Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
النحل
An-Nahl
The Bee · Meccan · 128 ayahs
16:1Page 267
أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١
The command of Allāh is coming,1 so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.
No commentary for this ayah
16:2Page 267
يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ٢
He sends down the angels, with the inspiration [i.e., revelation] of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."
الإيمان والإسْلام والقُرْآن والجهاد يحي القُلُوب الحَياة الطّيبَة وكَمال الحَياة في الجنَّة والرَّسُول داع إلى الإيمان وإلى الجنَّة فَهو داع إلى الحَياة في الدُّنْيا والآخِرَة، والإنْسان مُضْطَر إلى نَوْعَيْنِ من الحَياة:
حَياة بدنه الَّتِي بها يدْرك النافع والضار، ويؤثر ما يَنْفَعهُ على ما يضرّه، ومَتى نقصت فِيهِ هَذِه الحَياة ناله من الألَم والضعف بِحَسب ذَلِك، ولذَلِك كانَت حَياة المَرِيض والمحزون وصاحب الهم والغَم والخَوْف والفقر والذل دون حَياة من هو معافى من ذَلِك.
وحياة قلبه وروحه الَّتِي بها يُمَيّز بَين الحق والباطِل والغي والرشاد والهوى والضلال، فيختار الحق على ضِدّه فتفيده هَذِه الحَياة قُوَّة التميز بَين النافع والضار في العُلُوم والإرادات والأعمال وتفيده قُوَّة الإيمان والإرادة والحب للحق وقُوَّة البغض والكَراهَة للباطل فشعوره وتمييزه وحبه ونفرته بِحَسب نصِيبه من هَذِه الحَياة كَما أن البدن الحَيّ يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم، ويكون ميله إلى النافع ونفرته عَن المؤلم أعظم، فَهَذا بِحَسب حَياة البدن، وذاكَ بِحِساب حَياة القلب فَإذا بطلت حَياته بَطل تَمْيِيزه، وإن كانَ لَهُ نوع تَمْيِيز لم يكن فِيهِ قُوَّة يُؤثر بها النافع على الضار كَما أن الإنْسان لا حَياة لَهُ حَتّى ينْفخ فِيهِ الملك الَّذِي هو رَسُول الله من روحه فَيصير حَيا بذلك النفخ، وإن كانَ قبل ذَلِك من جملَة الأمْوات، فَكَذَلِك لا حَياة لروحه وقَلبه حَتّى ينْفخ فِيهِ الرَّسُول من الرّوح الَّذِي ألْقى إلَيْهِ قالَ تَعالى ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ من عباده﴾ وقالَ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى من يَشاء من عباده﴾ وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا لإيمان ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾
فَأخْبر أن وحيه روح ونور فالحياة والاستنارة مَوْقُوفَة على نفخ الرَّسُول الملكي فَمن أصابَهُ نفخ الرَّسُول الملكي ونفخ الرَّسُول البشري حصلت لَهُ الحياتان ومن حصل لَهُ نفخ الملك دون نفخ الرَّسُول حصلت لَهُ إحْدى الحياتين وفاتته الأُخْرى الأُخْرى قالَ تَعالى ﴿أو من كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِج مِنها﴾
فَجمع لَهُ بَين النُّور والحياة كَما جمع لمن أعرض عَن كِتابه بَين المَوْت والظلمة قالَ ابْن عَبّاس وجَمِيع المُفَسّرين كانَ كافِرًا ضالًّا فهديناه.
16:3Page 267
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣
He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.
ولم يخلق ذلك باطلا بل خلقه خلقا صادرا عن الحق آيلا إلى الحق مشتملا على الحق، فالحق سابق لخلقها مقارن له غاية له ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها، فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية، فالحق السابق صدور ذلك عن علمه وحكمته، فمصدر خلقه تعالى وأمره عن كمال علمه وحكمته وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف بهما حكمة كله ومصلحة وحقا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته وما كان كذلك كان صدقا وعدلا وهدى وإرشادا وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت: ﴿أألد وأنا عجوز عقيم قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾
وهذا راجع إلى قوله وخلقه وهو خلق الولد لها على الكبر، وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات فهو ما اشتملت من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد على الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسله وأن لقاءه حق لا ريب فيه ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك بل شهادتها أتم من شهادة الخبر المجرد لأنها شهادة حال لا يقبل كذبا فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله إلا وجده دالا على فاطره وبارئه وعلى وحدانيته وعلى كمال صفاته وأسمائه وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه، وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقة وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار.
16:4Page 267
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٤
He created man from a sperm-drop; then at once1 he is a clear adversary.
No commentary for this ayah
16:5Page 267
وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥
And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth1 and [numerous] benefits, and from them you eat.
No commentary for this ayah
16:6Page 267
وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦
And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].
No commentary for this ayah
16:7Page 268
وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٧
And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.
No commentary for this ayah
16:8Page 268
وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨
And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.
No commentary for this ayah
16:9Page 268
وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩
And upon Allāh1 is the direction of the [right] way, and among them [i.e., the various paths] are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.
No commentary for this ayah
16:10–13Page 268
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠
It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].
يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١١
He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and of all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٢
And He has subjected for you the night and day and the sun and moon, and the stars are subjected by His command. Indeed in that are signs for a people who reason.
وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٣
And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.
{هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وهو الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ (١٤)
(فصل)
وَتَأمل كَيفَ وحد سُبْحانَهُ الآية من قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أنزل من السَّماء ماء لكم مِنهُ شراب﴾ إلى آخرها
وختمها بأصحاب الفكرة.
فأما تَوْحِيد الآية فَلِأن مَوضِع الدّلالَة واحِد وهو الماء الَّذِي أنزله من السَّماء فَأخرج بِهِ كلما ذكره من الأرض وهو على اخْتِلاف أنواعه لقاحه واحِد وأمه واحِدَة، فَهَذا نوع واحِد من آياته.
وَأما تَخْصِيصه ذَلِك بِأهْل الفِكر فَلِأن هَذِه المَخْلُوقات الَّتِي ذكرها من الماء مَوضِع فكر وهو نظر القلب وتأمله لا مَوضِع نظر مُجَرّد بِالعينِ فَلا ينْتَفع النّاظر بِمُجَرَّد رُؤْيَة العين حَتّى ينْتَقل مِنهُ إلى نظر القلب في حِكْمَة ذَلِك وبديع صنعه والِاسْتِدْلال بِهِ على خالقه وباريه وذَلِكَ هو الفِكر بِعَيْنِه.
وأما قوله تَعالى في الآية الَّتِي بعْدها ﴿إن في ذَلِك لآيات لقوم يعْقلُونَ﴾ فَجمع الآيات لأنها تَضَمَّنت اللَّيْل والنَّهار والشَّمْس والقَمَر والنجوم وهِي آيات مُتعَدِّدَة مُخْتَلفَة في أنفسها وخلقها وكيفياتها، فَإن إظلام الجو لغروب الشَّمْس ومجيء اللَّيْل الَّذِي يلبس العالم كالثَّوْبِ ويسكنون تَحْتَهُ آيَة باهرة، ثمَّ ورد جَيش الضياء يقدمهُ بشير الصَّباح فينهزم عَسْكَر الظلام وينتشر الحَيَوان وينكشط ذَلِك اللباس بجملته آيَة أخرى، ثمَّ في الشَّمْس الَّتِي هي آيَة النَّهار آيَة أُخْرى، وفي القَمَر الَّذِي هو آيَة اللَّيْل آيَة أخرى وفي النُّجُوم آيات أخر كَما قدمْناهُ، هَذا مَعَ ما يتبعها من الآيات المُقارنَة لَها من الرِّياح واختلافها وسائِر ما يحدثه الله بِسَبَبِها آيات أخر، فالموضع مَوضِع جمع، وخص هَذِه الآيات بِأهْل العقل لأنها أعظم مِمّا قبلها وأدل وأكبر والأولى كألباب لهَذِهِ، فَمن اسْتدلَّ بِهَذِهِ الآيات وأعطاها حَقّها من الدّلالَة اسْتحق من الوَصْف ما يسْتَحقّهُ صاحب الفِكر وهو العقل، ولِأن منزله المنزلَة العقل بعد منزلَة الفِكر فَلَمّا دلهم بالآية الأولى على الفِكر نقلهم بالآية الثّانِيَة الَّتِي هي أعظم مِنها إلى العقل الَّذِي هو فَوق الفِكر فَتَأمّله.
فَأما قَوْله في الآية الثّالِثَة ﴿إن في ذَلِك لآيَة لقوم يذكرُونَ﴾ فَوحد الآية وخصها بِأهْل التَّذَكُّر فَأما توحيدها فكتوحيد الأولى سَواء فَإن ما ذَرأ في الأرض على اختلافه من الجَواهِر والنبات والمعادن والحَيَوان كُله في مَحل واحِد، فَهو نوع من أنواع آياته وإن تعدّدت أصنافه وأنواعه.
وأما تَخْصِيصه إياها بِأهْل التَّذَكُّر فطريقة القُرْآن في ذَلِك أن يَجْعَل آياته للتبصر والتذكر كَما قالَ تَعالى في سُورَة ق ﴿والأرْض مددناها وألقينا فِيها رواسي وأنبتنا فِيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾
فالتبصرة التعقل والتذكرة التَّذَكُّر والفكر باب ذَلِك ومدخله فَإذا فكر تبصر، وإذا تبصر تذكر، فجاء التَّذْكِير في الآية لترتيبه على العقل المُرَتّب على الفِكر فَقدم الفِكر إذْ هو الباب والمدخل، ووسط العقل إذْ هو ثَمَرَة الفِكر ونتيجته، وأخر التَّذَكُّر إذْ هو المَطْلُوب من الفِكر والعقل فَتَأمل ذَلِك حق التَّأمُّل.
فَإن قلت فَما الفرق بَين التَّذَكُّر والتفكر؟ فَإذا تبين الفرق ظَهرت الفائِدَة؟
قلت التفكر والتذكر أصل الهدى والفلاح وهما قطبا السَّعادَة، ولِهَذا وسعنا الكَلام في التفكر في هَذا الوَجْه لعظم المَنفَعَة وشدَّة الحاجة إليه قالَ الحسن ما زالَ أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت فَإذا لَها أسماع وأبصار
فاعْلَم أن التفكر طلب القلب ما لَيْسَ بحاصل من العُلُوم من أمْر هو حاصِل مِنها هَذا حَقِيقَته فَإنَّهُ لَو لم يكن ثمَّ مُراد يكون موردا للفكر اسْتَحالَ الفِكر، لأن الفِكر بِغَيْر مُتَعَلق متفكر فِيهِ محال، وتلك المواد هي الأمور الحاصِلَة ولَو كانَ المَطْلُوب بها حاصِلا عِنْده لم يتفكر فِيهِ، فَإذا عرف هَذا فالمتفكر ينْتَقل من المُقدمات والمبادي الَّتِي عِنْده إلى المَطْلُوب الَّذِي يُريدهُ فَإذا ظفر بِهِ وتحصل لَهُ تذكر بِهِ وأبصر مواقع الفِعْل والتّرْك، وما يَنْبَغِي إيثاره، وما يَنْبَغِي اجتنابه، فالتذكر هو مَقْصُود التفكر وثمرته فَإذا تذكر عاد بتذكرة على تفكره فاستخرج ما لم يكن حاصِلا عِنْده، فَهو لا يزال يُكَرر بتفكره على تذكره، وبتذكره على تفكره ما دامَ عاقِلا، لأن العلم والإرادة لا يقفان على حد بل هو دائِما سائِر بن العلم والإرادة، وإذا عرفت معنى كَون آيات الرب تبارك وتَعالى ﴿تبصرة وذكرى﴾ يتبصر بها من عمى القلب ويتذكر بها من غفلته، فإن المضاد للْعلم إما عمى القلب وزواله بالتبصر، وإمّا غفلته وزواله بالتذكر، والمَقْصُود تَنْبِيه القلب من رقدته بالإشارة إلى شَيْء من بعض آيات الله، ولَو ذَهَبْنا نتتبع ذَلِك لنفذ الزَّمان ولم نحط بتفصيل واحِدَة من آياته على التَّمام، ولَكِن ما لا يدْرك جملَة لا يتْرك جملَة، وأحسن ما أنفقت فِيهِ الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال مِنها إلى تعلق القلب والهمة بِهِ دون شَيْء من مخلوقاته.
16:14Page 268
وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤
And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
No commentary for this ayah
16:15Page 269
وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥
And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,
No commentary for this ayah
16:16Page 269
وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ ١٦
And landmarks. And by the stars they are [also] guided.1
No commentary for this ayah
16:17Page 269
أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧
Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?
No commentary for this ayah
16:18Page 269
وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨
And if you should count the favors of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
16:19Page 269
وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ١٩
And Allāh knows what you conceal and what you declare.
No commentary for this ayah
16:20Page 269
وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ٢٠
And those they invoke other than Allāh create nothing, and they [themselves] are created.
No commentary for this ayah
16:21Page 269
أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٢١
They are [in fact] dead,1 not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.
No commentary for this ayah
16:22Page 269
إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٢٢
Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.
No commentary for this ayah
16:23Page 269
لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ ٢٣
Assuredly, Allāh knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.
No commentary for this ayah
16:24Page 269
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" they say, "Legends of the former peoples,"
No commentary for this ayah
16:25Page 269
لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥
That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.
No commentary for this ayah
16:26Page 269
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.
No commentary for this ayah
16:27Page 270
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -
No commentary for this ayah
16:28Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.
No commentary for this ayah
16:29Page 270
فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩
So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.
No commentary for this ayah
16:30Page 270
۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠
And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -
No commentary for this ayah
16:31Page 270
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١
Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -
No commentary for this ayah
16:32Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢
The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."
فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث. فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرًا من نجاساته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر في الدنيا فإن كانت نجاسته عينية، كالكافر، لم يدخلها بحال. وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر في النار من تلك النجاسة، ثم يخرج منها، حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيهَذَّبون وينقَّون من بقايا بقيت عليهم، قصرت بهم عن الجنة، ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة، فلا يدخل المصلي عليه حتى يتطهر. وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة، فلا يدخلها إلا طيب طاهر. فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب. ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه:
"أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحّمدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ".
فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله تعالى، والوقوف بين يديه ومناجاته.
(فائدة)
إنَّما أوْجَبَ لَهم هَذا السَّلامَ مِنَ المَلائِكَةِ والبِشارَةَ بِقَيْدٍ، وهو وفاتُهم طَيِّبِينَ. فَلَمْ تُبْقِ الآيَةُ لِغَيْرِ الطَّيِّبِ سَبِيلًا إلى هَذِهِ البِشارَةِ.
16:33Page 270
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣
Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.
No commentary for this ayah
16:34Page 270
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤
So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences