Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:76–86
6:76–77Page 137
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦
So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord."1 But when it set, he said, "I like not those that set [i.e., disappear]."
فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧
And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."
(p-٤٠١)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضالِّينَ﴾
هَذِهِ الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَلَمّا"؛ رابِطَةُ جُمْلَةِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ وهي تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِالمَلَكُوتِ هو هَذا التَفْصِيلُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"جَنَّ اللَيْلُ": سَتَرَ وغَطّى بِظَلامِهِ؛ ويُقالُ: "أجَنَّ"؛ والأوَّلُ أكْثَرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ "اَلْجِنُّ"؛ و"اَلْمِجَنُّ"؛ و"اَلْجَنَّةُ"؛ و"اَلْجَنَنُ" - وهو القَبْرُ -؛ مُشْتَقَّةً مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ.
ولَفْظُ هَذِهِ القِصَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - في حالِ صِباهُ؛ وقَبْلَ بُلُوغِهِ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: رَأى كَوْكَبًا فَعَبَدَهُ؛ وقالَ ناسٌ كَثِيرٌ: إنَّ النازِلَةَ قَبْلَ البُلُوغِ؛ والتَكْلِيفِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ لَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ؛ وكَوْنِهِ مُكَلَّفًا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا عن فِرْقَةٍ؛ وقالَتْ: إنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ قالَ: وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ: هُمُ هُمُ؟
يُرِيدُ: "أهم هُمْ؟"؛ وكَما قالَ الآخَرُ:
؎ لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ؟
يُرِيدُ: "أشُعَيْثُ؟".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَيْتُ الأوَّلُ لا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدِي.
وقَدْ حُكِيَ أنَّ نَمْرُودَ؛ جَبّارَ ذَلِكَ الزَمَنِ؛ رَأى مُنَجِّمُوهُ أنَّ مَوْلُودًا يُولَدُ في سَنَةِ كَذا؛ في (p-٤٠٢)عَمَلِهِ يَكُونُ خَرابُ المُلْكِ عَلى يَدَيْهِ؛ فَجَعَلَ يَتْبَعُ الحَبالى؛ ويُوكِلُ بِهِنَّ حُرّاسًا؛ فَمَن وضَعَتْ أُنْثى تُرِكَتْ؛ ومَن وضَعَتْ ذَكَرًا حُمِلَ إلى المَلِكِ فَذَبَحَهُ؛ وأنَّ أُمَّ إبْراهِيمَ حَمَلَتْ - وكانَتْ شابَّةً قَوِيَّةً - فَسَتَرَتْ حَمْلَها؛ فَلَمّا قَرُبَتْ وِلادَتُها بَعَثَتْ تارَحَ؛ أبا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ إلى سَفَرٍ؛ وتَحَيَّلَتْ لِمُضِيِّهِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ خَرَجَتْ هي إلى غارٍ؛ فَوَلَدَتْ فِيهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وتَرَكَتْهُ في الغارِ؛ وقَدْ هَيَّأتْ عَلَيْهِ؛ وكانَتْ تَتَفَقَّدُهُ؛ فَتَجِدُهُ يَغْتَذِي بِأنْ يَمُصَّ أصابِعَهُ؛ فَيَخْرُجُ لَهُ مِنها عَسَلٌ؛ وسَمْنٌ؛ ونَحْوُهُما؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَ يُغَذِّيهِ مَلَكٌ؛ وحُكِيَ: بَلْ كانَتْ تَأْتِيهِ بِألْبانِ النِساءِ اللاتِي ذُبِحَ أبْناؤُهُنَّ؛ فَشَبَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أضْعافَ ما يَشِبُّ غَيْرُهُ؛ والمَلِكُ في خِلالِ ذَلِكَ يُحِسُّ بِوِلادَتِهِ؛ ويُشَدِّدُ في طَلَبِهِ؛ فَمَكَثَ في الغارِ عَشَرَةَ أعْوامٍ؛ وقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وأنَّهُ نَظَرَ - أوَّلَ ما عَقَلَ - مِنَ الغارِ؛ فَرَأى الكَوْكَبَ؛ وجَرَتْ قِصَّةُ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَلَبْتُ هَذِهِ القِصَصَ بِغايَةِ الِاخْتِصارِ في اللَفْظِ؛ وقَصَدْتُ اسْتِيفاءَ المَعانِي الَّتِي تَخُصُّ الآيَةَ؛ ويَضْعُفُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ في الغارِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ - في آخِرِها: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ؛ وهي ألْفاظٌ تَقْتَضِي مُحاجَّةً؛ ورَدًّا عَلى قَوْمٍ؛ وحالُهُ في الغارِ بَعِيدَةٌ عن مِثْلِ هَذا؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ في ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَها بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ؛ أيْ قالَ في نَفْسِهِ مَعْنى العِبارَةِ عنهُ: ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ؛ وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ثُمَّ انْثَنى وقالَ في التَفْكِيرِ ∗∗∗ ∗∗∗ إنَّ الحَياةَ اليَوْمَ في الكُرُورِ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَعَ هَذا فالمُخاطَبَةُ تُبْعِدُهُ؛ ولَوْ قالَ: "يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإشْراكِ"؛ لَصَحَّ هَذا التَأْوِيلُ؛ وقَوِيَ؛ فَإنْ قُلْنا بِأنَّهُ وقَعَتْ لَهُ القِصَّةُ في الغارِ؛ في حالِ الصَبْوَةِ؛ وعَدَمِ التَكْلِيفِ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ويَحْتَمِلُهُ اللَفْظُ؛ فَذَلِكَ يَنْقَسِمُ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: "هَذا رَبِّي"؛ تَصْمِيمًا واعْتِقادًا؛ وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ التَصْمِيمَ لَمْ يَقَعْ مِنَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ -؛ وإمّا أنْ يُجْعَلَ تَعْرِيضًا لِلنَّظَرِ؛ والِاسْتِدْلالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذا المُنِيرُ البَهِيُّ رَبِّي"؛ إنْ عَضَّدَتْ ذَلِكَ الدَلائِلُ؛ ويَجِيءُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - كَما قالَ اللهُ (p-٤٠٣)تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ؛ أيْ: مُهْمَلَ المُعْتَقَدِ؛ وإنْ قُلْنا بِأنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ لَهُ في حالِ كُفْرِهِ؛ وهو مُكَلَّفٌ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: "هَذا رَبِّي"؛ مُصَمِّمًا؛ ولا مُعَرِّضًا لِلنَّظَرِ؛ لِأنَّها رُتْبَةُ جَهْلٍ؛ أو شَكٍّ؛ وهو - عَلَيْهِ السَلامُ - مُنَزَّهٌ؛ مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَقُولَها - عَلَيْهِ السَلامُ - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ لِقَوْمِهِ؛ والتَوْبِيخِ لَهُمْ؛ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ؛ كَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: "أهَذا المُنِيرُ رَبِّي؟"؛ أو "هَذا رَبِّي"؛ وهو يُرِيدُ: "عَلى زَعْمِكُمْ"؛ كَما قالَ تَعالى ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ [النحل: ٢٧] ؛ فَإنَّما المَعْنى: "عَلى زَعْمِكُمْ"؛ ثُمَّ عَرَّضَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - عَلَيْهِمْ؛ مِن حَرَكَتِهِ؛ وأُفُولِهِ؛ أمارَةَ الحُدُوثِ؛ وأنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ رَبًّا؛ ثُمَّ في آخَرَ أعْظَمَ مِنهُ؛ وأحْرى كَذَلِكَ؛ ثُمَّ في الشَمْسِ كَذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإذا بانَ في هَذِهِ المُنِيراتِ الرَفِيعَةِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ؛ فَأصْنامُكُمُ الَّتِي هي خَشَبٌ؛ وحِجارَةٌ؛ أحْرى أنَّ يَبِينَ ذَلِكَ فِيها"؛ ويُعَضِّدُ عِنْدِي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨].
ومَثَّلَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ - بِهَذِهِ الأُمُورِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ عِلْمِ نُجُومٍ؛ ونَظَرٍ في الأفْلاكِ؛ وهَذا الأمْرُ كُلُّهُ إنَّما وقَعَ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ؛ أيِ الكَوْكَبَ - وهو "اَلزُّهْرَةُ"؛ في قَوْلِ قَتادَةَ ؛ وقالَ السُدِّيُّ: وهو "اَلْمُشْتَرِي" - جانِحًا لِلْغُرُوبِ؛ فَلَمّا أفَلَ بَزَغَ القَمَرُ؛ وهو أوَّلُ طُلُوعِهِ؛ فَسَرى اللَيْلُ أجْمَعُ؛ فَلَمّا بَزَغَتِ الشَمْسُ زالَ ضَوْءُ القَمَرِ قَبْلَها؛ لِانْتِشارِ الصَباحِ؛ وخَفِيَ نُورُهُ؛ ودَنا أيْضًا مِن مَغْرِبِهِ؛ فَسُمِّيَ ذَلِكَ "أُفُولًا"؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الأُفُولِ التامِّ؛ عَلى تَجَوُّزٍ في التَسْمِيَةِ؛ ثُمَّ بَزَغَتِ الشَمْسُ عَلى ذَلِكَ؛ وهَذا التَرْتِيبُ يَسْتَقِيمُ في اللَيْلَةِ الخامِسَةَ عَشَرَةَ مِنَ الشَهْرِ؛ إلى عِشْرِينَ؛ ولَيْسَ يَتَرَتَّبُ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ - كَما أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ - إلّا في هَذِهِ اللَيالِي؛ وبِذَلِكَ التَجَوُّزِ في أُفُولِ القَمَرِ؛ و"أفَلَ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ مَعْناهُ: "غابَ"؛ يُقالُ: "أيْنَ أفَلْتَ عَنّا يا فُلانُ"؛ وقِيلَ: مَعْناهُ "ذَهَبَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا خِلافٌ في عِبارَةٍ فَقَطْ؛ وقالَ ذُو الرُمَّةِ:
؎ مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَواتِي تَقُودُها ∗∗∗ ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَوالِكِ
(p-٤٠٤)وَقالَ: "اَلْآفِلِينَ"؛ فَجَمَعَ بِالياءِ؛ والنُونِ؛ لَمّا قَصَدَ الأرْبابَ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ وعَلى هَذا يُخَرَّجُ قَوْلُهُ في الشَمْسِ: "هَذا رَبِّي"؛ فَذَكَّرَ الإشارَةَ إلَيْها لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "رَأى"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ والهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بَيْنَ الفَتْحِ؛ والكَسْرِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ بِكَسْرِهِما؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بِفَتْحِ الراءِ؛ وكَسْرِ الهَمْزَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلْبُزُوغُ"؛ في هَذِهِ الأنْوارِ: أوَّلُ الطُلُوعِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ ألْفاظُ الآيَةِ؛ وكَوْنِ هَذا التَرْتِيبِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ؛ مِنَ التَجَوُّزِ في أُفُولِ القَمَرِ؛ لِأنَّ أُفُولَهُ لَوْ قَدَّرْناهُ "مَغِيبَهُ في المَغْرِبِ"؛ لَكانَ ذَلِكَ بَعْدَ بُزُوغِ الشَمْسِ؛ وجَمِيعُ ما قُلْناهُ يُعْطِيهِ الِاعْتِبارُ.
و"يَهْدِنِي": "يُرْشِدْنِي"؛ وهَذا اللَفْظُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الصِغَرِ؛ والقَوْمُ الضالُّونَ: عَبَدَةُ المَخْلُوقاتِ؛ كالأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ وإنْ كانَ الضَلالُ أعَمَّ مِن هَذا؛ فَهَذا هو المَقْصُودُ في هَذا المَوْضِعِ.
6:78–80Page 137
فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٧٨
And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allāh.
إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩
Indeed, I have turned my face [i.e., self] toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allāh."
وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠
And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allāh while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَلَمّا رَأى الشَمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
لَمّا قَصَدَ رَبَّهُ قالَ: "هَذا"؛ فَذَكَّرَ؛ أيْ: هَذا المَرْئِيُّ؛ أوِ المُنِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا؛ "فَلَمّا أفَلَتْ"؛ اَلشَّمْسُ؛ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُمَثِّلُ لَهم بِهِ؛ فَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ؛ وقَوِيَ بِذَلِكَ عَلى مُنابَذَتِهِمْ؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.
(p-٤٠٥)وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ؛ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: اَلنّازِلَةُ في حالِ الكِبَرِ والتَكْلِيفِ؛ و﴿وَجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ ؛ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي؛ وعِبادَتِي؛ وتَوْحِيدِي؛ وإيمانِي؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عنهُ بِـ "وَجْهِيَ"؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ في أجْرامٍ؛ و"حَنِيفًا"؛ مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا؛ و"اَلْحَنَفُ": "اَلْمَيْلُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأصْلُهُ في الأشْخاصِ؛ وهو في المَعانِي مُسْتَعارٌ؛ فالمُعْوَجُّ في الأجْرامِ أحْنَفُ؛ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ مائِلٌ؛ والمُسْتَقِيمُ فِيها أحْنَفُ؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ كَأنَّهُ مالَ عن كُلِّ جِهَةٍ إلى القَوامِ.
"وَحاجَّهُ": "فاعَلَهُ"؛ مِن "اَلْحُجَّةُ"؛ قالَ: "أتُراجِعُونَنِي في الحُجَّةِ في تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "أتُحاجُّونَنِي"؛ بِإظْهارِ النُونَيْنِ؛ وهو الأصْلُ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "أتُحاجُّونِّي"؛ بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أتُحاجُّونِي"؛ بِحَذْفِ النُونِ الواحِدَةِ؛ فَقِيلَ: هي الثانِيَةُ؛ وقِيلَ: هي الأُولى؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها بَقِيَتْ مَكْسُورَةً؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الأُولى؛ لِأنَّها لِلْإعْرابِ؛ وإنَّما حُذِفَتِ الثانِيَةُ الَّتِي هي تَوْطِئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما حُذِفَتْ في "لَيْتِي"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ ............... ∗∗∗ يَسُوءُ الغالِياتِ إذا فَلَيْنِي
وكُسِرَتْ - بَعْدَ ذَلِكَ - الأُولى الباقِيَةُ؛ لِمُجاوَرَتِها لِلْياءِ.
"وَقَدْ هَدانِ"؛ أيْ: أرْشَدَنِي إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ؛ وأمالَ الكِسائِيُّ: "هَدانِ"؛ والإمالَةُ في ذَلِكَ حَسَنَةٌ؛ وإذا جازَتِ الإمالَةُ في "غَزا"؛ و"دَعا" - وهُما مِن ذَواتِ الواوِ - فَهي في "هَدانِ" - الَّتِي هي مِن ذَواتِ الياءِ - أجْوَزُ؛ وأحْسَنُ؛ وحُكِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -: خَفْ أنْ تُصِيبَكَ آلِهَتُنا بِبَرَصٍ؛ أو داءٍ؛ لِإذايَتِكَ لَها؛ وتَنَقُّصِكَ؛ فَقالَ لَهم - عَلَيْهِ السَلامُ -: "لَسْتُ (p-٤٠٦)أخافُ الَّذِي تُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا غَناءَ عِنْدَهُ"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيَكُونَ - عَلى هَذا - في قَوْلِهِ: "تُشْرِكُونَ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"؛ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "وَلا أخافُ الأصْنامَ الَّتِي تُشْرِكُونَها بِاللهِ تَعالى في الرُبُوبِيَّةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "ما"؛ فَلا يُحْتاجُ إلى غَيْرِهِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "ما تُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ و"شَيْئًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "يَشاءَ"؛ ولَمّا كانَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ لا يَخافُ ضُرًّا؛ اسْتَثْنى مَشِيئَةَ رَبِّهِ تَعالى في أنْ يُرِيدَهُ بِضُرٍّ؛ و"عِلْمًا"؛ نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ؛ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا"؛ والمَعْنى: "تَصَبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ"؛ فَكَذَلِكَ المَعْنى هُنا: وسِعَ عِلْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ؛ ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ؛ تَوْقِيفٌ؛ وتَنْبِيهٌ؛ وإظْهارٌ لِمَوْضِعِ التَقْصِيرِ مِنهم.
6:81–83Page 137
وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١
And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allāh that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?"
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢
They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.
وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣
And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ - إلى "تَعْلَمُونَ" - هي كُلُّها مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وهي حُجَّتُهُ القاطِعَةُ لَهُمْ؛ والمَعْنى: "وَكَيْفَ أخافُ الأصْنامَ الَّتِي لا خَطْبَ لَها؛ وهي حِجارَةٌ؛ وخَشَبٌ؛ إذا أنا نَبَذْتُها ولَمْ أُعَظِّمْها؛ ولا تَخافُونَ أنْتُمُ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقَدْ أشْرَكْتُمْ بِهِ في الرُبُوبِيَّةِ أشْياءَ لَمْ يُنَزِّلْ بِها عَلَيْكم حُجَّةً؟"؛ و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ.
ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ: "فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ؟"؛ أيْ: "مَن لَمْ يُشْرِكْ بِالقادِرِ العالِمِ تَعالى أحَقُّ أنْ يَأْمَنَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَلْبِسُوا"؛ مَعْناهُ: يَخْلِطُوا؛ و"اَلظُّلْمُ" - في هَذِهِ الآيَةِ -: اَلشِّرْكُ؛ تَظاهَرَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعن جَماعَةٍ مِنَ الصَحابَةِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أشْفَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما ذَلِكَ كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] "؛» ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَرَأ (p-٤٠٧)فِي المُصْحَفِ؛ فَلَمّا أتى عَلَيْها عَظُمَتْ عَلَيْهِ؛ فَلَبِسَ رِداءَهُ؛ ومَرَّ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ فَقالَ: "يا أبا المُنْذِرِ "؛ وسَألَهُ عنها؛ فَقالَ لَهُ: "إنَّهُ الشِرْكُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ "؛ فَسُرِّيَ عن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وجَرى لِزَيْدِ بْنِ صُوحانَ؛ مَعَ سَلْمانَ نَحْوٌ مِمّا جَرى لِعُمَرَ ؛ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَرَأ مُجاهِدٌ: "وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ"؛ وقَرَأ عِكْرِمَةٌ: "يُلْبِسُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ.
و"اَلْأمْنُ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ في المَجْرُورِ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "أُولَئِكَ"؛ "وَهم مُهْتَدُونَ"؛ أيْ: راشِدُونَ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - خاصَّةً"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: "نَزَلَتْ في مُهاجِرِي أصْحابِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - خاصَّةً"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ فَهي مِنَ الحُجَّةِ الَّتِي أُوتِيَها؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويَجِيءُ هَذا مِنَ الحُجَّةِ أيْضًا؛ أنْ أقَرُّوا بِالحَقِّ وهم قَدْ ظَلَمُوا في الإشْراكِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُما: بَلْ ذَلِكَ قَوْلٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ابْتِداءُ حُكْمٍ فُصِّلَ؛ عامٌّ لِوَقْتِ مُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ؛ ولِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ تَقَدَّمَ أو تَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو البَيِّنُ الفَصِيحُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ مَعْنى الآيَةِ؛ ويُحْسِنُ رَصْفَها؛ وهو خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى.
و"تِلْكَ"؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحُجَّةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وهي رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ؛ و"حُجَّتُنا"؛ خَبَرُهُ؛ و"آتَيْناها"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "حُجَّتُنا"؛ بَدَلًا مِن "تِلْكَ"؛ و"آتَيْناها"؛ خَبَرَ "وَتِلْكَ"؛ و"إبْراهِيمَ"؛ مَفْعُولٌ بِـ "آتَيْنا"؛ والضَمِيرُ (p-٤٠٨)مَفْعُولٌ أيْضًا بِـ "آتَيْنا"؛ مُقَدَّمٌ؛ و"عَلى"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "حُجَّتُنا"؛ وفي ذَلِكَ فَصْلٌ كَثِيرٌ؛ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ "عَلى" بِـ "آتَيْناها"؛ عَلى المَعْنى؛ إذِ المَعْنى: "أظْهَرْناها لِإبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ"؛ ونَحْوُ هَذا.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ"؛ بِإضافَةِ الدَرَجاتِ إلى "مَن"؛ وقَرَأ عامِرٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهُما مَأْخَذانِ مِنَ الكَلامِ؛ والمَعْنى المَقْصُودُ بِهِما واحِدٌ؛ و"دَرَجاتٍ"؛ عَلى قِراءَةِ مَن نَوَّنَ؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِيَّةِ؛ "حَكِيمٌ عَلِيمٌ"؛ صِفَتانِ [تَلِيقانِ] بِهَذا المَوْضِعِ؛ إذْ هو مَوْضِعُ مَشِيئَةٍ؛ واخْتِيارٍ؛ فَيَحْتاجُ ذَلِكَ إلى العِلْمِ؛ والإحْكامِ؛ والدَرَجاتُ أصْلُها في الأجْسامِ؛ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ في المَراتِبِ؛ والمَنازِلِ المَعْنَوِيَّةِ.
6:84–86Page 138
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤
And We gave to him [i.e., Abraham] Isaac and Jacob - all [of them] We guided. And Noah, We guided before; and among his descendants, David and Solomon and Job and Joseph and Moses and Aaron. Thus do We reward the doers of good.
وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥
And Zechariah and John and Jesus and Elias - and all were of the righteous.
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦
And Ishmael and Elisha and Jonah and Lot - and all [of them] We preferred over the worlds.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾
"وَوَهَبْنا"؛ عُطِفَ عَلى "آتَيْناها"؛ وإسْحاقُ: اِبْنُهُ مِن سارَةَ؛ ويَعْقُوبُ هو ابْنُ إسْحاقَ ؛ و"كُلًّا"؛ و"نُوحًا"؛ مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ؛ مُقَدَّمانِ عَلى الفِعْلِ؛ وقَوْلُهُ: "مِن قَبْلُ"؛ لِقِدَمِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: "وَمِن ذُرِّيَّتِهِ"؛ اَلْمَعْنى: "وَهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ..."؛ والضَمِيرُ في "ذُرِّيَّتِهِ": قالَ الزَجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَعُودَ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُعْتَرَضَ هَذا بِذِكْرِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو لَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ بَلْ هو ابْنُ أخِيهِ؛ وقِيلَ: اِبْنُ (p-٤٠٩)أُخْتِهِ؛ ويُتَخَرَّجُ عِنْدَ مَن يَرى الخالَ أبًا؛ وقِيلَ: يَعُودُ الضَمِيرُ عَلى نُوحٍ؛ وهَذا هو الجَيِّدُ.
وداوُدُ: يُقالُ: هو ابْنُ أيْشى؛ وسُلَيْمانُ: اِبْنُهُ؛ وأيُّوبُ هو - فِيما يُقالُ - أيُّوبُ بْنُ رازِحَ بْنِ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُوسُفُ هو ابْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ؛ ومُوسى؛ وهارُونُ - عَلَيْهِما السَلامُ - هُما ابْنا عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ؛ ونَصْبُ "داوُدَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِـ "وَوَهَبْنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِـ "هَدَيْنا".
وهَذِهِ الأسْماءُ كُلُّها فِيها العُجْمَةُ والتَعْرِيفُ؛ فَهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ؛ ومُوسى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وزْنُهُ "مُفْعِلٌ"؛ فَعَلى هَذا يَنْصَرِفُ في النَكِرَةِ؛ وقِيلَ: وزْنُهُ "فُعْلى"؛ فَعَلى هَذا لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ؛ وعْدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن أحْسَنَ في عَمَلِهِ؛ وتَرْغِيبٌ في الإحْسانِ؛ وزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما يُقالُ - هو ابْنُ آذَنَ بْنِ بَرْكَنا؛ " وعِيسى " - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ بْنِ ياشَهْمَ بْنِ آمُونَ بْنِ حَزْقِياءَ؛ وإلْياسُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو ابْنُ نَسْمى بْنِ فِنْحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: إدْرِيسُ هو إلْياسُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ورَدَّ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ إدْرِيسَ هو جَدُّ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ تَظاهَرَتْ بِذَلِكَ الرِواياتُ؛ و"زَكَرِيّاءُ"؛ قَرَأتْهُ طائِفَةٌ بِالمَدِّ؛ وقَرَأتْهُ طائِفَةٌ بِالقَصْرِ "زَكَرِيّا"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ - بِاخْتِلافٍ عنهُ -؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ مِن "إلْياسَ".
وفِي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ؛ أو إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "ذُرِّيَّتِهِ"؛ وهو ابْنُ ابْنَتِهِ؛ وبِهَذا يُسْتَدَلُّ في الأحْباسِ عَلى أنَّ ولَدَ البِنْتِ مِنَ الذُرِّيَّةِ؛ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو أكْبَرُ ولَدَيْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو مِن "هاجَرَ"؛ واليَسَعُ: قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: وهو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وقالَ: غَيْرُهُ: هو اليَسَعُ بْنُ أخُطُوبَ بْنِ العَجُوزِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "واليَسَعَ"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "واللَيْسَعَ"؛ كَأنَّ الألِفَ واللامَ دَخَلَتْ عَلى "فَيْعَلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: (p-٤١٠)فالألِفُ واللامُ في "اَلْيَسَعَ"؛ زائِدَةٌ لا تُؤْثِرُ مَعْنى تَعْرِيفٍ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ؛ كَـ "اَلرَّجُلُ"؛ و"اَلْغُلامُ"؛ ولا لِلْجِنْسِ؛ كَـ "اَلْإنْسانُ"؛ و"اَلْبَهائِمُ"؛ ولا صِفَةً غالِبَةً؛ كَـ " اَلْعَبّاسُ "؛ و" اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ "اَلْيَسَعَ" فِعْلًا؛ وحِينَئِذٍ يَجْرِي صِفَةً؛ وإذا كانَ فِعْلًا وجَبَ أنْ يَلْزَمَهُ الفاعِلُ؛ ووَجَبَ أنْ يُحْكى؛ إذْ هي جُمْلَةٌ؛ ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِحاقُ اللامِ لَهُ؛ إذِ اللامُ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ زائِدَةً؛ كَما هي زائِدَةٌ في قَوْلِهِمْ: "اَلْخَمْسَةَ العَشَرَ دِرْهَمًا"؛ وفي قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ يا لَيْتَ أُمَّ العَمْرِ كانَتْ صاحِبِي
بِالعَيْنِ؛ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ؛ وفي قَوْلِهِ:
؎ وجَدْنا الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا ∗∗∗ ∗∗∗ شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهْ
وأمّا "اَللَّيْسَعَ"؛ فالألِفُ واللامُ فِيهِ بِمَنزِلَتِها في " اَلْحارِثُ "؛ و" اَلْعَبّاسُ "؛ لِأنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الصِفاتِ؛ لَكِنَّها بِمَنزِلَةِ "اَلْيَسَعَ"؛ في أنَّهُ خارِجٌ عَمّا عَلَيْهِ الأسْماءُ الأعْجَمِيَّةُ؛ إذْ لَمْ يَجِئْ فِيها شَيْءٌ هو عَلى هَذا الوَزْنِ؛ كَما لَمْ يَجِئْ مِنها شَيْءٌ فِيهِ لامُ تَعْرِيفٍ؛ فَهُما مِنَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ؛ إلّا أنَّهُما مُخالِفانِ لِلْأسْماءِ فِيما ذُكِرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأمّا "اَلْيَزِيدَ"؛ فَإنَّهُ لَمّا سُمِّيَ بِهِ أُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الفِعْلِ؛ وأُفْرِدَتْ فِيهِ الِاسْمِيَّةُ؛ فَحَصَلَ فِيهِ العَلَمِيَّةُ؛ وزِيدَتْ فِيهِ الألِفُ واللامُ لا لِتَعْرِيفٍ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ إتْباعًا لِلَفْظِ "اَلْوَلِيدُ".
ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى؛ ويُقالُ: "يُونُسُ"؛ و"يُونَسُ"؛ و"يُونِسُ"؛ وكَذَلِكَ: "يُوسُفُ"؛ و"يُوسَفُ"؛ و"يُوسِفُ"؛ وبِكَسْرِ النُونِ مِن "يُونِسَ"؛ والسِينِ مِن "يُوسِفَ"؛ قَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ (p-٤١١)مُصَرِّفٍ؛ وابْنُ وثّابٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والأعْمَشُ ؛ في جَمِيعِ القُرْآنِ؛ و"العالَمِينَ"؛ مَعْناهُ: عالَمِي زَمانِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences