمْرٌ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ والتَقْرِيرِ، أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: فَتَمَتَّعُوا.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "فَيَتَمَتَّعُوا" بِياءٍ قَبْلَ التاءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "لِيَكْفُرُوا"، أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلْيَتَمَتَّعُوا"، ورُوِيَ عن أبِي العالِيَةِ: "فَيُمَتِّعُوا" بِضَمِّ الياءِ دُونَ تاءٍ أُولى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "تَمَتَّعُوا"، كَذا قالَ هارُونُ. وقَرَأ عامَّةُ الناسِ: "تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْ" بِمَعْنى (بَلْ) وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّهُ أضْرَبَ عن صَدْرِ الكَلامِ ورَجَعَ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ. و"السُلْطانُ" هاهُنا: البُرْهانُ، مِن رَسُولٍ أو كِتابٍ ونَحْوِهِ، والسُلْطانُ في كَلامِ العَرَبِ جَمْعُ سَلِيطٍ، كَرَغِيفٍ ورُغْفانٍ، وغَدِيرٍ وغُدْرانٍ، فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَسَلُّطِ والتَغَلُّبِ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ في العَرَبِ الرَئِيسَ؛ لِأنَّهُ سَلِيطٌ بِوَجْهِ الحَقِّ، وهو (p-٢٧)اسْمُ جَمْعٍ مِن حَيْثُ أنْواعِ الغَلَبَةِ والمُلْكِ عِنْدَهُ، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ وزْنُهُ فُعْلانُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ مَعْناهُ أنْ يُظْهِرَ حُجَّتَهُمْ، ويُغَلِّبَ مَذْهَبَهُمْ، ويَنْطِقَ بِشِرْكِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقامَ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩].

30:36–38Page 408

وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦

And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧

Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨

So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الناسِ مَتى تَأْتِيهِمْ شِدَّةٌ وضُرٌّ ونَجَوا مِنهُ إلى سِعَةٍ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرَ أيْضًا مِنَ الطَرَفِ الآخَرِ بِأنْ ذَكَرَ الرَحْمَةَ ثُمَّ تُعَقِّبُ الشِدَّةُ، فَلَهم في الرُتْبَةِ الأُولى تَضَرُّعٌ ثُمَّ إشْراكٌ، ولَهم في الثانِيَةِ فَرَحٌ وبَطَرٌ ثُمَّ قُنُوطٌ ويَأْسٌ، وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن هَذِهِ الخُلُقَ بِقِسْطٍ، فَمِنهُمُ المُقِلُّ والمُكْثِرُ، إلّا مَن رَبَطَتِ الشَرِيعَةُ عَلى قَلْبِهِ، وتَأدَّبَ بِأدَبِ اللهِ تَعالى، فَصَبَرَ عِنْدَ الضَرّاءِ، وشَكَرَ عِنْدَ السَرّاءِ، ولَمْ يَبْطَرْ عِنْدَ النِعْمَةِ، ولَمْ يَقْنُطْ عِنْدَ الِابْتِلاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾، أيْ إنَّ اللهَ يَمْتَحِنُ الأُمَمَ، ويُصِيبُ مِنهم عِنْدَ فُشُوِّ المَعاصِي وظُهُورِ المَناكِرِ، وكَذَلِكَ قَدْ يُصابُ شَخْصٌ بِسُوءِ أعْمالِهِ بِشَيْءٍ وحْدَهُ، ويَعْفُو اللهُ عن كَثِيرٍ. والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ. "يَقْنِطُونَ" بِكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ، والحُسْنُ، وجَماعَةٌ بِفَتْحِها.

وجَوابُ الشَرْطِ في قَوْلِهِ: ( إنْ تُصِبْهم ) قَوْلُهُ؛ ﴿ "إذا هُمْ"،﴾ وذَلِكَ أنَّها لِلْمُفاجَأةِ لا يُبْتَدَأُ بِها؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الفاءِ، ويُجابُ بِها الشَرْطُ، وأمّا الَّتِي لِلشَّرْطِ أوِ الَّتِي فِيها مَعْنى الشَرْطِ فَيُبْتَدَأُ بِهِما.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْأسْ مِن رُوحِ اللهِ تَعالى عَلى حالٍ، وهو أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِبَسْطِ الرِزْقِ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ عَبْدٍ أنْ يَكُونَ راجِيًا ما عِنْدَ رَبِّهِ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أمَّرا تَدْخُلُ الأُمَّةُ فِيهِ، وهَذا عَلى جِهَةِ النَدْبِ (p-٢٨)إلى إيتاءِ ذِي القُرْبى حَقَّهُ مِن صِلَةِ المالِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ ولِينِ القَوْلِ.

قالَ الحَسَنُ: حَقُّهُ المُواساةُ في اليُسْرِ، قالَ: ومُعْظَمُ ما قَصَدَ أمْرُ المَعُونَةِ بِالمالِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَكاةِ"،» وذَلِكَ لِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَبِيلِ حَقٌّ، وبَيَّنَ أنَّ حَقُّ هَذَيْنِ إنَّما هو في المالِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَلْزَمُ القَرِيبُ المُعْدَمُ الَّذِي يَقْضِي حَقَّهُ أنْ يَقْضِيَ أيْضًا حَقَّ قَرِيبِهِ في جَوْدَةِ العِشْرَةِ، و"وَجْهُ اللهِ" هُنا جِهَةُ عِبادَتِهِ ورِضاهُ، و"المُفْلِحُونَ": الفائِزُونَ بِبُغْيَتِهِمُ، البالِغُونَ لِآمالِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском