Ibn 'AtiyyaAl‑Baqarah · 2:260–264

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:260–264

2:260Page 44

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

العامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. واخْتَلَفَ الناسُ لِمَ صَدَرَتْ هَذِهِ المَقالَةُ عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ؟- فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ اللهِ المَوْتى قَطُّ، وإنَّما طَلَبَ المُعايَنَةَ، وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: وقالَ آخَرُونَ: سَألَ ذَلِكَ رَبَّهُ لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأدْخَلَ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي مِنها" وذَكَرَ عن عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ أنَّهُ قالَ: "دَخَلَ قَلْبَ إبْراهِيمَ بَعْضُ ما يَدْخُلُ قُلُوبَ الناسِ فَقالَ: "رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى" وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "نَحْنُ أحَقُّ بِالشَكِّ مِن (p-٥٠)إبْراهِيمَ» "الحَدِيثَ"، ثُمَّ رَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ الَّذِي يَجْرِي مَعَ ظاهِرِ الحَدِيثِ، وقالَ: "إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا رَأى الجِيفَةَ تَأْكُلُ مِنها الحِيتانُ ودَوابُّ البَرِّ ألْقى الشَيْطانُ في نَفْسِهِ فَقالَ: مَتى يَجْمَعُ اللهُ هَذِهِ مِن بُطُونِ هَؤُلاءِ".

وأمّا مَن قالَ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ شاكًّا فاخْتَلَفُوا في سَبَبِ سُؤالِهِ - فَقالَ قَتادَةُ: إنَّ إبْراهِيمَ رَأى دابَّةً قَدْ تَوَزَّعَتْها السِباعُ فَعَجِبَ وسَألَ هَذا السُؤالَ، وقالَ الضَحّاكُ: نَحْوَهُ، قالَ: وقَدْ عَلِمَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَأى الدابَّةَ تَتَقَسَّمُها السِباعُ والحِيتانُ لِأنَّها كانَتْ عَلى حاشِيَةِ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَلْ سَبَبُها أنَّهُ لَمّا فارَقَ النُمْرُوذَ وقالَ لَهُ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ فَكَّرَ في تِلْكَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فَسَألَ هَذا السُؤالَ. وقالَ السُدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَلْ سَبَبُ هَذا السُؤالِ أنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِأنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا أرادَ أنْ يُدِلَّ بِهَذا السُؤالِ لِيُجَرِّبَ صِحَّةَ الخُلَّةِ، فَإنَّ الخَلِيلَ يُدِلُّ بِما لا يُدِلُّ بِهِ غَيْرُهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" يُرِيدُ بِالخُلَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَرْجَمَ بِهِ الطَبَرِيُّ عِنْدِي مَرْدُودٌ، وما أدْخَلَ تَحْتَ التَرْجَمَةِ مُتَأوَّلٌ، فَأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: "هِيَ أرْجى آيَةٍ" فَمِن حَيْثُ فِيها الإدْلالُ عَلى اللهِ تَعالى - وسُؤالُ الإحْياءِ في الدُنْيا ولَيْسَتْ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولَ: هي أرْجى آيَةٍ لِقَوْلِهِ: "أوَلَمْ تُؤْمِن" أيْ أنَّ الإيمانَ كافٍ لا يَحْتاجُ بَعْدَهُ إلى تَنْقِيحٍ وبَحْثٍ، وأمّا قَوْلُ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: "دَخَلَ قَلْبَ إبْراهِيمَ بَعْضُ ما يَدْخُلُ قُلُوبَ الناسِ" فَمَعْناهُ مِن حُبِّ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ أنَّ النُفُوسَ مُسْتَشْرِفَةٌ إلى رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ بِهِ، ولِهَذا قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ"»، وأمّا قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "نَحْنُ أحَقُّ بِالشَكِّ مِن إبْراهِيمَ"» فَمَعْناهُ أنَّهُ لَوْ كانَ شَكٌّ لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أحْرى (p-٥١)لا يَشُكُّ، فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَكِّ عن إبْراهِيمَ. والَّذِي رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ مَحْضُ الإيمانِ"» إنَّما هو في الخَواطِرِ الجارِيَةِ الَّتِي لا تَثْبُتُ، وأمّا الشَكُّ فَهو تَوَقُّفٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ لا مَزِيَّةَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ، وذَلِكَ هو المَنفِيُّ عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ.

وإحْياءُ المَوْتى إنَّما يَثْبُتُ بِالسَمْعِ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمَ بِهِ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ" فالشَكُّ يَبْعُدُ عَلى مَن ثَبَتَتْ قَدَمُهُ في الإيمانِ فَقَطْ، فَكَيْفَ بِمَرْتَبَةِ النُبُوءَةِ والخُلَّةِ، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ إجْماعًا.

وإذا تَأمَّلْتَ سُؤالَهُ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرَ ألْفاظِ الآيَةِ لَمْ تُعْطَ شَكًّا، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ بِـ "كَيْفَ" إنَّما هو عن حالِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السائِلِ والمَسْؤُولِ - نَحْوَ قَوْلِكَ: كَيْفَ عَلِمَ زَيْدٌ؟ وكَيْفَ نَسَجَ الثَوْبَ؟ ونَحْوِ هَذا - ومَتى قُلْتَ: كَيْفَ ثَوْبُكَ؟ وكَيْفَ زَيْدٌ؟ فَإنَّما السُؤالُ عن حالٍ مِن أحْوالِهِ، وقَدْ تَكُونُ "كَيْفَ" خَبَرًا عن شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُسْتَفْهَمَ عنهُ بِكَيْفَ نَحْوِ قَوْلِكَ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، ونَحْوِ قَوْلِ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ.

و"كَيْفَ" في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي اسْتِفْهامٌ عن هَيْئَةِ الإحْياءِ، والإحْياءُ مُتَقَرِّرٌ ولَكِنْ لَمّا وجَدْنا بَعْضَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ شَيْءٍ قَدْ يُعَبِّرُ عن إنْكارِهِ بِالِاسْتِفْهامِ عن حالَةٍ لِذَلِكَ الشَيْءِ يَعْلَمُ أنَّها لا تَصْلُحُ، فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ الشَيْءَ في نَفْسِهِ لا يَصِحُّ، مِثالُ ذَلِكَ: أنْ يَقُولَ مُدَّعٍ: أنا أرْفَعُ هَذا الجَبَلَ. فَيَقُولَ لَهُ المُكَذِّبُ: أرِنِي كَيْفَ تَرْفَعُهُ. فَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَجازٍ في العِبارَةِ، ومَعْناها تَسْلِيمٌ جَدَلِيٌّ، كَأنَّهُ يَقُولُ: افْرِضْ أنَّكَ تَرْفَعُهُ، أرِنِي كَيْفَ؟ فَلَمّا كانَ في عِبارَةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ هَذا الِاشْتِراكُ المَجازِيُّ خَلَصَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ، وحَمَلَهُ عَلى أنْ (p-٥٢)يُبَيِّنَ الحَقِيقَةَ فَقالَ لَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى﴾ فَكَمُلَ الأمْرُ، وتَخَلَّصَ مِن كُلِّ شَكٍّ، ثُمَّ عَلَّلَ عَلَيْهِ السَلامُ سُؤالَهُ بِالطُمَأْنِينَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ مَعْناهُ: إيمانًا مُطْلَقًا، دَخَلَ فِيهِ فَصْلُ إحْياءِ المَوْتى، والواوُ واوُ حالٍ دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ التَقْرِيرِ.

و"لِيَطْمَئِنَّ"مَعْناهُ: لِيَسْكُنَ عن فِكْرِهِ، والطُمَأْنِينَةُ اعْتِدالٌ وسُكُونٌ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِدالِ، فَطُمَأْنِينَةُ الأعْضاءِ مَعْرُوفَةٌ كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "ثُمَّ ارْكَعْ حَتّى تَطْمَئِنَّ راكِعًا"» الحَدِيثَ، وطُمَأْنِينَةُ القَلْبِ هي أنْ يَسْكُنَ فِكْرُهُ في الشَيْءِ المُعْتَقَدِ. والفِكْرُ في صُورَةِ الإحْياءِ غَيْرُ مَحْظُورَةٍ، كَما لَنا نَحْنُ اليَوْمَ أنْ نُفَكِّرَ فِيها بَلْ هي فِكْرٌ فِيها عِبَرٌ، فَأرادَ الخَلِيلُ أنْ يُعايِنَ فَتَذْهَبَ فِكْرُهُ في صُورَةِ الإحْياءِ إذْ حَرَّكَهُ إلى ذَلِكَ إمّا أمْرُ الدابَّةِ المَأْكُولَةِ، وإمّا قَوْلُ النُمْرُوذِ: "أنا أُحْيِي وأُمِيتُ" وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى لِيَطْمَئِنَّ: لِيُوقِنَ، وحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وحُكِيَ عنهُ: لِيَزْدادَ يَقِينًا، وقالَهُ إبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لِأزْدادَ إيمانًا مَعَ إيمانِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا زِيادَةَ في هَذا المَعْنى تُمْكِنُ إلّا السُكُونَ عَنِ الفِكْرِ وإلّا فاليَقِينُ لا يَتَبَعَّضُ. ورُوِيَ أنَّ الأرْبَعَةَ الَّتِي أخَذَ إبْراهِيمُ هي الدِيكُ والطاوُوسُ والحَمامُ والغُرابُ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ الأُوَلِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وقالَ (p-٥٣)ابْنُ عَبّاسٍ: مَكانَ الغُرابِ الكُرْكِيُّ. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَذَ هَذِهِ الطَيْرَ حَسْبَما أُمِرَ، وذَكّاها ثُمَّ قَطَّعَها قِطَعًا صِغارًا، وجَمَعَ ذَلِكَ مَعَ الدَمِ والرِيشِ، ثُمَّ جَعَلَ مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ المُخْتَلِطِ جُزْءًا عَلى كُلِّ جَبَلٍ، ووَقَفَ هو مِن حَيْثُ يَرى تِلْكَ الأجْزاءَ وأمْسَكَ رُؤُوسَ الطَيْرِ في يَدِهِ، ثُمَّ قالَ: تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللهِ، فَتَطايَرَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ، وطارَ الدَمُ إلى الدَمِ، والرِيشُ إلى الرِيشِ حَتّى التَأمَتْ كَما كانَتْ أوَّلًا وبَقِيَتْ بِلا رُؤُوسٍ، ثُمَّ كَرَّرَ النِداءَ، فَجاءَتْهُ سَعْيًا حَتّى وُضِعَتْ أجْسادُها في رُؤُوسِها، وطارَتْ بِإذْنِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فَصِرْهُنَّ إلَيْكَ" بِكَسْرِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، ويُقالُ: صُرْتُ الشَيْءَ أصُورُهُ بِمَعْنى قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُرُؤْبَةَ:

؎ صُرْنا بِهِ الحُكْمَ وأعْيا الحَكَما................

ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:

؎ فَلَوْ يُلاقِي الَّذِي لاقَيْتَهُ حَضَنٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّتِ الشُمُّ مِنهُ وهْيَ تَنْصارُ

(p-٥٤)أيْ: تَتَقَطَّعُ، ويُقالُ أيْضًا: صُرْتُ الشَيْءَ أمَلْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ يَصُورُ عُنُوقَها أحْوى زَنِيمٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لَهُ صَخَبٌ كَما صَخِبَ الغَرِيمُ

ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ في صِفَةِ نِساءٍ، "هُنَّ إلى الصِبا صُوَرٌ وعَنِ الخَنا نُورٌ" فَهَذا كُلُّهُ في ضَمِّ الصادِ.

ويُقالُ أيْضًا في هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ "القَطْعِ والإمالَةِ": صِرْتُ الشَيْءَ بِكَسْرِ الصادِ أصِيرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وفَرْعٌ يَصِيرُ الجِيدَ وحْفٌ كَأنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى اللِيتِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَوالِحِ

فَفِي اللَفْظَةِ لُغَتانِ قُرِئَ بِهِما.

وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في هَذِهِ الآيَةِ: "صُرْهُنَّ" مَعْناهُ: قَطِّعْهُنَّ، وقالَ عِكْرِمَةٌ، وابْنُ عَبّاسٍ - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ - إنَّها لَفْظَةٌ بِالنَبَطِيَّةِ مَعْناها: قَطِّعْهُنَّ، وقالَهُ الضَحّاكُ، وقالَ أبُو الأسْوَدِ الدُؤَلِيُّ: هي بِالسُرْيانِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهُنَّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناهُ: قَطِّعْهُنَّ، وهو الصُورُ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ (p-٥٥)عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: فَصُرْهُنَّ مَعْناهُ: اضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: اجْمَعْهُنَّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أوثِقْهُنَّ، فَقَدْ تَأوَّلَ المُفَسِّرُونَ اللَفْظَةَ بِمَعْنى التَقْطِيعِ، وبِمَعْنى الإمالَةِ، فَقَوْلُهُ: "إلَيْكَ" عَلى تَأْوِيلِ التَقْطِيعِ مُتَعَلِّقٌ بِـ "خُذْ" وعَلى تَأْوِيلِ الإمالَةِ والضَمِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "صُرْهُنَّ"، وفي الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ تَقْدِيرُهُ: فَأمِلْهُنَّ إلَيْكَ وقَطِّعْهُنَّ، وقَرَأ قَوْمٌ "فَصُرَّهُنَّ" بِضَمِّ الصادِ وشَدِّ الراءِ المَفْتُوحَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَشُدَّهُنَّ، ومِنهُ صُرَّةُ الدَنانِيرِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "فَصِرَّهُنَّ" بِكَسْرِ الصادِ وشَدِّ الراءِ المَفْتُوحَةِ، ومَعْناهُ: صَيِّحْهُنَّ مِن قَوْلِكَ: صَرَّ البابُ والقَلَمُ إذا صَوَّتَ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهي قِراءَةٌ غَرِيبَةٌ وذَلِكَ أنَّ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُضاعَفِ المُتَعَدِّي قَلِيلٌ، وإنَّما بابُهُ يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ كَشَدَّ يَشُدُّ ونَحْوِهِ، لَكِنْ قَدْ جاءَ مِنهُ: نَمَّ الحَدِيثَ يَنِمُّهُ ويَنُمُّهُ، وهَرَّ الحَرْبَ يَهِرُّها ويَهُرُّها ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ لِيَعْتَوِرْنَكَ القَوْلُ حَتّى تَهِرَّهُ... ∗∗∗................

إلى غَيْرِ ذَلِكَ في حُرُوفٍ قَلِيلَةٍ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وأمّا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ بِضَمِّ الصادِ فَيُحْتَمَلُ في الراءِ الضَمُّ والفَتْحُ والكَسْرُ كَمَدَّ وشَدَّ، والوَجْهُ ضَمُّ الراءِ مِن أجْلِ ضَمَّةِ الهاءِ مِن بَعْدُ. قالَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ: ورُوِيَ عن عِكْرِمَةَ فَتْحُ الصادِ وشَدُّ الراءِ المَكْسُورَةِ، وهَذِهِ بِمَعْنى فاحْبِسْهُنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرى يَصْرِي إذا حَبَسَ، ومِنهُ الشاةُ المُصْراةُ. (p-٥٦)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ فَرَوى أبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: اجْعَلْ جُزْءًا عَلى كُلِّ رُبْعٍ مِن أرْباعِ الدُنْيا، كَأنَّ المَعْنى: اجْعَلْها في أرْكانِ الأرْضِ الأرْبَعَةِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ. وقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: المَعْنى: واجْعَلْ عَلى أرْبَعَةِ أجْبُلٍ عَلى كُلِّ جَبَلٍ جُزْءًا مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ المُتَقَطِّعِ، فَكَما يَبْعَثُ اللهُ هَذِهِ الطَيْرَ مِن هَذِهِ الجِبالِ فَكَذَلِكَ يَبْعَثُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أرْباعِ الدُنْيا وجَمِيعِ أقْطارِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جُزْءًا" بِالهَمْزِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "جُزًّا" بِشَدِّ الزايِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وهي لُغَةٌ في الوَقْفِ، فَأجْرى أبُو جَعْفَرٍ الوَصْلَ مَجْراهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُدِّيُّ: أُمِرَ أنْ يَجْعَلَها عَلى الجِبالِ الَّتِي كانَتِ الطَيْرُ والسِباعُ حِينَ تَأْكُلُ الدابَّةَ تَطِيرُ إلَيْها وتَسِيرُ نَحْوَها وتَتَفَرَّقُ فِيها، قالا: وكانَتْ سَبْعَةَ أجْبُلٍ، فَكَذَلِكَ جَزَّأ ذَلِكَ المُقَطَّعَ مِن لَحْمِ الطَيْرِ سَبْعَةَ أجْزاءٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ يَلِيهِ جُزْءًا. قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ دُونَ أنْ تَحْصُرَ الجِبالَ بِعَدَدٍ، بَلْ هي الَّتِي كانَ يَصِلُ إبْراهِيمُ إلَيْها وقْتَ تَكْلِيفِ اللهِ إيّاهُ تَفْرِيقَ ذَلِكَ فِيها، لِأنَّ الكُلَّ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلى الإحاطَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَعِيدٌ أنْ يُكَلَّفَ جَمِيعَ جِبالِ الدُنْيا، فَلَنْ يُحِيطَ بِذَلِكَ بَصَرُهُ، فَيَجِيءُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ جَيِّدًا مُتَمَكِّنًا، واللهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ بِحَيْثُ يَرى الأجْزاءَ في مَقامِهِ، ويَرى كَيْفَ التَأمَتْ وكَذَلِكَ صَحَّتْ لَهُ العِبْرَةُ - وأمْرُهُ بِدُعائِهِنَّ وهُنَّ أمْواتٌ إنَّما هو لِتَقْرُبَ الآيَةُ مِنهُ، وتَكُونَ بِسَبَبٍ مِن حالِهِ ويَرى أنَّهُ قُصِدَ بِعَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ تَعالى سَيْرَهُنَّ إلَيْهِ سَعْيًا إذْ هي مِشْيَةُ المُجِدِّ الراغِبِ فِيما يَمْشِي إلَيْهِ، فَكانَ مِنَ المُبالَغَةِ أنْ رَأى إبْراهِيمُ جِدَّها في قَصْدِهِ وإجابَةِ دَعْوَتِهِ، ولَوْ جاءَتْهُ مَشْيًا لَزالَتْ هَذِهِ القَرِينَةُ، ولَوْ جاءَتْ طَيَرانًا.

(p-٥٧)لَكانَ ذَلِكَ عَلى عُرْفِ أمْرِها، فَهَذا أغْرَبُ مِنهُ، ثُمَّ وقَفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى العِلْمِ بِالعِزَّةِ الَّتِي في ضِمْنِها القُدْرَةُ، وعَلى الحِكْمَةِ الَّتِي بِها إتْقانُ كُلِّ شَيْءٍ.

2:261–262Page 44

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١

The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢

Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قوله عزّ وجلّ:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ لَفْظُها بَيانُ مَثَلٍ بِشَرَفِ النَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ وبِحُسْنِها، وضَمَّنَها التَحْرِيضَ عَلى ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في نَفَقَةِ التَطَوُّعِ، وسُبُلُ اللهِ كَثِيرَةٌ، وهي جَمِيعُ ما هو طاعَةٌ وعائِدٌ بِمَنفَعَةٍ عَلى المُسْلِمِينَ والمِلَّةِ، وأشْهَرُها وأعْظَمُها غِناءً الجِهادُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا.

والحَبَّةُ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ ما يَزْرَعُهُ ابْنُ آدَمَ ويَقْتاتُهُ، وأشْهَرُ ذَلِكَ البُرُّ، وكَثِيرًا ما يُرادُ بِالحَبِّ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:

؎ آلَيْتَ حَبَّ العِراقِ الدَهْرَ أطْعَمُهُ ∗∗∗ والحَبُّ يَأْكُلُهُ في القَرْيَةِ السُوسُ

وقَدْ يُوجَدُ في سُنْبُلِ القَمْحِ ما فِيهِ مِائَةُ حَبَّةٍ، وأمّا في سائِرِ الحُبُوبِ فَأكْثَرُ ولَكِنَّ المِثالَ وقَعَ بِهَذا القَدْرِ، وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِأنَّ الحَسَنَةَ في جَمِيعِ أعْمالِ البِرِّ بِعَشْرِ أمْثالِها، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ نَفَقَةَ الجِهادِ حَسَنَتُها بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وبَيَّنَ ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَحِيحُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي مُبَيِّنَةٌ ومُؤَكِّدَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ السَبْعِ المِائَةِ، ولَيْسَ ثَمَّةَ تَضْعِيفٌ فَوْقَ سَبْعِمِائَةٍ. وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَلْ هو إعْلامٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ أكْثَرَ مِن سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَضْعِيفَ يَنْتَهِي - لِمَن شاءَ اللهُ - إلى ألْفَيْ (p-٥٨)ألْفٍ، ولَيْسَ هَذا بِثابِتِ الإسْنادِ عنهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ "رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالَ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠].»

و"سُنْبُلَةٍ" فُنْعُلَةٌ مِن أسْبَلَ الزَرْعُ أيْ أرْسَلَ ما فِيهِ، كَما يُسْبَلُ الثَوْبُ، والجَمْعُ سَنابِلٌ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ إنْفاقِ الَّذِينَ، أو تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ ذِي حَبَّةٍ.

وقالَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ مَعْناهُ إنْ وُجِدَ ذَلِكَ، وإلّا فَعَلى أنْ نَفْرِضَهُ، ثُمَّ أدْخَلَ عَنِ الضَحّاكِ أنَّهُ قالَ: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ مَعْناهُ: كُلُّ سُنْبُلَةٍ أنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ، فَجَعَلَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ الضَحّاكِ نَحْوَ ما قالَ هُوَ، وذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ مِن لَفْظِ الضَحّاكِ.

قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: قَرَأ بَعْضُهُمْ: "مِائَةَ" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ الآيَةُ. لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ذِكْرُ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ عَلى العُمُومِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ إنَّما هو لِمَن لَمْ يُتْبِعْ (p-٥٩)إنْفاقَهُ مَنًّا ولا أذىً. وذَلِكَ أنَّ المُنْفِقَ في سَبِيلِ اللهِ إنَّما يَكُونُ عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوجُهٍ - إمّا أنْ يُرِيدَ وجْهَ اللهِ تَعالى ويَرْجُوَ ثَوابَهُ، فَهَذا لا يَرْجُو مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ شَيْئًا ولا يَنْظُرُ مِن أحْوالِهِ في حالٍ سِوى أنْ يُراعِيَ اسْتِحْقاقَهُ، وإمّا أنْ يُرِيدَ مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ جَزاءً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهَذا لَمْ يُرِدْ وجْهَ اللهِ، بَلْ نَظَرَ إلى هَذِهِ الحالِ مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ، وهَذا هو الَّذِي مَتى أخْلَفَ ظَنَّهُ مَنَّ بِإنْفاقِهِ وآذى، وإمّا أنْ يُنْفِقَ مُضْطَرًّا دافِعَ غُرْمٍ إمّا لِماتَّةٍ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أو قَرِينَةٍ أُخْرى مِنَ اعْتِناءِ مُنْفِقٍ ونَحْوِهِ، فَهَذا قَدْ نَظَرَ في حالٍ لَيْسَتْ لِوَجْهِ اللهِ، وهَذا هو الَّذِي مَتى تُوبِعَ وحَرِجَ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحَرَجِ آذى.

فالمَنُّ والأذى يَكْشِفانِ مِمَّنْ ظَهَرا مِنهُ أنَّهُ إنَّما كانَ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَقاصِدِ، وأنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ لِوَجْهِ اللهِ، فَلِهَذا كانَ المَنُّ والأذى مُبْطِلَيْنِ لِلصَّدَقَةِ مِن حَيْثُ بَيَّنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّها لَمْ تَكُنْ صَدَقَةً.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقِيلَ: في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: في عُثْمانَ وابْنِ عَوْفٍ.

والمَنُّ: ذِكْرُ النِعْمَةِ عَلى مَعْنى التَعْدِيدِ لَها والتَقْرِيعِ بِها - والأذى: السَبُّ والتَشَكِّي، وهو أعَمُّ مِنَ المَنِّ، لِأنَّ المَنَّ جُزْءٌ مِنَ الأذى لَكِنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ.

وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في الَّذِينَ لا يَخْرُجُونَ في الجِهادِ، بَلْ يُنْفِقُونَ وهم قُعُودٌ، وأنَّ الأُولى الَّتِي قَبْلَها هي في الَّذِينَ يَخْرُجُونَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، قالَ: (p-٦٠)وَلِذَلِكَ شَرَطَ عَلى هَؤُلاءِ، ولَمْ يَشْتَرِطْ عَلى الأوَّلِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ، لِأنَّ التَحَكُّمَ فِيهِ بادٍ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سَلامَكَ يَثْقُلُ عَلى مَن أنْفَقْتَ عَلَيْهِ تُرِيدُ وجْهَ اللهِ فَلا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ" وقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: "يا أبا أُسامَةَ، دُلَّنِي عَلى رَجُلٍ يَخْرُجُ في سَبِيلِ اللهِ حَقًّا فَإنَّهم إنَّما يَخْرُجُونَ لِيَأْكُلُوا الفَواكِهَ، فَإنَّ عِنْدِي أسْهُمًا وجَعْبَةً"، فَقالَ لَها: "لا بارَكَ اللهُ في أسْهُمِكِ وجَعْبَتِكِ فَقَدْ آذَيْتِهِمْ قَبْلَ أنْ تُعْطِيهِمْ".

وضَمِنَ اللهُ الأجْرَ لِلْمُنْفِقِ في سَبِيلِ اللهِ، والأجْرُ الجَنَّةُ، ونَفِي عنهُ الخَوْفَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِما يَسْتَقْبِلُ، والحُزْنَ عَلى ما سَلَفَ مِن دُنْياهُ، لِأنَّهُ يَغْتَبِطُ بِآخِرَتِهِ.

2:263–264Page 44

۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ الناسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

هَذا إخْبارُ جَزْمٍ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ وهو الدُعاءُ والتَأْنِيسُ والتَرْجِيَةُ بِما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ هي في ظاهِرِها صَدَقَةٌ، وفي باطِنِها لا شَيْءَ، لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَعْرُوفَ فِيهِ أجْرٌ، وهَذِهِ لا أجْرَ فِيها.

قالَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ: التَقْدِيرُ في إعْرابِهِ: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أولى، ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ.

(p-٦١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا ذَهابٌ بِرَوْنَقِ المَعْنى، وإنَّما يَكُونُ المُقَدَّرُ كالظاهِرِ، والمَغْفِرَةُ السَتْرَ لِلْخَلَّةِ وسُوءِ حالَةِ المُحْتاجِ، ومِن هَذا قَوْلُ الأعْرابِيِّ - وقَدْ سَألَ قَوْمًا بِكَلامٍ فَصِيحٍ، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: مِمَّنِ الرَجُلُ؟ فَقالَ: "اللهُمَّ غَفْرًا، سُوءُ الِاكْتِسابِ يَمْنَعُ مِنَ الِانْتِسابِ"، وقالَ النَقّاشُ: يُقالُ: مَعْناهُ ومَغْفِرَةٌ لِلسّائِلِ إنْ أغْلَظَ أو جَفا إذا حُرِمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِغِناهُ عن صَدَقَةِ مَن هَذِهِ حالُهُ، وعاقِبَةِ أمْرِهِ، وعن حِلْمِهِ عَمَّنْ يُمْكِنُ أنْ يُوقِعَ هَذا مِن عَبِيدِهِ وإمْهالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ الآيَةُ. العَقِيدَةُ أنَّ السَيِّئاتِ لا تُبْطِلُ الحَسَناتِ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ الصَدَقَةَ الَّتِي (p-٦٢)يَعْلَمُ اللهُ في صاحِبِها أنَّهُ يَمُنُّ أو يُؤْذِي فَإنَّهُ لا يَتَقَبَّلُ صَدَقَتَهُ، وقِيلَ: بَلْ جَعَلَ اللهُ لِلْمَلَكِ عَلَيْها أمارَةً فَلا يَكْتُبُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أحْسَنُ لِأنَّ ما نَتَلَقّى نَحْنُ عَنِ المَعْقُولِ مِن بَنِي آدَمَ فَهو أنَّ المانَّ المُؤْذِيَ يَنُصُّ عَلى نَفْسِهِ أنَّ نِيَّتَهُ لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ، فَلَمْ تَتَرَتَّبْ لَهُ (p-٦٣)صَدَقَةٌ، فَهَذا هو بُطْلانُ الصَدَقَةِ بِالمَنِّ والأذى، والمَنُّ والأذى في صَدَقَةٍ لا يُبْطِلُ صَدَقَةً غَيْرَها، إذْ لَمْ يَكْشِفْ ذَلِكَ عَلى النِيَّةِ في السَلِيمَةِ، ولا قَدَحَ فِيها.

ثُمَّ مَثَّلَ اللهُ هَذا الَّذِي يَمُنُّ ويُؤْذِي بِحَسَبِ مُقَدِّمَةِ نِيَّتِهِ بِالَّذِي يُنْفِقُ رِياءً لا لِوَجْهِ اللهِ، والرِياءُ مَصْدَرٌ مِن فاعِلٍ مِنَ الرُؤْيَةِ، كَأنَّ الرِياءَ تَظاهُرٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَ مَن لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الناسِ. قالَ المَهْدَوِيُّ والتَقْدِيرُ: كَإبْطالِ الَّذِي يُنْفِقُ رِئاءً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكافِرَ الظاهِرَ الكُفْرِ، إذْ قَدْ يُنْفِقُ لِيُقالَ جَوادٌ، ولِيُثْنى عَلَيْهِ بِأنْواعِ الثَناءِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُنافِقَ الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ.

ثُمَّ مَثَّلَ هَذا الَّذِي يُنْفِقُ رِياءً بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ، فَيَظُنُّهُ الظانُّ أرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، كَما يَظُنُّ قَوْمٌ أنَّ صَدَقَةَ هَذا المُرائِي لَها قَدْرٌ أو مَعْنىً، فَإذا أصابَ الصَفْوانَ وابِلٌ مِنَ المَطَرِ انْكَشَفَ ذَلِكَ التُرابُ، وبَقِيَ صَلْدًا، فَكَذَلِكَ هَذا المُرائِي إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، وحَضَرَتِ الأعْمالُ،وَ انْكَشَفَ سِرُّهُ، وظَهَرَ أنَّهُ لا قَدْرَ لِصَدَقَتِهِ ولا مَعْنى.

فالمَنُّ والأذى والرِياءُ يَكْشِفُ عَنِ النِيَّةِ، فَيُبْطِلُ الصَدَقَةَ، كَما يَكْشِفُ الوابِلُ الصَفا فَيُذْهِبُ ما ظُنَّ أرْضًا.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "رِياءَ الناسِ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ. (p-٦٤)والصَفْوانُ: الحَجَرُ الكَبِيرُ الأمْلَسُ، قِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدَتُهُ صَفْوانَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: واحِدَتُهُ صَفْواةٌ، وقِيلَ: هو إفْرادٌ، وجَمْعُهُ صَفِي، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ، وقالَ: إنَّما هو جَمْعُ صَفا، ومِن هَذا المَعْنى الصَفْواءُ والصَفا. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِبْدُ عن حالِ مَتْنِهِ ∗∗∗ كَما زَلَّتِ الصَفْواءُ بِالمُتَنَزِّلِ

وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

؎ حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِصَفا المَشَقَّرِ كُلَّ حِينٍ تُقْرَعُ

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وابْنُ المُسَيِّبِ: "صَفَوانٍ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ.

والوابِلُ الكَثِيرُ القَوِيُّ مِنَ المَطَرِ وهو الَّذِي يَسِيلُ عَلى وجْهِ الأرْضِ. والصَلْدُ مِنَ الحِجارَةِ الأمْلَسُ الصَلْبُ الَّذِي لا شَيْءَ فِيهِ، ويُسْتَعارُ لِلرَّأْسِ الَّذِي لا شَعْرَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎ ..................... ∗∗∗ بَرّاقَ أصْلادِ الجَبِينِ الأجْلَهِ

قالَ النَقّاشُ: الصَلْدُ: الأجْرَدُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يُرِيدُ بِهِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ رِئاءً، أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْتِفاعِ بِثَوابِ شَيْءٍ مِن إنْفاقِهِمْ ذَلِكَ، وهو كَسْبُهم - وجاءَتِ العِبارَةُ بِيَقْدِرُونَ عَلى مَعْنى الَّذِي، وقَدِ انْحَمَلَ الكَلامُ قَبْلُ عَلى لَفْظِ الَّذِي، وهَذا هو مَهْيَعُ كَلامِ العَرَبِ، ولَوِ انْحَمَلَ أوَّلًا عَلى المَعْنى لَقَبُحَ بَعْدُ أنْ يُحْمَلَ عَلى اللَفْظِ. (p-٦٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إمّا عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في المُوافِي عَلى الكُفْرِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَهْدِهِمْ في كُفْرِهِمْ، بَلْ هو ضَلالٌ مَحْضٌ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ في صَدَقاتِهِمْ وأعْمالِهِمْ وهم عَلى الكُفْرِ.

وما ذَكَرْتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَفْسِيرِ لُغَةٍ، وتَقْوِيمِ مَعْنىً، فَإنَّهُ مُسْنَدٌ عَنِ المُفَسِّرِينَ، وإنْ لَمْ تَجِئْ ألْفاظُهم مُلَخَّصَةً في تَفْسِيرِ إبْطالِ المَنِّ والأذى لِلصَّدَقَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском