Ibn 'AtiyyaAl‑An'am · 6:61–70

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:61–70

6:61–62Page 135

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].

ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢

Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

(p-٣٧٩)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾

"اَلْقاهِرُ": إنْ أخَذَ صِفَةَ فِعْلٍ - أيْ مَظْهَرَ القَهْرِ بِالصَواعِقِ؛ والرِياحِ؛ والعَذابِ - فَيَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ "فَوْقَ"؛ ظَرْفِيَّةً لِلْجِهَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما تَعاهَدَها العِبادُ مِن فَوْقِهِمْ؛ وإنْ أخَذَ "اَلْقاهِرُ"؛ صِفَةَ ذاتٍ - بِمَعْنى القُدْرَةِ؛ والِاسْتِيلاءِ - فَـ "فَوْقَ"؛ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِهَةِ؛ وإنَّما هي لِعُلُوِّ القَدْرِ؛ والشَأْنِ؛ عَلى حَدِّ ما تَقُولُ: "اَلْياقُوتُ فَوْقَ الحَدِيدِ".

﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَبُثُّهم فِيكُمْ"؛ و"حَفَظَةً"؛ جَمْعُ "حافِظٌ"؛ مِثْلُ "كاتِبٌ"؛ و"كَتَبَةٌ"؛ والمُرادُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِكَتْبِ الأعْمالِ؛ ورُوِيَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "تَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ"؛» وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "حَفَظَةً يَحْفَظُونَ الإنْسانَ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ حَتّى يَأْتِيَ أجَلُهُ"؛ والأوَّلُ أظْهَرُ؛ وكُلُّهم - غَيْرَ حَمْزَةَ - قَرَأ: "تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا"؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٣٤] ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "تَوَفّاهُ رُسُلُنا"؛ وحُجَّتُهُ أنَّ التَأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ وظاهِرُ الفِعْلِ أنَّهُ ماضٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى "وَقالَ نِسْوَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "تَتَوَفّاهُ"؛ فَتَكُونَ العَلامَةُ مُؤَنِّثَةً؛ وأمالَ حَمْزَةُ مِن حَيْثُ خَطُّ المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ فَكَأنَّها إنَّما كُتِبَتْ عَلى الإمالَةِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "يَتَوَفّاهُ رُسُلُنا"؛ بِزِيادَةِ ياءٍ في أوَّلِهِ؛ والتَذْكِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "رُسُلُنا" يُرِيدُ بِهِ - عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَمِيعُ أهْلِ التَأْوِيلِ - مَلائِكَةً مُقْتَرِنِينَ بِمَلَكِ المَوْتِ؛ يُعاوِنُونَهُ؛ ويَأْتَمِرُونَ لَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يُفَرِّطُونَ"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ: "يُفْرِطُونَ"؛ بِالتَخْفِيفِ؛ (p-٣٨٠)وَمَعْناهُ: "يُجاوِزُونَ الحَدَّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: فَكَما أنَّ المَعْنى في قِراءَةِ العامَّةِ: "لا يُقَصِّرُونَ"؛ فَكَذَلِكَ هو في هَذِهِ: "لا يَزِيدُونَ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ".

ورَجَعَ اللَفْظُ في قَوْلِهِ: "رُدُّوا"؛ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ والضَمِيرُ في "رُدُّوا"؛ عائِدٌ عَلى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ ويَظْهَرُ أنْ يَعُودَ عَلى العِبادِ؛ فَهو إعْلامٌ بِرَدِّ الكُلِّ؛ وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في قَوْلِهِ: "عَلَيْكُمْ"؛ تَقْرِيبًا لِلْمَوْعِظَةِ مِن نُفُوسِ السامِعِينَ؛ و"مَوْلاهُمُ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الوَلايَةِ؛ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اللهِ تَعالى ؛ وبَيْنَ عَبِيدِهِ؛ مِنَ الرِزْقِ؛ والنُصْرَةِ؛ والمُحاسَبَةِ؛ والمِلْكِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ: "اَلْحَقِّ"؛ نَعْتٌ لِـ "مَوْلاهُمُ"؛ ومَعْناهُ: اَلَّذِي لَيْسَ بِباطِلٍ؛ ولا مَجازِيٍّ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ والأعْمَشُ: "اَلْحَقَّ"؛ بِالنَصْبِ؛ وهو عَلى المَدْحِ؛ ويَصِحُّ عَلى المَصْدَرِ.

﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ ؛ اِبْتِداءُ كَلامٍ مُضَمَّنُهُ التَنْبِيهُ؛ وهَزُّ نَفْسِ السامِعِ؛ و"اَلْحُكْمُ"؛ تَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: "جَمِيعُ أنْواعِ التَصَرُّفاتِ في العِبادِ"؛ و﴿أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ ؛ مُتَوَجِّهٌ عَلى أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - حِسابُهُ لِعَبِيدِهِ صادِرٌ عن عِلْمِهِ بِهِمْ؛ فَلا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى إعْدادٍ؛ ولا تَكَلُّفٍ؛ سُبْحانَهُ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ تَعالى العِبادَ في حالٍ واحِدَةٍ؟ قالَ: "كَما يَرْزُقُهم في حالٍ واحِدَةٍ في الدُنْيا".

6:63–64Page 135

قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤

Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مَن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مَن الشاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾

هَذا تَمادٍ في تَوْبِيخِ العادِلِينَ بِاللهِ تَعالى الأوثانَ؛ وتَوْقِيفِهِمْ عَلى سُوءِ الفِعْلِ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ؛ وتَرْكِهِمُ الَّذِي يُنْجِي مِنَ المُهْلِكاتِ؛ ويُلْجَأُ إلَيْهِ في الشَدائِدِ.

و"مَن"؛ اِسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يُنَجِّيكُمْ"؛ "قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ"؛ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ؛ عنهُ؛ وحُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ؛ ويَعْقُوبَ: "يُنْجِيكُمْ"؛ بِتَخْفِيفِ الجِيمِ؛ وسُكُونِ النُونِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ بِالتَشْدِيدِ في الأُولى؛ والتَخْفِيفِ في الثانِيَةِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ التَعْدِيَةِ بِالألِفِ؛ والتَعْدِيَةِ بِالتَضْعِيفِ؛ كَما جاءَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧].

(p-٣٨١)وَ ﴿ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ شَدائِدُها؛ فَهو لَفْظٌ عامٌّ؛ يَسْتَغْرِقُ ما كانَ مِنَ الشَدائِدِ بِظُلْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ؛ وما كانَ بِغَيْرِ ظُلْمَةٍ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "عامٌ أسْوَدُ"؛ و"يَوْمٌ مُظْلِمٌ"؛ و"يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ يُرِيدُونَ بِهِ الشِدَّةَ؛ قالَ قَتادَةُ: اَلْمَعْنى: "مِن كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ"؛ وقالَهُ الزَجّاجُ ؛ و"تَدْعُونَهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"تَضَرُّعًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والعامِلُ فِيهِ "تَدْعُونَهُ"؛ والتَضَرُّعُ صِفَةٌ بادِيَةٌ عَلى الإنْسانِ؛ و"وَخُفْيَةً"؛ مَعْناهُ: اَلِاخْتِفاءُ؛ والسِرُّ؛ فَكَأنَّ نَسَقَ القَوْلِ: "تَدْعُونَهُ جَهْرًا؛ وسِرًّا"؛ هَذِهِ العِبارَةُ بِمَعانٍ زائِدَةٍ.

وقَرَأ الجَمِيعُ - غَيْرَ عاصِمٍ -: "وَخُفْيَةً"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَخِفْيَةً"؛ بِكَسْرِ الخاءِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَخِيفَةً"؛ مِن "اَلْخَوْفُ"؛ وقَرَأ الحِجازِيُّونَ؛ وأهْلُ الشامِ: "أنْجَيْتَنا"؛ وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: "أنْجانا"؛ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ؛ وأمالَ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ الجِيمَ؛ و"مِنَ الشاكِرِينَ"؛ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ؛ والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ يَتَضَمَّنُ الإيمانَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ - في قَوْلِهِ: "ظُلُماتِ" - أنَّهُ ضَلالُ الطُرُقِ في الظُلُماتِ؛ ونَحْوُهُ؛ وحَكى السُدِّيُّ أنَّهُ ظَلامُ اللَيْلِ؛ والغَيْمِ؛ والبَحْرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ وإنَّما هو لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ الشَدائِدِ في المَعْنى؛ وخُصَّ لَفْظُ "اَلظُّلُماتِ"؛ بِالذِكْرِ؛ لِما تَقَرَّرَ في النُفُوسِ مِن هَوْلِ الظُلْمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ ؛ سَبَقَ في المُجادَلَةِ إلى الجَوابِ؛ إذْ لا مَحِيدَ عنهُ؛ ﴿وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ أيْضًا؛ لِيَتَّضِحَ العُمُومُ الَّذِي في الظُلُماتِ؛ ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ ؛ تَخْصِيصُ الظُلُماتِ قَبْلُ؛ ونُصَّ عَلَيْها لِهَوْلِها؛ وعُطِفَ في هَذا المَوْضِعِ بِـ "ثُمَّ"؛ لِلْمُهْلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ قُبْحَ فِعْلِهِمْ؛ أيْ: "ثُمَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِكم بِهَذا كُلِّهِ وتَحَقُّقِهِ بِهِ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ".

6:65–67Page 135

قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."

لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧

For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.

(p-٣٨٢)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أو يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

هَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والأظْهَرُ مِن نَسَقِ الآياتِ أنَّ هَذا الخِطابَ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وهو مَذْهَبُ الطَبَرِيِّ ؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وأبُو العالِيَةِ ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُما: هي لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وهُمُ المُرادُ؛ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هي أرْبَعُ خِلالٍ؛ وكُلُّهُنَّ عَذابٌ؛ وكُلُّهُنَّ واقِعٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَمَضَتِ اثْنَتانِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ لُبِسُوا شِيَعًا؛ وأُذِيقَ بَعْضُهم بِأْسَ بَعْضٍ؛ واثْنَتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: اَلْخَسْفُ والرَجْمُ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: بَعْضُها لِلْكُفّارِ؛ وبَعْضُها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ بَعْثُ العَذابِ مِن فَوْقُ؛ وتَحْتُ؛ لِلْكُفّارِ؛ وسائِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وهَذا الِاخْتِلافُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَظْهَرُ مِن أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ مَعانِيها المُشْرِكِينَ؛ والمُؤْمِنِينَ.

ورُوِيَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ ؛ وخالِدٍ الخُزاعِيِّ؛ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَتْ: ﴿أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ ؛ قالَ: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ"؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ ؛ قالَ: "أعُوذُ بِوَجْهِكَ"؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿أو يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ؛ قالَ: "هَذِهِ أهْوَنُ"؛ أو: "هَذِهِ أيْسَرُ"؛» فاحْتَجَّ بِهَذا مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: وغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ (p-٣٨٣)يَكُونُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تُوُعِّدَ بِها الكُفّارُ؛ وهَوَّنَ الثالِثَةَ لِأنَّها بِالمَعْنى هي الَّتِي دَعا بِها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمُنِعَ؛ حَسَبَ حَدِيثِ المُوَطَّإ وغَيْرِهِ؛ وقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّها أسْوَأُ الثَلاثِ؛ وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ الإغْلاظِ في المَوْعِظَةِ؛ والحَقُّ أنَّها أيْسَرُها؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ومِن فَوْقِكم ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِلْمُنْطَبِقَيْنِ عَلى الإنْسانِ؛ وقالَ السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾: اَلرَّجْمُ؛ و﴿مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾: اَلْخَسْفُ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾: وُلاةُ الجَوْرِ؛ و﴿مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ ؛ سِفْلَةُ السُوءِ؛ وخَدَمَةُ السُوءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها أمْثِلَةٌ؛ لا أنَّها هي المَقْصُودُ؛ إذْ هي وغَيْرُها مِنَ القُحُوطِ والغَرَقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ داخِلٌ في عُمُومِ اللَفْظِ.

و"يَلْبِسَكُمْ"؛ عَلى قِراءَةِ السِتَّةِ؛ مَعْناهُ: "يَخْلِطَكُمْ"؛ "شِيَعًا"؛ فِرَقًا؛ يَتَشَيَّعُ بَعْضُها لِبَعْضٍ؛ واللَبْسُ: اَلْخَلْطُ؛ وقالَ المُفَسِّرُونَ: هو افْتِراقُ الأهْواءِ؛ والقِتالُ بَيْنَ الأُمَّةِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ: "يُلْبِسَكُمْ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ مِن "ألْبَسَ"؛ فَهو عَلى هَذِهِ اسْتِعارَةٌ مِن "اَللِّباسُ"؛ فالمَعْنى: "أو يُلْبِسَكُمُ الفِتْنَةَ شِيَعًا"؛ و"شِيَعًا"؛ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ وقَدْ قالَ الشاعِرُ:

؎ لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗...............

فَهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ الخُلْطَةِ؛ والمُقاساةِ؛ وإلْباسِ القَتْلِ؛ وما أشْبَهَهُ مِنَ المَكارِهِ.

"وَيُذِيقَ"؛ اِسْتِعارَةٌ؛ إذْ هي مِن أجَلِّ حَواسِّ الِاخْتِبارِ؛ وهي اسْتِعارَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في كَثِيرٍ (p-٣٨٤)مِن كَلامِ العَرَبِ؛ وفي القُرْآنِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَنُذِيقَ"؛ بِنُونِ الجَماعَةِ؛ وهي نُونُ العَظَمَةِ في جِهَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقُولُ: "أذَقْتُ فُلانًا العَلْقَمَ"؛ تُرِيدُ كَراهِيَةَ شَيْءٍ صَنَعْتَهُ بِهِ؛ ونَحْوَ هَذا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اِسْتِرْجاعٌ لَهُمْ؛ وإنْ كانَ لَفْظُها لَفْظَ تَعْجِيبٍ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَمُضَمَّنُها أنَّ هَذِهِ الآياتِ والدَلائِلَ إنَّما هي لِاسْتِصْرافِهِمْ عن طَرِيقِ غَيِّهِمْ؛ و"اَلْفَقْهُ": اَلْفَهْمُ.

والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدُ عَلى القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ جاءَ تَصْرِيفُ الآياتِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا بَعِيدٌ؛ لِقُرْبِ مُخاطَبَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالكافِ في قَوْلِهِ: "قَوْمُكَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ؛ ونَحا إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُكَ"؛ بِزِيادَةِ تاءٍ؛ و"بِوَكِيلٍ"؛ مَعْناهُ: بِمَدْفُوعٍ إلى أخْذِكم بِالإيمانِ؛ والهُدى؛ و"اَلْوَكِيلُ"؛ بِمَعْنى: "اَلْحَفِيظُ"؛ وهَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِهادِ والأمْرِ بِالقِتالِ؛ ثُمَّ نُسِخَ؛ وقِيلَ: لا نَسْخَ في هَذا؛ إذْ هو خَبَرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ فِيهِ مُتَوَجَّهٌ؛ لِأنَّ اللازِمَ مِنَ اللَفْظِ: "لَسْتَ الآنَ"؛ ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ لا يَكُونُ في المُسْتَأْنَفِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ ؛ أيْ غايَةٌ؛ يُعْرَفُ عِنْدَها صِدْقُهُ مِن كَذِبِهِ؛ ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ مَحْضٌ؛ ووَعِيدٌ.

6:68–69Page 135

وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨

And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩

And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِكْرى مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

لَفْظُ هَذا الخِطابِ مُجَرَّدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقِيلَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في الخِطابِ مَعَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ عِلَّةَ النَهْيِ - وهي سَماعُ الخَوْضِ في آياتِ اللهِ تَعالى - تَشْمَلُهم وإيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقِيلَ: بَلِ المَعْنى أيْضًا أُرِيدَ بِهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ لِأنَّ قِيامَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ كانَ يَشُقُّ (p-٣٨٥)عَلَيْهِمْ؛ وفِراقَهُ لَهم عَلى مُغاضَبَةٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ عِنْدَهم كَذَلِكَ؛ فَأُمِرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنابِذَهم بِالقِيامِ عنهم إذا اسْتَهْزَؤُوا وخاضُوا؛ لِيَتَأدَّبُوا بِذَلِكَ؛ ويَدَعُوا الخَوْضَ والِاسْتِهْزاءَ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَتَرَكَّبُ عَلى كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ - يَرْحَمُهُ اللهُ.

والخَوْضُ أصْلُهُ في الماءِ؛ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بَعْدُ في غَمَراتِ الأشْياءِ الَّتِي هي مَجاهِلُ؛ تَشْبِيهًا بِغَمَراتِ الماءِ.

"وَإمّا": شَرْطٌ؛ وتَلْزَمُها النُونُ الثَقِيلَةُ في الأغْلَبِ؛ وقَدْ لا تَلْزَمُ؛ كَما قالَ:

؎ إمّا يُصِبْكَ عَدُوٌّ في مُناوَأةٍ ∗∗∗................

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "يُنَسِّيَنَّكَ"؛ بِتَشْدِيدِ السِينِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ إلّا أنَّ التَشْدِيدَ أكْثَرُ مُبالَغَةً.

والذِكْرى؛ والذِكْرُ واحِدٌ في المَعْنى؛ وإنَّما هو تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ؛ ووَصْفُهم هُنا بِـ "اَلظّالِمِينَ"؛ مُتَمَكِّنٌ؛ لِأنَّهم وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ و"أعْرِضْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المُفارَقَةِ؛ عَلى حَقِيقَةِ الإعْراضِ؛ وأكْمَلِ وُجُوهِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: "فَلا تَقْعُدْ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ"؛ هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ والضَمِيرُ في "حِسابِهِمْ"؛ عائِدٌ عَلى "اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ"؛ ومَن قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في قَوْلِهِ: "فَأعْرِضْ"؛ قالَ: إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - داخِلٌ في هَذا القَصْدِ بِـ "اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ"؛ والمَعْنى عِنْدَهم - عَلى ما رُوِيَ - أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا - لَمّا نَزَلَتْ: "فَلا تَقْعُدْ" - مَعَهُمْ: "إذا كُنّا لا نَقْرَبُ المُشْرِكِينَ؛ ولا نَسْمَعُ أقْوالَهُمْ؛ فَما يُمْكِنُنا طَوافٌ؛ ولا قَضاءُ عِبادَةٍ في الحَرَمِ"؛ فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ: ﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.

(p-٣٨٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالإباحَةُ في هَذا هي في القَدْرِ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ التَصَرُّفِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ؛ في عِبادَةٍ؛ ونَحْوِها؛ وقالَ بَعْضُ مَن يَقُولُ: "إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - داخِلٌ فِي: ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ؛ وإنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في الخِطابِ الأوَّلِ": إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ لَيْسَتْ إباحَةً بِوَجْهٍ؛ وإنَّما مَعْناها: "لا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ؛ ولا تَقْرَبُوهُمْ؛ حَتّى لا تَسْمَعُوا اسْتِهْزاءَهُمْ؛ وخَوْضَهُمْ؛ ولَيْسَ نَهْيُكم عَنِ القُعُودِ لِأنَّ عَلَيْكم شَيْئًا مِن حِسابِهِمْ؛ وإنَّما هو ذِكْرى لَكُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ المَعْنى أنْ يَكُونَ لَهُمْ: "لَعَلَّهم إذا جانَبْتُمُوهم يَتَّقُونَ بِالإمْساكِ عَنِ الاسْتِهْزاءِ"؛ وأمّا مَن قالَ: "إنَّ الخِطابَ الأوَّلَ هو مُجَرَّدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِثِقَلِ مُفارَقَتِهِ مُغْضَبًا عَلى الكُفّارِ"؛ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ الثانِيَةِ: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ؛ ومَعْناها الإباحَةُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فَلا تَقْعُدْ مَعَهم يا مُحَمَّدُ؛ وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِن حِسابِهِمْ؛ فَإنْ قَعَدُوا فَلْيُذَكِّرُوهم لَعَلَّهم يَتَّقُونَ اللهَ تَعالى في تَرْكِ ما هم فِيهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أشارَ إلَيْهِ النَقّاشُ ؛ ولَمْ يُوَضِّحْهُ؛ وفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ؛ وقالَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ هَذِهِ الإباحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ نُسِخَتْ بِآيَةِ "اَلنِّساءِ"؛ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠] ؛ وكَذَلِكَ أيْضًا مَن قالَ أوَّلًا: "إنَّ الإباحَةَ كانَتْ بِحَسَبِ العِباداتِ"؛ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في "اَلنِّساءِ" ناسِخَةٌ لِذَلِكَ؛ إذْ هي مَدَنِيَّةٌ؛ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ نَزَّلَ"؛ إلَيْها بِنَفْسِها؛ فَتَأمَّلْهُ؛ وإلّا فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الناسِخُ غَيْرَها؛ و"ذِكْرى"؛ عَلى هَذا القَوْلِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: "ذَكِّرُوهم ذِكْرى"؛ ويُحْتَمَلُ: "وَلَكِنْ أعْرِضُوا مَتى أعْرَضْتُمْ في غَيْرِ وقْتِ العِبادَةِ ذِكْرى"؛ و"ذِكْرى"؛ عَلى كُلِّ قَوْلٍ؛ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِإضْمارِ فِعْلٍ؛ أو رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ.

ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَمْتَثِلَ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ المُلْحِدِينَ؛ وأهْلِ الجِدالِ والخَوْضِ فِيهِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: "لا تُجالِسُوا أهْلَ الخُصُوماتِ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللهِ تَعالى ".

6:70Page 136

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with it [i.e., the Qur’ān], lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allāh no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it [i.e., that soul]. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

(p-٣٨٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

هَذا أمْرٌ بِالمُتارَكَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ قِلَّةِ أتْباعِ الإسْلامِ حِينَئِذٍ؛ قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ؛ وما جَرى مُجْراهُ بِالقِتالِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْآيَةُ إنَّما هي لِلتَّهْدِيدِ؛ والوَعِيدِ؛ فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ؛ ولَيْسَ فِيها نَسْخٌ لِأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ خَبَرًا؛ وهو التَهْدِيدُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿لَعِبًا ولَهْوًا﴾ ؛ يُرِيدُ: "إذْ يَعْتَقِدُونَ أنْ لا بَعْثَ؛ فَهم يَتَصَرَّفُونَ بِشَهَواتِهِمْ تَصَرُّفَ اللاعِبِ اللاهِي".

﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهُمْ؛ مِن "اَلْغُرُورُ"؛ وهو الإطْماعُ بِما لا يُتَحَصَّلُ؛ فاغْتَرُّوا بِنِعَمِ اللهِ تَعالى ورِزْقِهِ؛ وإمْهالِهِ؛ وطَمَعُهم ذَلِكَ فِيما لا يُتَحَصَّلُ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَخَرَّجُ في "غَرَّتْهُمُ"؛ هُنا؛ وجْهٌ آخَرُ؛ مِن "اَلْغَرُورُ"؛ بِفَتْحِ الغَيْنِ؛ أيْ: "مَلَأْتُ أفْواهَهُمْ؛ وأشْبَعْتُهُمْ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ولَمّا التَقَيْنا بِالحُلَيْبَةِ غَرَّنِي ∗∗∗ بِمَعْرُوفِهِ حَتّى خَرَجْتُ أفُوقُ

ومِنهُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ ولا يُتَّجَهُ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ "غَرَّ"؛ في كُلِّ مَوْضِعٍ.

وأضافَ الدِينَ إلَيْهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّهم جَعَلُوا اللَعِبَ واللهْوَ دِينًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "اِتَّخَذُوا دِينَهُمُ؛ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي لَهُمْ؛ لَعِبًا ولَهْوًا"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى الدِينِ؛ وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ.

(p-٣٨٨)وَ"أنْ تُبْسَلَ"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ؛ أيْ: "لِئَلّا تُبْسَلَ؛ أو كَراهِيَةَ أنْ تُبْسَلَ؛ ومَعْناهُ: "تُسْلَمَ"؛ قالَ الحَسَنُ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وقالَ قَتادَةُ: "تُحْبَسَ؛ وتُرْتَهَنَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "تُفْضَحَ"؛ وقالَ الكَلْبِيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "تُجْزى"؛ وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ بِالمَعْنى؛ ومِنهُ قَوْلُ الشَنْفَرى:

؎ هُنالِكَ لا أرْجُو حَياةً تَسُرُّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ سَمِيرَ اللَيالِي مُبْسَلًا بِالجَرائِرِ

وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو مَأْخُوذٌ مِن "اَلْبَسْلُ"؛ أيْ مِن "اَلْحَرامُ"؛ كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وهْنٍ في النَدى ∗∗∗ ∗∗∗ بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلامَتِي وعِتابِي

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا بَعِيدٌ.

و"نَفْسٌ"؛ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "وَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ؛ والدِينِ؛ وادْعُ إلَيْهِ؛ لِئَلّا تُبْسَلَ نَفْسُ التارِكِ لِلْإيمانِ بِما كَسَبَتْ مِنَ الكُفْرِ؛ وآثَرَتْهُ مِن رَفْضِ الإسْلامِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ﴾ ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"مِن"؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً؛ و"دُونِ"؛ ظَرْفُ مَكانٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُقالُ بِاشْتِراكٍ؛ وهي - في هَذِهِ الآيَةِ - الدالَّةُ عَلى زَوالِ مَن أُضِيفَتْ إلَيْهِ مِن نازِلَةِ القَوْلِ؛ كَما في المَثَلِ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ".

(p-٣٨٩)والوَلِيُّ؛ والشَفِيعُ هُما طَرِيقا الحِمايَةِ والغَوْثِ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ ؛ أيْ: "وَإنْ تُعْطِ كُلَّ فِدْيَةٍ؛ وإنْ عَظُمَتْ؛ فَتَجْعَلْها عَدْلًا لَها؛ لا يُقْبَلْ مِنها"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن قائِلٍ: إنَّ المَعْنى: "وَإنْ تَعْدِلْ": مِن "اَلْعَدْلُ"؛ اَلْمُضادِّ لِلْجَوْرِ؛ ورَدَّ عَلَيْهِ؛ وضَعَّفَهُ بِالإجْماعِ عَلى أنَّ تَوْبَةَ الكافِرِ مَقْبُولَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يَلْزَمُ هَذا الرَدُّ؛ لِأنَّ الأمْرَ إنَّما هو يَوْمَ القِيامَةِ؛ ولا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ؛ ولا عَمَلٌ؛ والقَوْلُ نَصٌّ لِأبِي عُبَيْدَةَ ؛ و"اَلْعِدْلُ"؛ في اللُغَةِ مُماثِلُ الشَيْءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ؛ وقِيلَ: "اَلْعِدْلُ"؛ بِالكَسْرِ: اَلْمِثْلُ؛ و"اَلْعَدْلُ"؛ بِالفَتْحِ: اَلْقِيمَةُ؛ و"أُولَئِكَ"؛ إشارَةٌ إلى الجِنْسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "تُبْسَلَ نَفْسٌ"؛ و"أُبْسِلُوا"؛ مَعْناهُ: أُسْلِمُوا بِما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الكُفْرِ؛ والحَمِيمُ: اَلْماءُ الحارُّ؛ ومِنهُ "اَلْحَمّامُ"؛ و"اَلْحَمَّةُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ ................. ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الحَمِيمَ فَإنَّهُ يَتَبَصَّعُ

و"ألِيمٌ": "فَعِيلٌ"؛ بِمَعْنى "مُفْعِلٌ"؛ أيْ: "مُؤْلِمٌ".

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском