Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:270–273
2:270–271Page 46
وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠
And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.
إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١
If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.
(p-٨٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أو نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عنكم مِن سَيِّئاتِكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
كانَتِ النُذُورُ مِن سِيرَةِ العَرَبِ، تُكْثِرُ مِنها، فَذَكَرَ تَعالى النَوْعَيْنِ: ما يَفْعَلُهُ المَرْءُ تَبَرُّعًا، وما يَفْعَلُهُ بَعْدَ إلْزامِهِ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: نَذَرَ الرَجُلُ كَذا إذا التَزَمَ فِعْلَهُ يَنْذُرُ بِضَمِّ الذالِ ويَنْذِرُ بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يُحْصِيهِ، وفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، أيْ مَن كانَ خالِصَ النِيَّةِ فَهو مُثابٌ، ومَن أنْفَقَ رِياءً أو لِمَعْنىً آخَرَ مِمّا يَكْشِفُهُ المَنُّ والأذى ونَحْوُ ذَلِكَ فَهو ظالِمٌ، يَذْهَبُ فِعْلُهُ باطِلًا، ولا يَجِدُ ناصِرًا فِيهِ، ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "يَعْلَمُهُ" وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ مِن حَيْثُ أرادَ ما ذَكَرَ أو نَصَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ﴾ الآيَةُ. ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في صَدَقَةِ التَطَوُّعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جَعَلَ اللهُ صَدَقَةَ السِرِّ في التَطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها، يُقالُ: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وجَعَلَ صَدَقَةَ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتَها أفْضَلَ مِن سِرِّها يُقالُ: بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا، قالَ: وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "صَلاةُ الرَجُلِ في بَيْتِهِ أفْضَلُ مِن صَلاتِهِ في المَسْجِدِ إلّا (p-٨١)المَكْتُوبَةَ"،» وذَلِكَ أنَّ الفَرائِضَ لا يَدْخُلُها رِياءٌ والنَوافِلَ عُرْضَةٌ لِذَلِكَ.
وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في التَطَوُّعِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الصَدَقَةِ عَلى اليَهُودِ والنَصارى، وكانَ يُأْمَرُ بِقَسْمِ الزَكاةِ في السِرِّ - وهَذا مَرْدُودٌ لا سِيَّما عِنْدَ السَلَفِ الصالِحِ، فَقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ إظْهارَ الواجِبِ أفْضَلُ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ فَرْضُ الزَكاةِ، وما تُطُوِّعَ بِهِ، فَكانَ الإخْفاءُ فِيهِما أفْضَلَ في مُدَّةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ ساءَتْ ظُنُونُ الناسِ بَعْدَ ذَلِكَ فاسْتَحْسَنَ العُلَماءُ إظْهارَ الفَرْضِ لِئَلّا يُظَنَّ بِأحَدٍ المَنعُ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِلْآثارِ، ويُشْبِهُهُ في زَمَنِنا أنْ يَحْسُنَ التَسَتُّرُ بِصَدَقَةِ الفَرْضِ فَقَدْ كَثُرَ المانِعُ لَها وصارَ إخْراجُها عُرْضَةً لِلرِّياءِ - وقالَ النَقّاشُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَيْلِ والنَهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] الآيَةُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ ثَناءٌ عَلى إبْداءِ الصَدَقَةِ، ثُمَّ حَكَمَ أنَّ الإخْفاءَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ الإبْداءِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾، فَقَرَأ نافِعٌ في غَيْرِ رِوايَةِ ورْشٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ: "فَنِعْما" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ: "فَنِعِما" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَنَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ وكُلُّهم شَدَّدَ المِيمَ. (p-٨٢)قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُ، لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، الأوَّلُ مِنهُما لَيْسَ بِحَرْفِ مَدٍّ ولِينٍ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ النَحْوِيِّينَ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ، إذِ المَدُّ يَصِيرُ عِوَضًا مِنَ الحَرَكَةِ، وهَذا نَحْوُ: دابَّةٍ وضَوالَّ، وشَبَهِهِ، ولَعَلَّ أبا عَمْرٍو أخْفى الحَرَكَةَ واخْتَلَسَها، كَأخْذِهِ بِالإخْفاءِ في "بارِيكم ويَأْمُرُكُمْ" فَظَنَّ السامِعُ الإخْفاءَ إسْكانًا لِلُطْفِ ذَلِكَ في السَمْعِ وخَفائِهِ.
وأمّا مَن قَرَأ "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ فَحُجَّتُهُ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ نِعِمْ بِكَسْرِ الفاءِ مِن أجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ، ألا تَرى أنَّ مَن يَقُولُ: "هَذا قَدَمُ مَلِكٍ"، فَيُدْغِمُ "هَؤُلاءِ قَوْمُ مَلِكٍ" و"جِسْمُ ماجِدٍ".
وقالَ سِيبَوَيْهِ: "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ لَيْسَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعْمَ" فَأسْكَنَ العَيْنَ، ولَكِنْ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعِمْ" فَحَرَّكَ العَيْنَ، وحَدَّثَنا أبُو الخَطّابِ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلٍ، وكَسْرُها -كَما قالَ- لَعِبٌ ولَوْ كانَ الَّذِي قالَ: "نِعِمّا" مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَجُزِ الإدْغامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنَّ هَذا يَمْتَنِعُ لِأنَّهُ يَسُوقُ إلى اجْتِماعِ ساكِنَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ: "نَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ فَإنَّما جاءَ بِالكَلِمَةِ عَلى أصْلِها وهو نَعِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٨٣)
؎ ما أقَلَّتْ قَدَمايَ إنَّهم ∗∗∗ نَعِمَ الساعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ قَبْلَ الإدْغامِ: "نِعْمَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وذَلِكَ جائِزٌ مُحْتَمَلٌ، وتُكْسَرُ العَيْنُ بَعْدَ الإدْغامِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"ما" مِن قَوْلِهِ: نِعِمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَوْلُهُ: "هِيَ" تَفْسِيرٌ لِلْفاعِلِ المُضْمَرِ قَبْلَ الذِكْرِ، والتَقْدِيرُ: نِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها، وقَوْلُهُ: والإبْداءُ هو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ إلّا أنَّ المُضافَ حُذِفَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيِ الإخْفاءُ خَيْرٌ، فَكَما أنَّ الضَمِيرَ هُنا لِلْإخْفاءِ لا لِلصَّدَقاتِ، فَكَذَلِكَ أوَّلًا الفاعِلُ هو الإبْداءُ وهو الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الضَمِيرُ فَحُذِفَ الإبْداءُ، وأُقِيمَ ضَمِيرُ الصَدَقاتِ مَقامَهُ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عنكُمْ﴾، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَنُكَفِّرُ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَنُكَفِّرْ" بِالنُونِ والجَزْمِ في الراءِ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَيُكَفِّرُ" بِالياءِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَتُكَفِّرْ" بِالتاءِ وكَسْرِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَتُكَفَّرْ" بِالتاءِ وفَتْحِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيُكَفِّرْ" بِالياءِ وجَزْمِ الراءِ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ و"يُكَفِّرَ" بِالياءِ ونَصْبِ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الأعْمَشُ: "يُكَفِّرْ" بِالياءِ دُونَ واوٍ قَبْلَها وبِجَزْمِ الراءِ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أنَّهُ قَرَأ "وَتُكَفَّرُ" بِالتاءِ ورَفْعِ الراءِ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ أنَّهُما قَرَآ بِتاءٍ ونَصْبِ الراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ بِالنُونِ فَهي نُونُ العَظَمَةِ، وما كانَ مِنها بِالتاءِ فَهي الصَدَقَةُ (p-٨٤)فاعِلَةٌ إلّا ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ مِن فَتْحِ الفاءِ فَإنَّ التاءَ في تِلْكَ القِراءَةِ إنَّما هي لِلسَّيِّئاتِ. وما كانَ مِنها بِالياءِ فاللهُ تَعالى هو المُكَفِّرُ - والإعْطاءُ في خَفاءٍ هو المُكَفِّرُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَهو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ، أو: وهي تُكَفِّرُ، أعْنِي الصَدَقَةَ، أو واللهُ يُكَفِّرُ، والثانِي: القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وألّا تَكُونَ الواوُ العاطِفَةُ لِلِاشْتِراكِ لَكِنْ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وأمّا الجَزْمُ في الراءِ فَإنَّهُ حَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ إذْ هو في مَوْضِعِ جَزْمٍ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: وإنْ تُخْفُوها يَكُنْ أعْظَمَ لِأجْرِكُمْ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلى هَذا المَوْضِعِ، كَما جاءَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ونَذَرْهُمْ" بِجَزْمِ الراءِ وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرَةٌ.
وأمّا نَصْبُ الراءِ فَعَلى تَقْدِيرِ "أنْ" وتَأمَّلْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو مُشَبَّهٌ بِالنَصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، إذِ الجَزاءُ يَجِبُ بِهِ الشَيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ كالِاسْتِفْهامِ. والجَزْمُ في الراءِ أفْصَحُ هَذِهِ القِراءاتِ، لِأنَّها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التَكْفِيرِ في الجَزاءِ، وكَوْنِهِ مَشْرُوطًا إنْ وقَعَ الإخْفاءُ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذا المَعْنى.
و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن سَيِّئاتِكُمْ" لِلتَّبْعِيضِ المَحْضِ، والمَعْنى في ذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: "مِن" زائِدَةٌ في هَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ. (p-٨٥)وَقَوْلُهُ: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
2:272Page 46
۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢
Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مَن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهَ وما تُنْفِقُوا مَن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾
رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَصَدَّقُونَ عَلى فُقَراءِ أهْلِ الذِمَّةِ، فَلَمّا كَثُرَ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لا تَتَصَدَّقُوا إلّا عَلى أهْلِ دِينِكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» مُبِيحَةً لِلصَّدَقَةِ عَلى مَن لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِ الإسْلامِ.
وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أتى بِصَدَقاتٍ فَجاءَهُ يَهُودِيٌّ فَقالَ: أعْطِنِي، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "لَيْسَ لَكَ مِن صَدَقَةِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ" فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأعْطاهُ، ثُمَّ نَسَخَ اللهُ ذَلِكَ بِآيَةِ الصَدَقاتِ.»
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم قَراباتٌ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ، وكانُوا لا يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ رَغْبَةً مِنهم في أنْ يُسْلِمُوا إذا احْتاجُوا فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُما أرادَتْ أنْ تَصِلَ جَدَّها أبا قُحافَةَ، ثُمَّ امْتَنَعَتْ مِن ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كافِرًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَقْصِدَ النَبِيِّ ﷺ بِمَنعِ الصَدَقَةِ إنَّما كانَ لِيُسْلِمُوا ويَدْخُلُوا في الدِينِ، فَقالَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾.
وهَذِهِ الصَدَقَةُ الَّتِي أُبِيحَتْ عَلَيْهِمْ حَسْبَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآثارُ إنَّما هي صَدَقَةُ (p-٨٦)التَطَوُّعِ، وأمّا المَفْرُوضَةُ فَلا يَجْزِي دَفْعُها لِكافِرٍ، وهَذا الحُكْمُ مُتَصَوَّرٌ لِلْمُسْلِمِينَ اليَوْمَ مَعَ أهْلِ ذِمَّتِهِمْ ومَعَ المُسْتَرَقِّينَ مِنَ الحَرْبِيِّينَ.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ مَن أحْفَظُ عنهُ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ الذِمِّيَّ لا يُعْطى مِن زَكاةِ الأمْوالِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَكَرَ جَماعَةً مِمَّنْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَذْكُرْ خِلافًا، وقالَ المَهْدَوِيُّ: ورُخِّصَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُعْطُوا المُشْرِكِينَ مِن قَراباتِهِمْ مِن صَدَقَةِ الفَرِيضَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذا مَرْدُودٌ عِنْدِي.
والهُدى الَّذِي لَيْسَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ هو خَلْقُ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وأمّا الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ فَهو عَلَيْهِ، ولَيْسَ بِمُرادٍ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ هُوَ: يَهْدِي مَن يَشاءُ أيْ يُرْشِدُهُ، وفي هَذا رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ وطَوائِفِ المُعْتَزِلَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ نَفَقَةَ المَرْءِ تَأجُّرًا إنَّما هي لِنَفْسِهِ، فَلا يُراعِي حَيْثُ وقَعَتْ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ النَفَقَةَ المُعْتَدَّ بِها المَقْبُولَةَ إنَّما هي ما كانَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ، هَذا أحَدُ التَأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ﴾، وفِيهِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهو أنَّها شَهادَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلصَّحابَةِ أنَّهم إنَّما يُنْفِقُونَ ابْتِغاءَ وجْهِهِ، فَهو خَبَرٌ مِنهُ لَهم فِيهِ تَفْضِيلٌ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ هو اشْتِراطٌ عَلَيْهِمْ، ويَتَناوَلُ الِاشْتِراطُ غَيْرَهم مِنَ الأُمَّةِ. ونَصْبُ قَوْلِهِ: "ابْتِغاءَ" هو عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ثَوابَ الإنْفاقِ يُوَفّى إلى المُنْفِقِينَ، والمَعْنى في الآخِرَةِ ولا يُبْخَسُونَ (p-٨٧)مِنهُ شَيْئًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ البَخْسُ ظُلْمًا لَهُمْ، وهَذا هو بَيانُ قَوْلِهِ: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ﴾.
والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ المالُ، لِأنَّهُ اقْتَرَنَ بِذِكْرِ الإنْفاقِ، فَهَذِهِ القَرِينَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ المالُ، ومَتى لَمْ يَقْتَرِنْ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المالُ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المالِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وهَذا الَّذِي قُلْناهُ تَحَرُّزٌ مِن قَوْلِ عِكْرِمَةَ: "كُلُّ خَيْرٍ في كِتابِ اللهِ فَهو المالُ".
2:273Page 46
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣
[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا وما تُنْفِقُوا مِنَ خَيْرٍ فَإنَّ اللهِ بِهِ عَلِيمٌ﴾
هَذِهِ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِلْفُقَراءِ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: الإنْفاقُ أوِ الصَدَقَةُ لِلْفُقَراءِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُما: المُرادُ بِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ تَتَناوَلُ الآيَةَ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ صِفَةِ الفَقْرِ غابِرَ الدَهْرِ، وإنَّما خَصَّ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ سِواهُمْ، لِأنَّ الأنْصارَ كانُوا أهْلَ أمْوالٍ وتِجارَةٍ في قُطْرِهِمْ. (p-٨٨)ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى مِن أحْوالِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ والمَعْنى: حُبِسُوا ومُنِعُوا، وذَهَبَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ إلى أنَّ أُحْصِرَ وحُصِرَ بِمَعْنىً واحِدٍ مِنَ الحَبْسِ والمَنعِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِعَدُوٍّ أو بِمَرَضٍ ونَحْوِهِ مِنَ الأعْذارِ، حَكاهُ ابْنُ سِيدَهْ وغَيْرُهُ.
وفَسَّرَ السُدِّيُّ هُنا الإحْصارَ بِأنَّهُ بِالعَدُوِّ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ أحُصِرَ إنَّما يَكُونُ بِالمَرَضِ والأعْذارِ، وحُصِرَ بِالعَدُوِّ، وعَلى هَذا فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وتَأوَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم هم حابِسُو أنْفُسِهِمْ بِرِبْقَةِ الدِينِ، وقَصْدِ الجِهادِ، وخَوْفِ العَدُوِّ، إذْ أحاطَ بِهِمُ الكُفْرُ فَصارَ خَوْفُ العَدُوِّ عُذْرًا أُحْصِرُوا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا مُتَّجِهٌ كَأنَّ هَذِهِ الأعْذارَ أحْصَرَتْهُمْ، أيْ جَعَلَتْهم ذَوِي حَصْرٍ كَما قالُوا: قَبَرَهُ أدْخَلَهُ في قَبْرِهِ، وأقْبَرَهُ جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ، فالعَدُوُّ وكُلُّ مُحِيطٍ يُحْصِرُ، والأعْذارُ المانِعَةُ تُحْصِرُ بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الصادِ أيْ تَجْعَلُ المَرْءَ كالمُحاطِ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يَحْتَمِلُ الجِهادَ، ويَحْتَمِلُ الدُخُولَ في الإسْلامِ، واللَفْظُ يَتَناوَلُهُما.
والضَرْبُ في الأرْضِ: هو التَصَرُّفُ في التِجارَةِ، وضَرْبُ الأرْضِ هو المَشْيُ إلى حاجَةِ الإنْسانِ في البَرازِ، وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ الضَرْبَ في الأرْضِ لِكَوْنِ البِلادِ كُلِّها كُفْرًا مُطْبِقًا، وهَذا في صَدْرِ الهِجْرَةِ، فَقِلَّتُهم تَمْنَعُ مِنَ الِاكْتِسابِ بِالجِهادِ، وإنْكارُ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ إسْلامَهم يَمْنَعُ مِنَ التَصَرُّفِ في التِجارَةِ، فَبَقُوا فُقَراءَ إلّا أنَّهم مِنَ الِانْقِباضِ وتَرْكِ المَسْألَةِ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ بِحَيْثُ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ بِباطِنِ أحْوالِهِمْ أغْنِياءً.
(p-٨٩)والتَعَفُّفُ: تَفَعُّلٌ بِتاءِ مُبالَغَةٍ، مِن عَفَّ عَنِ الشَيْءِ إذا أمْسَكَ عنهُ، وتَنَزَّهَ عن طَلَبِهِ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "يَحْسِبُهُمْ" بِكَسْرِ السِينِ، وكَذَلِكَ هَذا الفِعْلُ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "يَحْسَبُهُمْ" بِفَتْحِ السِينِ في كُلِّ القُرْآنِ، وهُما لُغَتانِ في "يَحْسَبُ" كَعَهِدَ يَعْهَدُ ويَعْهِدُ، بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِها في حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ أتَتْ كَذَلِكَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَتْحُ السِينِ في "يَحْسَبُ" أقْيَسُ لِأنَّ العَيْنَ مِنَ الماضِي مَكْسُورَةٌ، فَبابُها أنْ تَأْتِيَ في المُضارِعِ مَفْتُوحَةً، والقِراءَةُ بِالكَسْرِ حَسَنَةٌ بِمَجِيءِ السَمْعِ بِهِ، وإنْ كانَ شاذًّا عَنِ القِياسِ.
و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِنَ التَعَفُّفِ"، لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن تَعَفُّفِهِمُ ابْتَدَأتْ مَحْسَبَتُهُ، ولَيْسَتْ لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ الجاهِلَ بِهِمْ لا يَحْسَبُهم أغْنِياءَ غِناءَ تَعَفُّفٍ، وإنَّما يَحْسَبُهم أغْنِياءَ غِنى مالٍ، ومَحْسَبَتُهُ مِنَ التَعَفُّفِ ناشِئَةٌ، وهَذا عَلى أنَّهم مُتَعَفِّفُونَ عِفَّةً تامَّةً عَنِ المَسْألَةِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّهم قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا﴾ المَعْنى: لا يَسْألُونَ البَتَّةَ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنىً آخَرَ "مِن" فِيهِ لِبَيانِ الجِنْسِ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.
والسِيما مَقْصُورَةً: العَلامَةُ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: السِيمِياءُ بِزِيادَةِ ياءٍ وبِالمَدِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ................ لَهُ سِيمِياءُ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرْ
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ هَذِهِ السِيمِياءِ الَّتِي يُعْرَفُ بِها هَؤُلاءِ المُتَعَفِّفُونَ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هي التَخَشُّعُ والتَواضُعُ، وقالَ السُدِّيُّ، والرَبِيعُ: هي جُهْدُ الحاجَةِ وقَضْفُ (p-٩٠)الفَقْرِ في وُجُوهِهِمْ، وقِلَّةُ النِعْمَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ هي رِثَّةُ الحالِ. وقالَ قَوْمٌ - وحَكاهُ مَكِّيٌّ-: هي أثَرُ السُجُودِ، وهَذا أحْسَنُ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُتَفَرِّغِينَ مُتَوَكِّلِينَ، لا شُغْلَ لَهم في الأغْلَبِ إلّا الصَلاةَ، فَكانَ أثَرُ السُجُودِ عَلَيْهِمْ أبَدًا.
والإلْحافُ والإلْحاحُ بِمَعْنىً واحِدٍ، وقالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن ألْحَفَ الشَيْءَ إذا غَطّاهُ وعَمَّهُ بِالتَغْطِيَةِ، ومِنهُ اللِحافُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:
؎ يَظَلُّ يَحُفُّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ ويُلْحِفُهُنَّ هَفّافًا ثَخِينا
يَصِفُ ذَكَرَ نَعامٍ يَحْضُنُ بَيْضًا، فَكَأنَّ هَذا السائِلَ المُلِحَّ يَعُمُّ الناسَ بِسُؤالِهِ فَيَلْحَفُهم ذَلِكَ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما إلى أنَّ المَعْنى: لا يَسْألُونَ البَتَّةَ والآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ: نَفْيَ السُؤالِ جُمْلَةً ونَفْيَ الإلْحافِ فَقَطْ، أمّا الأُولى فَعَلى أنْ يَكُونَ التَعَفُّفُ صِفَةً ثابِتَةً لَهُمْ، ويَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ بِفَقْرِهِمْ لِسَبَبِ تَعَفُّفِهِمْ أغْنِياءَ مِنَ المالِ، (p-٩١)وَتَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ أنَّهم يَسْألُونَ غَيْرَ إلْحافٍ، بَلْ أُرِيدَ بِهِ التَنْبِيهُ عَلى سُوءِ حالَةِ مَن يَسْألُ إلْحافًا مِنَ الناسِ، كَما تَقُولُ: "هَذا رَجُلُ خَيْرٍ لا يَقْتُلُ المُسْلِمِينَ"، فَقَوْلُهُمْ: "خَيْرٍ" قَدْ تَضَمَّنَ أنَّهُ لا يَقْتُلُ ولا يَعْصِي ولَوْ بِأقَلَّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ نَبَّهْتَ بِقَوْلِكَ: "لا يَقْتُلُ المُسْلِمِينَ" عَلى قُبْحِ فِعْلِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْتُلُ، وكَثِيرًا ما يُقالُ مِثْلُ هَذا إذا كانَ المُنَبَّهُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا في القَضِيَّةِ، مُشارًا إلَيْهِ في نَفْسِ المُتَكَلِّمِ والسامِعِ. وسُؤالُ الإلْحافِ لَمْ تَخْلُ مِنهُ مُدَّةٌ وهو مِمّا يُكْرَهُ، فَلِذَلِكَ نُبِّهَ عَلَيْهِ، وأمّا المَعْنى الثانِي فَعَلى أنْ يَكُونَ التَعَفُّفُ داخِلًا في المَحْسَبَةِ، أيْ أنَّهم لا يَظْهَرُ لَهم سُؤالٌ، بَلْ هو قَلِيلٌ.
وبِإجْمالٍ فالجاهِلُ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِفَقْرِهِمْ يَحْسَبُهم أغْنِياءَ عِفَّةٍ، فَـ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ثُمَّ نَفى عنهم سُؤالَ الإلْحافِ وبَقِيَ غَيْرُ الإلْحافِ مُقَرَّرًا لَهم حَسَبَ ما يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ الخِطابِ، وهَذا المَعْنى في نَفْيِ الإلْحافِ فَقَطْ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ السُدِّيِّ.
وقالَ الزَجّاجُ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: لا يَكُونُ مِنهم سُؤالٌ فَلا يَكُونُ إلْحافٌ، وهَذا كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ.... ∗∗∗................
أيْ لَيْسَ ثَمَّ مَنارٌ فَلا يَكُونُ اهْتِداءٌ.
(p-٩٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ الزَجّاجُ أرادَ لا يَكُونُ مِنهم سُؤالٌ البَتَّةَ، فَذَلِكَ لا تُعْطِيهِ الألْفاظُ الَّتِي بَعْدَ "لا"، وإنَّما يَنْتَفِي السُؤالُ إذا ضُبِطَ المَعْنى مِن أوَّلِ الآيَةِ عَلى ما قَدَّمْناهُ. وإنْ كانَ أرادَ: لا يَكُونُ مِنهم سُؤالُ إلْحافٍ فَذَلِكَ نَصُّ الآيَةِ.
وأمّا تَشْبِيهُهُ الآيَةَ بِبَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ:
؎ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ... ∗∗∗.............
وقَوْلَهُ الآخَرَ:.
؎ قِفْ بِالطُلُولِ الَّتِي لَمْ يُعْفِها القِدَمُ... ∗∗∗.........
وقَوْلَ الآخَرِ:
؎ ومَن خِفْتُ مِن جَوْرِهِ في القَضا ∗∗∗ ∗∗∗ ءِ فَما خِفْتُ جَوْرَكِ يا عافِيَةْ
وما جَرى مَجْراهُ تَرْتِيبٌ يَسْبِقُ مِنهُ أنَّهُ لا يُهْتَدى بِالمَنارِ وإنْ كانَ المَنارُ مَوْجُودًا. فَلا (p-٩٣)يَنْتَفِي إلّا المَعْنى الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَفْيِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ يَنْتَفِي العَفاءُ وإنْ وُجِدَ القِدَمُ، وكَذَلِكَ يَنْتَفِي الخَوْفُ وإنْ وُجِدَ الجَوْرُ، وهَذا لا يَتَرَتَّبُ في الآيَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ الشُعَراءُ أنَّ الثانِيَ مَعْدُومٌ فَلِذَلِكَ أدْخَلُوا عَلى الأوَّلِ حَرْفَ النَفْيِ إذْ لا يَصِحُّ الأوَّلُ إلّا بِوُجُودِ الثانِي، أيْ لَيْسَ ثَمَّ مَنارٌ فَإذًا لا يَكُونُ اهْتِداءٌ بِمَنارٍ، ولَيْسَ ثَمَّ قِدَمٌ فَإذًا لا يَكُونُ عَفاءٌ، ولَيْسَ ثَمَّ جَوْرٌ فَإذًا لا يَكُونُ خَوْفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا﴾ لا يَتَرَتَّبُ فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذا، لِأنَّ حَرْفَ النَفْيِ دَخَلَ عَلى أمْرٍ عامٍّ لِلْإلْحافِ وغَيْرِهِ، ثُمَّ خُصِّصَ بِقَوْلِهِ: "إلْحافًا" جُزْءًا مِن ذَلِكَ العامِّ فَلَيْسَ بِعَدَمِ الإلْحافِ يَنْتَفِي السُؤالُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَنْتَفِي فِيهِ الأوَّلُ بِعَدَمِ الثانِي إذْ دَخَلَ حَرْفُ النَفْيِ فِيهِ عَلى شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ وُجُودُهُ بِوُجُودِ الَّذِي يُرادُ أنَّهُ مَعْدُومٌ، والسُؤالُ لَيْسَ هَكَذا مَعَ الإلْحافِ، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ إذْ قَدْ يُعْدَمُ الإلْحافُ مِنهم ويَبْقى لَهم سُؤالٌ لا إلْحافَ فِيهِ.
ولَوْ كانَ الكَلامُ: "لا يُلْحِفُونَ الناسَ سُؤالًا" لَقَرُبَ الشَبَهُ بِالأبْياتِ المُتَقَدِّمَةِ. وكَذَلِكَ لَوْ كانَ بَعْدُ: "لا يَسْألُونَ شَيْئًا إذا عُدِمَ عَدَمُ السُؤالِ" كَأنَّكَ قُلْتَ: تَكَسُّبًا أو نَحْوَهُ - لَصَحَّ الشَبَهُ، واللهُ المُسْتَعانُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وعْدٌ مَحْضٌ أيْ يَعْلَمُهُ ويُحْصِيهِ لِيُجازِيَ عَلَيْهِ ويُثِيبَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences