Ibn 'AtiyyaAl‑An'am · 6:87–93

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:87–93

6:87–90Page 138

وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٨٧

And [some] among their fathers and their descendants and their brothers - and We chose them and We guided them to a straight path.

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨

That is the guidance of Allāh by which He guides whomever He wills of His servants. But if they had associated others with Allāh, then worthless for them would be whatever they were doing.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩

Those are the ones to whom We gave the Scripture and authority and prophethood. But if they [i.e., the disbelievers] deny it, then We have entrusted it to a people who are not therein disbelievers.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ ٩٠

Those are the ones whom Allāh has guided, so from their guidance take an example. Say, "I ask of you for it [i.e., this message] no payment. It is not but a reminder for the worlds."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عنهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾

والمَعْنى: "وَهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ؛ وذُرِّيّاتِهِمْ؛ وإخْوانِهِمْ؛ جَماعاتٍ"؛ فَـ "مِن"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ والمُرادُ: "مَن آمَنَ مِنهُمْ؛ نَبِيًّا كانَ؛ أو غَيْرَ نَبِيٍّ"؛ ويَدْخُلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: "وَمِن آبائِهِمْ"؛ ولِهَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: اَلْخالُ أبٌ؛ والخالَةُ أُمٌّ.

"واجْتَبَيْناهُمْ"؛ مَعْناهُ: تَخَيَّرْناهُمْ؛ وأرْشَدْناهُمْ؛ وضَمَمْناهم إلى خاصَّتِنا؛ وأرْشَدْناهم إلى الإيمانِ؛ والفَوْزِ بِرِضا اللهِ تَعالى ؛ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أخْلَصْناهم.

و"اَلذُّرِّيَّةُ": اَلْأبْناءُ؛ ويُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ "ذُرِّيَّةٌ"؛ لِأنَّهم أبْناءٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: "اَلذُّرِّيَّةُ"؛ تَقَعُ عَلى الآباءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ﴾ [يس: ٤١] ؛ يُرادُ بِهِ نَوْعُ البَشَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ هُدى اللهِ يَهْدِي بِهِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى النِعْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ "واجْتَبَيْناهُمْ"؛﴾ وإضافَةُ الهُدى إلى اللهِ تَعالى إضافَةُ مِلْكٍ؛ و"لَحَبِطَ"؛ مَعْناهُ: تَلَفَ؛ وذَهَبَ؛ لِسُوءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ.

و"أُولَئِكَ": إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ و"الكِتابَ"؛ يُرادُ بِهِ المُصْحَفُ؛ والتَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ والزَبُورُ؛ "والحُكْمَ"؛ يُرادُ بِهِ اللُبُّ؛ والفِطْنَةُ؛ والفَقْهُ في دِينِ اللهِ تَعالى ؛ و"هَؤُلاءِ": إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعادِينَ لِرَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإلى كُلِّ كُفّارٍ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ و"قَوْمًا"؛ يُرادُ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ المَدِينَةِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - وإنْ (p-٤١٢)كانَ القَصْدُ في نُزُولِها هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ - فَهي تَعُمُّ الكَفَرَةَ والمُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمُرادُ بِالقَوْمِ: مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وقالَ أبُو رَجاءٍ: اَلْمُرادُ: اَلْمَلائِكَةُ؛ والباءُ في "بِها"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "بِكافِرِينَ"؛ والباءُ في "بِكافِرِينَ"؛ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الظاهِرُ في الإشارَةِ؛ بِـ "أُولَئِكَ"؛ أنَّها إلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ مِنَ الأنْبِياءِ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ المَهْدِيِّينَ؛ ومَعْنى الِاقْتِداءِ: اِتِّباعُ الأثَرِ في القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ والسِيرَةِ؛ وإنَّما يَصِحُّ اقْتِداؤُهُ بِجَمِيعِهِمْ في العُقُودِ؛ والأيْمانِ والتَوْحِيدِ؛ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهم فِيهِ اخْتِلافٌ؛ وأمّا أعْمالُ الشَرائِعِ فَمُخْتَلِفَةٌ؛ وقَدْ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ"؛ إلى قَوْلِهِ: "قَوْمًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في المُرادِ بِالقَوْمِ؛ ويُقْلِقُ بَعْضَها.

قالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ: واخْتَلَفَ الناسُ: هَلْ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ مَبْعَثِهِ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ مُتَعَبِّدًا؛ واخْتُلِفَ: بِشَرْعِ مَن؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِشَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفِرْقَةٌ: بِشَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَتْ طائِفَةٌ بِالوَقْفِ في ذَلِكَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمْ يَكُنْ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ؛ وهو الَّذِي يُتَرَجَّحُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يُحْمَلُ كَلامُ القاضِي عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ في تَوْحِيدٍ؛ ولا مُعْتَقَدٍ؛ لِأنّا نَجِدُ شَرْعَنا يُنَبِّئُ أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأبَوَيْهِ؛ وغَيْرِهِما - في النارِ؛ ولا يُدْخِلُ اللهُ تَعالى أحَدًا النارَ إلّا بِتَرْكِ ما كُلِّفَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقاعِدَةُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ العَقْلَ لا يُوجِبُ؛ ولا يُكَلِّفُ؛ وإنَّما يُوجِبُ الشَرْعُ؛ فالوَجْهُ في هَذا أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَمَن بَعْدَهُ؛ دَعا إلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى دُعاءً عامًّا؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ عَلى العالَمِ؛ فَواجِبٌ عَلى (p-٤١٣)الآدَمِيِّ البالِغِ أنْ يَبْحَثَ عَلى الشَرْعِ الآمِرِ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ ويَنْظُرَ في الأدِلَّةِ المَنصُوبَةِ عَلى ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ إيجابِ الشَرْعِ النَظَرَ فِيها؛ ولا يَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ تَعالى ؛ فَمَن فَرَضْناهُ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلى العِلْمِ بِشَرْعٍ آمِرٍ بِتَوْحِيدِ اللهِ تَعالى ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ؛ ولا عَبَدَ صَنَمًا؛ بَلْ تَخَلّى؛ فَأُولَئِكَ أهْلُ الفَتْراتِ؛ الَّذِينَ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ أهْلُ العِلْمِ أنَّهم في الجَنَّةِ؛ وهم بِمَنزِلَةِ الأطْفالِ؛ والمَجانِينِ؛ ومَن قَصَّرَ في النَظَرِ؛ والبَحْثِ؛ فَعَبَدَ صَنَمًا؛ وكَفَرَ؛ فَهَذا تارِكٌ لِلْواجِبِ عَلَيْهِ؛ مُسْتَوْجِبٌ العِقابَ بِالنارِ؛ فالنَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ المَبْعَثِ؛ ومَن كانَ مَعَهُ مِنَ الناسِ؛ وقَبْلَهُ؛ مُخاطَبُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - قَبْلُ بِتَوْحِيدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وغَيْرُ مُخاطَبِينَ بِفُرُوعِ شَرائِعِهِمْ؛ إذْ هي مُخْتَلِفَةٌ؛ وإذْ لَمْ يَدْعُهم إلَيْها نَبِيٌّ؛ وأمّا بَعْدَ مَبْعَثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَهَلْ هو وأُمَّتُهُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن تَقَدَّمَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَسْنا مُخاطَبِينَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَحْنُ مُخاطَبُونَ بِشَرْعِ مَن قَبْلَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَن قالَ مِن هَذِهِ الطائِفَةِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ مُخاطَبُونَ بِكُلِّ شَرائِعِ مَن تَقَدَّمَ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ فَقَدْ أحالَ؛ لِأنَّ أحْكامَ الشَرائِعِ تَأْتِي مُخْتَلِفَةً؛ وإنَّما يَتَّخِذُونَ قَوْلَ مَن قالَ مِنها: إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِما صَحَّ نَقْلُهُ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا؛ ولَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الشَرائِعُ؛ وبِالآخِرِ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ؛ لِأنَّهُ الناسِخُ المُتَقَدِّمُ؛ ويُرْتَكَزُ في صِحَّةِ نَقْلِ ذَلِكَ إلى ما وقَعَ في القُرْآنِ؛ وفي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن حِكايَةِ أحْكامٍ سالِفَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص: ٤٤] ؛ وكَقَوْلِهِ: أقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي؛ وكَحِكايَةِ تَزْوِيجِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - ابْنَتَهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وكَحَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في قَضِيَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بَيْنَ المَرْأتَيْنِ في الوَلَدِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ.

ولا يَقْتَضِي قَوْلُهم أكْثَرَ مِن جَوازِ أنْ يُتَعَبَّدَ بِذَلِكَ؛ وأمّا وُجُوبُ أنْ يُتَعَبَّدَ [بِهِ] فَغَيْرُ لازِمٍ؛ ولا يَتَعَلَّقَ عِنْدِي أشْبَهَ في ذَلِكَ مِن أنْ يُقالَ: اَلنَّبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَرَعَ لِأُمَّتِهِ أنْ يُصَلِّيَ [الواحِدُ مِنَ] الناسِ صَلاتَهُ إذا ذَكَرَها؛ ثُمَّ مَثَّلَ في ذَلِكَ - لا عَلى طَرِيقِ التَعْلِيلِ - بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى: (p-٤١٤)﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ؛ فَنَنْقُلُ نَحْنُ هَذا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَوازِلِ؛ ونَقُولُ: إنَّهُ كَما شَرَعَ عِنْدَنا المِثالَ في نِسْيانِ الصَلاةِ؛ كَذَلِكَ نُشَرِّعُ هَذِهِ الأمْثِلَةَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قِياسٌ ضَعِيفٌ؛ ولَوْ ذَكَرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ؛ عَلى جِهَةِ التَعْلِيلِ؛ لَكانَتِ الحُجَّةُ بِهِ قَوِيَّةً؛ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: يَصِحُّ عِنْدَنا نَقْلُ ما في الشَرائِعِ مِن جِهَةِ مَن أسْلَمَ مِنهُمْ؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ صِحَّةً نَنْقُلُها؛ وكَذَلِكَ ما شَرَعَهُ الحَوارِيُّونَ لا سَبِيلَ إلى صِحَّةِ شَرْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأهْلُ مَكَّةَ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وأهْلُ المَدِينَةِ؛ وعاصِمٌ: "اِقْتَدِهْ"؛ بِهاءِ السَكْتِ؛ ثابِتَةً في الوَصْلِ؛ والوَقْفِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "اِقْتَدِ"؛ قالَ: بِحَذْفِ الهاءِ في الوَصْلِ؛ وإثْباتِها في الوَقْفِ؛ وهَذا هو القِياسُ؛ وهي تُشْبِهُ ألِفَ الوَصْلِ في أنَّها تُقْطَعُ في الِابْتِداءِ؛ وتُوصَلُ غَيْرَ مُبْتَدَإٍ بِها؛ فَكَذَلِكَ هَذِهِ؛ تَثْبُتُ في الوَقْفِ؛ وتُحْذَفُ في الوَصْلِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِكَسْرِ الهاءِ؛ دُونَ بُلُوغِ الياءِ؛ قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّها هاءُ وقْفٍ؛ لا تُعْرَبُ عَلى حالٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِقْتَدِ الِاقْتِداءَ"؛ وقَرَأ ابْنُ ذِكْوانَ عَلى هَذِهِ: "اِقْتَدِهِ"؛ بِإشْباعِ الياءِ بَعْدَ (p-٤١٥)الهاءِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ كَسْرَ الهاءِ إنَّما هو في هاءِ السَكْتِ؛ كَما قَدْ تُسَكَّنُ هاءُ الضَمِيرِ أحْيانًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا تَجُوزُ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِإشْباعِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعانِدِينَ: لا أسْألُكم عَلى دُعائِي إيّاكم بِالقُرْآنِ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ؛ أسْتَكْثِرُ بِها؛ وأُخْتَصُّ بِدُنْياها؛ إنِ القُرْآنُ إلّا مَوْعِظَةٌ؛ وذِكْرى؛ ودُعاءٌ لِجَمِيعِ العالَمِينَ".

6:91Page 139

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ ٩١

And they did not appraise Allāh with true appraisal1 when they said, "Allāh did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you2 were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allāh [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مِن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلْ اللهَ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

اَلضَّمِيرُ في "قَدَرُوا"؛ و"قالُوا"؛ قِيلَ يُرادُ بِهِ العَرَبُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ؛ وقِيلَ: يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقِيلَ: رَجُلٌ مَخْصُوصٌ مِنهُمْ؛ يُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ الصَيْفِ؛ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وقِيلَ: في فِنْحاصَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.

و"قَدَرُوا"؛ هو مِن تَوْفِيَةِ القَدْرِ والمَنزِلَةِ؛ فَهي عامَّةٌ يَدْخُلُ تَحْتَها مَن لَمْ يَعْرِفْ؛ ومَن لَمْ يُعَظِّمْ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ غَيْرَ أنَّ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِمْ: "ما أنْزَلَ اللهُ"؛ يَقْضِي بِأنَّهم جَهِلُوا؛ ولَمْ يَعْرِفُوا اللهَ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ؛ إذْ أحالُوا عَلَيْهِ تَعالى بَعْثَهُ الرُسُلَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ و"حَقَّ"؛ نُصِبَ عَلى المُقَدَّرِ؛ ومَن قالَ "إنَّ المُرادَ كُفّارُ العَرَبِ"؛ فَيَجِيءُ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ ؛ اِحْتِجاجًا بِأمْرٍ مَشْهُورٍ؛ مَنقُولٍ بِكافَّةِ قَوْمٍ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ مُكَذِّبَةً لَهُمْ؛ ومَن قالَ: "إنَّ المُرادَ بَنُو إسْرائِيلَ"؛ فَيَجِيءُ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ مُسْتَقِيمًا؛ لِأنَّهم يَلْتَزِمُونَ صِحَّةَ نُزُولِ الكِتابِ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ.

ورُوِيَ «أنَّ مالِكَ بْنَ الصَيْفِ كانَ سَمِينًا؛ فَجاءَ يُخاصِمُ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِزَعْمِهِ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أنْشُدُكَ اللهَ؛ ألَسْتَ تَقْرَأُ فِيما أُنْزِلَ عَلى مُوسى أنَّ اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَمِينَ؟"؛ فَغَضِبَ؛ وقالَ: "واللهِ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".»

(p-٤١٦)والآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: نَزَلَتْ في قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ - تَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَدَنِيَّةً؛ وكَذَلِكَ حَكى النَقّاشُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى الثَقَفِيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "وَما قَدَّرُوا"؛ بِتَشْدِيدِ الدالِ؛ "اللهَ حَقَّ قَدَرِهِ"؛ بِفَتْحِ الدالِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ في الأوَّلِ بِالتَخْفِيفِ؛ وفي الثانِي بِإسْكانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَسْتَفْهِمَ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ عَلى مَوْضِعِ الحُجَّةِ؛ والمُرادُ بِـ "اَلْكِتابَ"؛ التَوْراةُ؛ و"نُورًا وهُدًى"؛ اِسْمانِ في مَوْضِعِ الحالِ؛ بِمَعْنى: "نَيِّرًا؛ وهادِيًا"؛ فَإنْ جَعَلْناهُ حالًا مِن "اَلْكِتابَ"؛ فالعامِلُ فِيهِ "أنْزَلَ"؛ وإنْ جَعَلْناهُ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"؛ فالعامِلُ فِيهِ "جاءَ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ"؛ بِالتاءِ مِن فَوْقُ؛ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ؛ فَمَن رَأى أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ اسْتَقامَتْ لَهُ هَذِهِ القِراءَةُ؛ وتَناسَقَتْ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ ؛ ومَن رَأى أنَّ الِاحْتِجاجَ إنَّما هو عَلى كُفّارِ العَرَبِ؛ فَيَضْطَرُّ في هَذِهِ القِراءَةِ - إذْ لا يُمْكِنُ رَفْعُها - إلى أنْ يَقُولَ: إنَّهُ خَرَجَ مِن مُخاطَبَةِ قُرَيْشٍ في اسْتِفْهامِهِمْ؛ وتَقْرِيرِهِمْ؛ إلى مُخاطَبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ بِتَوْبِيخِهِمْ؛ وتَوْبِيخِ أفْعالِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعَ بُعْدِهِ أسْهَلُ مِن دَفْعِ القِراءَةِ؛ فَكَأنَّهُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قالَ لِقُرَيْشٍ: "مَن أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى؟"؛ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ لَهم - خِلالَ الكَلامِ -: "تَجْعَلُونَهُ أنْتُمْ يا بَنِي إسْرائِيلَ قَراطِيسَ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيرًا"؛ بِالياءِ في الأفْعالِ الثَلاثَةِ؛ فَمَن رَأى الِاحْتِجاجَ عَلى قُرَيْشٍ رَآهُ إخْبارًا مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِما فَعَلَتْهُ اليَهُودُ في الكِتابِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِذَلِكَ لِقُرَيْشٍ؛ أو لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ وما أُخْبِرَ بِهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في القُرْآنِ؛ فَأُمَّتُهُ مُتَلَقِّيَةٌ ذَلِكَ.

و"قَراطِيسَ"؛ جَمْعُ قِرْطاسٍ؛ أيْ بَطائِقَ؛ وأوراقًا؛ والمَعْنى يَجْعَلُونَهُ ذا قَراطِيسَ؛ مِن حَيْثُ يُكْتَبُ فِيها؛ وتَوْبِيخُهم بِالإبْداءِ؛ والإخْفاءِ؛ هو عَلى إخْفائِهِمْ آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والإخْبارِ بِنُبُوَّتِهِ؛ وجَمِيعِ ما عَلَيْهِمْ فِيهِ حُجَّةٌ.

(p-٤١٧)وَقَوْلُهُ: ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هي مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ؛ فالمَعْنى - عَلى هَذا - قَصْدُ ذِكْرِ مِنَّةِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ أيْ: "عُلِّمْتُمْ يا مَعْشَرَ العَرَبِ مِنَ الهِداياتِ؛ والتَوْحِيدِ؛ والإرْشادِ إلى الحَقِّ؛ ما لَمْ تَكُونُوا عالِمِينَ بِهِ؛ ولا آباؤُكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ ؛ يَصْلُحُ - عَلى هَذا المَعْنى - لِمُخاطَبَةِ مَنِ انْتَفَعَ بِالتَعْلِيمِ؛ ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ؛ ويَصِحُّ الِامْتِنانُ بِتَعْلِيمِ الصِنْفَيْنِ؛ ولَيْسَ مِن شَرْطِ مَن عُلِّمَ أنْ يُعَلِّمَ ولا بُدَّ؛ أما إنَّ التَعْلِيمَ الكامِلَ هو الَّذِي يَقَعُ مَعَهُ التَعَلُّمُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي مُخاطَبَةٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى - عَلى هَذا - يَتَرَتَّبُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُقْصَدَ بِهِ الِامْتِنانُ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ؛ بِأنْ عُلِّمُوا مِن دِينِ اللهِ تَعالى وهِداياتِهِ ما لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِهِ؛ لِأنَّ آباءَ المُخاطَبِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عُلِّمُوا أيْضًا؛ وعَلِمَ بَعْضُهُمْ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ في آباءِ العَرَبِ؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ ذَمُّهُمْ؛ أيْ: "وَعُلِّمْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم ما لَمْ تَعْلَمُوهُ بَعْدَ التَعْلِيمِ؛ ولا انْتَفَعْتُمْ بِهِ؛ لِإعْراضِكُمْ؛ وضَلالِكُمْ".

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِالمُبادَرَةِ إلى مَوْضِعِ الحُجَّةِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: اَللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَإنْ جَهِلُوا؛ أو تَحَيَّرُوا؛ أو سَألُوا؛ أو نَحْوَ هَذا؛ فَقُلْ: اَللَّهُ"؛ ثُمَّ أمَرَهُ بِتَرْكِ مَن كَفَرَ وأعْرَضَ.

وهَذِهِ آيَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ؛ إنْ تُؤُوِّلَتْ مُوادَعَةً؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ ألّا يَدْخُلَها نَسْخٌ إذا جُعِلَتْ تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا؛ ووَعِيدًا مُجَرَّدًا مِن مُوادَعَةٍ.

والخَوْضُ: اَلذَّهابُ فِيما لا تُسْبَرُ حَقائِقُهُ؛ وأصْلُهُ في الماءِ؛ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في المَعانِي المُشْكِلَةِ المُلْتَبِسَةِ؛ و"يَلْعَبُونَ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ.

6:92Page 139

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩٢

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it.1 Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى "وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ و"مُبارَكٌ"؛ صِفَةٌ لَهُ؛ و"مُصَدِّقُ"؛ (p-٤١٨)كَذَلِكَ؛ وحُذِفَ التَنْوِينُ مِن "مُصَدِّقُ"؛ لِلْإضافَةِ؛ وهي إضافَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ؛ لَمْ يُتَعَرَّفْ بِها "مُصَدِّقُ"؛ ولِذَلِكَ ساغَ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِنَكِرَةٍ؛ و"اَلَّذِي"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ؛ والعامِلُ فِيهِ مَصْدَرٌ؛ ولا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ "مُصَدِّقُ" - مَعَ حَذْفِ التَنْوِينِ مِنهُ - يَتَسَلَّطُ عَلى "اَلَّذِي"؛ ويُقَدَّرَ حَذْفُ التَنْوِينِ لِلِالتِقاءِ؛ وإنَّما جاءَ ذَلِكَ شاذًّا في الشِعْرِ؛ في قَوْلِهِ:

؎ فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهَ إلّا قَلِيلا

ولا يُقاسُ عَلَيْهِ؛ و"بَيْنَ يَدَيْهِ"؛ هي حالُ التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ فَهو بَيْنَ يَدَيْ ما تَأخَّرَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ القِيامَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ القُرْآنَ هو بَيْنَ يَدَيِ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى"؛ أيْ: "أنْتَ يا مُحَمَّدُ"؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "وَلِيُنْذِرَ"؛ أيِ اَلْقُرْآنَ؛ بِمَواعِظِهِ؛ وأوامِرِهِ؛ واللامُ في "وَلِتُنْذِرَ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى؛ ومَن حَوْلَها؛ أنْزَلْناهُ".

وأُمُّ القُرى: مَكَّةُ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوهٍ أرْبَعَةٍ: مِنها أنَّها مَنشَأُ الدِينِ؛ والشَرْعِ؛ ومِنها ما رُوِيَ أنَّ الأرْضَ مِنها دُحِيَتْ؛ ومِنها أنَّها وسَطُ الأرْضِ؛ ومِنها ما لَحِقَ عَنِ الشَرْعِ مِن أنَّها قِبْلَةُ كُلِّ قَرْيَةٍ؛ فَهي - لِهَذا كُلِّهِ - أمٌّ؛ وسائِرُ القُرى بَناتٌ؛ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى"؛ و"وَمَن حَوْلَها"؛ يُرِيدُ أهْلَ سائِرِ الأرْضِ؛ و"حَوْلَها"؛ ظَرْفٌ؛ اَلْعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "وَمَنِ اسْتَقَرَّ حَوْلَها".

ثُمَّ ابْتَدَأ - تَبارَكَ وتَعالى - مَدْحَ قَوْمٍ وصَفَهم وأخْبَرَ عنهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ والبَعْثِ والنُشُورِ؛ ويُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ؛ ويُصَدِّقُونَ بِحَقِيقَتِهِ؛ ثُمَّ قَوّى - تَبارَكَ وتَعالى - مَدْحَهم بِأنَّهم يُحافِظُونَ عَلى صَلاتِهِمُ الَّتِي هي قاعِدَةُ العِباداتِ؛ وأُمُّ الطاعاتِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "صَلَواتِهِمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَإنَّهُ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ؛ وإذا انْضافَتِ الصَلاةُ إلى ضَمِيرٍ لَمْ تُكْتَبْ إلّا بِالألِفِ ولا تُكْتَبُ في المُصْحَفِ بِواوٍ إلّا إذا لَمْ تَنْضَفْ إلى ضَمِيرٍ.

6:93Page 139

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٩٣

And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allāh revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands,1 [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allāh other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

(p-٤١٩)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهِ ولَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾

هَذِهِ ألْفاظٌ عامَّةٌ؛ فَكُلُّ مَن واقَعَ شَيْئًا مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الألْفاظِ فَهو داخِلٌ في الظُلْمِ الَّذِي قَدْ عَظَّمَهُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَمَن أظْلَمُ"؛ أيْ: "لا أحَدَ أظْلَمُ..."؛ وقالَ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ مُسَيْلِمَةُ؛ والأسْوَدُ العنسِيُّ ؛ وذَكَرُوا رُؤْيَةَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلسُّوارَيْنِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ بِها «عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ العامِرِيِّ؛ وكانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الوَحْيَ؛ وكانَ أخا عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مِنَ الرَضاعَةِ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ - مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ -: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اُكْتُبْها؛ فَهَكَذا أُنْزِلَتْ"؛ فَتَوَهَّمَ عَبْدُ اللهِ ؛ ولَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا؛ وقالَ: أنا أُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهُ؛» ورُوِيَ عنهُ أيْضًا «أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رُبَّما أمْلى عَلَيْهِ: "واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"؛ فَبَدَّلَها هُوَ: "واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "ذَلِكَ سَواءٌ"؛» ونَحْوُ هَذا.

(p-٤٢٠)وَقالَ عِكْرِمَةُ: أوَّلُها في مُسَيْلِمَةَ؛ والآخِرُ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ ؛ والمَهْدَوِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ لِأنَّهُ عارَضَ القُرْآنَ بِقَوْلِهِ: "والزارِعاتِ زَرْعًا؛ والخابِزاتِ خَبْزًا"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَخافاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَخَصَّصَ المُتَأوِّلُونَ في هَذِهِ الآياتِ ذِكْرَ قَوْمٍ قَدْ يُمْكِنُ أنْ كانُوا أسْبابَ نُزُولِها؛ ثُمَّ هي إلى يَوْمِ القِيامَةِ تَتَناوَلُ مَن تَعَرَّضَ شَيْئًا مِن مَعانِيها؛ كَطُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ؛ والمُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ ؛ وسِواهُما؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ﴾ ؛ بِتَخْفِيفٍ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "سَأُنَزِّلُ"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وتَشْدِيدِ الزايِ.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ جَوابُ "وَلَوْ"؛ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ عَجَبًا؛ أو هَوْلًا؛ ونَحْوَ هَذا؛ وحَذْفُ هَذا الجَوابِ أبْلَغُ مِن نَصِّهِ؛ لِأنَّ السامِعَ إذا لَمْ يُنَصَّ لَهُ الجَوابُ يُتْرَكُ مَعَ غايَةِ تَخَيُّلِهِ؛ و"اَلظّالِمُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِمَن واقَعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الظُلْمِ الَّذِي هو كُفْرٌ؛ والغَمَراتُ: جَمْعُ "غَمْرَةٌ"؛ وهي المُصِيبَةُ المُبْهَمَةُ المُذْهِلَةُ؛ وهي مُشَبَّهَةٌ بِغَمْرَةِ الماءِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ولا يُنْجِي مِنَ الغَمَراتِ إلّا ∗∗∗ بَراكاءُ القِتالِ أوِ الفِرارُ

"والمَلائِكَةُ"؛ مَلائِكَةُ قَبْضِ الرُوحِ؛ و﴿باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ ؛ كِنايَةٌ عن مَدِّها بِالمَكْرُوهِ؛ كَما قالَ تَعالى - حِكايَةً عَنِ ابْنَيْ آدَمَ -: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨] ؛ وهَذا المَكْرُوهُ هو - لا مَحالَةَ - أوائِلُ عَذابٍ؛ وأماراتُهُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ؛ وأمّا البَسْطُ لِمُجَرَّدِ قَبْضِ النَفْسِ فَإنَّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الصالِحُونَ؛ والكَفَرَةُ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بَسْطُ الأيْدِي في جَهَنَّمَ؛ والغَمَراتِ كَذَلِكَ؛ لَكِنَّهم لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ ؛ حِكايَةٌ لِما تَقُولُهُ المَلائِكَةُ؛ والتَقْدِيرُ: "يَقُولُونَ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُ المَلائِكَةِ ذَلِكَ أنْ يُرِيدُوا: "فَأخْرِجُوا أنْفُسَكم (p-٤٢١)مِن هَذِهِ المَصائِبِ؛ والمِحَنِ؛ وخَلِّصُوها؛ إنْ كانَ ما زَعَمْتُمُوهُ حَقًّا في الدُنْيا"؛ وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ؛ وتَوْقِيفٌ عَلى سالِفِ فِعْلِهِمُ القَبِيحِ؛ قالَ الحَسَنُ: هَذا التَوْبِيخُ - عَلى هَذا الوَجْهِ - هو في جَهَنَّمَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى الزَجْرِ؛ والإهانَةِ؛ كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِمَن يَقْهَرُهُ بِنَفْسِهِ عَلى أمْرٍ ما: "اِفْعَلْ كَذا"؛ لِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي هو يَتَناوَلُهُ بِنَفْسِهِ مِنهُ عَلى جِهَةِ الإهانَةِ؛ وإدْخالِ الرُعْبِ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ حِكايَةٌ عن قَوْلِ المَلائِكَةِ لِلْكَفَرَةِ عِنْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ؛ و"اَلْهُونُ": اَلْهَوانُ؛ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ:

؎ إلَيْكَ عَنِّي فَما أُمِّي بِراعِيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْعى المَخاضَ ولا أُغْضِي عَلى الهُونِ

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وعِكْرِمَةُ: "عَذابَ الهَوانِ"؛ بِالألِفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَقُولُونَ عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ ؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الكُفْرِ؛ ولَكِنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ؛ ومِن قَوْلِهِ: ﴿وَكُنْتُمْ عن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ؛ اَلْإنْحاءُ عَلى مَن قَرُبَ ذِكْرُهُ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الوَحْيَ؛ وأنْ يُنْزِلُوا مِثْلَ ما أنْزَلَ اللهُ تَعالى ؛ فَإنَّها أفْعالٌ بَيِّنٌ فِيها قَوْلُ غَيْرِ الحَقِّ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وبَيِّنٌ فِيها الِاسْتِكْبارُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском