Ibn 'AtiyyaAn‑Nisa · 4:69–78

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:69–78

4:69–70Page 89

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩

And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠

That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ والرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ والصالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ وكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾

لَمّا ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ الَّذِي لَوْ فَعَلُوهُ لَأنْعَمَ عَلَيْهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَوابَ مَن يَفْعَلُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، (p-٥٩٨)وَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «لَمّا قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الأنْصارِيُّ الَّذِي أُرِيَ الأذانَ: يا رَسُولَ اللهِ، إذا مُتَّ ومُتْنا كُنْتَ في عِلِّيِّينَ فَلا نَراكَ ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذَكَرَ حُزْنَهُ عَلى ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وحَكى مَكِّيٌّ عن عَبْدِ اللهِ هَذا، أنَّهُ لَمّا ماتَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَ: اللهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ، فَعَمِيَ، وذَكَرَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ ذَلِكَ أو نَحْوَهُ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ.

ومَعْنى "أنَّهم مَعَهُمْ": أنَّهم في دارٍ واحِدَةٍ، ومُتَنَعَّمٍ واحِدٍ، وكُلُّ مَن فِيها قَدْ رُزِقَ الرِضا بِحالِهِ، وذَهَبَ عنهُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مَفْضُولٌ، وإنْ كُنّا نَحْنُ قَدْ عَلِمْنا مِنَ الشَرِيعَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وعَلى قَدْرِ فَضْلِ اللهِ عَلى مَن شاءَ.

والصِدِّيقُ: فِعِّيلٌ مِنَ الصِدْقِ، وقِيلَ: مِنَ الصَدَقَةِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الصِدِّيقُونَ المُصَدِّقُونَ"»

والشُهَداءُ: المَقْتُولُونَ في سَبِيلِ اللهِ، هُمُ المَخْصُوصُونَ بِفَضْلِ المِيتَةِ، وهُمُ الَّذِينَ فَرَّقَ الشَرْعُ حُكْمَهم في تَرْكِ الغُسْلِ والصَلاةِ، لِأنَّهم أكْرَمُ مِن أنْ يُشْفَعَ لَهُمْ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ اللهَ شَهِدَ لَهم بِالجَنَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّهم شَهِدُوا لِلَّهِ بِالحَقِّ في مَوْتِهِمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ، ولَكِنَّ لَفْظَ الشُهَداءِ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ أنْواعَ الشُهَداءِ.

(p-٥٩٩)وَ"رَفِيقًا" مُوَحَّدُ في مَعْنى الجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا﴾ [غافر: ٦٧]. ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "وَحَسْنَ" بِسُكُونِ السِينِ، وذَلِكَ مِثْلُ: "شَجْرَ بَيْنَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ رَدٌّ عَلى تَقْدِيرِ مُعْتَرِضٍ يَقُولُ: وما الَّذِي يُوجِبُ اسْتِواءَ أهْلِ الطاعَةِ والنَبِيِّينَ في الآخِرَةِ والفَرْقُ بَيْنَهم في الدُنْيا بَيِّنٌ؟ فَذَكَرَ اللهُ أنَّ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ لا بِوُجُوبٍ عَلَيْهِ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِ المُطِيعِينَ مَعَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وأيْضًا فَلا نُقَرِّرُ الِاسْتِواءَ، بَلْ هم مَعَهم في دارٍ والمَنازِلُ مُتَبايِنَةٌ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ وفِيها مَعْنى أنْ يَقُولَ: فَسَلِّمُوا فِعْلَ اللهِ وتَفَضُّلَهُ مِنَ الاعْتِراضِ عَلَيْهِ، واكْتَفُوا بِعِلْمِهِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أُدْخِلَتِ الباءُ عَلى اسْمِ اللهِ، لِتَدُلَّ عَلى الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "وَكَفى".

4:71–73Page 89

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."

وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣

But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

هَذا خِطابٌ لِلْمُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ، والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللهِ، وحِمايَةِ الشَرْعِ.

و"خُذُوا حِذْرَكُمْ" مَعْناهُ: احْزِمُوا واسْتَعِدُّوا بِأنْواعِ الِاسْتِعْدادِ، فَهُنا يَدْخُلُ أخْذُ السِلاحِ وغَيْرِهِ، و"انْفِرُوا" مَعْناهُ: اخْرُجُوا مُجِدِّينَ مُصَمِّمِينَ، يُقالُ: نَفَرَ الرَجُلُ يَنْفِرُ -بِكَسْرِ الفاءِ- نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ تَنْفُرُ -بِضَمِّ الفاءِ- نُفُورًا. و"ثُباتٍ" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقاتٌ، فَهي كِنايَةٌ عَنِ السَرايا.

(p-٦٠٠)وَ"جَمِيعًا" مَعْناهُ: الجَيْشُ الكَثِيفُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والثُبَةُ: حُكِيَ أنَّها فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِجالِ، وزْنُها فُعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أصْلُها: ثُبْوَةٌ، وقِيلَ: ثُبَيَةٌ، حُذِفَتْ لامُها بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَتْ وانْقَلَبَتْ ألِفًا حَذْفًا غَيْرَ مَقِيسٍ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ: ثِبُونْ، بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ، وكُسِرَ أوَّلُها في الجَمْعِ دَلالَةً عَلى خُرُوجِها عن بابِها لِأنَّ بابَها أنْ تُجْمَعَ بِالتاءِ أبَدًا، فَيُقالَ: ثُباتٍ، وتُصَغَّرُ: ثُبَيَّةٌ، أصْلُها: ثُبَيْوَةٌ، وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ -وَهِيَ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ- فالمَحْذُوفُ مِنها العَيْنُ، وأصْلُها: ثُوَبَةٌ وتَصْغِيرُها: ثُوَبْيَةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ فَلَمّا جَلاها بِالإيامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها

إنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ، سِيقَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ ثُبَةٍ: ثُبَوَةٌ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَساقَها أبُو ذُؤَيْبٍ في هَذِهِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكُمْ﴾ إنَّ إيجابٌ، والخِطابُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِـ "مِن" المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ عنهم بِـ "مِنكُمْ" إذْ هم في عِدادِ المُؤْمِنِينَ ومُنْتَحِلُونَ دَعْوَتَهُمْ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "مَن" لامُ التَأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا كانَ الخَبَرُ مُتَقَدِّمًا في المَجْرُورِ، وذَلِكَ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ لَزَيْدًا"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّ مِنكم لَمَن واللهِ- لَيُبَطِّئَنَّ" وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ، ولَيُبَطِّئَنَّ مَعْناهُ: يُبَطِّئُ غَيْرَهُ، أيْ: يُثَبِّطُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى التَخَلُّفِ عن مَغازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لَيُبْطِئَنَّ" بِالتَخْفِيفِ في الطاءِ. و"مُصِيبَةٌ" يَعْنِي مِن قَتْلٍ واسْتِشْهادٍ، وإنَّما هي مُصِيبَةٌ بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، أو عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما شاءَ اللهُ تَعالى، وإنَّما الشَهادَةُ في (p-٦٠١)الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ لِحُسْنِ مَآلِها، و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: مُشاهِدًا، فالمَعْنى: أنَّ المُنافِقَ يَسُرُّهُ غَيْبُهُ إذا كانَتْ شِدَّةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَلُّفَهُ إنَّما هو فَزَعٌ مِنَ القِتالِ، ونُكُولٌ عَنِ الجِهادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: ولَئِنْ ظَفِرْتُمْ وغَنِمْتُمْ وكُلُّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ، نَدِمَ المُنافِقُ أنْ لَمْ يَحْضُرْ ويُصِبِ الغَنِيمَةَ، وقالَ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ مُتَمَنِّيًا شَيْئًا قَدْ كانَ عاهَدَ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ غَدَرَ في عَهْدِهِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنَّما يَتَمَنّى مِثْلَ هَذا إذا كانَ المانِعُ لَهُ مِنَ الحُضُورِ عُذْرًا واضِحًا، وأمْرًا لا قُدْرَةَ لَهُ مَعَهُ، فَهو يَتَأسَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى فَواتِ الخَيْرِ، والمُنافِقُ يُعاطِي المُؤْمِنِينَ المَوَدَّةَ، ويُعاهِدُ عَلى التِزامِ كُلَفِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَتَخَلَّفُ نِفاقًا وشَكًّا وكُفْرًا بِاللهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ يَتَمَنّى عِنْدَ ما يَكْشِفُ الغَيْبُ الظَفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ التِفاتَةً بَلِيغَةً، واعْتِراضًا بَيْنَ القائِلِ والمَقُولِ بِلَفْظٍ يُظْهِرُ زِيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِمْ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُما كانا يَتَأوَّلانِ قَوْلَ المُنافِقِ: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عَلى مَعْنى الحَسَدِ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في نَيْلِ رَغِيبَةٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "لَيَقُولُنَّ" بِضَمِّ اللامِ عَلى مَعْنى "مَن"، وضَمُّ اللامِ لِتَدُلَّ عَلى الواوِ المَحْذُوفَةِ.

ويَدُلُّ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ خارِجَ المُنافِقِينَ فَإنَّما كانَ يَقْصِدُ الغَنِيمَةَ، ومُتَخَلِّفَهم إنَّما كانَ يَقْصِدُ الشَكَّ وتَرَبُّصَ الدَوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ.

و"كَأنْ" مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَشْبِيهِ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كالثَقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ، وإنَّما تَجِيءُ بَعْدَها الجُمَلُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَكُنْ" بِتاءٍ، وقَرَأ غَيْرُهُما: "يَكُنْ" بِياءٍ، وذَلِكَ حَسَنٌ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ.

(p-٦٠٢)وَقَوْلُهُ: "فَأفُوزَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَزِيدٌ النَحْوِيُّ: "فَأفُوزُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، التَقْدِيرُ: فَأنا أفُوزُ، قالَ رُوحٌ: لَمْ يَجْعَلْ لِلَيْتَ جَوابًا، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ مُؤَخَّرٌ، وإنَّما مَوْضِعُهُ: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ يُفْسِدُ فَصاحَةَ الكَلامِ..

4:74–75Page 89

۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤

So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنَ هَذِهِ القَرْيَةِ الظالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ.

و"يَشْرُونَ" مَعْناهُ: يَبِيعُونَ في هَذا المَوْضِعِ، وإنْ جاءَ في مَواضِعَ: يَشْتَرُونَ، فالمَعْنى هاهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى: يَبِيعُونَ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ ثَوابَ المُقاتِلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَذَكَرَ غايَتَيْ حالَتَيْهِ، واكْتَفى بِالغايَتَيْنِ عَمّا بَيْنَهُما، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةَ الَّذِي يَقْتُلُ ويَغْنَمُ أنْ يَتَّصِفَ بِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الإطْلاقِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "فَلْيُقاتِلْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَلِيُقاتِلْ" بِكَسْرِها، وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ "فَيَقْتُلْ أو يَغْلِبْ" عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤْتِيهِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لَكُمْ" اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَفْهَمِ عنهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: وأيُّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ أو كائِنٍ أو نَحْوِ ذَلِكَ لَكُمْ؟ و"لا تُقاتِلُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: تارِكِينَ، أو مُضَيِّعِينَ. وقَوْلُهُ: "والمُسْتَضْعَفِينَ" عُطِفَ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، أيْ: وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى السَبِيلِ، أيْ: وفي (p-٦٠٣)المُسْتَضْعَفِينَ لِاسْتِنْقاذِهِمْ، ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ وأذاهم لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا يَطِيبُ لَهم -عَلى الأذى- إقامَةٌ، وفي هَؤُلاءِ «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".»

"والوِلْدانِ" بابُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولِيدٍ، وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ، فَهي عَلى الوَجْهَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ الصِبْيانِ، والقَرْيَةُ هاهُنا- مَكَّةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى وحَواضِرَ الشِرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَحَّدَ الظالِمَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اتِّخاذِ الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الفِعْلَ إنَّما تَقْدِيرُهُ: الَّذِي ظَلَمَ أهْلَها، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حِيلَةٌ إلّا الدُعاءَ دَعَوْا في الِاسْتِنْقاذِ، وفِيما يُوالِيهِمْ مِن مَعُونَةِ اللهِ تَعالى، وما يَنْصُرُهم عَلى أُولَئِكَ الظَلَمَةِ مِن فَتْحِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

4:76–77Page 90

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطاغُوتِ فَقاتِلُوا أولِياءَ الشَيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أو أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالُ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَقْوِيَةَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضَهُمْ، و"الطاغُوتِ" كُلُّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ، وتَدُلُّ قَرِينَةُ ذِكْرِ الشَيْطانِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطاغُوتِ هُنا الشَيْطانُ، وإعْلامُهُ تَعالى بِضَعْفِ كَيْدِ الشَيْطانِ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَجْرِئَةٌ لَهم عَلى مُقارَعَةِ الكَيْدِ الضَعِيفِ فَإنَّ العَزْمَ والحَزْمَ الَّذِي يَكُونُ عَلى حَقائِقِ الإيمانِ يَكْسِرُهُ ويَهُدُّهُ، ودَخَلَتْ "كانَ" دالَّةً عَلى لُزُومِ الصِفَةِ.

(p-٦٠٤)وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والمِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو الكِنْدِيُّ، وجَماعَةٌ سِواهم قَدْ أنِفُوا مِنَ الذُلِّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يُبِيحَ لَهم مُقاتَلَةَ المُشْرِكِينَ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِكَفِّ الأيْدِي، وألّا يَفْعَلُوا، فَلَمّا كانَ بِالمَدِينَةِ وفُرِضَ القِتالُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، وصَعُبَ مَوْقِعُهُ، ولَحِقَهم ما يَلْحَقُ البَشَرَ مِنَ الخَوَرِ والكَعِّ عن مُقارَعَةِ العَدُوِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ قَدِ اسْتَحْسَنُوا الدُخُولَ في دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَلاةِ والزَكاةِ ونَحْوِها، والمُوادَعَةِ وكَفِّ الأيْدِي، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّما الآيَةُ حِكايَةٌ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ نَبِيِّهِمْ في وقْتِهِ، فَمَعْنى الحِكايَةِ عنهم تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن فِعْلِ مِثْلِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ وأمْثالُهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَكَنُوا عَلى الكُرْهِ إلى فَرائِضِ الإسْلامِ مَعَ الدَعَةِ وعَدَمِ القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ عَلَيْهِمْ وصَعُبَ عَلَيْهِمْ صُعُوبَةً شَدِيدَةً، إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالثَوابِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحَسِّنُ هَذا القَوْلَ أنَّ ذِكْرَ المُنافِقِينَ يَطَّرِدُ فِيما بَعْدَها مِنَ الآياتِ.

ومَعْنى "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ": أمْسِكُوا عَنِ القِتالِ. والفَرِيقُ: الطائِفَةُ مِنَ الناسِ، كَأنَّهُ فارَقَ غَيْرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَخافُونَ اللهَ في جِهَةِ المَوْتِ، لِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ المَوْتَ إلّا مِنهُ، فَلَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمْ قِتالَ الناسِ رَأوا أنَّهم يَمُوتُونَ بِأيْدِيهِمْ، فَخَشَوْهم في جِهَةِ المَوْتِ كَما كانُوا يَخْشَوْنَ اللهَ. وقالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: "كَخَشْيَةِ اللهِ" يَدُلُّ عَلى أنَّها في المُؤْمِنِينَ، وهي خَشْيَةُ خَوْفٍ لا خَشْيَةُ مَخافَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَخْشَوْنَ الناسَ عَلى حَدِّ خَشْيَةِ المُؤْمِنِينَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ.

(p-٦٠٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا تَرْجِيحٌ لا قَطْعٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿أو أشَدَّ خَشْيَةً﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: "أو" بِمَعْنى الواوِ، وفِرْقَةٌ: هي بِمَعْنى بَلْ، وفِرْقَةٌ: هي لِلتَّخْيِيرِ، وفِرْقَةٌ: عَلى بابِها في الشَكِّ في حَقِّ المُخاطَبِ، وفِرْقَةٌ: هي عَلى جِهَةِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ شَرَحْتُ هَذِهِ الأقْوالَ كُلَّها في [سُورَةِ البَقَرَةِ] في قَوْلِهِ: ﴿أو أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، لِأنَّ المَوْضِعَيْنِ سَواءٌ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ ؟ رَدٌّ في صَدْرِ أوامِرِ اللهِ تَعالى، وقِلَّةُ اسْتِسْلامٍ، والأجَلُ القَرِيبُ يَعْنُونَ بِهِ مَوْتَهم عَلى فُرُشِهِمْ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا يَحْسُنُ إذا كانَتِ الآيَةُ في اليَهُودِ أوِ المُنافِقِينَ، وأمّا إذا كانَتْ في طائِفَةٍ مِنَ الصَحابَةِ فَإنَّما طَلَبُوا التَأخُّرَ إلى وقْتِ ظُهُورِ الإسْلامِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ.

4:78Page 90

أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ: مَتاعُ الدُنْيا، أيِ الاسْتِمْتاعُ بِالحَياةِ فِيها الَّذِي حَرَصْتُمْ عَلَيْهِ وأشْفَقْتُمْ مِن فَقْدِهِ، قَلِيلٌ، لِأنَّهُ فانٍ زائِلٌ، والآخِرَةُ الَّتِي هي نَعِيمٌ مُؤَبَّدٌ خَيْرٌ لِمَن أطاعَ اللهَ واتَّقاهُ في الِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ عَلى المَحابِّ والمَكارِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُظْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى تَرْكِ المُخاطَبَةِ وذِكْرِ الغائِبِ.

(p-٦٠٦)والفَتِيلُ: الخَيْطُ في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.

و﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ جَزاءٌ وجَوابُهُ، وهَكَذا قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "يُدْرِكُكُمُ" بِضَمِّ الكافَيْنِ ورَفْعِ الفِعْلِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ الفاءِ كَأنَّهُ قالَ: فَيُدْرِكُكُمُ المَوْتُ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ. وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ الدُنْيا، وأنَّهُ لا مَنجى مِنَ الفَناءِ والتَنَقُّلِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "فِي بُرُوجٍ"، فالأكْثَرُ والأصَحُّ أنَّهُ أرادَ البُرُوجَ والحُصُونَ الَّتِي في الأرْضِ المَبْنِيَّةِ، لِأنَّها غايَةُ البَشَرِ في التَحَصُّنِ والمَنَعَةِ، فَمَثَّلَ اللهُ لَهم بِها، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ، وقالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والجُمْهُورُ. وقالَ السُدِّيُّ: هي بُرُوجٌ في السَماءِ الدُنْيا مَبْنِيَّةٌ، وحَكى مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ عن مالِكٍ، وأنَّهُ قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]. وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ مَعْناهُ: في قُصُورٍ مِن حَدِيدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، وإنَّما البُرُوجُ في القُرْآنِ إذا ورَدَتْ مُقْتَرِنَةً بِذِكْرِ السَماءِ بُرُوجُ المَنازِلِ لِلْقَمَرِ وغَيْرِهِ، عَلى ما سَمَّتْها العَرَبُ وعَرَفَتْها. وبَرَجَ مَعْناهُ: ظَهَرَ، ومِنهُ البُرُوجُ، أيِ: المُطَوَّلَةُ الظاهِرَةُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ.

و"مُشَيَّدَةٍ" قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ مَرْفُوعَةٌ مُطَوَّلَةٌ، لِأنَّ "شادَ الرَجُلُ البِناءَ" إذا صَنَعَهُ بِالشِيدِ، وهو الجِصُّ، و"أشادَ" و"شَيَّدَ" إذا رَفَعَهُ وعَلّاهُ، ومِنهُ "أشادَ الرَجُلُ ذِكْرَ الرَجُلِ" إذا رَفَعَهُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: "مُشَيَّدَةٍ" مَعْناهُ: مُحَسَّنَةٌ بِالشِيدِ، وذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ "شادَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: جَصَّصَ بِالشِيدِ، وشَيَّدَ مَعْناهُ: كَرَّرَ ذَلِكَ الفِعْلَ، فَهي لِلْمُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: "كَسَرْتُ العُودَ مَرَّةً"، و"كَسَّرْتُهُ في مَواضِعَ مِنهُ كَثِيرَةٍ مِرارًا"، و"خَرَقْتُ الثَوْبَ وخَرَّقْتُهُ" إذا كانَ الخَرْقُ مِنهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، فَعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: "شادَ الرَجُلُ الجِدارَ مَرَّةً"، و"شَيَّدَ الرَجُلُ الجِدارَ" إذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ، لِأنَّ (p-٦٠٧)التَشْيِيدَ مِنهُ وقَعَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْـ سًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ

والهاءُ والمِيمُ في قَوْلِهِ: "وَإنْ تُصِبْهُمْ" رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ"، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لا تَلِيقُ بِهِمْ هَذِهِ المَقالَةُ، ولِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكُونُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ تَحْتَ أمْرٍ، فَتُصِيبُهم بِسَبَبِهِ أسْواءٌ، ومَعْنى الآيَةِ: وإنْ تُصِبْ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ حَسَنَةٌ مِن هَزْمِ عَدُوٍّ، أو غَنِيمَةٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ رَأوا أنَّ ذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ مِن صُنْعِ اللهِ، لا أنَّهُ بِبَرَكَةِ اتِّباعِكَ والإيمانِ بِكَ، وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ، أيْ: هَزِيمَةٌ، أو شِدَّةُ جُوعٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ، قالُوا: هَذِهِ بِسَبَبِكَ لِسُوءِ تَدْبِيرِكَ، كَذا قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ: لِشُؤْمِكَ عَلَيْنا، قالَهُ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ﴾ إعْلامٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّ الخَيْرَ والشَرَّ، والحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ خَلْقٌ لَهُ ومِن عِنْدِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا خالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سِواهُ، فالمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ مِن عِنْدِي، ولا مِن عِنْدِ غَيْرِي، بَلْ هو كُلُّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَ قَتادَةُ: النِعَمُ والمَصائِبُ مِن عِنْدِ اللهِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: النَصْرُ والهَزِيمَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَيِّئَةُ والحَسَنَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ شَيْءٌ واحِدٌ.

ثُمَّ وبَّخَهم بِالِاسْتِفْهامِ عن عِلَّةِ جَهْلِهِمْ، وقِلَّةِ فَهْمِهِمْ وتَحْصِيلِهِمْ لِما يُخْبِرُونَ بِهِ مِنَ الحَقائِقِ، والفِقْهُ في اللُغَةِ: الفَهْمُ، وأوقَفَتْهُ الشَرِيعَةُ عَلى الفَهْمِ في الدِينِ وأُمُورِهِ، وغَلَبَ عَلَيْهِ بَعْدُ الِاسْتِعْمالُ في عِلْمِ المَسائِلِ الأحْكامِيَّةِ. والبَلاغَةُ في الِاسْتِفْهامِ عن قِلَّةِ (p-٦٠٨)فِقْهِهِمْ بَيِّنَةٌ، لِأنَّكَ إذا اسْتَفْهَمْتَ عن عِلَّةِ أمْرٍ ما فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلامُكَ إيجابَ ذَلِكَ الأمْرِ تَضَمُّنًا لَطِيفًا بَلِيغًا.

ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ عَلى قَوْلِهِ: "فَما"، ووَقَفَ الباقُونَ عَلى اللامِ في قَوْلِهِ: "فَمالِ" اتِّباعًا لِلْخَطِّ، ومَنَعَهُ قَوْمٌ جُمْلَةً، لِأنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ فَهي بَعْضُ المَجْرُورِ، وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ضَرُورَةٍ وانْقِطاعِ نَفَسٍ، وأمّا أنْ يَخْتارَ أحَدٌ الوَقْفَ فِيما ذَكَرْناهُ ابْتِداءً فَلا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском