Ibn 'AtiyyaAl‑Kahf · 18:74–82

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:74–82

18:74–78Page 301

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤

So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."

۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥

[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"

قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦

[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧

So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨

[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عن شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾

"انْطَلَقا" في مَوْضِعِ نُزُولِهِما مِنَ السَفِينَةِ، فَمَرّا بِغِلْمانٍ يَلْعَبُونَ، فَعَمَدَ الخِضْرُ إلى غُلامٍ حَسَنِ الهَيْئَةِ وضِيءٍ فاقْتَلَعَ رَأْسَهُ، ويُقالُ: رَضَّها بِحَجَرٍ، ويُقالُ: ذَبَحَهُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ الغُلامُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمِ، ولِذَلِكَ قالَ مُوسى: "زَكِيَّةً"، أيْ: لَمْ تُذْنِبْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ غُلامًا شابًّا، والعَرَبُ تُبْقِي عَلى الشابِّ اسْمَ الغُلامِ، ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ:

؎ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها

(p-٦٣٩)وَهَذا في صِفَةِ الحُجّاجِ. وفي الخَبَرِ أنَّ هَذا الغُلامَ كانَ يُفْسِدُ في الأرْضِ ويُقْسِمُ لِأبَوَيْهِ ما فَعَلَ فَيُقْسِمانِ عَلى قَسَمِهِ ويَحْمِيانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والجُمْهُورُ: "زاكِيَةً" وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "زَكِيَّةً"، والمَعْنى واحِدٌ، وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى الفَرْقِ، ولَيْسَ بِبَيِّنٍ وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لَوْ كانَ عن قَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ الغُلامِ؛ وإلّا فَلَوْ كانَ لَمْ يَحْتَلِمْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِنَفْسٍ ولا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُكْرًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "نُكُرًا" بِضَمِّ الكافِ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، ومَعْناهُ: شَيْئًا يُنْكَرُ.

واخْتَلَفَ الناسُ أيُّهُما أبْلَغُ؟ قَوْلُهُ: "إمْرًا" أو قَوْلُهُ: "نُكْرًا" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا قَتْلٌ بَيِّنٌ وهُنالِكَ مُتَرَقَّبٌ، و"نُكْرًا" أبْلَغُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا قَتْلُ واحِدٍ وذَلِكَ قَتْلُ جَماعَةٍ، فَـ "إمْرًا" أبْلَغُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعِنْدِي أنَّهُما لِمَعْنَيَيْنِ: قَوْلُهُ: "إمْرًا" أفْظَعُ وأهْوَلُ مِن حَيْثُ هو مُتَوَقَّعٌ عَظِيمٌ، و"نُكْرًا" أبْيَنُ في الفَسادِ لِأنَّ مَكْرُوهَهُ قَدْ وقَعَ.

"وَنِصْفُ القُرْآنِ بَعْدَ الحَرْفِ "ن" أو يَنْتَهِي إلى النُونِ مِن قَوْلِهِ: "نُكْرًا".".

وقَوْلُهُ: ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ﴾ فِيهِ زَجْرٌ وإغْلاظٌ لَيْسَ في قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]، وقَوْلُهُ: "بَعْدَها" يُرِيدُ: بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، فَأعادَ الضَمِيرَ عَلَيْها وإنْ كانَتْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ مِن حَيْثُ كانَتْ في ضِمْنِ القَوْلِ.

(p-٦٤٠)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا تُصاحِبُنِي"، ورَواها أُبَيٌّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ عِيسى، ويَعْقُوبُ: "فَلا تَصْحَبْنِي"، وقَرَأ عِيسى أيْضًا: "فَلا تُصْحِبُنِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الحاءِ، ورَواها سَهْلٌ عن أبِي عَمْرُو، والمَعْنى: فَلا تُصْحِبُنِي عِلْمَكَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "فَلا تَصْحَبَنِّي" بِفَتْحِ التاءِ والباءِ وشَدِّ النُونِ. وقَوْلُهُ: "قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا"، أيْ: قَدْ أعْذَرْتُ إلَيَّ وبَلَغْتَ إلى العُذْرِ مِن قِبَلِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُشْبِهُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ أصْلًا لِلْآجالِ في الأحْكامِ الَّتِي هي ثَلاثَةُ أيّامٍ، وأيّامُ التَلَوُّمِ ثَلاثَةٌ، فَتَأمَّلْهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مِن لَّدُنِّي" بِفَتْحِ اللامِ وضَمِّ الدالِّ وشَدَّ النُونِ، وهي "لَدُنِ" اتَّصَلَتْ بِها نُونُ الكِنايَةِ الَّتِي في "ضَرَبَنِي" ونَحْوَهُ، فَوَقَعَ الإدْغامُ، وهي قِراءَةُ النَبِيِّ ﷺ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: "مِن لَدُنِي" كالأُولى إلّا أنَّ النُونَ مُخَفَّفَةٌ، فَهي "لَدُنَ" اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ الَّتِي في "غُلامِي" وكُسِرِ ما قَبْلَ الياءِ كَما كُسِرَ في هَذِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "مِن لَدْنِي" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ الدالِ وتَخْفِيفِ النُونِ، وهي تَخْفِيفٌ "لَدُنِي" الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلَ هَذِهِ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ: "مِن لُدْنِي" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الدالِ، قالَ مُجاهِدٌ: وهي غَلَطٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَغْلِيطُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ الرِوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَهي صَحِيحَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ: "مِن لَدْنِي" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ الدالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُذْرا"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعِيسى: "عُذُرا" بِضَمِّ الدالِّ، وحَكى الدانِي أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ "عُذْرِي" بِكَسْرِ الراءِ وياءٍ بَعْدَها، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا دَعا لِأحَدٍ بَدَأ بِنَفْسِهِ، فَقالَ يَوْمًا: "رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنا، وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ عَلى صاحِبِهِ لَرَأى العَجَبَ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ "». (p-٦٤١)وَفِي البُخارِيِّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، لَوَدِدْنا أنَّهُ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما".» ورُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الأمْثِلَةَ الَّتِي وقَعَتْ لِمُوسى مَعَ الخِضْرِ حُجَّةً عَلى مُوسى وعَجَبًا لَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ أمْرَ خَرْقِ السَفِينَةِ نُودِيَ: يا مُوسى أيْنَ كانَ تَدْبِيرُكَ هَذا وأنْتَ في التابُوتِ مَطْرُوحًا في اليَمِّ؟ فَلَمّا أنْكَرَ أمْرَ الغُلامِ قِيلَ لَهُ: أيْنَ إنْكارُكَ هَذا مِن وكْرِكَ لِلْقِبْطِيِّ وقَضائِكَ عَلَيْهِ؟ فَلَمّا أنْكَرَ إقامَةَ الجِدارِ نُودِيَ: أيْنَ هَذا مِن رَفْعِكَ حَجَرِ البِئْرِ لِبَناتِ شُعَيْبٍ دُونَ أجْرٍ؟

وقَوْلُهُ: "فانْطَلَقا"، يُرِيدُ: انْطَلَقَ الخِضْرُ ومُوسى يَمْشِيانِ لِارْتِيادِ الخِضْرِ أمْرًا يَنْفُذُ فِيهِ ما عِنْدَهُ مِن عِلْمِ اللهِ تَعالى، فَمَرّا بِقَرْيَةٍ فَطَلَبا مِن أهْلِها أنْ يُطْعِمُوهُما فَأبَوْا. وفي الحَدِيثِ أنَّهُما كانا يَمْشِيانِ عَلى مَجالِسِ أُولَئِكَ القَوْمِ يَسْتَطْعِمانِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ عِبارَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِهَوانِ الدُنْيا عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْيَةِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينِ: هي الأُبُلَّةُ، وهي أبْخَلُ قَرْيَةٍ وأبْعَدُها مِنَ السَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أنْطاكِيَةُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بُرْقَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِجَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرُهُ، ويُذْكَرُ أنَّها الجَزِيرَةُ الخَضْراءُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أبُو حُورانِ، وهي بِناحِيَةِ أذْرَبِيجانَ.

(p-٦٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ الخِلافِ في أيِّ ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ كانَتْ قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واللهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةٍ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُضَيِّفُوهُما" بِفَتْحِ الضادِ وشَدِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "يُضِيِّفُوهُما" بِكَسْرِ الضادِ وسُكُونِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، والزُبَيْرِ، وأبِي رَزِينٍ. و"الضَيْفُ" مَأْخُوذٌ مِن: ضافَ إلى المَكانِ إذا مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ الإضافَةُ وهي إمالَةُ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَأبَوْا أنْ يُطْعِمُوهُما".

وقَوْلُهُ تَعالى في الجِدارِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ اسْتِعارَةٌ، وجَمِيعُ الأفْعالِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ لِلْحَيِّ الناطِقِ مَتى أُسْنِدَتْ إلى جَمادٍ أو بَهِيمَةٍ فَإنَّما هي اسْتِعارَةٌ، أيْ: لَوْ كانَ مَكانَ الجَمادِ إنْسانٌ لَكانَ مُمْتَثِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:

؎ هَلْ تَنْتَهُونَ؟ ولا يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفُتُلُ

فَأسْنَدَ النَهْيَ إلى الطَعْنِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ يُرِيدُ الرُمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عن دِماءِ بَنِي عُقَيْلِ

(p-٦٤٣)وَمِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ:

؎ وشَكا إلَيَّ بِعِبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ

وفَسَّرَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ:

لَوْ كانَ يَدْرِي ما المُحاوَرَةُ اشْتَكى... البَيْتُ.

ومِنهُ قَوْلُ الناسِ: "دارِي تَنْظُرُ إلى دارِ فُلانٍ"، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا تَراءى نارُهُما"» وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَنْقَضُّ"، أيْ: يَسْقُطُ. «وَقَرَأ النَبِيُّ ﷺ -فِيما رُوِيَ عنهُ- "أنْ يُنْقَضَ" بِضَمِّ المِيمِ وتَخْفِيفِ الضادِ،» وهي قِراءَةُ أُبَيِّ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعِكْرِمَةُ: "أنْ يَنْقاصَ" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، بِمَعْنى: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَ الجِدارُ وطَيُّ البِئْرِ، وانْقاصَتِ السِنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا، وقِيلَ: إذا تَصَدَّعَتْ كَيْفَ (p-٦٤٤)كانَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ فِراقٌ كَقَيْصِ السِنِّ فالصَبْرَ إنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِكُلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ

ويُرْوى: عِبْرَةٌ وحُبُورُ؛ بِالباءِ والحاءِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: "فَأقامَهُ" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَدَمَهُ وقَعَدَ يَبْنِيهِ، ووَقَعَ هَذا في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ ؛ لِأنَّهُ فَعْلٌ يَسْتَحِقُّ أجْرًا. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَلْ مَسَحَهُ بِيَدِهِ وأقامَهُ فَقامَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ، وهو الأشْبَهُ بِأفْعالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

فَقالَ مُوسى لِلْخِضْرِ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: طَعامًا نَأْكُلُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لاتَّخَذْتَ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "لَتَخِذْتُ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأدْغَمَ بَعْضُ القُرّاءِ الذالَ في التاءِ، ولَمْ يُدْغِمْها بَعْضُهُمْ، ومِن قَوْلِهِمْ: "تَخِذَ" قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جَنْبِ غَرْزِها ∗∗∗ ∗∗∗ نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَرَّقِ

(p-٦٤٥)وَفِي حَرْفِ أُبَيِّ: "لَوْ شِئْتُ لَأُوتِيتَ عَلَيْهِ أجْرًا".

ثُمَّ قالَ الخِضْرُ لِمُوسى بِحَسَبِ شَرْطِهِما: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾، واشْتَرَطَ الخِضْرُ، وأعْطاهُ مُوسى ألّا يَقَعَ سُؤالٌ عن شَيْءٍ، والسُؤالُ أقَلُّ وُجُوهِ الِاعْتِراضاتِ، فالإنْكارُ والتَخْطِئَةُ أعْظَمُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ سُؤالًا- فَفي ضِمْنِهِ الإنْكارُ لِفِعْلِهِ والقَوْلُ بِتَصْوِيبِ أخْذِ الأجْرَ، وفي ذَلِكَ تَخْطِئَةُ تَرْكِ الأجْرِ، وأمّا فَصْلُهُ وتَكْرِيرُهُ ﴿بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ وعُدُولُهُ عن "بَيْنِنا" فَلِمَعْنى التَأْكِيدِ، والسِينُ في قَوْلِهِ: "سَأُنَبِّئُكَ" مُفَرِّقَةٌ بَيْنَ المُحاوَرَتَيْنِ والصُحْبَتَيْنِ، ومُؤْذِنَةٌ بِأنَّ الأُولى قَدِ انْقَطَعَتْ.

18:79Page 302

أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩

As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أمّا السَفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ: "لِمَساكِينَ" بِتَخْفِيفِ السِينِ، جَمْعُ مِسْكِينَ، واخْتُلِفَ في صِفَتِهِمْ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتْ لِقَوْمٍ تُجّارٍ، ولَكِنَّهم مِن حَيْثُ هم مُسافِرُونَ عَلى قَلَتٍ وفي لُجَّةِ بِحْرٍ وبِحالِ ضَعْفٍ عن مُدافَعَةِ غَصْبِ جائِرٍ، عَبَّرَ عنهم بِـ "مَساكِينَ"؛ إذْ هم في حالَةٍ يُشْفَقُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ -إذا وقَعَ في وهْلَةٍ أو خَطَبَ-: مِسْكِينٌ. وقالَتْ (p-٦٤٦)فِرْقَةٌ: كانُوا عَشَرَةَ إخْوَةٍ أهَّلَ عاهاتٍ، خَمْسَةٌ مِنهم عامِلُونَ في السَفِينَةِ، وخَمْسَةٌ لا قُدْرَةَ بِهِمْ عَلى العَمَلِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لِمَسّاكِينَ" بِتَشْدِ السِينِ، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالمَسّاكِينِ مَلّاحِي السَفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ رِجْلَ المَرْكَبِ، وكُلُّ الخِدْمَةِ يَصْلُحُ لِإمْساكِهِ، فَسُمِّيَ الجَمِيعُ مَسّاكِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالمَسّاكِينِ دَبَغَةَ المُسُوكِ وهي الجُلُودُ واحِدُها مَسْكٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والأظْهَرُ في ذَلِكَ القِراءَةُ الأُولى، وأنَّ مَعْناها أنَّ السَفِينَةَ لِقَوْمٍ ضُعَفاءَ يَنْبَغِي أنْ يُشْفَقَ عَلَيْهِمْ، واحْتَجَّ الناسُ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لَهُ البُلْغَةُ مِنَ العَيْشِ، كالسَفِينَةِ لِهَؤُلاءِ، وأنَّهُ أصْلَحُ حالًا مِنَ الفَقِيرِ، واحْتَجَّ مَن يَرى خِلافَ هَذا بِقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أمًّا الفَقِيرُ الَّذِي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وتَحْرِيرُ هَذا عِنْدِي أنَّهُما لَفْظانِ يَدُلّانِ عَلى ضَعْفِ الحالِ جِدًّا، ومَعَ المَسْكَنَةِ انْكِشافٌ وذُلُّ بِسُؤالٍ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُما اللهُ تَعالى صِنْفَيْنِ في قِسْمِ الصَدَقاتِ، فَأمّا حَدِيثُ النَبِيِّ ﷺ الَّذِي هُوَ: « "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوافِ"» فَجُعِلَ المَساكِينُ في اللُغَةِ أهْلَ الحاجَةِ الَّذِينَ قَدْ كَشَفُوا وُجُوهَهُمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فَجَعَلَ الفُقَراءَ الَّذِينَ لَمْ يَكْشِفُوا وُجُوهَهم. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بَأوعَبَ مِن هَذا.

(p-٦٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾، قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: أمامَهُمْ، وقالُوا: "وَراءُ" مِنَ الأضْدادِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ أمامَهم مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ، وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكانَ وراءَهم مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَوْلُهُ: "وَراءَهُمْ" هو عِنْدِي عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما تَجِيءُ مُراعى بِها الزَمَنُ، وذَلِكَ أنَّ الحادِثَ المُقَدَّمَ الوُجُودُ هو الإمامُ، وبَيْنَ اليَدِ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ في الزَمَنِ، والَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هو الوَراءُ وهو ما خَلَفَ، وذَلِكَ بِخِلافِ ما يَظْهَرُ بِبادِئِ الرَأْيِ، وتَأمَّلْ هَذِهِ الألْفاظَ في مَواضِعِها حَيْثُ ورَدَتْ تَجِدُها تُطْرَدُ، فَهَذِهِ الآيَةُ مَعْناها: إنَّ هَؤُلاءِ وعَمَلَهم وسَعْيَهم يَلِي بَعْدَهُ في الزَمَنِ غَصْبٌ مِنَ المَلِكِ، ومَن قَرَأ: "أمامَهُمْ" أرادَ: في المَكانِ، أيْ أنَّهم كانُوا يَسِيرُونَ إلى بَلَدِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى في التَوْراةِ والإنْجِيلِ إنَّهُما "بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ" مُطْرَدٌ عَلى ما قُلْنا في الزَمانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] مُطْرَدٌ كَما قُلْنا مُراعاةَ الزَمانِ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "الصَلاةُ أمامَكَ"» يُرِيدُ في المَكانِ، وإلّا فَكَوْنُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ أمامَ الصَلاةِ في الزَمَنِ، فَتَأمَّلْ هَذِهِ المَقالَةَ فَإنَّها مُرِيحَةٌ مِن شَغَبِ هَذِهِ الألْفاظِ. ووَقَعَ لِقَتادَةَ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾، قالَ قَتادَةُ: أمامَهُمْ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] وهي بَيْنُ أيْدِيهِمْ.

(p-٦٤٨)وَهَذا القَوْلُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وهَذِهِ هي العُجْمَةُ الَّتِي كانَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ يَضُجُّ مِنها. قالَهُ الزَجّاجُ. ويَجُوزُ أنْ كانَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ عَلى الغاصِبِ فَكانَ وراءَهم حَقِيقَةٌ. وقِيلَ: اسْمُ هَذا الغاصِبِ هُدَدُ بْنُ بُدَدِ، وقِيلَ: اسْمُهُ الجَلَنْدِيُّ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في الجِيادِ مِنها الصِحاحِ المارَّةِ بِهِ.

18:80–82Page 302

وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠

And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.

فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١

So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.

وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا ٨٢

And as for the wall, it belonged to two orphan boys in the city, and there was beneath it a treasure for them, and their father had been righteous. So your Lord intended that they reach maturity and extract their treasure, as a mercy from your Lord. And I did it not of my own accord. That is the interpretation of that about which you could not have patience."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبُّكَ وما فَعَلْتُهُ عن أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في الغُلامِ والخِلافُ في بُلُوغِهِ أو صِغَرِهِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ ذَلِكَ الغُلامَ طُبِّعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، وهَذا يُؤَيَّدُ ظاهِرُهُ أنَّهُ كانَ غَيْرُ بالِغٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عنهُ مَعَ كَوْنِهِ بالِغًا، وقِيلَ: اسْمُ الغُلامِ جَيْسُورُ بِالراءِ، وقِيلَ: جَيْسُونُ بِالنُونِ، وهَذا أمْرٌ كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ. وقَرَأ أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ: "فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: "فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنانِ"، فَجَعَلَها "كانَ" الَّتِي فِيها الأمْرُ والشَأْنُ.

وقَوْلُهُ: "فَخَشِينا" قِيلَ: هو في جِهَةِ الخِضْرِ، فَهَذا مُتَخَلِّصٌ، والضَمِيرُ عِنْدِي لِلْخِضْرِ وأصْحابِهِ الصالِحِينَ الَّذِينَ أهَمَّهُمُ الأمْرُ وتَكَلَّمُوا فِيهِ، وقِيلَ: هو في جِهَةِ اللهِ تَعالى وعَبَّرَ عنهُ الخِضْرُ. قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا، وقالَ غَيْرُهُ: فَكَرِهْنا.

(p-٦٤٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والأظْهَرُ عِنْدِي في تَوْجِيهِ هَذا التَأْوِيلِ -وَإنْ كانَ اللَفْظُ يُدافِعُهُ- أنَّها اسْتِعارَةٌ، أيْ: عَلى ظَنِّ المَخْلُوقِينَ والمُخاطِبِينَ لَوْ عَلِمُوا حالَهُ لَوَقَعَتْ مِنهم خَشْيَةَ الرَهَقِ لِلْأبَوَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَخافَ رَبُّكُ"، وهَذا بَيِّنٌ في الِاسْتِعارَةِ، وهَذا نَظِيرَ ما يَقَعُ في القُرْآنِ في جِهَةِ اللهِ تَعالى مِن "لَعَلَّ وعَسى"، فَإنَّ جَمِيعَ ما في هَذا كُلِّهِ مِن تَرَجٍّ وتَوَقُّعٍ وخَوْفٍ وخَشْيَةٍ إنَّما هو بِحَسَبِكم أيُّها المُخاطِبُونَ. و"يُرْهِقَهُما" مَعْناهُ: يُحِثُّهُما ويُكَلِّفُهُما بِشِدَّةٍ، والمَعْنى أنْ يُلْقِيَهُما حُبُّهُما في اتِّباعِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ يُبَدِّلَهُما" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ: "أنْ يُبَدِّلَهُما" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ. و"الزَكاةُ": شَرَفُ الخُلُقِ والوَقارُ والسَكِينَةُ المُنْطَوِيَةُ عَلى خَيْرٍ، و"الرُحْمُ": الرَحْمَةُ، والمُرادُ -عِنْدَ فِرْقَةٍ- أيْ: يَرْحَمُهُما، وقِيلَ: أيْ: يَرْحَمانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:

؎ يا مُنَزِلَ الرُحُمِ عَلى إدْرِيسا ∗∗∗ ومُنْزِلُ اللَعْنِ عَلى إبْلِيسَ

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "رُحُمًا" بِضَمِّ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "رُحْما" بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرُو. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "رُبُّهُما أزْكى مِنهُ وأقْرَبَ رُحْمًا"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ "أنَّهُما بَدَّلا غُلامًا مُسْلِمًا"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ "أنَّهُما بَدَّلا جارِيَةٍ"، وحَكى النَقّاشُ أنَّها وُلِدَتْ هي وذُرِّيَّتُها سَبْعِينَ نَبِيًّا، وذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهو بَعِيدٌ، ولا تُعْرَفُ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ وهَذِهِ المَرْأةُ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ أُمَّ الغُلامِ يَوْمَ قُتِلَ كانَتْ حامِلًا بِغُلامٍ مُسْلِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ﴾. هَذانَ الغُلامانِ صَغِيرانِ بِقَرِينَةِ وصَفِهِما بِاليُتْمِ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ"،» هَذا الظاهِرُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَبْقى (p-٦٥٠)عَلَيْهِما اليُتْمُ بَعْدَ البُلُوغِ، أيْ: كانا يَتِيمَيْنِ، عَلى مَعْنى التَشْفِيقِ عَلَيْهِما. واخْتَلَفَ الناسُ في الكَنْزِ، فَقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: كانَ مالًا جَسِيمًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ عَلَمًا في صُحُفٍ مَدْفُونَةٍ، وقالَ عُمْرَ مَوْلى غُفْرَةَ: كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ قَدْ كَتَبَ فِيهِ: "عَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالرِزْقِ يَتْعَبُ، وعَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفُلُ، وعَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ"، ورُوِيَ نَحْوَ هَذا مِمّا هو في مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾، ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ أنَّهُ والِدُهُما دَنْيَةً، وقِيلَ: الأبُ السابِعُ، وقِيلَ: العاشِرُ فَحُفِظا فِيهِ وإنْ لَمْ يُذْكَرا بِصَلاحٍ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَحْفَظُ الرَجُلَ الصالِحَ في ذُرِّيَّتِهِ".»

وجاءَ في أنْباءِ الخِضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ قِصَّةٍ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩]، وفي الثانِيَةِ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما﴾، وفي الثالِثَةِ ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا﴾، وإنَّما انْفَرَدَ أوَّلًا في الإرادَةِ لِأنَّها لَفْظَةُ عَيْبٍ فَتَأدَّبَ بِأنَّ لَمْ يُسْنِدِ الإرادَةَ فِيها إلّا لِنَفْسِهِ، كَما تَأدَّبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، فَأسْنَدَ الفِعْلَ قَبْلَ وبَعْدَ إلى اللهِ تَعالى، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ؛ إذْ هو مَعْنى نَقْصٍ ومُصِيبَةٍ، وهَذا المَنزَعُ يُطْرَدُ في فَصاحَةِ القُرْآنِ كَثِيرًا، ألّا تَرى إلى تَقْدِيمِ فِعْلِ البَشَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وتَقْدِيمِ فِعْلِ اللهِ تُبارِكُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وإنَّما قالَ الخِضْرُ في الثانِيَةِ: "فَأرَدْنا" لِأنَّهُ أمَلٌ قَدْ كانَ رَواهُ هو وأصْحابُهُ الصالِحُونَ، (p-٦٥١)وَتَكَلَّمَ فِيهِ في مَعْنى الخَشْيَةِ عَلى الوالِدَيْنِ وتَمَنّى التَبْدِيلَ لَهُما، وإنَّما أسْنَدَ الإرادَةَ في الثالِثَةِ إلى اللهِ تَعالى لِأنَّها في أمْرٍ مُسْتَأْنِفٍ في الزَمَنِ طَوِيلٍ غَيْبٍ مِنَ الغُيُوبِ، فَحَسُنَ إفْرادُ هَذا المَوْضِعِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى، وإنْ كانَ الخِضْرُ قَدْ أرادَ أيْضًا ذَلِكَ الَّذِي أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُرِيدُهُ، وهَذا تَوْجِيهُ فَصاحَةِ هَذِهِ العِبارَةِ بِحَسَبِ فَهْمِنا المُقَصِّرٍ، واللهُ أعْلَمُ.

و"الأشُدُّ": كَمالُ الخُلُقِ والعَقْلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ السِنِينَ، فَقِيلَ: خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا فِيهِ ضَعْفٌ. وقَوْلُ الخِضْرُ: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عن أمْرِي﴾ يَقْتَضِي أنَّ الخِضْرَ نَبِيٌّ، وقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ فَقِيلَ: هو نَبِيٌّ، وقِيلَ: هو عَبْدٌ صالِحٌ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ. وكَذَلِكَ جُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ الخِضْرَ ماتَ، وتَقُولُ فِرْقَةٌ: إنَّهُ حَيٌّ لِأنَّهُ شَرَبَ مِن عَيْنِ الحَياةِ، وهو باقٍ في الأرْضِ، وأنَّهُ يَحُجُّ البَيْتَ وغَيْرَ هَذا، وقَدْ أطْنَبَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وذَكَرَ في كِتابِهِ أشْياءَ كَثِيرَةً عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرِهِ، كُلُّها لا تَقُومُ عَلى ساقٍ، ولَوْ كانَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَلامُ حَيّا يَحُجُّ لَكانَ لَهُ في مِلَّةِ الإسْلامِ ظُهُورُ، واللهُ العَلِيمُ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ لا رَبَّ غَيْرُهُ. ومِمّا يَقْضِي بِمَوْتِ الخِضْرِ الآنَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أرَأيْتُكم لَيْلَتُكم هَذِهِ، فَإنَّهُ لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ".»

وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ أيْ مَآلُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْتَطِعْ"، وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "تَسْطَعُ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: كَذا نَقْرَأُ، نَتَّبِعُ المُصْحَفَ.

وانْتَزَعَ الطَبَرِيُّ مِنَ اتِّصالِ هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهُمُ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾ [الكهف: ٥٨] أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ إنَّما جُلِبَتْ عَلى مَعْنى المَثَلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ في قَوْمِهِ، أيْ: لا تَهْتَمُّ بِإمْلاءِ اللهِ لَهُمْ، وإجْراءِ النِعَمِ لَهم عَلى ظاهِرِها، فَإنَّ البَواطِنَ سائِرَةٌ إلى الِانْتِقامِ مِنهُمْ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو مُحْتَمَلٌ لَكِنْ بِتَعَسُّفٍ ما، فَتَأمَّلْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском