Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:52–60
6:52–53Page 133
وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢
And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His face [i.e., favor]. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account.1 So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.
وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣
And thus We have tried some of them through others that they [i.e., the disbelievers] might say, "Is it these whom Allāh has favored among us?" Is not Allāh most knowing of those who are grateful?1
(p-٣٦٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِن الظالِمِينَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشاكِرِينَ﴾
اَلْمُرادُ بَـ "اَلَّذِينَ"؛ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ في أُمُورِ الدُنْيا: بِلالٌ ؛ وعَمّارٌ ؛ وابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؛ ومَرْثَدٌ الغَنَوِيُّ؛ وخَبّابٌ ؛ وصُهَيْبٌ ؛ وصُبَيْحٌ؛ وذُو الشِمالَيْنِ؛ والمِقْدادُ ؛ ونَحْوُهم.
وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالَ بَعْضُهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "نَحْنُ لِشَرَفِنا؛ وأقْدارِنا؛ لا يُمْكِنُنا أنْ نَخْتَلِطَ بِهَؤُلاءِ؛ فَلَوْ طَرَدْتَهم لاتَّبَعْناكَ؛ وجالَسْناكَ"؛ ورَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وقِيلَ: إنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أبُو طالِبٍ؛ عَلى جِهَةِ النُصْحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ لَهُ: "لَوْ أزَلْتَ هَؤُلاءِ لاتَّبَعَكَ أشْرافُ قَوْمِكَ"؛ ورُوِيَ أنَّ مَلَأ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا إلى أبِي طالِبٍ في ذَلِكَ؛ وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ الخَدِيعَةَ؛ فَصَوَّبَ هَذا الرَأْيَ مِن أبِي طالِبٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - وغَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ بَعْضَ الكُفّارِ إنَّما طَلَبَ أنْ يُؤَخَّرَ هَؤُلاءِ عَنِ الصَفِّ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ ويَكُونُوا هم مَوْضِعَهُمْ؛ ويُؤْمِنُوا إذا طَرَدَ هَؤُلاءِ مِنَ الصَفِّ الأوَّلِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ «أنَّ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ؛ ومَن شابَهَهُ مِن أشْرافِ العَرَبِ؛ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اِجْعَلْ لَنا مِنكَ مَجْلِسًا لا يُخالِطُنا فِيهِ العُبُدُ؛ والحُلَفاءُ؛ واكْتُبْ لَنا كِتابًا"؛ فَهَمَّ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.»
(p-٣٦٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ في نُزُولِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَؤُلاءِ الأشْرافُ لَمْ يَفِدُوا إلّا في المَدِينَةِ؛ وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ هَذا القَوْلُ مِنهُمْ؛ ولَكِنَّهُ إنْ كانَ وقَعَ فَبَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِمُدَّةٍ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً؛ قالَ خَبّابٌ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] ؛ اَلْآيَةَ؛ فَكُنّا نَأْتِي فَيَقُولُ لَنا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"؛ ونَقْعُدُ مَعَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قامَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَرَكَنا؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] ؛ اَلْآيَةَ؛ فَكانَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقْعُدُ مَعَنا؛ فَإذا بَلَغَ الوَقْتُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قُمْنا وتَرَكْناهُ حَتّى يَقُومَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
و﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِهِ صَلاةُ مَكَّةَ؛ الَّتِي كانَتْ مَرَّتَيْنِ في اليَوْمِ؛ بُكْرَةً؛ وعَشِيًّا؛ وقِيلَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ ؛ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ؛ وأنَّ الزَمَنَ مَعْمُورٌ بِهِ؛ كَما تَقُولُ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا"؛ فَإنَّما تُرِيدُ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ"؛ والمُرادُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قِيلَ: هو الصَلَواتُ الخَمْسُ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ وقِيلَ: اَلدُّعاءُ؛ وذِكْرُ اللهِ تَعالى ؛ واللَفْظَةُ عَلى وجْهِها؛ وقالَ بَعْضُ القُصّاصِ: إنَّهُ الِاجْتِماعُ إلَيْهِمْ غُدْوَةً وعَشِيًّا؛ فَأنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيِّبِ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي عَمْرَةَ؛ وغَيْرُهُما؛ وقالُوا: إنَّما الآيَةُ في الصَلَواتِ في الجَماعَةِ؛ وقِيلَ: قِراءَةُ القُرْآنِ؛ وتَعَلُّمُهُ؛ قالَ أبُو جَعْفَرٍ: ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ ؛ وقِيلَ: اَلْعِبادَةُ؛ قالَهُ الضَحّاكُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "بِالغُدْوَةِ والعَشِيِّ"؛ ورُوِيَ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "بِالغُدُوِّ"؛ بِغَيْرِ تاءٍ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِالغُدُواتِ والعَشِيّاتِ"؛ بِألِفٍ فِيهِما؛ عَلى الجَمْعِ؛ و"غُدْوَةٌ": مَعْرِفَةٌ؛ لِأنَّها جُعِلَتْ عَلَمًا (p-٣٦٩)لِوَقْتٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ؛ وجازَ إدْخالُ الألِفِ واللامِ عَلَيْها؛ كَما حَكى أبُو زَيْدٍ: "لَقِيتُهُ فَيْنَةَ"؛ غَيْرَ مَصْرُوفٍ؛ و"اَلْفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ"؛ فَألْحَقُوا لامَ المَعْرِفَةِ ما اسْتُعْمِلَ مَعْرِفَةً؛ وحَمْلًا عَلى ما حَكاهُ الخَلِيلُ أنَّهُ يُقالُ: "لَقِيتُهُ اليَوْمَ غَدْوَةً"؛ مُنَوَّنًا؛ ولِأنَّ فِيها مَعَ تَعْيِينِ اليَوْمِ إمْكانُ تَقْدِيرِ مَعْنى الشَياعِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
و"وَجْهَهُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: جِهَةَ التَزَلُّفِ إلَيْهِ؛ كَما تَقُولُ: "خَرَجَ فُلانٌ في وجْهِ كَذا"؛ أيْ: "فِي مَقْصِدٍ؛ وجِهَةٍ".
و﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ مَعْناهُ: لَمْ تُكَلَّفْ شَيْئًا غَيْرَ دُعائِهِمْ؛ فَتُقَدِّمَ أنْتَ وتُؤَخِّرَ؛ ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "حِسابِهِمْ"؛ و"عَلَيْهِمْ"؛ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا طَرْدَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "ما عَلَيْكَ مِنهُمْ؛ آمَنُوا أو كَفَرُوا؛ فَتَطْرُدَ هَؤُلاءِ رَعْيًا لِذَلِكَ"؛ والضَمِيرُ في "فَتَطْرُدَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الضَعَفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ - أبَدًا - سَبَبُ ما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لا يَبِينُ إذا كانَتِ الضَمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ الحِسابَ؛ هُنا؛ إنَّما هو في رِزْقِ الدُنْيا؛ أيْ: "لا تَرْزُقُهُمْ؛ ولا يَرْزُقُونَكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَعَلى هَذا تَجِيءُ الضَمائِرُ كُلُّها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ؛ وذَكَرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ؛ كَما قالَ الجُمْهُورُ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى لِلتَّبْعِيضِ؛ والثانِيَةُ زائِدَةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فَتَطْرُدَهُمْ"؛﴾ جَوابُ النَفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ "ما عَلَيْكَ"؛﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ "فَتَكُونَ"؛﴾ جَوابُ النَهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ "وَلا تَطْرُدِ"؛﴾ و﴿ "مِنَ الظالِمِينَ"؛﴾ مَعْناهُ: "اَلَّذِينَ يَضَعُونَ الشَيْءَ غَيْرَ مَواضِعِهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "فَتَنّا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ مَعْناهُ: اِبْتَلَيْنا؛ فابْتِلاءُ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ هو ما يَلْقَوْنَ مِنهم مِنَ الأذى؛ وابْتِلاءُ (p-٣٧٠)المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ هو أنْ يَرى الرَجُلُ الشَرِيفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا لا شَرَفَ لَهم قَدْ عَظَّمَهم هَذا الدِينُ؛ وجَعَلَ لَهم عِنْدَ نَبِيِّهِ قَدْرًا ومَنزِلَةً؛ والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ إلى ما ذُكِرَ مِن طَلَبِهِمْ أنْ يَطْرُدَ الضَعَفَةَ؛ و"لِيَقُولُوا"؛ مَعْناهُ: "لِيَصِيرَ بِحُكْمِ القَدَرِ أمْرُهم إلى أنْ يَقُولُوا..."؛ فَهي لامُ الصَيْرُورَةِ؛ كَما قالَ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ؛ أيْ: لِيَصِيرَ مِثالُهُ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا؛ وقَوْلُ المُشْرِكِينَ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ -: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا﴾ ؛ هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والهَزْءِ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَعْنًى آخَرَ؛ وهو أنْ تَكُونَ اللامُ في "لِيَقُولُوا"؛ عَلى بابِها في لامِ "كَيْ"؛ وتَكُونَ المَقالَةُ مِنهُمُ اسْتِفْهامًا لِأنْفُسِهِمْ؛ ومُباحَثَةً لَها؛ وتَكُونَ سَبَبَ إيمانِ مَن سَبَقَ إيمانُهُ مِنهُمْ؛ فَمَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ -: "وَكَذَلِكَ ابْتَلَيْنا أشْرافَ الكُفّارِ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَتَعَجَّبُوا في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ ويَكُونَ سَبَبَ نَظَرٍ لِمَن هُدِيَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أسْبَقُ؛ والثانِي يُتَخَرَّجُ؛ و"مَنَّ"؛ عَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ إنَّما هي عَلى مُعْتَقَدِ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: "هَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ؛ بِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم مِنَّةٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشاكِرِينَ﴾ ؛ أيْ: "يا أيُّها المُسْتَخِفُّونَ - أوِ المُتَعَجِّبُونَ؛ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ - لَيْسَ الأمْرُ أمْرَ اسْتِخْفافٍ؛ ولا تَعَجُّبٍ؛ فاللهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَن يَشْكُرُ نِعْمَتَهُ؛ وبِالمَواضِعِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ فِيها؛ فَجاءَ إعْلامُهم بِذَلِكَ في لَفْظِ التَقْدِيرِ؛ إذْ ذَلِكَ بَيِّنٌ؛ لا تُمْكِنُهم فِيهِ مُعانَدَةٌ".
6:54–55Page 134
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٤
And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٥٥
And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مَن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "اَلَّذِينَ"؛ يُرادُ بِهِمُ القَوْمُ الَّذِينَ كانَ عُرِضَ طَرْدُهُمْ؛ (p-٣٧١)فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن طَرْدِهِمْ؛ وشَفَعَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ بِأنْ يُسَلِّمَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ؛ ويُؤْنِسَهم.
وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: "اَلَّذِينَ"؛ يُرادُ بِهِمُ القَوْمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَوَّبُوا رَأْيَ أبِي طالِبٍ في طَرْدِ الضَعَفَةِ؛ فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؛ ويُعْلِمَهم أنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهُمْ؛ مَعَ تَوْبَتِهِمْ مِن ذَلِكَ السُوءِ؛ وغَيْرِهِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن ماهانَ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ اسْتَفْتَوُا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ذُنُوبٍ سَلَفَتْ مِنهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي - عَلى هَذا - تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ؛ دُونَ أنْ تُشِيرَ إلى فِرْقَةٍ.
وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: «قالَ قَوْمٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: إنّا قَدْ أصَبْنا ذُنُوبًا؛ فاسْتَغْفِرْ لَنا؛ فَأعْرَضَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.»
وقَوْلُهُ: ﴿ "بِآياتِنا"؛﴾ يَعُمُّ آياتِ القُرْآنِ؛ وأيْضًا عَلاماتِ النُبُوَّةِ كُلَّها؛ و﴿ "سَلامٌ عَلَيْكُمْ"؛﴾ اِبْتِداءٌ؛ والتَقْدِيرُ: "سَلامٌ ثابِتٌ - أو واجِبٌ - عَلَيْكُمْ"؛ والمَعْنى: "أمَنَةٌ لَكم مِن عَذابِ اللهِ تَعالى في الدُنْيا؛ والآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "إنَّ اللهَ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى لا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الآيَةِ؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ؛ ولَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ؛ وهو في مَعْنى الدُعاءِ؛ وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جازَ فِيها الِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ؛ إذْ قَدْ تَخَصَّصَتْ؛ و"كَتَبَ"؛ بِمَعْنى "أوجَبَ"؛ واللهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَقْلًا؛ إلّا إذا أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَتَّمَ بِشَيْءٍ ما؛ فَذَلِكَ الشَيْءُ واجِبٌ؛ وفي "أيْنَ هَذا الكِتابُ؟"؛ اِخْتِلافٌ؛ قِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقِيلَ: في كِتابٍ غَيْرِهِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في صَحِيحِ البُخارِيِّ: « "إنَّ اللهَ - تَبارَكَ وتَعالى - كَتَبَ كِتابًا - فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ -: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي".»
(p-٣٧٢)وَقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّهُ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ فَـ "أنَّهُ"؛ اَلْأُولى بَدَلٌ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ و"أنَّهُ"؛ اَلثّانِيَةُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَأمْرُهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"؛ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: "فَأنَّهُ"؛ اِبْتِداءٌ؛ ولا يَجُوزُ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ النَحّاسُ: هي عَطْفٌ عَلى الأُولى؛ وتَكْرِيرٌ لَها؛ لِطُولِ الكَلامِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ "مَن"؛ لا يَخْلُو أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي"؛ فَتَحْتاجَ إلى خَبَرٍ؛ أو تَكُونَ شَرْطِيَّةً؛ فَتَحْتاجَ إلى جَوابٍ؛ وإذا جَعَلْنا "فَأنَّهُ"؛ تَكْرِيرًا لِلْأُولى؛ عَطْفًا عَلَيْها؛ بَقِيَ المُبْتَدَأُ بِلا خَبَرٍ؛ أوِ الشَرْطُ بِلا جَوابٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "إنَّهُ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في الأُولى؛ والثانِيَةِ؛ وهَذا عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ لِـ "اَلرَّحْمَةَ"؛ في الأُولى؛ والقَطْعِ فِيها؛ وفي الثانِيَةِ: إمّا في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ أو مَوْضِعِ جَوابِ الشَرْطِ؛ وحُكْمُ ما بَعْدَ الفاءِ إنَّما هو الِابْتِداءُ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ الأُولى؛ وكَسْرِ الثانِيَةِ؛ وهَذا عَلى أنْ أبْدَلَ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ واسْتَأْنَفَ بَعْدَ الفاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِ الأُولى؛ وفَتْحِ الثانِيَةِ؛ حَكاهُ الزَهْراوِيُّ عَنِ الأعْرَجِ ؛ وأظُنُّهُ وهْمًا؛ لِأنَّ سِيبَوَيْهِ حَكاهُ عَنِ الأعْرَجِ مِثْلَ قِراءَةِ نافِعٍ ؛ وقالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: قِراءَةُ الأعْرَجِ ضِدُّ قِراءَةِ نافِعٍ.
والجَهالَةُ - في هَذا المَوْضِعِ - تَعُمُّ الَّتِي تُضادُّ العِلْمَ؛ والَّتِي تُشَبَّهُ بِها؛ وذَلِكَ أنَّ المُتَعَمِّدَ لِفِعْلِ الشَيْءِ الَّذِي قَدْ نُهِيَ عنهُ تَشْمَلُ مَعْصِيَتُهُ تِلْكَ جَهالَةً؛ إذْ قَدْ فَعَلَ ما يَفْعَلُهُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ؛ قالَ مُجاهِدٌ: "مِنَ الجَهالَةِ ألّا يَعْلَمَ حَلالًا مِن حَرامٍ؛ ومِن جَهالَتِهِ أنْ يَرْكَبَ الأمْرَ"؛ ومِن هَذا الَّذِي لا يُضادُّ العِلْمَ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في اسْتِعاذَتِهِ: "أنْ أجْهَلَ؛ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
(p-٣٧٣)والجَهالَةُ المُشَبَّهَةُ لَيْسَتْ بِعُذْرٍ في الشَرْعِ جُمْلَةً؛ والجَهالَةُ الحَقِيقِيَّةُ يُعْذَرُ بِها في بَعْضِ ما يَخِفُّ مِنَ الذُنُوبِ؛ ولا يُعْذَرُ بِها في كَبِيرَةٍ.
و"اَلتَّوْبَةُ": اَلرُّجُوعُ؛ وصِحَّتُها مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِدامَةِ الإصْلاحِ بَعْدَها في الشَيْءِ الَّذِي تِيبَ مِنهُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَكَذَلِكَ"؛ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَهْيِ عن طَرْدِ المُؤْمِنِينَ؛ وبَيانِ فَسادِ مَنزَعِ العارِضِينَ لِذَلِكَ؛ وتَفْصِيلُ الآياتِ: تَبْيِينُها؛ وشَرْحُها؛ وإظْهارُها؛ واللامُ في قَوْلِهِ: "وَلِتَسْتَبِينَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ فَصَّلْناها".
وقَرَأ نافِعٌ: "وَلِيَسْتَبِينَ"؛ بِالياءِ؛ أيِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ "سَبِيلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ حَكاهُ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ"؛ لَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ"؛ بِرَفْعِ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَأْنِيثِها؛ وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَـهُ عنهُ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ"؛ بِرَفْعِ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَذْكِيرِها؛ وعَرَبُ الحِجازِ تُؤَنِّثُ "اَلسَّبِيلُ"؛ وتَمِيمٌ وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَها؛ وخُصَّ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أثارُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ الأقْوالِ؛ وهم أهَمُّ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّها آياتُ رَدٍّ عَلَيْهِمْ؛ وأيْضًا فَتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يَتَضَمَّنُ بَيانَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ وتَأوَّلَ ابْنُ زَيْدٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "المُجْرِمِينَ"؛﴾ يَعْنِي بِهِ الآمِرِينَ بِطَرْدِ الضَعَفَةِ.
6:56–58Page 134
قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allāh." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."
قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧
Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient.1 The decision is only for Allāh. He relates the truth, and He is the best of deciders."
قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٥٨
Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allāh is most knowing of the wrongdoers."
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِن المُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللهُ أعْلَمُ بِالظالِمِينَ﴾
أمَرَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُجاهِرَهم بِالتَبَرِّي مِمّا هم فِيهِ؛ و"أنْ أعْبُدَ"؛ هو بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ والتَقْدِيرُ: "عن عِبادَةِ"؛ ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ؛ فَتَسَلَّطَ الفِعْلُ؛ ثُمَّ وُضِعَ "أنْ (p-٣٧٤)أعْبُدَ"؛ مَوْضِعَ المَصْدَرِ؛ وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "اَلَّذِينَ"؛ عَلى زَعْمِ الكُفّارِ؛ حِينَ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ؛ و"تَدْعُونَ"؛ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: تَدْعُونَ في أُمُورِكُمْ؛ وذَلِكَ مِن مَعْنى العِبادَةِ واعْتِقادِها آلِهَةً.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "قَدْ ضَلَلْتُ"؛﴾ بِفَتْحِ اللامِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ضَلِلْتُ"؛ بِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ و"إذًا"؛ في هَذا المَوْضِعِ مُتَوَسِّطَةٌ؛ وما بَعْدَها مُعْتَمِدٌ عَلى ما قَبْلَها؛ فَهي غَيْرُ عامِلَةٍ؛ إلّا أنَّها تَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَرْطِ؛ فَهي بِتَقْدِيرِ: "إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ"؛ و"أهْواءَ": جَمْعُ "هَوًى"؛ وهو الإرادَةُ والمَحَبَّةُ في المُرْدِياتِ مِنَ الأُمُورِ؛ هَذا غالِبُ اسْتِعْمالِ الهَوى؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ ؛ اَلْآيَةَ: هَذِهِ الآيَةُ تَمادٍ في إيضاحِ مُبايَنَتِهِ لَهُمْ؛ والمَعْنى: "قُلْ إنِّي عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ"؛ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ؛ ثُمَّ دَخَلَتْ هاءُ المُبالَغَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الهاءُ في "بَيِّنَةٍ"؛ مُجَرَّدَةً لِلتَّأْنِيثِ؛ ويَكُونَ بِمَعْنى البَيانِ؛ كَما قالَ: ﴿وَيَحْيا مَن حَيَّ عن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] ؛ والمُرادُ بِالآيَةِ: "إنِّي أيُّها المُكَذِّبُونَ؛ في اعْتِقادِي؛ ويَقِينِي؛ وما حَصَلَ في نَفْسِي مِنَ العِلْمِ؛ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي". "وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما"؛ اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "بَيِّنٍ"؛ في تَقْدِيرِ هاءِ المُبالَغَةِ؛ أو عَلى "اَلْبَيانِ"؛ اَلَّتِي هي "بَيِّنَةٍ"؛ بِمَعْناهُ في التَأْوِيلِ الآخَرِ؛ أو عَلى الرَبِّ؛ وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ؛ وهو - وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ جَلِيٌّ - فَإنَّهُ بَعْضُ البَيانِ الَّذِي مِنهُ حَصَلَ الِاعْتِقادُ واليَقِينُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَيَصِحُّ عَوْدُ الضَمِيرِ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمُورٌ أُخَرُ؛ غَيْرُ القُرْآنِ؛ وقَعَ لَهُ العِلْمُ أيْضًا مِن جِهَتِها؛ كَتَكْلِيمِ الحِجارَةِ لَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ورُؤْيَتِهِ لِلْمَلَكِ قَبْلَ الوَحْيِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "ما"؛ والمُرادُ بِها الآياتُ المُقْتَرَحَةُ - عَلى ما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ -؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِها العَذابُ؛ وهَذا يَتَرَجَّحُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما مِن جِهَةِ المَعْنى؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "وَكَذَّبْتُمْ بِهِ"؛ يَتَضَمَّنُ أنَّكم (p-٣٧٥)واقَعْتُمْ ما تَسْتَوْجِبُونَ بِهِ العَذابَ؛ إلّا أنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي؛ والآخَرُ مِن جِهَةِ اللَفْظِ؛ وهو الِاسْتِعْجالُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ "اِسْتِعْجالُهُمْ"؛ إلّا لِلْعَذابِ؛ لِأنَّ اقْتِراحَهم بِالآياتِ لَمْ يَكُنْ بِاسْتِعْجالٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ ؛ أيِ القَضاءُ والإنْفاذُ؛ "يَقُصُّ الحَقَّ"؛ أيْ يُخْبِرُ بِهِ؛ والمَعْنى: يَقُصُّ القَصَصَ الحَقَّ.
وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٍ ؛ ونافِعٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ "يَقْضِ الحَقَّ"؛ أيْ: يُنْفِذُهُ؛ وتُرَجَّحُ هَذِهِ القِراءَةُ بِقَوْلِهِ: "اَلْفاصِلِينَ"؛ لِأنَّ الفَصْلَ مُناسِبٌ لِلْقَضاءِ؛ وقَدْ جاءَ أيْضًا الفَصْلَ والتَفْصِيلَ مَعَ القَصَصِ؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهُوَ أسْرَعُ الفاصِلِينَ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وقَرَأ عَبْدُ اللهِ ؛ وأُبَيٌّ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وطَلْحَةُ ؛ والأعْمَشُ: "يَقْضِي بِالحَقِّ"؛ بِزِيادَةِ باءِ الجَرِّ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "يَقْضِي الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "لَوْ كانَ عِنْدِي الآياتُ المُقْتَرَحَةُ - أوِ العَذابُ؛ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ - لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: "لَوَقَعَ الِانْفِصالُ؛ وتَمَّ النِزاعُ؛ لِظُهُورِ الآيَةِ المُقْتَرَحَةِ؛ أو لِنُزُولِ العَذابِ"؛ بِحَسَبِ التَأْوِيلَيْنِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَعْنى: "لَقامَتِ القِيامَةُ"؛ ورَواهُ النَقّاشُ عن عِكْرِمَةَ ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَذُبِحَ المَوْتُ.
(p-٣٧٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ قائِلَهُ سَمِعَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] ؛ وذَبْحُ المَوْتِ هُنا لائِقٌ؛ فَنَقَلَهُ إلى هَذا المَوْضِعِ دُونَ شَبَهٍ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ إلى ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِهَذِهِ السُورَةِ؛ والظَنُّ بِابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ إنَّما فَسَّرَ الَّذِي في يَوْمِ الحَسْرَةِ؛ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِالظالِمِينَ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ.
6:59–60Page 134
۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩
And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠
And it is He who takes your souls by night1 and knows what you have committed by day. Then He revives you therein [i.e., by day] that a specified term2 may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
"مَفاتِحُ": جَمْعُ "مِفْتَحٌ"؛ وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ؛ عِبارَةٌ عَنِ التَوَصُّلِ إلى الغُيُوبِ؛ كَما يُتَوَصَّلُ في الشاهِدِ بِالمِفْتاحِ إلى المُغَيَّبِ عَنِ الإنْسانِ؛ ولَوْ كانَ جَمْعَ "مِفْتاحٌ"؛ لَقالَ: "مَفاتِيحُ"؛ ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ "مَفاتِحُ"؛ جَمْعُ "مَفْتَحٌ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ أيْ: مَواضِعُ تُفَتَّحُ عَنِ المُغَيَّباتِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ السُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِ: "مَفاتِحُ الغَيْبِ": خَزائِنُ الغَيْبِ؛ فَأمّا "مِفْتَحٌ"؛ بِالكَسْرِ؛ فَهو بِمَعْنى "مِفْتاحٌ"؛ وقالَ الزَهْراوِيُّ: و"مِفْتَحٌ"؛ أفْصَحُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ: اَلْإشارَةُ (p-٣٧٧)بَـ "مَفاتِحُ الغَيْبِ"؛ هي إلى الخَمْسَةِ الَّتِي في آخِرِ "لُقْمانَ": ﴿إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] ؛ اَلْآيَةِ؛ لِأنَّها تَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ؛ ثُمَّ قَوّى البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ ؛ تَنْبِيهًا عَلى أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ المُجاوِرَةِ لِلْبَشَرِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "مِن ورَقَةٍ"؛﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ في ورَقِ النَباتِ؛ و"مِن"؛ زائِدَةٌ؛ و﴿ "إلا يَعْلَمُها"؛﴾ يُرِيدُ: عَلى الإطْلاقِ؛ وقَبْلَ السُقُوطِ؛ ومَعَهُ؛ وبَعْدَهُ؛ و﴿وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ ؛ يُرِيدُ: في أشَدِّ حالِ التَغَيُّبِ؛ وهَذا كُلُّهُ - وإنْ كانَ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ ؛ عِنْدَ مَن رَآها في الخَمْسَةِ؛ وغَيْرِها - فَفِيهِ البَيانُ؛ والإيضاحُ؛ والتَنْبِيهُ عَلى مَواضِعِ العِبَرِ؛ أيْ: "إذا كانَتْ هَذِهِ المَحْقُوراتُ مَعْلُومَةً؛ فَغَيْرُها مِنَ الجَلائِلِ أحْرى".
﴿وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ ؛ عُطِفَ عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا رَطْبٌ ولا يابِسٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ في "وَرَقَةٍ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "وَما تَسْقُطُ ورَقَةٌ"؛ و﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ؛ قِيلَ: يَعْنِي "كِتابًا"؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ ووَجْهُ الفائِدَةِ فِيهِ امْتِحانُ ما يَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يَرْفَعُونَ ما كَتَبُوهُ؛ ويُعارِضُونَهُ بِهَذا الكِتابِ المُشارِ إلَيْهِ؛ لِيَتَحَقَّقُوا صِحَّةَ ما كَتَبُوهُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا في كِتابٍ﴾ ؛ عِلْمُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ وحَكى النَقّاشُ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَوْلًا: "إنَّ الوَرَقَةَ يُرادُ بِها السَقْطُ مِن أولادِ بَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والحَبَّةَ يُرادُ بِها الَّذِي لَيْسَ يَسْقُطُ؛ والرَطْبَ يُرادُ بِهِ الحَيُّ؛ واليابِسَ يُرادُ بِهِ المَيْتُ". وهَذا قَوْلٌ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الرُمُوزِ؛ ولا يَصِحُّ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَيْلِ ويَعْلَمُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فِيها إيضاحُ الآياتِ المَنصُوبَةِ لِلنَّظَرِ؛ وفِيها ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ؛ أنَّ هَذا أيْضًا إماتَةٌ وبَعْثٌ عَلى نَحْوٍ ما.
والتَوَفِّي هو اسْتِيفاءُ عَدَدٍ؛ قالَ الشاعِرُ:(p-٣٧٨)
؎ إنَّ بَنِي الأدْرَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدْ
وصارَتِ اللَفْظَةُ عُرْفًا في المَوْتِ؛ وهي في النَوْمِ عَلى بَعْضِ التَجَوُّزِ.
و"جَرَحْتُمْ" مَعْناهُ: كَسَبْتُمْ؛ ومِنهُ جَوارِحُ الصَيْدِ؛ أيْ: كَواسِبُهُ؛ ومِنهُ جَوارِحُ البَدَنِ؛ لِأنَّها كَواسِبُ النَفْسِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَرَحْتُمْ"؛ هُنا؛ مِن "اَلْجَرْحُ"؛ كَأنَّ الذَنْبَ جَرْحٌ في الدِينِ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "جَرْحُ اللِسانِ كَجَرْحِ اليَدِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أو سَلْمانَ - شَكَّ ابْنُ دِينارٍ - أنَّهُ قالَ: "إنَّ هَذِهِ الذُنُوبَ جِراحاتٌ؛ فَمِنها شَوًى؛ ومِنها مَقْتَلَةٌ؛ ألا وإنَّ الشِرْكَ بِاللهِ تَعالى مَقْتَلَةٌ".
و"يَبْعَثُكُمْ"؛ يُرِيدُ الإيقاظَ؛ فَفي "فِيهِ"؛ عائِدٌ عَلى النَهارِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وذَكَرَ النَوْمَ مَعَ اللَيْلِ؛ واليَقَظَةَ مَعَ النَهارِ؛ بِحَسَبِ الأغْلَبِ؛ وإنْ كانَ النَوْمُ يَقَعُ بِالنَهارِ؛ واليَقَظَةُ بِاللَيْلِ؛ فَنادِرٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى التَوَفِّي؛ أيْ: "يُوقِظُكم في التَوَفِّي"؛ أيْ: "فِي خِلالِهِ؛ وتَضاعِيفِهِ"؛ قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَيْلِ؛ وهَذا قَلَقٌ في اللَفْظِ؛ وهو في المَعْنى نَحْوٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وأبُو رَجاءٍ: "لِيَقْضِيَ أجَلًا مُسَمًّى"؛ والمُرادُ بِالأجَلِ آجالُ بَنِي آدَمَ؛ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ؛ يُرِيدُ: بِالبَعْثِ؛ والنُشُورِ؛ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾ ؛ أيْ: يُعْلِمُكم إعْلامَ تَوْقِيفٍ؛ ومُحاسَبَةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences