Ibn 'AtiyyaAs‑Saffat · 37:71–102

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:71–102

37:71–79Page 448

وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١

And there had already strayed before them most of the former peoples,

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢

And We had already sent among them warners.

فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣

Then look how was the end of those who were warned -

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٧٤

But not the chosen servants of Allāh.

وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥

And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.

وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦

And We saved him and his family from the great affliction.

وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧

And We made his descendants those remaining [on the earth]

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨

And left for him [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩

"Peace upon Noah among the worlds."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾

مَثَّلَ تَعالى لِقُرَيْشٍ في هَذِهِ الآيَةِ بِالأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ قَدِيمًا، وجاءَها الإنْذارُ، وأهْلَكَها اللهُ بِعَدْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ يَقْتَضِي الإخْبارُ بِأنَّهُ عَذَّبَهُمْ، ولِذَلِكَ حَسُنَ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا عِبادَ اللهِ﴾.

ونِداءُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ تَضَمَّنَ أشْياءَ: مِنها الدُعاءُ عَلى قَوْمِهِ، ومِنها سُؤالُ النَجاةِ، ومِنها طَلَبُ النُصْرَةِ، وفي جَمِيعِ ذَلِكَ وقَعَتِ الإجابَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ يَقْتَضِي الخَبَرَ بِأنَّ الإجابَةَ كانَتْ عَلى أكْمَلِ ما أرادَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ. و﴿الكَرْبِ العَظِيمِ﴾، قالَ السُدِّيُّ: هو الغَرَقُ، ومِنَ الكَرْبِ تَكْذِيبُ الكَفَرَةِ، ورُكُوبُ الماءِ وهَوْلِهِ، قالَ الرُمّانِيُّ: الكَرْبُ: الخَبَرُ الثَقِيلُ عَلى القَلْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ: أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: والعَرَبُ مِن أولادِ سامٍ، والسُودانُ مِن أولادِ حامٍ، والتُرْكُ والصَقْلَبُ وغَيْرُهم مِن أولادِ يافِثٍ. ورُوِيَ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "سامٌ وحامٌ ويافِثٌ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ اللهَ تَعالى أبْقى ذُرِّيَّةَ نُوحٍ، ومَدَّ نَسْلَهُ، وبارَكَ في ضِئْضِئِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ بِأنَّ أهْلَ الأرْضِ انْحَصَرُوا إلى (p-٢٩٤)نَسْلِهِ، بَلْ في الأُمَمِ مَن لا يَرْجِعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أشْهَرَ عِنْدَ عُلَماءِ الأُمَّةِ، وقالُوا: نُوحٌ هو آدَمُ الأصْغَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ مَعْناهُ: ثَناءً حَسَنًا جَمِيلًا باقِيًا آخِرَ الدَهْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسٌدِّيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ "سَلامٌ"﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ مُسْتَأْنَفٌ، سَلَّمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ لِيَقْتَدِيَ بِذَلِكَ البَشَرُ، قالَ الطَبَرِيُّ: هَذِهِ أمَنَةٌ مِنهُ لِنُوحٍ في العالَمِينَ أنْ يَذْكُرَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

هَذا جَزاءُ ما صَبَرَ طَوِيلًا عَلى أقْوالِ الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ.

وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِنَ الكُوفِيِّينَ: قَوْلُهُ: ﴿ "سَلامٌ"﴾ الآيَةُ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـِ"تَرَكْنا"، وهَذا هو المَتْرُوكُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وتَرَكْنا عَلى نُوحٍ تَسْلِيمًا، يُسَلَّمُ بِهِ عَلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي قِراءَةِ عَبْدُ اللهِ: [سَلامًا] نَصْبًا بـِ"تَرَكْنا". صَلّى اللهُ عَلى نُوحٍ وعَلى أهْلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا، وشَرَّفَ وكَرَّمَ، وعَلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ.

و﴿فِي الآخِرِينَ﴾ مَعْناهُ: في الباقِينَ غابِرَ الدَهْرِ، والقِراءَةُ بِكَسْرِ الخاءِ: وما كانَ مِن إهْلاكٍ فَهو بِفَتْحِها.

37:80–90Page 449

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٠

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨١

Indeed, he was of Our believing servants.

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٨٢

Then We drowned the others [i.e., disbelievers].

۞ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ ٨٣

And indeed, among his kind was Abraham,

إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ ٨٤

When he came to his Lord with a sound heart

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥

[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?

أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦

Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?

فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧

Then what is your thought about the Lord of the worlds?"

فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ ٨٨

And he cast a look at the stars

فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ ٨٩

And said, "Indeed, I am [about to be] ill."

فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ ٩٠

So they turned away from him, departing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ ﴿فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى (p-٢٩٥)عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ ﷺ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإشارَةُ إلَيْهِ. وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ:

؎ وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ

فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟ ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ (p-٢٩٦)الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ.

واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".»

(p-٢٩٧)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً. وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ. وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.

37:91–98Page 449

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١

Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1

مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ ٩٢

What is [wrong] with you that you do not speak?"

فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣

And he turned upon them a blow with [his] right hand.

فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤

Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.

قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥

He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦

While Allāh created you and that which you do?"

قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧

They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."

فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨

And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾

"راغَ" مَعْناهُ: مالَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:

؎ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الرِياغُ ولا يَنَ... فَعُ إلّا المُصادِقُ النِحْرِيرُ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِعَبَدَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، ورُوِيَ أنَّ عادَةَ أُولَئِكَ كانَتْ أنَّهم يَتْرُكُونَ الطَعامَ في بُيُوتِ الأصْنامَ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها تُصِيبُ مِنهُ شَمِيمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ المُعْتَقَداتِ الباطِلَةِ، ثُمَّ كانَ خَدَمُ البَيْتِ يَأْكُلُونَهُ. فَلَمّا دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ (p-٢٩٨)السَلامُ وقَفَ عَلى الأكْلِ، والنُطْقِ والمُخاطَبَةِ لِلْأصْنامِ والقَصْدُ الِاسْتِهْزاءُ بِعابِدِيها، ثُمَّ مالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلى ضَرْبِ تِلْكَ الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتّى جَعَلَها جِذاذًا.

واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ "بِاليَمِينِ"،﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُمْنى يَدَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ: بِقُوَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ بِالفَأْسِ، وقِيلَ: أرادَ يَمِينَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتاللهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، و"ضَرْبًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِهِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: [صَفْقًا بِاليَمِينِ].

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: (أقْبَلُوا) لِكُفّارِ قَوْمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَزِفُّونَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، مِن: زَفَّ إذا أسْرَعَ، وزَفَّتِ الإبِلُ إذا أسْرَعَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ:

؎ فَجاءَ قَرِيعُ الشَوْلِ قَبْلَ إفالِها ∗∗∗ ∗∗∗ يَزِّفُّ وجاءَتْ خَلْفَهُ وهي زُفَّفُ

ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيُّ:

؎ وزَفَّتِ الشَوْلُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ كَما ∗∗∗ ∗∗∗ زَفَّ النَعامُ إلى حَفانِهِ الرُوحُ

(p-٢٩٩)وَقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن: أزَفَّ إذا دَخَلَ في الزَفِيفِ، ولَيْسَتْ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ، هَذا قَوْلٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناها: يَحْمِلُونَ غَيْرَهم عَلى الزَفِيفِ، وحَكاهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، "يَزِفُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ مِن: وزَفَ يَزِفُ، وهي لُغَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ الكِسائِيُّ: والفَرّاءُ لا نُعْرِفُها بِمَعْنى: زَفَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الوَزِيفُ: السَيَلانُ.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "يَزِفُّونَ" مَعْناهُ: يَتَمَهَّلُونَ في مَشْيِهِمْ كَزِفافِ العَرُوسِ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أنْ يَنالَ أحَدٌ آلِهَتَهم بِسُوءٍ لِعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا لِذَلِكَ مُتَمَهِّلِينَ. وزَفَّ بِمَعْنى أسْرَعَ هو المَعْرُوفُ.

ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم في جُمْلَةِ مُحاوَرَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، أيْ: تَجْعَلُونَ إلَهًا مُعَظَّمًا شَيْئًا صَنَعْتُمُوهُ مِن عُودٍ أو حَجَرٍ، وعَمِلْتُمُوهُ بِأيْدِيكُمْ؟ أخْبَرَهم بِخَبَرٍ لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ خَلَقَكُمْ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾، فَمَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: وأعْمالَكُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَهم قاعِدَةٌ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ في ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى الَّذِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي نَفْيٌ، بِمَعْنى: وأنْتُمْ لا تَعْمَلُونَ شَيْئًا في وقْتِ خَلْقِكم ولا قَبْلَهُ، ولا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، والمُعْتَزِلَةُ مُضْطَرَّةٌ إلى الزَوالِ عن أنْ تَجْعَلَ "ما" مَصْدَرِيَّةً.

و"البُنْيانُ" قِيلَ: كانَ في مَوْضِعِ إيقادِ النارِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ لِلْمَنجَنِيقِ الَّذِي رُمِيَ عنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ نارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَهُمُ اللهُ الأسْفَلِينَ بِأنْ غُلِبُوا وذَلُّوا ونالَتْهُمُ العُقُوباتُ.

37:99–102Page 449

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩

And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.

رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠

My Lord, grant me [a child] from among the righteous."

فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١

So We gave him good tidings of a forbearing boy.

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢

And when he reached with him [the age of] exertion,1 he said, "O my son, indeed I have seen in a dream that I [must] sacrifice you, so see what you think." He said, "O my father, do as you are commanded. You will find me, if Allāh wills, of the steadfast."

(p-٣٠٠)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وأنَّهُ أشارَ بِذَهابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِن أرْضِ بابِلَ حَيْثُ كانَتْ مَمْلَكَةُ نَمْرُوذَ، فَخَرَجَ إلى الشامِ، ويُرْوى: إلى بِلادِ مِصْرَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ لَيْسَ مُرادُهُ بِهِ الهِجْرَةَ كَما في آيَةٍ أُخْرى، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءَ اللهِ بَعْدَ الِاحْتِراقِ؛ لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّ النارَ سَيَمُوتُ فِيها، فَقالَ هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي سائِرٌ بِهَذا العَمَلِ إلى رَبِّي، وهو سَيَهْدِينِي إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ، ولِلْعارِفِينَ بِهَذا الذَهابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجاجٌ في الصَفاءِ، وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾ وحْدَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ مِن نَمَطِ الآيَةِ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُعاءَ في الوَلَدِ كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ مَعَ ذَهابِ الفَناءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الصالِحِينَ﴾، "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشَّرْناهُ﴾، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - وقَدْ رَفَعَهُ - وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرَةَ: هي البِشارَةُ المَعْرُوفَةُ بِإسْحَقَ، وهو الذَبِيحُ، وكانَ أمْرُ ذَبْحِهِ بِالشامِ، وقالَ عَطاءُ، ومُقاتِلٌ: كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والبِشارَةُ الَّتِي بَعُدَ هَذِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هي بِشارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، وهو قَدْ كانَ وهَبَهُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ النُبُوَّةَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ. وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "يا بْنَ الذَبِيحَيْنِ": أرادَ إسْحَقَ، والعَمُّ أبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ ما وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ، فَلَمْ يَتَعارَضِ الأمْرُ بِالذَبْحِ مَعَ البِشارَةِ بِوَلَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ البِشارَةُ هي بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وهو الذَبِيحُ، وأمْرُ ذَبْحِهِ كانَ مُحَمَّدٌ (p-٣٠١)بِالحِجازِ وبِمِنى، ثُمَّ رَمى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الشَيْطانَ بِالجَمَراتِ، وقَبَضَ الكَبْشَ وسَنَّ السُنَنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - ورَفَعَهُ مُعاوِيَةُ إلى النَبِيِّ ﷺ - ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وبِهِ كانَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: « "يا ابْنَ الذَبِيحَيْنِ"» وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"،» يَعْنِي إسْماعِيلَ وعَبْدَ اللهِ أباهُ، ويَسْتَدِلُّ بِأنَّ البِشارَةَ اقْتَرَنَتْ بِأنَّ مِن ورائِهِ يَعْقُوبَ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ في صِباهُ: اذْبَحْهُ، لَناقَضَ ذَلِكَ البِشارَةَ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَسْتَدِلُّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ بُشِّرَ بِإسْماعِيلَ، وانْقَضى أمْرُ ذَبْحِهِ، ثُمَّ بُشِّرَ بِإسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ يَجِيءُ مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ عَلى البُراقِ زائِرًا ويَعُودُ مِن يَوْمِهِ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ عَلى البُراقِ، وذَكَرَ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وفِيها ذِكْرُ البُراقِ كَما سَمِعْتُ أبِي يَحْكِي.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ، وتَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحَقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَألَ رَجُلًا يَهُودِيًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ فَقالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّ اليَهُودَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ والفَضْلُ واللهِ في أبِيكم.

و"السَعْيُ" في هَذِهِ الآيَةِ العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ قَتادَةُ: السَعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "مَعَهُ السَعْيَ وأسَرَّ في نَفْسِهِ حُزْنًا"، قالَ: وهَكَذا في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَأى ذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقْتُ الِامْتِثالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ أُمِرَ في نَوْمِهِ بِذَبْحِهِ فَعَبَّرَ هو عن ذَلِكَ، أيْ: إنِّي رَأيْتُ في النَوْمِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "ماذا تَرى"﴾ بِفَتْحِ التاءِ والراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى مَعْنى: ما يَظْهَرُ مِنكَ مِن جَلَدٍ أو جَزَعٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والضَحّاكُ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ. فَأمّا الأُولى فَهي مِن (p-٣٠٢)رُؤْيَةِ الرَأْيِ، وهي رُؤْيَةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو - في هَذِهِ الآيَةِ - إمّا "ماذا" تَحْمِلُهُما عَلى أنْ تَجْعَلَهُما بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وإمّا "ذا" عَلى أنْ تَجْعَلَها بِمَعْنى الَّذِي، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا، وتَكُونُ الهاءُ مَحْذُوفَةً مِنَ الصِلَةِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ مَفْعُولِها كَما مَرَّ في هَذِهِ، غَيْرَ أنَّ الفِعْلَ فِيها مَنقُولٌ مِن: رَأى زَيْدٌ الشَيْءَ، وأرَيْتُهُ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ مِن بابِ أعْطَيْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يُقْتَصَرَ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ. وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَقَدْ ضَعَّفَها أبُو عَلِيٍّ، وتَتَّجِهُ عَلى تَحامُلٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском