Ibn 'AtiyyaAs‑Saffat · 37:139–182

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:139–182

37:139–146Page 451

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩

And indeed, Jonah was among the messengers.

إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠

[Mention] when he ran away to the laden ship.

فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١

And he drew lots1 and was among the losers.

فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ ١٤٢

Then the fish swallowed him, while he was blameworthy.1

فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ١٤٣

And had he not been of those who exalt Allāh,

لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤٤

He would have remained inside its belly until the Day they are resurrected.1

۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ ١٤٥

But We threw him onto the open shore while he was ill.

وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ ١٤٦

And We caused to grow over him a gourd vine.1

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾

هُوَ يُونُسُ بْنُ مَتّى عَلَيْهِ السَلامُ، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ أنَّهُ تَنَبَّأ ابْنُ ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً فَتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ كَما يَتَفَسَّخُ الرِبْعُ تَحْتَ الحِمْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ، ولَكِنْ نَذْكُرُ مِنها ما تُفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الألْفاظُ.

فَرُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَهُ إلى قَوْمِهِ، فَدَعاهم مَرَّةً فَخالَفُوهُ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِيَوْمِهِ فَحَدَّدَهُ يُونُسُ لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ لَمّا رَأوا مَخايِلَ العَذابِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهم تابُوا وآمَنُوا فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ العَذابَ عنهُمْ، وكانَ في هَذا تَجْرِبَةً لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَحِقَتْ يُونُسَ غَضْبَةٌ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في سِيرَتِهِمْ أنْ يَقْتُلُوا الكَذّابَ إذا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَخافَهم يُونُسُ وغَضِبَ مَعَ ذَلِكَ، فَأبَقَ إلى الفُلْكِ، أيْ أرادَ الهُرُوبَ ودَخْلَ في البَحْرِ، وعَبَّرَ عن هُرُوبِهِ بِالإباقِ، مِن حَيْثُ هو عَبْدُ اللهِ فَرَّ عن غَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإباقِ، و"الفُلْكُ" في هَذا المَوْضِعِ واحِدٌ، و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، (p-٣١٠)وَهُنا قَصَصٌ مَحْذُوفٌ إيجازًا واخْتِصارًا. ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ في السَفِينَةِ وأبْعَدَتْ وكَدَتْ ولَمْ تَجْرِ والسُفُنُ تَجْرِي يَمِينًا وشِمالًا، فَقالَ أهْلُ السَفِينَةِ: إنَّ فِينا لَصاحِبَ ذَنْبٍ وبِهِ يَحْبِسُنا اللهُ، فَقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فَأخَذُوا لِكُلِّ أحَدٍ سَهْمًا، وقالُوا: اللهُمَّ لْيَطْفُ سَهْمُ المُذْنِبِ ولْيَغْرَقْ سِهامُ الغَيْرِ، فَطَفا سَهْمُ يُونُسَ، فَفَعَلُوا نَحْوَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَقَعُ القُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأزْمَعُوا مَعَهُ عَلى أنْ يَطْرَحُوهُ، فَجاءَ إلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ السَفِينَةِ لِيَقَعَ مِنهُ فَإذا بِدابَّةٍ مِن دَوابِّ البَحْرِ تَرْقُبُهُ وتَرْصُدُهُ، فَدَفَعَ إلى الرُكْنِ الآخَرِ فَوَجَدَها كَذَلِكَ، حَتّى اسْتَدارَ بِالمَرْكِبِ وهي لا تُفارِقُهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ، فَتَرامى إلَيْها فالتَقَمَتْهُ، ورُوِيَ أنَّما التَقَمَتْهُ بَعْدَ أنْ وقَعَ في الماءِ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ أوحى إلى الحُوتِ أنِّي لَمْ أجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقًا، وإنَّما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وسِجْنًا، فَهَذا مَعْنى ﴿ "فَساهَمَ"،﴾ أيْ: قارَعَ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. و"المُدْحَضُ": الزاهِقُ المَغْلُوبُ في مُحاجَّةٍ أو مُساهَمَةٍ أو مُسابَقَةٍ. ومِنهُ: الحُجَّةُ الداحِضَةُ، و"المُلِيمُ": الَّذِي أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ألامَ الرَجُلُ دَخَلَ في اللَوْمِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ سَفَهًا عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُلِيمِ ∗∗∗ وهَداكِ قَبْلَ اليَوْمِ غَيْرُ حَكِيمِ

ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن بَطْنِ الحُوتِ بَعْدَ مُدَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ فِيها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ سَبْعِ ساعاتٍ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ أبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ بَلَغَهُ. وجَعَلَ تَعالى عِلَّةَ اسْتِنْقاذِهِ مَعَ القُدْرَةِ (p-٣١١)السابِقَةِ تَسْبِيحَهُ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو قَوْلُهُ في بَطْنِ الحُوتِ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَسْبِيحُ وصَلاةُ التَطَوُّعِ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: صِلاتُهُ في وقْتِ الرَخاءِ نَفَعَتْهُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلى مِنبَرِهِ: اذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ إنَّ يُونُسَ كانَ عَبْدًا لِلَّهِ ذاكِرًا فَلَمّا أصابَتْهُ الشِدَّةُ نَفَعَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ طاغِيًا باغِيًا، فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ: آمَنتُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، فاذْكُرُوا اللهَ في الرَخاءِ يَذْكُرْكم في الشِدَّةِ. وقالَ قَتادَةُ في الحِكْمَةِ: إنَّ العَمَلَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ إذا عَثَرَ، فَإذا صُرِعَ وجَدَ مُتَّكَأً، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: كانَتْ سُبْحَتُهُ صَلاةً في بَطْنِ الحُوتِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُ لَحْمَ الحُوتِ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ لَأبْنِيَنَّ لَكَ مَسْجِدًا حَيْثُ لَمْ يَبْنِهِ أحَدٌ قَبْلِي، ويُصَلِّي، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ يُونُسَ حِينَ نادى في الظُلُماتِ ارْتَفَعَ نِداؤُهُ إلى العَرْشِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مِن مَوْضِعِ غُرْبَةٍ، فَقالَ: هَذا عَبْدِييُونُسُ، فَأجابَ اللهُ دَعْوَتَهُ".» وذَكَرَ الحَدِيثَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وكَتَبَ الناسُ في هَذا القَصَصِ بِما اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، ورُوِيَ أنَّ الحُوتَ مَشى بِهِ في البِحارِ كُلِّها حَتّى قَذَفَهُ في نَصِيبَيْنِ مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ، فَنَبَذَهُ اللهُ في عَراءٍ مِنَ الأرْضِ، وهو الأرْضُ الفَيْحاءُ الَّتِي لا شَجَرَ فِيها ولا مَعْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣١٢)

؎ رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي

وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: إنَّهُ كانَ كالطِفْلِ المَنفُوسِ، بِضْعَةُ لَحْمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ كاللَحْمِ النَيِّءِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن خَلْقِهُ شَيْءٌ، فَأنْعَشَهُ اللهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَةٍ كانَتْ تُغادِيهِ وتُراوِحُهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَتَغَذّى مِنَ اليِقْطِينَةِ، ويَجِدُ مِنها ألْوانَ الطَعامِ وأنْواعَ شَهَواتِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في اليَقْطِينِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي شَجَرَةٌ لا نَعْرِفُها، سَمّاها اللهُ بِاليَقْطِينِ، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن: قَطَنَ إذا أقامَ بِالمَكانِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُقاتِلٌ: اليَقْطِينُ: كُلُّ ما لا يَقُومُ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ كالبُقُولِ والقَرْعِ والحَنْظَلِ والبِطِّيخِ ونَحْوِهُ مِمّا يَمُوتُ مِن عامِهِ، ورُوِيَ نَحْوَهُ عن مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اليَقْطِينُ: القَرْعُ خاصَّةً، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "شَجَرَةً" تَجَوُّزًا، وإمّا أنْ يَكُونَ أنْبَتَها عَلَيْهِ ذاتَ ساقٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ الشَجَرَةَ في كَلامِ العَرَبِ إنَّما يُقالُ لِما كانَ عَلى ساقٍ مِن عُودٍ، وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّها كانَتْ قَرْعَةٌ وهي تُجْمَعُ خِصالًا: بَرَدَ الظِلِّ والمَلْمَسِ وعِظَمَ الوَرَقِ وأنَّ الذُبابَ لا يُقْرَبُها، وحَكى النَقّاشِ أنَّ ماءَ ورَقِ القَرْعَةِ إذا رُشَّ بِمَكانٍ لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبابٌ، ومَشْهُورُ اللُغَةِ أنَّ اليَقْطِينَ: القَرْعُ، وقَدْ قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ:

فَأنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرَحْمَةٍ... مِنَ اللهِ، لَوْلا اللهُ أُلْفِيَ ضاحِيًا

(p-٣١٣)فَنَبَتَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وصَحَّ وحَسُنَ جِسْمُهُ؛ لِأنَّ ورَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شَيْءٍ لِمَن تَسَلَّخَ جِلْدُهُ كَيُونُسَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَوْمًا نائِمًا فَأيْبَسَ اللهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقِيلَ: بَعَثَ عَلَيْها الأرَضَةَ فَقَطَعَتْ عُرُوقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْهِ شَأْنُها وجَزَعَ لَهُ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُونُسُ، أجَزِعْتَ لِيُبْسِ اليَقْطِينَةِ ولَمْ تَجْزَعْ لِإهْلاكِ مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ تابُوا فَتِيبَ عَلَيْهِمْ.

37:147–157Page 451

وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧

And We sent him1 to [his people of] a hundred thousand or more.

فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ١٤٨

And they believed, so We gave them enjoyment [of life] for a time.

فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ ١٤٩

So inquire of them, [O Muḥammad], "Does your Lord have daughters while they have sons?1

أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ ١٥٠

Or did We create the angels as females while they were witnesses?"

أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١

Unquestionably, it is out of their [invented] falsehood that they say,

وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢

"Allāh has begotten," and indeed, they are liars.

أَصۡطَفَى ٱلۡبَنَاتِ عَلَى ٱلۡبَنِينَ ١٥٣

Has He chosen daughters over sons?

مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ١٥٤

What is [wrong] with you? How do you make judgement?

أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٥٥

Then will you not be reminded?

أَمۡ لَكُمۡ سُلۡطَٰنٞ مُّبِينٞ ١٥٦

Or do you have a clear authority?1

فَأۡتُواْ بِكِتَٰبِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٥٧

Then produce your scripture, if you should be truthful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ إلى مِائَةِ ألْفٍ في رِسالَتِهِ الأُولى الَّتِي أبَقَ بَعْدَها، ذَكَرَها اللهُ تَعالى في آخِرِ القَصَصِ تَنْبِيهًا عَلى رِسالَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾، وتَمْتِيعُ تِلْكَ الأُمَّةِ هو الَّذِي أغْضَبَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ حَتّى أبَقَ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هَذِهِ الرِسالَةُ أُخْرى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بِالعَراءِ، وهي إلى أهْلِ نِينَوى مِن ناحِيَةِ المُوصِلِ.

وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَيَزِيدُونَ" بِالواوِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يَزِيدُونَ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "أو" بِمَعْنى (بَلْ)، وكانُوا مِائَةَ ألْفٍ وثَلاثِينَ ألْفًا، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "كانُوا مِائَةً وعِشْرِينَ ألْفًا"،» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا مِائَةً وسَبْعِينَ ألْفًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "بَلْ يَزِيدُونَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ "أو" هُنا بِمَعْنى الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، كَما تَقُولُ: "ما عَلَيْكَ أنْتَ، أنا أُعْطِي فُلانًا دِينارًا أو ألْفَ دِينارٍ"، ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ (p-٣١٤)الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهَذا المَعْنى قَلِيلُ التَمَكُّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أو يَزِيدُونَ﴾. وقالَ المُبَرِّدُ وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: المَعْنى عَلى نَظَرِ البَشَرِ وحَذَرِهِمْ، أيْ: مَن رَآهم قالَ: هم مِائَةُ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ.

ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أنَّهم خَرَجُوا بِالأطْفالِ وأولادِ البَهائِمِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّهاتِ، وناحُوا وضَجُّوا وأخْلَصُوا، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمْ، والتَمْتِيعُ هُنا هو بِالحَياةِ، والحِينُ: آجالُهُمُ السابِقَةُ في الأزَلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [حَتّى حِينٍ]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ: أيْ: إنْ آمَنُوا أمِنُوا كَما جَرى لِهَؤُلاءِ، ومِن هَنا حَسُنَ انْتِقالُ القَوْلِ والمُحاوَرَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، فَإنَّما يَعُودُ ضَمِيرُهم عَلى ما في المَعْنى مِن ذِكْرِهِمْ.

و"الِاسْتِفْتاءُ": السُؤالُ، وهو هُنا بِمَعْنى التَقْرِيعِ والتَوْبِيخِ، عَلى قَوْلِهِمْ عَلى اللهِ، البُهْتانَ وجَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ تَعالى عن ذَلِكَ. وأمَرَهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ أيْضًا، هَلْ شاهَدُوا أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ فَيَصِحُّ لَهُمُ القَوْلُ بِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن فِرْقَةٍ مِنهم بَلَغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أنْ قالَتْ: ولَدَ اللهُ المَلائِكَةَ لِأنَّهُ نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِن بَنِي مُدْلَجٍ فِيما رُوِيَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أصْطَفى﴾ ألِفَ قَطْعٍ هي لِلِاسْتِفْهامِ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ عَلى نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ اخْتِيارَ الأدْنى عِنْدَهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ: [اصْطَفى] بِصِلَةِ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَحْكِي شَنِيعَ قَوْلِهِمْ، ورَواها إسْماعِيلُ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ.

ثُمَّ قَرَّرَ ووَبَّخَ وعَرَضَ لِلتَّذَكُّرِ والنَظَرِ، واسْتَفْهَمَ عَنِ البُرْهانِ والحُجَّةِ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وضَمِّهِمُ الِاسْتِظْهارِ بِكِتابٍ أو أمْرٍ يُظْهِرُ صِدْقَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: " تَذَّكَّرُونَ " مُشَدَّدَةَ الذالِ والكافِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافَ خَفِيفَةً.

37:158–169Page 452

وَجَعَلُواْ بَيۡنَهُۥ وَبَيۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبٗاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٥٨

And they have made [i.e., claimed] between Him and the jinn a lineage, but the jinn have already known that they [who made such claims] will be brought [to punishment].

سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٥٩

Exalted is Allāh above what they describe,

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٠

Except the chosen servants of Allāh [who do not share in that sin].

فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ ١٦١

So indeed, you [disbelievers] and whatever you worship,

مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ ١٦٢

You cannot tempt [anyone] away from Him

إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ ١٦٣

Except he who is to [enter and] burn in the Hellfire.1

وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ١٦٤

[The angels say],1 "There is not among us any except that he has a known position.2

وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ ١٦٥

And indeed, we are those who line up [for prayer].

وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡمُسَبِّحُونَ ١٦٦

And indeed, we are those who exalt Allāh."

وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ ١٦٧

And indeed, they [i.e., the disbelievers] used to say,1

لَوۡ أَنَّ عِندَنَا ذِكۡرٗا مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦٨

"If we had a message from [those of] the former peoples,

لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٩

We would have been the chosen servants of Allāh."

(p-٣١٥)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾

الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا"﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾. مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"،﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ"﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ. أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ. ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ.

ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"،﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ"﴾ المَلائِكَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ (p-٣١٦)نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢]، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ.

ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ".

و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ.

ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

37:170–182Page 452

فَكَفَرُواْ بِهِۦۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ١٧٠

But they disbelieved in it,1 so they are going to know.

وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١

And Our word [i.e., decree] has already preceded for Our servants, the messengers,

إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢

[That] indeed, they would be those given victory

وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣

And [that] indeed, Our soldiers [i.e., the believers] will be those who overcome.1

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٤

So, [O Muḥammad], leave them for a time.

وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٥

And see [what will befall] them, for they are going to see.

أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ١٧٦

Then for Our punishment are they impatient?

فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٧

But when it descends in their territory, then evil is the morning of those who were warned.

وَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٨

And leave them for a time.

وَأَبۡصِرۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٩

And see, for they are going to see.

سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠

Exalted is your Lord, the Lord of might, above what they describe.

وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٨١

And peace upon the messengers.

وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٢

And praise to Allāh, Lord of the worlds.

(p-٣١٧)قوله عزّ وجلّ:

﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿وَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ ﴿وَأبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا فَلَمّا جاءَهُمُ اللهُ بِهِ كَفَرُوا واسْتَهْواهُمُ الحَسَدُ، ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ وأولِياءَهُ بِأنَّ القَضاءَ قَدْ سَبَقَ، والكَلِمَةَ قَدْ حَقَّتْ في الأزَلِ، بِأنَّ رُسُلَ اللهِ تَعالى إلى أرْضِهِ هُمُ المَنصُورُونَ عَلى مَن ناوَأهُمُ، المُظَفَّرُونَ بِإرادَتِهِمُ، المُسْتَوْجَبُونَ الفَلّاحَ في الدارَيْنِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "كَلِماتُنا" بِألِفٍ عَلى الجَمْعِ. و"جُنْدُ اللهِ" هُمُ الغُزاةُ لِتَكُونَ كَلِماتُ اللهِ هي العُلْيا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: جُنْدُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عنهم حَتّى حِينٍ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأمْرٌ بِالمُوادَعَةِ، وهَذا مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالحِينِ هُنا، فَقالَ السُدِّيُّ: الحِينُ مَوْتُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحِينُ المَقْصُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبْصِرْهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَوْفَ يَرَوْنَ عُقْبى طَرِيقَتِهِمْ.

ثُمَّ قَرَّرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم - عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نَزَلَ بِساحَتِهِمْ"﴾ أيِ العَذابُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَلَ" عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، و"الساحَةُ": الفِناءُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ فِيما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ. و"سُوءُ الصَباحِ" أيْضًا مُسْتَعْمَلٌ في وُرُودِ الغاراتِ والرَزايا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الصارِخِ: "يا صَباحاهُ"، كَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ سَألَنِي الصَباحُ فَأعِينُونِي، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَبِئْسَ صَباحُ".

ثُمَّ أعادَ اللهُ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَوَلِّي تَحْقِيقًا لِتَأْنِيسِهِ وتَهَمُّمًا بِهِ، وأعادَ سُبْحانَهُ تَوَعُّدَهم أيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَصِفَهُ بِهِ أهْلُ الضَلالاتِ.

و"العِزَّةُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ هي العِزَّةُ المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ، لِلْأنْبِياءِ (p-٣١٨)والمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: مِن أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ: "مَن حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ فَإنْ كانَ أرادَ صِفَتَهُ الذاتِيَّةَ فَهي يَمِينٌ، وإنْ كانَ أرادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَها بَيْنَ عِبادِهِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إذا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلى المُرْسَلِينَ، فَإنَّما أنا أحَدُهُمْ".» وباقِي السُورَةِ بَيِّنٌ.

وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عن صالِحِ بْنِ مِينا قالَ: قَرَأْتُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، فَلَمّا خَتَمْتُ هَذِهِ السُورَةَ سَكَتَ، فَقالَ: إيهٍ، اقْرَأْ، قُلْتُ: قَدْ خَتَمْتُ، فَقالَ: كَذَلِكَ فَعَلْتُ عَلى أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ وقالَ لِي كَما قُلْتُ لَكَ، وقالَ لِي كَذَلِكَ قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وقالَ: "وَقُلْ آذَنْتُكم بِإذانَةِ المُرْسَلِينَ، لَتُسْألُنَّ عَنِ النَبَإ العَظِيمِ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "عن هَذا النَبَإ العَظِيمِ".

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (الصافّاتِ) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском