Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
الفاتحة
Al-Fatihah
The Opener · Meccan · 7 ayahs
1:1Page 1
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١
In the name of Allāh,1 the Entirely Merciful, the Especially Merciful.2
[فصل: اشْتِمالُ الفاتِحَةِ عَلى أُمَّهاتِ المَطالِبِ]
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أُمَّهاتِ المَطالِبِ العالِيَةِ أتَمَّ اشْتِمالٍ، وتَضَمَّنَتْها أكْمَلَ تَضَمُّنٍ.
فاشْتَمَلَتْ عَلى التَّعْرِيفِ بِالمَعْبُودِ تَبارَكَ وتَعالى بِثَلاثَةِ أسْماءٍ، مَرْجِعُ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلْيا إلَيْها، ومَدارُها عَلَيْها، وهِيَ: اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، وبُنِيَتِ السُّورَةُ عَلى الإلَهِيَّةِ، والرُّبُوبِيَّةِ، والرَّحْمَةِ، فَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَبْنِيٌّ عَلى الإلَهِيَّةِ، ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] عَلى الرُّبُوبِيَّةِ، وطَلَبُ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، والحَمْدُ يَتَضَمَّنُ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، فَهو المَحْمُودُ في إلَهِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ، ورَحْمَتِهِ، والثَّناءُ والمَجْدُ كَمالانِ لِجَدِّهِ.
وَتَضَمَّنَتْ إثْباتَ المَعادِ، وجَزاءَ العِبادِ بِأعْمالِهِمْ، حَسَنِها وسَيِّئِها، وتَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالحُكْمِ إذْ ذاكَ بَيْنَ الخَلائِقِ، وكَوْنَ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ، وكُلُّ هَذا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
وَتَضَمَّنَتْ إثْباتَ النُّبُوّاتِ مِن جِهاتٍ عَدِيدَةٍ:
أحَدُها: كَوْنُهُ رَبَّ العالَمِينَ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ عِبادَهُ سُدًى هَمَلًا لا يُعَرِّفُهم ما يَنْفَعُهم في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ وما يَضُرُّهم فِيهِما، فَهَذا هَضْمٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، ونِسْبَةُ الرَّبِّ تَعالى إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وما قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن نَسَبَهُ إلَيْهِ.
الثّانِي: أخْذُها مِنَ اسْمِ اللَّهِ، وهو المَأْلُوهُ المَعْبُودُ، ولا سَبِيلَ لِلْعِبادِ إلى مَعْرِفَةِ عِبادَتِهِ إلّا مِن طَرِيقِ رُسُلِهِ.
المَوْضِعُ الثّالِثُ: مِنِ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ فَإنَّ رَحْمَتَهُ تَمْنَعُ إهْمالَ عِبادِهِ، وعَدَمَ تَعْرِيفِهِمْ ما يَنالُونَ بِهِ غايَةَ كَمالِهِمْ، فَمَن أعْطى اسْمَ الرَّحْمَنِ حَقَّهُ عَرَفَ أنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، أعْظَمَ مِن تَضَمُّنِهِ إنْزالَ الغَيْثِ، وإنْباتَ الكَلَأِ، وإخْراجَ الحَبِّ، فاقْتِضاءُ الرَّحْمَةِ لِما تَحْصُلُ بِهِ حَياةُ القُلُوبِ والأرْواحِ أعْظَمُ مِنِ اقْتِضائِها لِما تَحْصُلُ بِهِ حَياةُ الأبْدانِ والأشْباحِ، لَكِنِ المَحْجُوبُونَ إنَّما أدْرَكُوا مِن هَذا الِاسْمِ حَظَّ البَهائِمِ والدَّوابِّ، وأدْرَكَ مِنهُ أُولُو الألْبابِ أمْرًا وراءَ ذَلِكَ.
المَوْضِعُ الرّابِعُ: مِن ذِكْرِ يَوْمِ الدِّينِ فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يُدِينُ اللَّهُ العِبادَ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، فَيُثِيبُهم عَلى الخَيْراتِ، ويُعاقِبُهم عَلى المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أحَدًا قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ إنَّما قامَتْ بِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وبِهِمُ اسْتُحِقَّ الثَّوابُ والعِقابُ، وبِهِمْ قامَ سُوقُ يَوْمِ الدِّينِ، وسِيقَ الأبْرارُ إلى النَّعِيمِ، والفُجّارُ إلى الجَحِيمِ.
المَوْضِعُ الخامِسُ: مِن قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَإنَّ ما يُعْبَدُ بِهِ الرَّبُّ تَعالى لا يَكُونُ إلّا عَلى ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وعِبادَتُهُ وهي شُكْرُهُ وحُبُّهُ وخَشْيَتُهُ فِطْرِيٌّ ومَعْقُولٌ لِلْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، لَكِنَّ طَرِيقَ التَّعَبُّدِ وما يُعْبَدُ بِهِ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِرُسُلِهِ وبَيانِهِمْ، وفي هَذا بَيانُ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ، يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُ العالَمِ عَنْهُ، كَما يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُهُ عَنِ الصّانِعِ، فَمَن أنْكَرَ الرَّسُولَ فَقَدْ أنْكَرَ المُرْسِلَ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكُفْرَ بِرُسُلِهِ كُفْرًا بِهِ.
[فصل]
أول سورة في القرآن وهي الفاتحة، تدل على أن الأرواح مخلوقة من عدة أوجه:
- أحدها قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ والأرواح من جملة العالم فهو ربها.
- الثاني قوله تعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأرواح عابدة له مستعينة، ولو كانت غير مخلوقة لكانت معبودة مستعانا بها.
- الثالث: أنها فقيرة إلى هواية فاطرها وربها، تسأله أن يهديها صراطه المستقيم.
- الرابع: أنها منعم عليها مرحومة، ومغضوب عليها ضالة شقية، وهذا المربوب والمملوك لا شأن القديم غير المخلوق.
[فَصْل: شَرائِطُ التَّوْبَةِ]
وَلَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ هي رُجُوعُ العَبْدِ إلى اللَّهِ، ومُفارَقَتُهُ لِصِراطِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِهِدايَةِ اللَّهِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ولا تَحْصُلُ هِدايَتُهُ إلّا بِإعانَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَقَدِ انْتَظَمَتْها سُورَةُ الفاتِحَةِ أحْسَنَ انْتِظامٍ، وتَضَمَّنَتْها أبْلَغَ تَضَمُّنٍ، فَمَن أعْطى الفاتِحَةَ حَقَّها - عِلْمًا وشُهُودًا وحالًا مَعْرِفَةً - عَلِمَ أنَّهُ لا تَصِحُّ لَهُ قِراءَتُها عَلى العُبُودِيَّةِ إلّا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَإنَّ الهِدايَةَ التّامَّةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لا تَكُونُ مَعَ الجَهْلِ بِالذُّنُوبِ، ولا مَعَ الإصْرارِ عَلَيْها، فَإنَّ الأوَّلَ جَهْلٌ يُنافِي مَعْرِفَةَ الهُدى، والثّانِيَ غَيٌّ يُنافِي قَصْدَهُ وإرادَتَهُ، فَلِذَلِكَ لا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الذَّنْبِ، والِاعْتِرافِ بِهِ، وطَلَبِ التَّخَلُّصِ مِن سُوءِ عَواقِبِهِ أوَّلًا وآخِرًا.
[فائِدَة للْإنْسان قوتان قُوَّة علمية نظرية وقُوَّة عملية إرادية]
وسعادته التّامَّة مَوْقُوفَة على استكمال قوتيه العلمية الإرادية واستكمال القُوَّة العلمية إنَّما يكون بِمَعْرِفَة فاطره وبارئه ومَعْرِفَة أسْمائِهِ وصِفاته ومَعْرِفَة الطَّرِيق الَّتِي توصل إلَيْهِ ومَعْرِفَة آفاتها ومَعْرِفَة نَفسه ومَعْرِفَة عيوبها فبهذه المعارف الخَمْسَة يحصل كَمال قوته العلمية، وأعلم النّاس أعرفهم بها وأفقههم فِيها استكمال القُوَّة العلمية الإرادية لا تحصل إلّا بمراعاة حُقُوقه سُبْحانَهُ على العَبْد والقِيام بها إخلاصا وصدقا ونصحا وإحسانا ومتابعة وشهودا لمنّته عَلَيْهِ وتقصيره هو في أداء حقّه فَهو مستحي من مواجهته بِتِلْكَ الخدمَة لعلمه أنَّها دون ما يستحقّه عَلَيْهِ ودون دون ذَلِك وأنه لا سَبِيل لَهُ إلى استكمال هاتين القوتين إلّا بمعونته فَهو مُضْطَر إلى أن يهديه الصِّراط المُسْتَقيم الَّذِي هدى إلَيْهِ أولياءه وخاصّته وأن يجنّبه الخُرُوج عَن ذَلِك الصِّراط إمّا بِفساد في قوته العلمية فَيَقَع في الضلال واما في قوّته العملية فَيُوجب لَهُ الغَضَب.
فكمال الإنْسان وسعادته لا تتمّ إلّا بِمَجْمُوع هَذِه الأُمُور وقد تضمنّتها سُورَة الفاتِحَة وانتظمتها أكمل انتظام
فَإن قَوْله ﴿الحَمد لله رب العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يتضمّن الأصْل الأوّل وهو معرفَة الرب تَعالى ومَعْرِفَة أسْمائِهِ وصِفاته وأفعاله والأسماء المَذْكُورَة في هَذِه السُّورَة هي أصُول الأسْماء الحسنى وهِي اسْم الله والرب والرحمن فاسم الله متضمّن لصفات الألوهيّة واسم الرب متضمّن الربوبية واسم الرَّحْمَن مُتَضَمّن لصفات الإحْسان والجود والبر ومعاني أسْمائِهِ تَدور على هَذا وقَوله ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يتضمّن معرفَة الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ وأنَّها لَيست إلّا عِبادَته وحده بِما يحبّه ويرضاه واستعانته على عِبادَته وقَوله ﴿اهْدِنا الصِّراط المُسْتَقيم﴾ يتضمّن بَيان أن العَبْد لا سَبِيل لَهُ إلى سعادته إلّا باستقامته على الصِّراط المُسْتَقيم وأنه لا سَبِيل لَهُ إلى الاسْتقامَة إلّا بهداية ربه لَهُ كَما لا سَبِيل لَهُ إلى عِبادَته بمعونته فَلا سَبِيل لَهُ إلى الاسْتقامَة على الصِّراط إلّا بهدايته وقَوله ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾
يتضمّن بَيان طرفِي الانحراف عَن الصِّراط المُسْتَقيم وأن الانحراف إلى أحد الطَّرفَيْنِ انحراف إلى الضلال الَّذِي هو فَساد العلم والاعتقاد والانحراف إلى الطّرف الآخر انحراف إلى الغَضَب الَّذِي سَببه فَساد القَصْد والعَمَل.
فأوّل السُّورَة رَحْمَة وأوسطها هِدايَة وآخِرها نعْمَة، وحظ العَبْد من النِّعْمَة على قدر حظّه من الهِدايَة وحظّه مِنها على قدر حظّه من الرَّحْمَة فَعاد الأمر كلّه إلى نعْمَته ورَحمته والنعْمَة والرَّحْمَة من لَوازِم ربوبيّته فَلا يكون إلّا رحِيما منعما وذَلِكَ من مُوجبات الهيّته فَهو الإلَه الحق وإن جَحده الجاحدون وعدل بِهِ المُشْركُونَ فَمن تحقّق بمعاني الفاتِحَة علما ومَعْرِفَة وعَملا وحالا فقد فازَ من كَماله بأوفر نصيب وصارَت عبوديّته عبوديّة الخاصّة الَّذين ارْتَفَعت درجتهم عَن عوام المتعبّدين والله المُسْتَعان.
[فَصْلٌ هَدْيِهِ ﷺ في رُقْيَةِ اللَّدِيغِ بِالفاتِحَةِ]
أخْرَجا في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ في سَفْرَةٍ سافَرُوها حَتّى نَزَلُوا عَلى حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ، فاسْتَضافُوهم فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهم فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أتَيْتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهم أنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأتَوْهم فَقالُوا: يا أيُّها الرَّهْطُ إنَّ سَيَّدَنا لُدِغَ، وسَعَيْنا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنكم مِن شَيْءٍ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ واللَّهِ إنِّي لَأرْقِي، ولَكِنِ اسْتَضَفْناكم فَلَمْ تُضَيِّفُونا فَما أنا بَراقٍ حَتّى تَجْعَلُوا لَنا جُعْلًا، فَصالَحُوهم عَلى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ، ويَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، فَكَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ، فانْطَلَقَ يَمْشِي، وما بِهِ قَلَبَةٌ قالَ: فَأوْفَوْهم جُعْلَهُمُ الَّذِي صالَحُوهم عَلَيْهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: اقْتَسِمُوا فَقالَ الَّذِي رَقى: لا تَفْعَلُوا حَتّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كانَ، فَنَنْظُرَ ما يَأْمُرُنا، فَقَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: " وما يُدْرِيكَ أنَّها رُقْيَةٌ؟ "
ثُمَّ قالَ: قَدْ أصَبْتُمْ، اقْسِمُوا واضْرِبُوا لِي مَعَكم سَهْمًا».
وَقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ في " سُنَنِهِ " مِن حَدِيثِ علي قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«خَيْرُ الدَّواءِ القُرْآنُ».
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ بَعْضَ الكَلامِ لَهُ خَواصُّ ومَنافِعُ مُجَرَّبَةٌ، فَما الظَّنُّ بِكَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، الَّذِي فَضْلُهُ عَلى كُلِّ كَلامٍ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ الَّذِي هو الشِّفاءُ التّامُّ، والعِصْمَةُ النّافِعَةُ، والنُّورُ الهادِي، والرَّحْمَةُ العامَّةُ الَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلى جَبَلٍ؛ لَتَصَدَّعَ مِن عَظَمَتِهِ وجَلالَتِهِ. قالَ تَعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]
وَ" مِن " هاهُنا لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، هَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] وكُلُّهم مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَما الظَّنُّ بِفاتِحَةِ الكِتابِ الَّتِي لَمْ يُنْزَلْ في القُرْآنِ، ولا في التَّوْراةِ، ولا في الإنْجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ مِثْلُها، المُتَضَمِّنَةِ لِجَمِيعِ مَعانِي كُتُبِ اللَّهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذِكْرِ أُصُولِ أسْماءِ الرَّبِّ - تَعالى - ومَجامِعِها، وهي اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، وإثْباتِ المَعادِ، وذِكْرِ التَّوْحِيدَيْنِ: تَوْحِيدِ الرَّبُوبِيَّةِ، وتَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ، وذِكْرِ الِافْتِقارِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ في طَلَبِ الإعانَةِ، وطَلَبِ الهِدايَةِ، وتَخْصِيصِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وذِكْرِ أفْضَلِ الدُّعاءِ عَلى الإطْلاقِ، وأنْفَعِهِ وأفْرَضِهِ، وما العِبادُ أحْوَجُ شَيْءٍ إلَيْهِ، وهو الهِدايَةُ إلى صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ، المُتَضَمِّنِ كَمالَ مَعْرِفَتِهِ، وتَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ بِفِعْلِ ما أمَرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ إلى المَماتِ، ويَتَضَمَّنُ ذِكْرَ أصْنافِ الخَلائِقِ، وانْقِسامَهم إلى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، والعَمَلِ بِهِ، ومَحَبَّتِهِ، وإيثارِهِ، ومَغْضُوبٍ عَلَيْهِ بِعُدُولِهِ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ لَهُ، وضالٍّ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُ.
وَهَؤُلاءِ أقْسامُ الخَلِيقَةِ مَعَ تَضَمُّنِها لِإثْباتِ القَدَرِ، والشَّرْعِ، والأسْماءِ، والصِّفاتِ، والمَعادِ، والنُّبُوّاتِ، وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وإصْلاحِ القُلُوبِ، وذِكْرِ عَدْلِ اللَّهِ، وإحْسانِهِ، والرَّدِّ عَلى جَمِيعِ أهْلِ البِدَعِ والباطِلِ، كَما ذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِنا الكَبِيرِ " مَدارِجِ السّالِكِينَ " في شَرْحِها.
وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذا بَعْضُ شَأْنِها أنْ يُسْتَشْفى بِها مِنَ الأدْواءِ، ويُرْقى بِها اللَّدِيغُ.
وَبِالجُمْلَةِ فَما تَضَمَّنَتْهُ الفاتِحَةُ مِن إخْلاصِ العُبُودِيَّةِ والثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وتَفْوِيضِ الأمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ، والِاسْتِعانَةِ بِهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وسُؤالِهِ مَجامِعَ النِّعَمِ كُلِّها، وهي الهِدايَةُ الَّتِي تَجْلِبُ النِّعَمَ، وتَدْفَعُ النِّقَمَ مِن أعْظَمِ الأدْوِيَةِ الشّافِيَةِ الكافِيَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مَوْضِعَ الرُّقْيَةِ مِنها: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولا رَيْبَ أنَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ مِن أقْوى أجْزاءِ هَذا الدَّواءِ، فَإنَّ فِيهِما مِن عُمُومِ التَّفْوِيضِ والتَّوَكُّلِ، والِالتِجاءِ والِاسْتِعانَةِ، والِافْتِقارِ والطَّلَبِ، والجَمْعِ بَيْنَ أعْلى الغاياتِ، وهي عِبادَةُ الرَّبِّ وحْدَهُ، وأشْرَفِ الوَسائِلِ وهي الِاسْتِعانَةُ بِهِ عَلى عِبادَتِهِ، ما لَيْسَ في غَيْرِها، ولَقَدْ مَرَّ بِي وقْتٌ بِمَكَّةَ سَقِمْتُ فِيهِ، وفَقَدْتُ الطَّبِيبَ والدَّواءَ، فَكُنْتُ أتَعالَجُ بِها آخُذُ شَرْبَةً مِن ماءِ زَمْزَمَ وأقْرَؤُها عَلَيْها مِرارًا، ثُمَّ أشْرَبُهُ فَوَجَدْتُ بِذَلِكَ البُرْءَ التّامَّ، ثُمَّ صِرْتُ أعْتَمِدُ ذَلِكَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الأوْجاعِ فَأنْتَفِعُ بِها غايَةَ الِانْتِفاعِ.
[فَصْلٌ نَفْسُ الرّاقِي تَفْعَلُ في نَفْسِ المَرْقِيِّ فَتَدْفَعُ عَنْهُ المَرَضَ بِإذْنِ اللَّهِ]
وَفِي تَأْثِيرِ الرُّقى بِالفاتِحَةِ وغَيْرِها في عِلاجِ ذَواتِ السُّمُومِ سِرٌّ بَدِيعٌ، فَإنَّ ذَواتِ السُّمُومِ أثَّرَتْ بِكَيْفِيّاتِ نُفُوسِها الخَبِيثَةِ، كَما تَقَدَّمَ وسِلاحُها حُماتُها الَّتِي تَلْدَغُ بِها، وهي لا تَلْدَغُ حَتّى تَغْضَبَ، فَإذا غَضِبَتْ ثارَ فِيها السُّمُّ، فَتَقْذِفُهُ بِآلَتِها، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ داءٍ دَواءً، ولِكُلِّ شَيْءٍ ضِدًّا، ونَفْسُ الرّاقِي تَفْعَلُ في نَفْسِ المَرْقِيِّ، فَيَقَعُ بَيْنَ نَفْسَيْهِما فِعْلٌ وانْفِعالٌ، كَما يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ والدَّواءِ، فَتَقْوى نَفْسُ الرّاقِي وقُوَّتُهُ بِالرُّقْيَةِ عَلى ذَلِكَ الدّاءِ فَيَدْفَعُهُ بِإذْنِ اللَّهِ، ومَدارُ تَأْثِيرِ الأدْوِيَةِ والأدْواءِ عَلى الفِعْلِ والِانْفِعالِ، وهو كَما يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ والدَّواءِ الطَّبِيعِيَّيْنِ، يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ والدَّواءِ الرُّوحانِيَّيْنِ، والرُّوحانِيُّ، والطَّبِيعِيُّ، وفي النَّفْثِ والتَّفْلِ اسْتِعانَةٌ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ والهَواءِ، والنَّفَسِ المُباشِرِ لِلرُّقْيَةِ، والذِّكْرِ، والدُّعاءِ، فَإنَّ الرُّقْيَةَ تَخْرُجُ مِن قَلْبِ الرّاقِي وفَمِهِ، فَإذا صاحَبَها شَيْءٌ مِن أجْزاءِ باطِنِهِ مِنَ الرِّيقِ والهَواءِ والنَّفَسِ، كانَتْ أتَمَّ تَأْثِيرًا، وأقْوى فِعْلًا ونُفُوذًا، ويَحْصُلُ بِالِازْدِواجِ بَيْنَهُما كَيْفِيَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ شَبِيهَةٌ بِالكَيْفِيَّةِ الحادِثَةِ عِنْدَ تَرْكِيبِ الأدْوِيَةِ.
وَبِالجُمْلَةِ: فَنَفْسُ الرّاقِي تُقابِلُ تِلْكَ النَّفُوسَ الخَبِيثَةَ، وتَزِيدُ بِكَيْفِيَّةِ نَفْسِهِ، وتَسْتَعِينُ بِالرُّقْيَةِ وبِالنَّفْثِ عَلى إزالَةِ ذَلِكَ الأثَرِ، وكُلَّما كانَتْ كَيْفِيَّةُ نَفْسِ الرّاقِي أقْوى كانَتِ الرُّقْيَةُ أتَمَّ، واسْتِعانَتُهُ بِنَفْثِهِ كاسْتِعانَةِ تِلْكَ النُّفُوسِ الرَّدِيئَةِ بِلَسْعِها.
وَفِي النَّفْثِ سِرٌّ آخَرُ فَإنَّهُ مِمّا تَسْتَعِينُ بِهِ الأرْواحُ الطَّيِّبَةُ والخَبِيثَةُ، ولِهَذا تَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ الإيمانِ.
قالَ تَعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةِ الغَضَبِ والمُحارَبَةِ، وتُرْسِلُ أنْفاسَها سِهامًا لَها، وتَمُدُّها بِالنَّفْثِ والتَّفْلِ الَّذِي مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ مُصاحِبٌ لِكَيْفِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ، والسَّواحِرُ تَسْتَعِينُ بِالنَّفْثِ اسْتِعانَةً بَيِّنَةً، وإنْ لَمْ تَتَّصِلْ بِجِسْمِ المَسْحُورِ، بَلْ تَنْفُثُ عَلى العُقْدَةِ وتَعْقِدُها، وتَتَكَلَّمُ بِالسِّحْرِ فَيَعْمَلُ ذَلِكَ في المَسْحُورِ بِتَوَسُّطِ الأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ الخَبِيثَةِ، فَتُقابِلُها الرُّوحُ الزَّكِيَّةُ الطَّيِّبَةُ بِكَيْفِيَّةِ الدَّفْعِ، والتَّكَلُّمِ بِالرُّقْيَةِ وتَسْتَعِينُ بِالنَّفْثِ، فَأيُّهُما قَوِيَ كانَ الحُكْمُ لَهُ، ومُقابَلَةُ الأرْواحِ بَعْضِها لِبَعْضٍ، ومُحارَبَتُها وآلَتُها مِن جِنْسِ مُقابَلَةِ الأجْسامِ، ومُحارَبَتُها وآلَتُها سَواءٌ، بَلِ الأصْلُ في المُحارَبَةِ والتَّقابُلِ لِلْأرْواحِ والأجْسامِ آلَتُها وجُنْدُها، ولَكِنْ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الحِسُّ لا يَشْعُرُ بِتَأْثِيراتِ الأرْواحِ وأفْعالِها وانْفِعالاتِها لِاسْتِيلاءِ سُلْطانِ الحِسِّ عَلَيْهِ، وبُعْدِهِ مِن عالَمِ الأرْواحِ وأحْكامِها وأفْعالِها.
والمَقْصُودُ: أنَّ الرُّوحَ إذا كانَتْ قَوِيَّةً وتَكَيَّفَتْ بِمَعانِي الفاتِحَةِ، واسْتَعانَتْ بِالنَّفْثِ والتَّفْلِ، قابَلَتْ ذَلِكَ الأثَرَ الَّذِي حَصَلَ مِنَ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ فَأزالَتْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ: في بَيانِ اشْتِمالِ الفاتِحَةِ عَلى الشِفاءَيْنِ شِفاءِ القُلُوبِ وشِفاءِ الأبْدانِ]
فَأمّا اشْتِمالُها عَلى شِفاءِ القُلُوبِ: فَإنَّها اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أتَمَّ اشْتِمالٍ، فَإنَّ مَدارَ اعْتِلالِ القُلُوبِ وأسْقامِها عَلى أصْلَيْنِ: فَسادِ العِلْمِ، وفَسادِ القَصْدِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما داءانِ قاتِلانِ، وهُما الضَّلالُ والغَضَبُ، فالضَّلالُ نَتِيجَةُ فَسادِ العِلْمِ، والغَضَبُ نَتِيجَةُ فَسادِ القَصْدِ، وهَذانَ المَرَضانِ هُما مِلاكُ أمْراضِ القُلُوبِ جَمِيعِها، فَهِدايَةُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ تَتَضَمَّنُ الشِّفاءَ مِن مَرَضِ الضَّلالِ، ولِذَلِكَ كانَ سُؤالُ هَذِهِ الهِدايَةِ أفْرَضَ دُعاءٍ عَلى كُلِّ عَبْدٍ، وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ في كُلِّ صَلاةٍ، لِشِدَّةِ ضَرُورَتِهِ وفاقَتِهِ إلى الهِدايَةِ المَطْلُوبَةِ، ولا يَقُومُ غَيْرُ هَذا السُّؤالِ مَقامَهُ.
والتَّحَقُّقُ بِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] عِلْمًا ومَعْرِفَةً، وعَمَلًا وحالًا يَتَضَمَّنُ الشِّفاءَ مِن مَرَضِ فَسادِ القَلْبِ والقَصْدِ، فَإنَّ فَسادَ القَصْدِ يَتَعَلَّقُ بِالغاياتِ والوَسائِلِ، فَمَن طَلَبَ غايَةً مُنْقَطِعَةً مُضْمَحِلَّةً فانِيَةً، وتَوَسَّلَ إلَيْها بِأنْواعِ الوَسائِلِ المُوَّصِلَةِ إلَيْها كانَ كِلا نَوْعِي قَصْدِهِ فاسِدًا، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَن كانَ غايَةُ مَطْلُوبِهِ غَيْرَ اللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ومُتَّبِعِي الشَّهَواتِ، الَّذِينَ لا غايَةَ لَهم وراءَها، وأصْحابِ الرِّياساتِ المُتَّبِعِينَ لِإقامَةِ رِياسَتِهِمْ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فَإذا جاءَ الحَقُّ مُعارِضًا في طَرِيقِ رِياسَتِهِمْ طَحَنُوهُ وداسُوهُ بِأرْجُلِهِمْ، فَإنْ عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ دَفَعُوهُ دَفْعَ الصّائِلِ، فَإنْ عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ حَبَسُوهُ في الطَّرِيقِ، وحادُوا عَنْهُ إلى طَرِيقٍ أُخْرى، وهم مُسْتَعِدُّونَ لِدَفْعِهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ، فَإذا لَمْ يَجِدُوا مِنهُ بُدًّا أعْطَوْهُ السِّكَّةَ والخُطْبَةَ وعَزَلُوهُ عَنِ التَّصَرُّفِ والحُكْمِ والتَّنْفِيذِ، وإنْ جاءَ الحَقُّ ناصِرًا لَهم وكانَ لَهم صالُوا بِهِ وجالُوا، وأتَوْا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ، لا لِأنَّهُ حَقٌّ، بَلْ لِمُوافَقَتِهِ غَرَضَهم وأهْواءَهُمْ، وانْتِصارِهِمْ بِهِ ﴿وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٤٨].
والمَقْصُودُ: أنَّ قَصْدَ هَؤُلاءِ فاسِدٌ في غاياتِهِمْ ووَسائِلِهِمْ، وهَؤُلاءِ إذا بَطَلَتِ الغاياتُ الَّتِي طَلَبُوها، واضْمَحَلَّتْ وفَنِيَتْ، حَصَلُوا عَلى أعْظَمِ الخُسْرانِ والحَسَراتِ، وهم أعْظَمُ النّاسِ نَدامَةً وتَحَسُّرًا إذا حَقَّ الحَقُّ وبَطَلَ الباطِلُ، وتَقَطَّعَتْ بِهِمْ أسْبابُ الوَصْلِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، وتَيَقَّنُوا انْقِطاعَهم عَنْ رَكْبِ الفَلاحِ والسَّعادَةِ، وهَذا يَظْهَرُ كَثِيرًا في الدُّنْيا، ويَظْهَرُ أقْوى مِن ذَلِكَ عِنْدَ الرَّحِيلِ مِنها والقُدُومِ عَلى اللَّهِ، ويَشْتَدُّ ظُهُورُهُ وتَحَقُّقُهُ في البَرْزَخِ، ويَنْكَشِفُ كُلَّ الِانْكِشافِ يَوْمَ اللِّقاءِ، إذا حَقَّتِ الحَقائِقُ، وفازَ المُحِقُّونَ وخَسِرَ المُبْطِلُونَ، وعَلِمُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ، وكانُوا مَخْدُوعِينَ مَغْرُورِينَ، فِيالَهُ هُناكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ عالِمَهُ، ويَقِينٍ لا يُنْجِي مُسْتَيْقِنَهُ.
وَكَذَلِكَ مَن طَلَبَ الغايَةَ العُلْيا والمَطْلَبَ الأسْمى، ولَكِنْ لَمْ يَتَوَسَّلْ إلَيْهِ بِالوَسِيلَةِ المُوَصِّلَةِ لَهُ وإلَيْهِ، بَلْ تَوَسَّلَ إلَيْهِ بِوَسِيلَةٍ ظَنَّها مُوَصِّلَةً إلَيْهِ، وهي مِن أعْظَمِ القَواطِعِ عَنْهُ، فَحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذا، وكِلاهُما فاسِدُ القَصْدِ، ولا شِفاءَ مِن هَذا المَرَضِ إلّا بِدَواءِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".
فَإنَّ هَذا الدَّواءَ مُرَكَّبٌ مِن سِتَّةِ أجْزاءٍ (١) عُبُودِيَّةِ اللَّهِ لا غَيْرِهِ (٢) بِأمْرِهِ وشَرْعِهِ (٣) لا بِالهَوى (٤) ولا بِآراءِ الرِّجالِ وأوْضاعِهِمْ، ورُسُومِهِمْ، وأفْكارِهِمْ (٥) بِالِاسْتِعانَةِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ بِهِ (٦) لا بِنَفْسِ العَبْدِ وقُوَّتِهِ وحَوْلِهِ ولا بِغَيْرِهِ.
فَهَذِهِ هي أجْزاءُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَإذا رَكَّبَها الطَّبِيبُ اللَّطِيفُ، العالِمُ بِالمَرَضِ، واسْتَعْمَلَها المَرِيضُ، حَصَلَ بِها الشِّفاءُ التّامُّ، وما نَقَصَ مِنَ الشِّفاءِ فَهو لِفَواتِ جُزْءٍ مِن أجْزائِها، أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ.
ثُمَّ إنَّ القَلْبَ يَعْرِضُ لَهُ مَرَضانِ عَظِيمانِ، إنْ لَمْ يَتَدارَكْهُما العَبْدُ تَرامَيا بِهِ إلى التَّلَفِ ولا بُدَّ، وهُما الرِّياءُ، والكِبْرُ، فَدَواءُ الرِّياءِ بِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ودَواءُ الكِبْرِ بِ ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وَكَثِيرًا ما كُنْتُ أسْمَعُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] تَدْفَعُ الرِّياءَ ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] تَدْفَعُ الكِبْرِياءَ.
فَإذا عُوفِيَ مِن مَرَضِ الرِّياءِ بِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ومِن مَرَضِ الكِبْرِياءِ والعُجْبِ بِ ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ومِن مَرَضِ الضَّلالِ والجَهْلِ بِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] عُوفِيَ مِن أمْراضِهِ وأسْقامِهِ، ورَفَلَ في أثْوابِ العافِيَةِ، وتَمَّتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ، وكانَ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ فَسادِ القَصْدِ، الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ وعَدَلُوا عَنْهُ والضّالِّينَ وهم أهْلُ فَسادِ العِلْمِ، الَّذِينَ جَهِلُوا الحَقَّ ولَمْ يَعْرِفُوهُ.
وَحُقَّ لِسُورَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى هَذَيْنِ الشِفاءَيْنِ أنْ يُسْتَشْفى بِها مِن كُلِّ مَرَضٍ، ولِهَذا لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى هَذا الشِّفاءِ الَّذِي هو أعْظَمُ الشِفاءَيْنِ، كانَ حُصُولُ الشِّفاءِ الأدْنى بِها أوْلى، كَما سَنُبَيِّنُهُ، فَلا شَيْءَ أشَفى لِلْقُلُوبِ الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ وكَلامِهِ، وفَهِمَتْ عَنْهُ فَهْمًا خاصًّا، اخْتَصَّها بِهِ مِن مَعْنى هَذِهِ السُّورَةِ.
وَسَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَضَمُّنَها لِلرَّدِّ عَلى جَمِيعِ أهْلِ البِدَعِ بِأوْضَحِ البَيانِ وأحْسَنِ الطُّرُقِ.
[تَضَمُّنُها لِشِفاءِ الأبْدانِ]
وَأمّا تَضَمُّنُها لِشِفاءِ الأبْدانِ فَنَذْكُرُ مِنهُ ما جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وما شَهِدَتْ بِهِ قَواعِدُ الطِّبِّ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ.
فَأمّا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ: فَفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي المُتَوَكِّلِ النّاجِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَلَمْ يُقْرُوهُمْ، ولِمَ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ الحَيِّ، فَأتَوْهُمْ، فَقالُوا: هَلْ عِنْدَكم مِن رُقْيَةٍ، أوَ هَلْ فِيكم مِن راقٍ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، ولَكِنَّكم لَمْ تُقِرُّونا، فَلا نَفْعَلُ حَتّى تَجْعَلُوا لَنا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهم عَلى ذَلِكَ قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنّا يَقْرَأُ عَلَيْهِ بِفاتِحَةِ الكِتابِ، فَقامَ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ قَلْبَةٌ، فَقُلْنا: لا تَعْجَلُوا حَتّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأتَيْناهُ، فَذَكَرْنا لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: ما يُدْرِيكَ
أنَّها رُقْيَةٌ؟ كُلُوا، واضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ.»
فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الحَدِيثُ حُصُولَ شِفاءِ هَذا اللَّدِيغِ بِقِراءَةِ الفاتِحَةِ عَلَيْهِ، فَأغْنَتْهُ عَنِ الدَّواءِ، ورُبَّما بَلَغَتْ مِن شِفائِهِ ما لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّواءُ.
هَذا مَعَ كَوْنِ المَحَلِّ غَيْرَ قابِلٍ، إمّا لِكَوْنِ هَؤُلاءِ الحَيِّ غَيْرَ مُسْلِمِينَ، أوْ أهْلَ بُخْلٍ ولُؤْمٍ، فَكَيْفَ إذا كانَ المَحَلُّ قابِلًا.
(فَصْلٌ)
وَأمّا شَهادَةُ قَواعِدِ الطِّبِّ بِذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ اللَّدْغَةَ تَكُونُ مِن ذَواتِ الحُماتِ والسُّمُومِ، وهي ذَواتُ الأنْفُسِ الخَبِيثَةِ الَّتِي تَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ غَضَبِيَّةٍ، تُثِيرُ فِيها سُمِيَّةً نارِيَّةً، يَحْصُلُ بِها اللَّدْغُ، وهي مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفاوُتِ خُبْثِ تِلْكَ النُّفُوسِ وقُوَّتِها وكَيْفِيَّتِها، فَإذا تَكَيَّفَتْ أنْفُسُها الخَبِيثَةُ بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ الغَضَبِيَّةِ أحْدَثَ لَها ذَلِكَ طَبِيعَةً سُمِّيَّةً، تَجِدُ راحَةً ولَذَّةً في إلْقائِها إلى المَحَلِّ القابِلِ، كَما يَجِدُ الشِّرِّيرُ مِنَ النّاسِ راحَةً ولَذَّةً في إيصالِ شَرِّهِ إلى مَن يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ لا يَهْنَأُ لَهُ عَيْشٌ في يَوْمٍ لا يُؤْذِي فِيهِ أحَدًا مِن بَنِي جِنْسِهِ، ويَجِدُ في نَفْسِهِ تَأذِّيًا بِحَمْلِ تِلْكَ السُّمِّيَّةِ والشَّرِّ الَّذِي فِيهِ، حَتّى يُفَرِّغَهُ في غَيْرِهِ، فَيَبْرُدَ عِنْدَ ذَلِكَ أنِينُهُ، وتَسْكُنَ نَفْسُهُ، ويُصِيبُهُ في ذَلِكَ نَظِيرُ ما يُصِيبُ مَنِ اشْتَدَّتْ شَهْوَتُهُ إلى الجِماعِ، فَيَسُوءُ خُلُقُهُ، وتَثْقُلُ نَفْسُهُ حَتّى يَقْضِيَ وطَرَهُ، هَذا في قُوَّةِ الشَّهْوَةِ، وذاكَ في قُوَّةِ الغَضَبِ.
وَقَدْ أقامَ اللَّهُ تَعالى بِحِكْمَتِهِ السُّلْطانَ وازِعًا لِهَذِهِ النُّفُوسِ الغَضَبِيَّةِ، فَلَوْلا هو لَفَسَدَتِ الأرْضُ وخَرِبَتْ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وأباحَ اللَّهُ بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ لِهَذِهِ النُّفُوسِ مِنَ الأزْواجِ ومِلْكِ اليَمِينِ ما يَكْسِرُ حِدَّتَها.
والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ الغَضَبِيَّةَ إذا اتَّصَلَتْ بِالمَحَلِّ القابِلِ أثَّرَتْ فِيهِ، ومِنها ما يُؤَثِّرُ في المَحِلِّ بِمُجَرَّدِ مُقابَلَتِهِ لَهُ، وإنْ لَمْ يَمَسَّهُ، فَمِنها ما يَطْمِسُ البَصَرَ، ويُسْقِطُ الحَبَلَ.
وَمِن هَذا نَظَرُ العائِنِ، فَإنَّهُ إذا وقَعَ بَصَرُهُ عَلى المَعِينِ حَدَثَتْ في نَفْسِهِ كَيْفِيَّةٌ سُمِّيَّةٌ أثَّرَتْ في المَعِينِ بِحَسَبِ عَدَمِ اسْتِعْدادِهِ، وكَوْنِهِ أعْزَلَ مِنَ السِّلاحِ، وبِحَسَبِ قُوَّةِ تِلْكَ النَّفْسِ، وكَثِيرٌ مِن هَذِهِ النُّفُوسِ يُؤَثِّرُ في المَعِينِ إذا وُصِفَ لَهُ، فَتَتَكَيَّفُ نَفْسُهُ وتُقابِلُهُ عَلى البُعْدِ فَيَتَأثَّرُ بِهِ، ومُنْكِرُ هَذا لَيْسَ مَعْدُودًا مِن بَنِي آدَمَ إلّا بِالصُّورَةِ والشَّكْلِ، فَإذا قابَلَتِ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ العَلَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي فِيها غَضَبٌ وحَمِيَّةٌ لِلْحَقِّ هَذِهِ النُّفُوسَ الخَبِيثَةَ السُّمِّيَّةَ، وتَكَيَّفَتْ بِحَقائِقِ الفاتِحَةِ وأسْرارِها ومَعانِيها، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ، والثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وذِكْرِ أُصُولِ أسْمائِهِ الحُسْنى، وذِكْرِ اسْمِهِ الَّذِي ما ذُكِرَ عَلى شَرٍّ إلّا أزالَهُ ومَحَقَهُ، ولا عَلى خَيْرٍ إلّا نَمّاهُ وزادَهُ، دَفَعَتْ هَذِهِ النَّفْسُ بِما تَكَيَّفَتْ بِهِ مِن ذَلِكَ أثَرَ تِلْكَ النَّفْسِ الخَبِيثَةِ الشَّيْطانِيَّةِ، فَحَصَلَ البُرْءُ، فَإنَّ مَبْنى الشِّفاءِ والبُرْءِ عَلى دَفْعِ الضِّدِّ بِضِدِّهِ، وحِفْظِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، فالصِّحَّةُ تُحْفَظُ بِالمِثْلِ، والمَرَضُ يُدْفَعُ بِالضِّدِّ، أسْبابٌ رَبَطَها بِمُسَبِّباتِها الحَكِيمُ العَلِيمُ خَلْقًا وأمْرًا، ولا يَتِمُّ هَذا إلّا بِقُوَّةٍ مِنَ النَّفْسِ الفاعِلَةِ، وقَبُولٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ المُنْفَعِلَةِ، فَلَوْ لَمْ تَنْفَعِلْ نَفْسُ المَلْدُوغِ لِقَبُولِ الرُّقْيَةِ، ولَمْ تَقْوَ نَفْسُ الرّاقِي عَلى التَّأْثِيرِ، لَمْ يَحْصُلِ البُرْءُ.
فَهُنا أُمُورٌ ثَلاثَةٌ: مُوافَقَةُ الدَّواءِ لِلدّاءِ، وبَذْلُ الطَّبِيبِ لَهُ، وقَبُولُ طَبِيعَةِ العَلِيلِ، فَمَتى تَخَلَّفَ واحِدٌ مِنها لَمْ يَحْصُلِ الشِّفاءُ، وإذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَ الشِّفاءُ ولا بُدَّ بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وَمَن عَرَفَ هَذا كَما يَنْبَغِي تَبَيَّنَ لَهُ أسْرارُ الرُّقى، ومَيَّزَ بَيْنَ النّافِعِ مِنها وغَيْرِهِ، ورَقى الدّاءَ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الرُّقى، وتَبَيَّنَ لَهُ أنَّ الرُّقْيَةَ بِراقِيها وقَبُولِ المَحَلِّ، كَما أنَّ السَّيْفَ بِضارِبِهِ مَعَ قَبُولِ المَحَلِّ لِلْقَطْعِ، وهَذِهِ إشارَةٌ مُطْلِعَةٌ عَلى ما وراءَها لِمَن دَقَّ نَظَرُهُ، وحَسُنَ تَأمُّلُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences