Ibn 'AtiyyaAs‑Saffat · 37:103–138

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:103–138

37:103–111Page 450

فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣

And when they had both submitted1 and he put him down upon his forehead,

وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤

We called to him, "O Abraham,

قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥

You have fulfilled the vision." Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦

Indeed, this was the clear trial.

وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧

And We ransomed him with a great sacrifice,1

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨

And We left for him [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩

"Peace upon Abraham."

كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١١

Indeed, he was of Our believing servants.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾

قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أسْلَما"﴾ أيْ: أنْفُسَهُما، واسْتَسْلَما لِلَّهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والثَوْرِيُّ: "سَلَّما"، والمَعْنى: فَوَّضا إلَيْهِ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وانْحَمَلا عَلى أمْرِهِ، فَأسْلَمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الِابْنُ نَفْسَهُ.

واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ (لَمّا)، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ "نادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ: "تَلَّهُ" والواوُ زائِدَةٌ. كَزِيادَتِها فِي: ﴿وَفُتِحَتِ السَماءُ﴾ [النبإ: ١٩]، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما سَلَّما وتَلَّهُ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، وهو عِنْدَهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ

(p-٣٠٣)والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ أجَزْنا وانْتَحى. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أُجْزِلَ أجْرُهُما، أو نَحْوُ هَذا مِمّا يَقْتَضِيهِ المَعْنى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَتَلَّهُ"﴾ مَعْناهُ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « " فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في يَدِهِ"،» أيْ: وضَعَهُ بِقُوَّةٍ، والتَلُّ مِنَ الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، كَأنَّهُ تُلَّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، و"لِلْجَبِينِ" مَعْناهُ: لِتِلْكَ الجِهَةِ وعَلَيْها، كَما يَقُولُونَ في المَثَلِ: لِلْيَدَيْنِ والفَمِ، وكَما تَقُولُ: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ:

فَظَلَّ تَلِيلًا لِلْجَبِينَيْنِ

وهُما ما اكْتَنَفَ الجَبْهَةَ مِن هُنا وهُنا.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ قالَ لِأبِيهِ: اشْدُدْ رِباطِي بِالحَبْلِ لِئَلّا أضْطَرِبَ، واصْرِفْ بَصَرَكَ عَنِّي، لِئَلّا تَرْحَمَنِي، ورُدَّ وجْهِي نَحْوَ الأرْضِ، قالَ قَتادَةُ: كَبَّهُ لَفِيهِ وأخَذَ الشَفْرَةَ، والتَلُّ لِلْجَبِينِ لَيْسَ يَقْتَضِي أنَّ الوَجْهَ نَحْوُ الأرْضِ، بَلْ هي هَيْئَةُ مَن ذُبِحَ لِلْقِبْلَةِ عَلى جَنْبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِقَلْبِكَ، عَلى مَعْنى: كانَتْ (p-٣٠٤)عِنْدَكَ رُؤْياكَ صادِقَةً وحَقًّا مِنَ اللهِ، فَعَمِلَتْ بِحَسْبِها حِينَ آمَنتَ بِها واعْتَقَدَتْ صِدْقَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: صَدَّقْتَ بِعَمَلِكَ ما حَصَلَ عَنِ الرُؤْيا في نَفْسِكَ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ وفَّيْتَها حَقَّها مِنَ العَمَلِ. والرُؤْيا اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ اللهِ في المَنامِ، والحُلْمُ اسْمٌ لِما يُرى مِن قِبَلِ الشَيْطانِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَمِلَ إبْراهِيمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنّا بِهَذا النَوْعِ مِنَ الإخْلاصِ والطاعَةِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِنَ امْتِحانٍ واخْتِبارٍ بِالشِدَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى ما في القِصَّةِ مِن سُرُورٍ بِالفِدْيَةِ وإنْقاذٍ مِن تِلْكَ الشِدَّةِ في إنْفاذِ الذَبْحِ، فَيَكُونُ البَلاءُ بِمَعْنى النِعْمَةِ، وإلى كُلِّ احْتِمالٍ قَدْ أشارَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى إسْحَقَ أنِّي قَدْ أعْطَيْتُكَ بِصَبْرِكَ لِأمْرِي دَعْوَةً أُعْطِيكَ فِيها ما سَألْتَ، فَسَلْنِي، فَقالَ: يا رَبِّ أيُّما عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأدْخِلْهُ الجَنَّةَ.»

والضَمِيرُ في "فَدَيْناهُ" عائِدٌ عَلى الذَبْحِ، و"الذَبْحُ" اسْمٌ لِما يُذْبَحُ، ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ: الذِبْحُ الكَبْشُ، والعَظِيمُ لِجَرْيِ السُنَةِ بِهِ وكَوْنِهِ دِينًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: عَظُمَ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ كانَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عن نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَكْوِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ كَوْنَهُ عَظِيمًا هو أنَّهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَ ولَدُ آدَمَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ وعْلًا أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ، وجَدَهُ وراءَهُ مَرْبُوطًا (p-٣٠٥)بِسَمُرَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ انْفَلَتَ فاتَّبَعَهُ ورَماهُ بِحَصَياتٍ في مَواضِعِ الجَمَراتِ، فَبِذَلِكَ مَضَتِ السُنَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رَجَمَ الشَيْطانَ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ وغَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، وأهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ نُسِخَ فِيها العَزْمُ عَلى الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ نَسْخٌ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ الفِعْلِ، افْتَرَقَتْ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى فِرْقَتَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وقَعَ الذَبْحُ والتَأمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا كَذِبٌ صُراحٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمْ: بَلْ كانَ إبْراهِيمُ لَمْ يَرَ في مَنامِهِ إلّا إمْرارَ الشَفْرَةِ فَقَطْ، فَظَنَّ أنَّهُ ذَبْحٌ فَجَهَّزَ، فَنَفَّذَ لِذَلِكَ، فَلِما وقَعَ الَّذِي رَآهُ وقَعَ النَسْخُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإذًا لا اخْتِلافَ أنَّ إبْراهِيمَ أمَرَّ الشَفْرَةَ عَلى حَلْقِ ابْنِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ.

ورُوِيَ أنَّ صَفِيحَةَ نُحاسٍ اعْتَرَضَتْهُ بِحَرْفِها، واللهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ، فَقَدْ كَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما صِحَّتُهُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

ومِمّا يُسْتَغْرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قالَ: ذُبِحَ في المَقامِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ لَمْ يُسَمِّها أنَّها قالَتْ: كانَ الأمْرُ وإراعَةُ الذَبْحِ والقِصَّةُ كُلُّها بِالشامِ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذُبِحَ بِمِنى، وقالَ الشَعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْراهِيمَ مُعَلَّقَةً في الكَعْبَةِ.

37:112–117Page 450

وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٢

And We gave him good tidings of Isaac, a prophet from among the righteous.1

وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ ١١٣

And We blessed him and Isaac. But among their descendants is the doer of good and the clearly unjust to himself [i.e., sinner].

وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١١٤

And We did certainly confer favor upon Moses and Aaron.

وَنَجَّيۡنَٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ١١٥

And We saved them and their people from the great affliction,

وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٦

And We supported them so it was they who overcame.

وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ ١١٧

And We gave them the explicit Scripture [i.e., the Torah],

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهم فَكانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾

مَن قالَ أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ بِوِلادَةِ إسْحَقَ، وهي البِشارَةُ المُتَرَدِّدَةُ في غَيْرِ ما سُورَةٍ، ومَن جَعَلَ الذَبِيحَ إسْحاقَ جَعَلَ هَذِهِ البِشارَةَ لِنَفْسِ النُبُوَّةِ فَقَطْ.

(p-٣٠٦)والمِنَّةُ عَلى مُوسى وهارُونَ هي في النُبُوَّةِ وسائِرِ ما جَرى مَعَها مِن مَكانَتِها عِنْدَ اللهِ، و"الكَرْبُ العَظِيمُ" هو تَعَبُّدُ القِبْطِ لَهُمْ، ثُمَّ جَيْشُ فِرْعَوْنَ لَمّا قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، ثُمَّ البَحْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "نَصَرْناهُمْ" عائِدٌ عَلى الجَماعَةِ المُتَقَدِّمِ ذَكْرُها، وهم مُوسى وهارُونُ وقَوْمُهُما. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ ولَكِنْ أخْرَجَ ضَمِيرَهُما مَخْرَجَ الجَمْعِ تَفْخِيمًا، وهَذا مِمّا تَفْعَلُهُ العَرَبُ، تُكَنِّي عَمَّنْ تُعَظِّمُ بِكِنايَةِ الجَماعَةِ. و"الكِتابُ المُسْتَبِينُ": التَوْراةُ.

37:118–125Page 450

وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١١٨

And We guided them on the straight path.

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١١٩

And We left for them [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٠

"Peace upon Moses and Aaron."

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢١

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٢

Indeed, they were of Our believing servants.

وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣

And indeed, Elias was from among the messengers,

إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤

When he said to his people, "Will you not fear Allāh?

أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٢٥

Do you call upon Baʿl1 and leave the best of creators -

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَهَدَيْناهُما الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾

﴿الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقَ الشَرْعِ والنُبُوءَةِ المُؤَدِّي إلى اللهِ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾.

وإلْياسَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: هو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ، بْنِ فِنْحاصَ، بْنِ العَيْزارَ، بْنِ هارُونَ، بْنِ عِمْرانَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن ولَدِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَإنَّ إلْياسَ"﴾ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، وهو اسْمٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَإنَّ الياسَ" بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِصِلَةِ الألِفِ، وذَلِكَ يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ حَذَفَ الهَمْزَةَ، كَما حَذَفَها ابْنُ كَثِيرٍ مِن قَوْلِهِ: [إنَّها لَحْدى الكُبَرِ]، أرادَ: لَإحْدى، فَنَزَّلَ المُنْفَصِلَ مَنزِلَةَ المُتَّصِلِ، كَما قَدْ يُنَزَّلُ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإمّا أنْ يَجْعَلَها الألِفَ الَّتِي تَصْحَبُ اللامَ لِلتَّعْرِيفِ، كاليَسَعَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَإنَّ إيلِيسَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ فِيهِ: [سَلامٌ عَلى إيلِيسَ]، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، "سَلامٌ عَلى آل ياسِينَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "سَلامٌ عَلى إلْياسِينَ" بِألْفٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ، وجَعَلَها الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ مَوْصُولَةٌ، فَوَجْهُ الأُولى أنَّها - فِيما (p-٣٠٧)يَزْعُمُونَ - مَفْصُولَةٌ في المُصْحَفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها بِمَعْنى "أهْلِ" و"ياسِينَ" اسْمٌ أيْضًا لِإلْياسَ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ جَمْعُ إلْياسِي، كَما قالُوا: أعْجَمِيٌّ أعْجَمِيُّونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والتَقْدِيرُ: إلْياسِيِّينَ، فَحُذِفَ كَما حُذِفَ مِن أعْجَمِيَّيْنِ، ونَحْوِهُ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ والنُمَيْرِيِّينَ والمُهَلَّبِيِّينَ، ونَحْوِهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ مُنادِيًا نادى يَوْمَ الكِلابِ: هَلَكَ اليَزِيدِيُّونَ، ويُرْوى قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبِينَ قَدِي

بِكَسْرِ الباءِ الثانِيَةِ، نِسْبَةً إلى أبِي خُبَيْبٍ. ويُقالُ: سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن آلِ ياسِينَ إلْياسَ، كَما قالُوا: شابَتْ مَفارِقُهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ المَفْرِقِ مَفْرَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَمَلٌ ذُو عَثانِينَ"، وعَلى هَذا أنْشَدَ ابْنٌ جِنِّيٍّ:

؎ مَرَّتْ بِنا أوَّلَ مِن أُمُوسِ ∗∗∗ ∗∗∗ تَمِيسُ فِينا مِشْيَةَ العَرُوسِ

(p-٣٠٨)فَسُمِّيَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أمْسٍ أمْسًا، ثُمَّ جُمِعَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يُسَلِّمْ عَلى آلِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ، فَلِذَلِكَ تَرْجُحُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "إلْياسِينَ" إذْ هو اسْمٌ واحِدٌ لَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ. والأعْمَشُ: "وَإنَّ إدْرِيسَ لِمَنِ المُرْسَلِينَ" و"سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ"، وهي لُغَةٌ في "إدْرِيسَ" كَإبْراهِيمَ وإبْراهامَ.

وقَوْلُهُ" ﴿ "أتَدْعُونَ"﴾ مَعْناهُ: أتَعْبُدُونَ؟ و"البَعْلُ": الرَبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. وسَمِعَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةٍ، فَقالَ لَهُ آخَرُ: أنا بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾. وقالَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: البَعْلُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ لَهُمْ، ولَهُ يُقالُ: بَعْلُ بَكْ، وإلَيْهِ نَسَبَ الناسُ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عن فِرْقَةٍ أنَّ "بَعْلًا" اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أتَتْهم بِضَلالَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ مِن حَيْثُ قِيلَ لِلْإنْسانِ عَلى التَجَوُّزِ: إنَّهُ يَخْلُقُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ تَعالى أحْسَنَ الخالِقِينَ؛ إذْ خَلْقُهُ اخْتِراعٌ وإيجادٌ مِن عَدَمٍ، وخَلْقُ الإنْسانِ مَجازٌ، كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ... ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

37:126–138Page 450

ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٢٦

Allāh, your Lord and the Lord of your first forefathers?"

فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧

And they denied him, so indeed, they will be brought [for punishment],

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٢٨

Except the chosen servants of Allāh.

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩

And We left for him [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠

"Peace upon Elias."1

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣١

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣٢

Indeed, he was of Our believing servants.

وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٣

And indeed, Lot was among the messengers.

إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٣٤

[So mention] when We saved him and his family, all,

إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٣٥

Except an old woman [i.e., his wife] among those who remained [with the evildoers].

ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٣٦

Then We destroyed the others.

وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ ١٣٧

And indeed, you pass by them in the morning

وَبِٱلَّيۡلِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٣٨

And at night. Then will you not use reason?

قوله عزّ وجلّ:

﴿اللهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

(p-٣٠٩)قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ بِنَصْبِ الجَمِيعِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: "أحْسَنَ"، وقَرَأ الباقُونَ وعاصِمٌ أيْضًا بِرَفْعِهِمْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. والضَمِيرُ في "كَذَّبُوهُ" عائِدٌ عَلى قَوْمِ إلْياسَ. و"مُحْضَرُونَ" مَعْناهُ: مُجْمَعُونَ لِعَذابِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾.

ولُوطٌ، قِيلَ: هو ابْنُ أُخْتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ بِكامِلِها، وامْرَأتُهُ هي العَجُوزُ المُهْلَكَةُ، وكانَتْ كافِرَةً، فَإمّا كانَتْ مُتَسَتِّرَةً مِنهُ وإمّا كانَتْ مُعْلِنَةً، وكانَ نِكاحُ الوَثَنِيّاتِ والإقامَةُ عَلَيْهِنَّ جائِزًا. و"الغابِرُونَ": الباقُونَ، غَبَرَ بِمَعْنى: بَقِيَ، ومَعْناهُ ها هُنا: بَقِيَتْ في الهَلاكِ.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى قُرَيْشًا، أو هو عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ في الصَباحِ وبِاللَيْلِ، فَواجِبٌ أنْ يَقَعَ اعْتِبارُكم ونَظَرُكُمْ، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском