Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:71–75
6:71Page 136
قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧١
Say, "Shall we invoke1 instead of Allāh that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allāh has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.'"2 Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللهِ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
اَلْمَعْنى: "قُلْ في احْتِجاجِكَ: أنْطِيعَ رَأْيَكم في أنْ نَدْعُوَ مِن دُونِ اللهِ...؟"؛ والدُعاءُ يَعُمُّ العِبادَةَ وغَيْرَها؛ لِأنَّ مَن جَعَلَ شَيْئًا مَوْضِعَ دُعائِهِ؛ فَإيّاهُ يَعْبُدُ؛ وعَلَيْهِ يَتَّكِلُ.
﴿ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ ؛ يَعْنِي الأصْنامَ؛ إذْ هي جَماداتٌ؛ حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ ونَحْوُهُ؛ وضَرَرُ الأصْنامِ في (p-٣٩٠)الدِينِ لا يَفْهَمُهُ الكُفّارُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ "وَلا يَضُرُّنا"؛﴾ إنَّما الضَرَرُ الَّذِي يَفْهَمُونَهُ مِن نُزُولِ المَكارِهِ الدُنْيَوِيَّةِ.
ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ؛ تَشْبِيهٌ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْدُودَ عَلى العَقِبِ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ يَمْشِي قُدُمًا - وهي المِشْيَةُ الجَيِّدَةُ -؛ فَيُرَدُّ يَمْشِي القَهْقَرى - وهي المِشْيَةُ الدَنِيَّةُ -؛ فاسْتُعْمِلَ المَثَلُ بِها فِيمَن رَجَعَ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ؛ ووَقَعَتْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ في تَمْثِيلِ الراجِعِ مِنَ الهُدى إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ و"هَدانا"؛ بِمَعْنى: أرْشَدَنا؛ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: اَلرَّدُّ عَلى العَقِبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أمَّلَ أمْرًا؛ فَخابَ أمَلُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "رَدًّا كَرَدِّ الَّذِي..."؛ و"اِسْتَهْوَتْهُ": "اِسْتَفْعَلَتْهُ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَدْعَتْ هَواهُ؛ وأمالَتْهُ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُحْتَمَلُ هُوِيُّهُ؛ وهو جِدُّهُ؛ ورُكُوبُ رَأْسِهِ في النُزُوعِ إلَيْهِمْ؛ و"اَلْهَوى" - مِن "هَوى؛ يَهْوِي" - يُسْتَعْمَلُ في السُقُوطِ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ هَوى ابْنِي مِن ذُرى شَرَفٍ ∗∗∗ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهْ
وهَذا المَعْنى لا مَدْخَلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنْ تُتَأوَّلَ اللَفْظَةُ بِمَعْنى: "ألْقَتْهُ الشَياطِينُ في هُوَّةٍ"؛ وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ ؛ وقالَ: هو بِمَعْنى: "أهْوى"؛ كَما أنَّ "اِسْتَزَلَّ"؛ بِمَعْنى: "أزَلَّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والتَحْرِيرُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "هَوى"؛ و"أهْواهُ غَيْرُهُ"؛ و"اِسْتَهْواهُ"؛ بِمَعْنى: "طَلَبِ مِنهُ أنْ يَهْوِيَ هُوَ"؛ أو: "طَلَبَ مِنهُ أنْ يُهْوِيَ شَيْئًا"؛ ويُسْتَعْمَلُ الهَوى أيْضًا في رُكُوبِ الرَأْسِ؛ في النُزُوعِ إلى الشَيْءِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ؛ ومِنهُ قَوْلُ شاعِرِ الجِنِّ:
؎ تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ∗∗∗ ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كَأنْجاسِها
(p-٣٩١)وَهَذا المَعْنى هو الَّذِي يَلِيقُ بِالآيَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطِينُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "اِسْتَهْوَتْهُ الشَياطُونَ"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو لَحْنٌ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هو شاذٌّ قَبِيحٌ؛ وإنَّما هو مَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِمْ: "سُنُونَ"؛ و"أرْضُونَ"؛ إلّا أنَّ هَذِهِ في جَمْعٍ مُسَلَّمٍ ؛ و"شَياطُونَ"؛ في جَمْعٍ مُكَسَّرٍ؛ فَهَذا مَوْضِعُ الشُذُوذِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ: "اِسْتَهْواهُ الشَياطِينُ"؛ وأمالَ "اِسْتَهْواهُ"؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وطَلْحَةُ: "اِسْتَهْوِيهِ الشَيْطانُ"؛ بِالياءِ؛ وإفْرادِ "اَلشَّيْطانُ"؛ وذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي الأرْضِ"؛﴾ يَحْكُمُ بِأنَّ "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ إنَّما هو بِمَعْنى: "اِسْتَدْعَتْ هُوِيَّهُ؛ الَّذِي هو الجِدُّ في النُزُوعِ"؛ و"حَيْرانَ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ومُؤَنَّثُهُ "حَيْرى"؛ فَهو لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ؛ ولا نَكِرَةٍ؛ ومَعْناهُ: "ضالًّا؛ مُتَحَيِّرًا"؛ وهو حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ والعامِلُ فِيهِ: "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن "كالَّذِي"؛ والعامِلُ فِيهِ المُقَدَّرُ بَعْدَ الكافِ؛ وقَوْلُهُ: "اِسْتَهْوَتْهُ"؛ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عَلى طَرِيقٍ؛ فاسْتَدْعَتْهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَسِياقُ هَذا المَثَلِ كَأنَّهُ قالَ: "أيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الهُدى نَعْبُدُ الأصْنامَ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنّا ارْتِدادًا عَلى العَقِبِ؛ فَيَكُونَ كَرَجُلٍ عَلى طَرِيقٍ واضِحٍ؛ فاسْتَهْوَتْهُ عنهُ الشَياطِينُ؛ فَخَرَجَ عنهُ إلى دَعْوَتِهِمْ؛ فَبَقِيَ حائِرًا؟"؛ وقَوْلُهُ: ﴿لَهُ أصْحابٌ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "لَهُ أصْحابٌ عَلى الطَرِيقِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ"؛ فَيُشَبَّهُ بِالأصْحابِ - عَلى هَذا - المُؤْمِنُونَ؛ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَنِ ارْتَدَّ إلى الرُجُوعِ إلى الهُدى؛ وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "لَهُ أصْحابٌ؛ أيْ مِنَ الشَياطِينِ الدُعاةِ؛ أو لا يَدْعُونَهُ إلى الهُدى؛ بِزَعْمِهِمْ؛ وإنَّما يُوهِمُونَهُ"؛ فَيُشَبَّهُ بِالأصْحابِ - عَلى هَذا - الكَفَرَةُ؛ الَّذِينَ يُثَبِّتُونَ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ عَلى ارْتِدادِهِ؛ ورُوِيَ هَذا التَأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا.
و"اِئْتِنا"؛ مِن "اَلْإتْيانُ"؛ بِمَعْنى: "اَلْمَجِيءُ"؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "إلى الهُدى بَيِّنًا"؛ (p-٣٩٢)وَهَذِهِ تُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَ "اَلْهُدى"؛ حَقِيقَةَ إخْبارٍ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وحَكى مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ؛ أنَّ المُرادَ بِـ "كالَّذِي"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وبِالأصْحابِ أبُوهُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وأُمُّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ في الصَحِيحِ أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ قائِلٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] ؛ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ قالَتْ: "كَذَبُوا واللهِ؛ ما نَزَلَ فِينا مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ إلّا بَراءَتِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: حَدَّثَنِي أبِي - رَحِمَهُ اللهُ - قالَ: سَمِعْتُ الفَقِيهَ الإمامَ أبا عَبْدِ اللهِ ؛ المَعْرُوفِ بِـ "اَلنَّحْوِيُّ"؛ اَلْمُجاوِرَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: مَن نازَعَ أحَدًا مِنَ المُلْحِدَةِ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ؛ ويُنازِعَهُ بِالقُرْآنِ؛ والحَدِيثِ؛ فَيَكُونَ كَمَن يَدْعُو إلى الهُدى بِقَوْلِهِ: "اِئْتِنا"؛ ومَن يُنازِعْهم بِالجَدَلِ؛ ويُحَلِّقْ عَلَيْهِمْ بِهِ؛ فَكَأنَّهُ بَعُدَ عَنِ الطَرِيقِ الواضِحِ أكْثَرَ؛ لِيَرُدَّ هَذا الزائِغَ؛ فَهو يَخافُ عَلَيْهِ أنْ يَضِلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا انْتِزاعٌ حَسَنٌ جِدًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللهِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ: "إنَّ الأصْحابَ هم مِنَ الشَياطِينِ المُسْتَهْزِئِينَ"؛ وتَأوَّلَ: ﴿إلى الهُدى﴾: "بِزَعْمِهِمْ"؛ قالَ: "إنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى﴾ ؛ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في زَعْمِهِمْ؛ فَلَيْسَ ما زَعَمُوهُ صَحِيحًا؛ ولَيْسَ بِهَدْيٍ؛ بَلْ هو نَفْسُهُ كُفْرٌ؛ وضَلالٌ؛ وإنَّما الهُدى هُدى اللهِ تَعالى ؛ وهو الإيمانُ"؛ ومَن قالَ: "إنَّ الأصْحابَ هم عَلى الطَرِيقِ المَدْعُوِّ إلَيْها؛ وإنَّ المُؤْمِنِينَ الداعِينَ لِلْمُرْتَدِّينَ شُبِّهُوا بِهِمْ؛ وإنَّ الهُدى هو هُدًى عَلى حَقِيقَتِهِ"؛ يَجِيءُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللهِ﴾ ؛ بِمَعْنى: "إنَّ دُعاءَ الأصْحابِ؛ وإنْ كانَ إلى هُدًى؛ فَلَيْسَ بِنَفْسِ دُعائِهِمْ تَقَعُ الهِدايَةُ؛ وإنَّما يَهْتَدِي بِذَلِكَ الدُعاءِ مَن هَداهُ اللهُ تَعالى بِهُداهُ".
(p-٣٩٣)﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ ؛ اَللّامُ لامُ "كَيْ"؛ ومَعَها "أنْ"؛ مُقَدَّرَةٌ؛ ويُقَدَّرُ مَفْعُولٌ لِـ "أُمِرْنا"؛ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَأُمِرْنا بِالإخْلاصِ"؛ أو "بِالإيمانِ"؛ ونَحْوُ هَذا؛ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ كُلِّها: "وَأُمِرْنا بِالإخْلاصِ لِأنْ نُسْلِمَ"؛ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في هَذا أنَّ "لِنُسْلِمَ"؛ هو مَوْضِعُ المَفْعُولِ؛ وأنَّ قَوْلَكَ: "أُمِرْتُ لِأقُومَ"؛ و"أُمِرْتُ أنْ أقُومَ"؛ يَجْرِيانِ سَواءً؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أرَدْتُ لِأنْسى ذِكْرَها [فَكَأنَّما] ∗∗∗ ∗∗∗................
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ؛ و"لِنُسْلِمَ"؛ يَعُمُّ الدِينَ؛ والِاسْتِسْلامَ.
6:72–73Page 136
وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٢
And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ وَيَوۡمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُۚ قَوۡلُهُ ٱلۡحَقُّۚ وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٧٣
And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day [i.e., whenever] He says, "Be," and it is, His word is the truth.1 And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen2 and the witnessed;3 and He is the Wise, the Aware.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾
"وَأنْ أقِيمُوا"؛ يُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ بِتَأْوِيلِ "وَإقامَةَ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المُقَدَّرِ في "وَأُمِرْنا"؛ وقِيلَ: بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِنُسْلِمَ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ؛ وأنْ أقِيمُوا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ واللَفْظُ يُمانِعُهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ"؛ مُعْرَبٌ؛ وقَوْلَهُ: "أنْ أقِيمُوا"؛ مَبْنِيٌّ؛ وعَطْفُ المَبْنِيِّ عَلى المُعْرَبِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَشْرِيكَ في العامِلِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ في "أنْ"؛ وحْدَها؛ وذَلِكَ قَلِقٌ؛ وإنَّما يُتَخَرَّجُ عَلى أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: "وَأنْ أقِيمُوا"؛ بِمَعْنى: "لِنُقِيمَ"؛ ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَفْظِ الأمْرِ؛ لِما في (p-٣٩٤)ذَلِكَ مِن جَزالَةِ اللَفْظِ؛ فَجازَ العَطْفُ عَلى أنْ يُلْغى حُكْمُ اللَفْظِ؛ ويُعَوَّلَ عَلى المَعْنى؛ ويُشْبِهُ هَذا مِن جِهَةِ ما حَكاهُ يُونُسُ عَنِ العَرَبِ: "اُدْخُلُوا الأوَّلُ فالأوَّلُ"؛ بِرَفْعِ لَفْظِ "اَلْأوَّلُ"؛ فَإنَّما هو بِأنْ يُقَدَّرَ "اُدْخُلُوا"؛ بِمَعْنى: "لِيَدْخُلِ الأوَّلُ"؛ وإلّا فَلَيْسَ يَجُوزُ إلّا: "اُدْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقالَ الزَجّاجُ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ مَعْطُوفًا عَلى "اِئْتِنا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِيهِ بُعْدٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ" عائِدٌ عَلى "لِرَبِّ العالَمِينَ"؛ و"وَهُوَ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ؛ وهو لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ التَنْبِيهَ؛ والتَخْوِيفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "خَلَقَ": اِبْتَدَعَ؛ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ و"بِالحَقِّ"؛ أيْ: "لَمْ يَخْلُقْها باطِلًا؛ بِغَيْرِ مَعْنًى؛ بَلْ لِمَعانٍ مُفِيدَةٍ؛ ولِحَقائِقَ بَيِّنَةٍ؛ مِنها ما يُحِسُّهُ البَشَرُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصانِعِ؛ ونُزُولِ الأرْزاقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِأنْ حَقٌّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: "بِالحَقِّ"؛ مَعْناهُ: "بِكَلامِهِ في قَوْلِهِ لِلْمَخْلُوقاتِ "كُنْ"؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَحْرِيرُ القَوْلِ أنَّ المَخْلُوقاتِ إنَّما إيجادُها بِالقُدْرَةِ؛ لا بِالكَلامِ؛ واقْتِرانُ "كُنْ"؛ بِحالَةِ إيجادِ المَخْلُوقِ فائِدَتُهُ إظْهارُ العِزَّةِ؛ والعَظَمَةِ؛ ونُفُوذِ الأوامِرِ؛ وإعْلانُ القَصْدِ؛ ومِثالُ ذَلِكَ في الشاهِدِ أنْ يَضْرِبَ إنْسانٌ شَيْئًا؛ فَيَكْسِرَهُ؛ ويَقُولَ في حالِ الكَسْرِ؛ بِلِسانِهِ: "اِنْكَسِرْ"؛ (p-٣٩٥)فَإنَّ ذَلِكَ إنْفاذُ عَزْمٍ؛ وإظْهارُ قَصْدٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى؛ لا تَشْبِيهَ؛ ولا حَرْفَ؛ ولا صَوْتَ؛ ولا تَغَيُّرَ؛ أمْرُهُ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا القَوْلِ -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ؛ والأرْضَ؛ بِقَوْلِهِ: "كُنْ"؛ اَلْمُقْتَرِنَةِ بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها يَقَعُ إيجادُ المَخْلُوقِ بَعْدَ عَدَمِهِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "اَلْحَقِّ".
﴿ "وَيَوْمَ يَقُولُ"؛﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَعْمُولِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرِ الخَلْقَ؛ والإعادَةَ؛ يَوْمَ...". وتَحْتَمِلُ الآيَةُ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ مَعْناها: "واذْكُرِ الإعادَةَ يَوْمَ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِلْأجْسادِ: "كُنْ"؛ [فَتَكُونُ] مُعادَةً"؛ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ هُنا؛ ثُمَّ يَبْدَأ بِإخْبارِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الحَقُّ؛ الَّذِي كانَ في الدُنْيا؛ إخْبارًا بِالإعادَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ"؛ ويَكُونَ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ اِبْتِداءً؛ وخَبَرًا؛ أو عَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ فَـ "قَوْلُهُ"؛ فاعِلٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: قَوْلُهُ: "يَوْمَ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ مِن قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ"؛ فالتَقْدِيرُ - هُنا؛ عَلى هَذا القَوْلِ -: "واتَّقُوا العِقابَ؛ أوِ الأهْوالَ؛ والشَدائِدَ يَوْمَ..."؛ وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خَلَقَ السَماواتِ"؛﴾ والتَقْدِيرُ - عَلى هَذا -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ؛ والمُعاداتِ إلى الحَشْرِ يَوْمَ..."؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ هَذِهِ الأفْعالَ - لا تَقْدِيرَكَ: "اُذْكُرْ"؛ ولا "اِتَّقُوا"؛ ولا "خَلَقَ" - في "يَوْمَ"؛ لِأنَّ أسْماءَ الزَمانِ إذا بُنِيَتْ مَعَ الأفْعالِ؛ لا يَجُوزُ أنْ تُنْصَبَ إلّا عَلى الظَرْفِ؛ ولا يَجُوزَ أنْ يَتَعَلَّقَ "وَيَوْمَ"؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛﴾ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَهُ؛ وقَدْ أطْلَقَ قَوْمٌ أنَّ العامِلَ: "اُذْكُرْ"؛ أو "خَلَقَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "يَقُولُ"؛ مَعْنى المُضِيِّ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يَوْمَ يَقُولُ..."؛ بِمَعْنى: "قالَ لَها: كُنْ"؛ فَـ "وَيَوْمَ"؛ ظَرْفٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "اَلْحَقُّ"؛ إذْ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ ويَجِيءُ تَمامُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ"؛ ويَجِيءُ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ اِبْتِداءً؛ وخَبَرًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ في "كُنْ"؛ ويُبْتَدَأ بِـ ﴿فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ ؛ وتَكُونَ "فَيَكُونُ"؛ تامَّةً؛ بِمَعْنى "يَظْهَرُ"؛ و"اَلْحَقُّ"؛ صِفَةً لِلْقَوْلِ؛ و"قَوْلُهُ"؛ فاعِلًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: "قُولُهُ"؛ بِضَمِّ القافِ.
و"لَهُ المُلْكُ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ و﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ﴾: "وَيَوْمَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الأُولى؛ عَلى أنَّ "يَقُولُ"؛ مُسْتَقْبَلٌ؛ لا عَلى تَقْدِيرِ مُضِيِّهِ؛ وقِيلَ: بَلْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَ "اَلْمُلْكُ"؛ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ أو بِتَقْدِيرِ: "ثابِتٌ"؛ أو: "مُسْتَقِرٌّ يَوْمَ..."؛ و"فِي الصُورِ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ "صُورَةٌ"؛ فالمَعْنى: "يَوْمَ تُعادُ العَوالِمُ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: هو الصُورُ؛ القَرْنُ الَّذِي قالَ (p-٣٩٦)النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - [عنهُ] أنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ؛ ثُمَّ لِلْبَعْثِ؛ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِقَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إنَّ إسْرافِيلَ قَدِ التَقَمَ الصُورَ؛ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْظُرُ مَتى يُؤْمَرُ؛ فَيَنْفُخُ".»
وقَرَأ الحَسَنُ: "فِي الصُوَرِ"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ وهَذِهِ تُؤَيِّدُ التَأْوِيلَ الأوَّلَ؛ وحَكاهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ عن عِياضٍ.
"عالِمُ"؛ رُفِعَ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ؛ وقِيلَ: نَعْتٌ لِـ "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "عالِمِ"؛ بِالخَفْضِ؛ عَلى النَعْتِ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في "وَلَهُ"؛ أو عَلى البَدَلِ مِنهُ؛ مِن قَوْلِهِ "لَهُ المُلْكُ"؛ وقَدْ رُوِيَتْ عن عاصِمٍ ؛ وقِيلَ: اِرْتَفَعَ "عالِمُ"؛ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَنْفُخُ فِيهِ عالِمُ"؛ عَلى ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎ لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ وآخَرُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ
اَلتَّقْدِيرُ: يَبْكِيهِ ضارِعٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا التَأْوِيلَ الَّذِي يُشْبِهُ "لِيُبْكَ يَزِيدُ"؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ ونَظِيرُها مِنَ القُرْآنِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أولادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ ورَفْعِ الشُرَكاءِ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ الوارِثِ ؛ عن أبِي عَمْرٍو: "يَوْمَ نَنْفُخُ في الصُورِ"؛ بِنُونِ العَظَمَةِ.
و"اَلْغَيْبِ والشَهادَةِ"؛ مَعْناهُ: ما غابَ عَنّا؛ وما حَضَرَ؛ وهَذا يَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ.
6:74–75Page 137
۞ وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٧٤
And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father Āzar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."
وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥
And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith].
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾
اَلْعامِلُ في "وَإذْ"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ"؛ أو: "قُصَّ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: نَبَّهَ اللهُ (p-٣٩٧)- تَبارَكَ وتَعالى - مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِاقْتِداءِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في مُحاجَّتِهِ قَوْمَهُ؛ إذْ كانُوا أهْلَ أصْنامٍ؛ وكانَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أهْلَ أصْنامٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ يَلْزَمُ هَذا مِن لَفْظِ الآيَةِ؛ أما إنَّ جَمِيعَ ما يَجِيءُ مِن مِثْلِ هَذا عُرْضَةٌ لِلِاقْتِداءِ.
وقَرَأ السَبْعَةُ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: "آزَرَ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّتِي قَبْلَ الألِفِ؛ وفَتْحِ الزايِ؛ والراءِ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ إسْحاقَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هو اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اسْمَهُ "تارَحُ"؛ فَلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ اسْمانِ؛ كَـ "يَعْقُوبُ"؛ و"إسْرائِيلُ"؛ وهو في الإعْرابِ - عَلى هَذا - بَدَلٌ مِنَ الأبِ المُضافِ؛ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ وهو اسْمُ عَلَمٍ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ هو اسْمُ صَنَمٍ؛ وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أتَتَّخِذُ آزَرَ؟ أتَتَّخِذُ أصْنامًا؟".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هو صِفَةٌ؛ ومَعْناهُ هُوَ: اَلْمُعْوَجُّ؛ المُخْطِئُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُعْتَرَضُ هَذا بِأنَّ "آزَرَ"؛ إذا كانَ صِفَةً؛ فَهو نَكِرَةٌ؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَتَ المَعْرِفَةَ بِالنَكِرَةِ؛ ويُوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى تَحامُلٍ بِأنْ يُقالَ: زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ؛ وإنْ لَمْ يُلْفَظْ بِها؛ وإلى هَذا أشارَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: "لِأبِيهِ المُخْطِئِ"؛ وبِأنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أذُمُّ المُعْوَجَّ"؛ أو: "اَلْمُخْطِئَ"؛ ولا تَبْقى فِيهِ الصِفَةُ بِهَذِهِ الحالُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقِيلَ: نَصْبُهُ عَلى الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ؛ وهو في (p-٣٩٨)حالِ عِوَجٍ؛ وخَطَإٍ".
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ بِضَمِّ الراءِ؛ عَلى النِداءِ؛ ويَصِحُّ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ اِسْمَ أبِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "اَلْمُعْوَجُّ"؛ و"اَلْمُخْطِئُ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: "آزَرَ"؛ بِمَعْنى: "شَيْءٌ"؛ ولا يَصِحُّ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "آزَرَ"؛ صِفَةً؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يا آزَرُ"؛ بِثُبُوتِ حَرْفِ النِداءِ؛ "اِتَّخَذْتَ أصْنامًا"؛ بِالفِعْلِ الماضِي؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - فِيما رُوِيَ عنهُ أيْضًا -: "أأزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ؛ وفَتْحِ الهَمْزَةِ مِن "أزْرًا"؛ وسُكُونِ الزايِ؛ ونَصْبِ الراءِ؛ وتَنْوِينِها؛ وإسْقاطِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ مِن "أتَتَّخِذُ"؛ ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: "أعَضُدًا؛ وقُوَّةً؛ ومُظاهَرَةً عَلى اللهِ تَعالى ؛ تَتَّخِذُ...؟"؛ وهو مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١] ؛ وقَرَأ أبُو إسْماعِيلَ - رَجُلٌ مِن أهْلِ الشامِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن هَذا التَرْتِيبِ؛ ذَكَرَها أبُو الفُتُوحِ؛ ومَعْناها أنَّها مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ؛ كَـ "وِسادَةٌ"؛ و"إسادَةٌ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أوِزْرًا ومَأْثَمًا تَتَّخِذُ أصْنامًا؟"؛ ونَصْبُهُ - عَلى هَذا - بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ ورُوِيَتْ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "إزْرًا تَتَّخِذُ"؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ وسُكُونِ الزايِ؛ دُونَ ألِفِ تَوْقِيفٍ؛ و"أصْنامًا آلِهَةً"؛ مَفْعُولانِ.
وذُكِرَ أنَّ آزَرَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ نَجّارًا مُحْسِنًا؛ ومُهَنْدِسًا؛ وكانَ نَمْرُودُ يَتَعَلَّقُ بِالهَنْدَسَةِ والنُجُومِ؛ فَحَظِيَ عِنْدَهُ آزَرُ لِذَلِكَ؛ وكانَ عَلى خُطَّةِ عَمَلِ الأصْنامِ؛ تُعْمَلُ بِأمْرِهِ وتَدْبِيرِهِ؛ ويَطْبَعُ هو في الصَنَمِ بِخَتْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ؛ وحِينَئِذٍ يُعْبَدُ ذَلِكَ الصَنَمُ؛ فَلَمّا نَشَأ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُهُ - عَلى الصِفَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدُ؛ كانَ أبُوهُ يُكَلِّفُهُ بِبَيْعِها؛ فَكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - يُنادِي عَلَيْها: "مَن يَشْتَرِي ما يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ؟"؛ ويَسْتَخِفُّ بِها؛ ويَجْعَلُها في الماءِ مَنكُوسَةً؛ ويَقُولُ: "اِشْرَبِي"؛ فَلَمّا شُهِرَ أمْرُهُ بِذَلِكَ؛ وأخَذَ - عَلَيْهِ السَلامُ - في الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى ؛ قالَ لِأبِيهِ هَذِهِ المَقالَةَ.
و"أراكَ" - في هَذا المَوْضِعِ - يَشْتَرِكُ فِيها البَصَرُ؛ والقَلْبُ؛ لِأنَّها رُؤْيَةُ قَلْبٍ؛ ومَعْرِفَتُهُ؛ وهي مُتَرَكِّبَةٌ عَلى رُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ و"مُبِينٍ"؛ بِمَعْنى: واضِحٍ؛ ظاهِرٍ؛ وهو مِن "أبانَ الشَيْءُ"؛ إذا ظَهَرَ؛ لَيْسَ بِالفِعْلِ المُتَعَدِّي المَنقُولِ مِن: "بانَ؛ يَبِينُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَنقُولَ؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ مُقَدَّرًا؛ تَقْدِيرُهُ: "فِي ضَلالٍ مُبِينٍ كُفْرَكُمْ". (p-٣٩٩)وَقِيلَ: كانَ آزَرُ رَجُلًا مِن أهْلِ "كَوْثًا"؛ مِن سَوادِ الكُوفَةِ؛ قالَ النَقّاشُ: وبِها وُلِدَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقِيلَ: كانَ مِن أهْلِ "حَرّانَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ﴾ ؛ اَلْآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْضِي بِهِدايَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والإشارَةُ هُنا بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى تِلْكَ الهِدايَةِ؛ أيْ: "وَكَما هَدَيْناهُ إلى الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى وإنْكارِ الكُفْرِ؛ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ..."؛ و"نُرِي"؛ لَفْظُها الِاسْتِقْبالُ؛ ومَعْناها المُضِيُّ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ المَعْنى: "وَكَما هَدَيْناكَ يا مُحَمَّدُ؛ فَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ...".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا بَعِيدٌ؛ إذِ اللَفْظُ لا يُعْطِيهِ؛ و"نُرِي"؛ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لا غَيْرُ؛ فَهي إمّا مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ؛ وإمّا مِن "أرى"؛ اَلَّتِي هي بِمَعْنى "عَرَّفَ"؛ ولَوْ كانَتْ مِن "أرى"؛ بِمَعْنى "أعْلَمَ"؛ وجَعَلَنا "أعْلَمَ" مَنقُولَةً مِن "عَلِمَ"؛ اَلَّتِي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ لَوَجَبَ أنْ تَتَعَدّى "أرى"؛ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الثالِثَ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ إذْ هو الخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْها "عَلِمْتُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنَّما هي مِن "عَلِمَ"؛ بِمَعْنى "عَرَفَ"؛ ثُمَّ نُقِلَتِ الهَمْزَةِ؛ فَتَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ثُمَّ جُعِلَتْ "أرى"؛ بِمَنزِلَتِها؛ في هَذِهِ الحالِ.
وهَذِهِ الرُؤْيَةُ: قِيلَ: رُؤْيَةُ البَصَرِ؛ ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - فَرَجَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - السَماواتِ والأرْضِينَ؛ حَتّى رَأى بِبَصَرِهِ المَلَكُوتَ الأعْلى؛ والمَلَكُوتَ الأسْفَلَ؛ فَإنْ صَحَّ هَذا المَنقُولُ؛ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بِما لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ؛ ولا بَعْدَهُ؛ وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ ؛ قالَ: "تَفَرَّجَتْ لَهُ السَماواتُ والأرْضُونَ؛ فَرَأى مَكانَهُ في الجَنَّةِ"؛ وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ؛ وقِيلَ: هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ وقَعَ لَهُ مَعَها مِنَ الِاعْتِبارِ؛ ورُؤْيَةِ القَلْبِ؛ ما لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ زَمَنِهِ؛ الَّذِينَ بُعِثَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إلَيْهِمْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ فَفي هَذا تَخْصِيصٌ ما؛ عَلى جِهَةِ التَقْيِيدِ بِأهْلِ زَمَنِهِ؛ وقِيلَ: هي رُؤْيَةُ قَلْبٍ؛ رَأى بِها مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ؛ بِفِكْرَتِهِ؛ ونَظَرِهِ؛ وذَلِكَ - ولا بُدَّ - مُتَرَكِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن رُؤْيَتِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِبَصَرِهِ؛ وإدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بِحَواسِّهِ.
(p-٤٠٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذانِ القَوْلانِ الأخِيرانِ يُناسِبانِ الآيَةَ؛ لِأنَّ الغايَةَ الَّتِي نُصِبَتْ لَهُ إنَّما هي أنْ يُؤْمِنَ؛ ويَكُونَ مِن جُمْلَةِ مُوقِنِينَ كَثَرَةٍ؛ والإشارَةُ - لا مَحالَةَ - إلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وبَعْدَهُ؛ واليَقِينُ يَقَعُ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - ولِغَيْرِهِ بِالرُؤْيَةِ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ والِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى الصانِعِ؛ والخالِقِ؛ لا إلَهَ إلّا هو.
و"مَلَكُوتَ"؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ كَـ "جَبَرُوتٌ"؛ و"رَهَبُوتٌ"؛ و"رَحَمُوتٌ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: هو "مَلَكُوثى"؛ بِاليُونانِيَّةِ؛ أو بِالنَبَطِيَّةِ؛ وقَرَأ "مَلَكُوثَ"؛ بِالثاءِ مُثَلَّثَةً؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "مَلْكُوتَ"؛ بِإسْكانِ اللامِ؛ وهي لُغَةٌ؛ و"مَلَكُوتٌ": بِمَعْنى: "اَلْمُلْكُ"؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "لِفُلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ"؛ أيْ: مُلْكُهُ.
واللامُ في "وَلِيَكُونَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ أرَيْناهُ"؛ و"اَلْمُوقِنُ": اَلْعالِمُ بِالشَيْءِ عِلْمًا لا يُمْكِنُ أنْ يَطْرَأ لَهُ فِيهِ شَكٌّ؛ وقالَ الضَحّاكُ ؛ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الإشارَةَ هَهُنا بِـ "مَلَكُوتَ السَماواتِ"؛ هي إلى الكَواكِبِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ وهَذا راجِعٌ وداخِلٌ فِيما قَدَّمْناهُ مِن أنَّها رُؤْيَةُ بَصَرٍ في ظاهِرِ المَلَكُوتِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في تَفْسِيرِ ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ - قالَ: جَلّى لَهُ الأُمُورَ؛ سِرَّها وعَلانِيَتَها؛ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الخَلائِقِ؛ فَلَمّا جَعَلَ يَلْعَنُ أصْحابَ الذُنُوبِ؛ قالَ اللهُ تَعالى "إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا"؛ فَرَدَّهُ لا يَرى أعْمالَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences