Ibn al-QayyimAl‑Insan · 76:1–20

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الانسان

Al-Insan

The Man · Medinan · 31 ayahs

76:1Page 578

هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١

Has there [not] come upon man a period of time when he was not a thing [even] mentioned?

No commentary for this ayah

76:2Page 578

إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢

Indeed, We created man from a sperm-drop mixture1 that We may try him; and We made him hearing and seeing.

No commentary for this ayah

76:3Page 578

إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣

Indeed, We guided him to the way, be he grateful or be he ungrateful.

No commentary for this ayah

76:4Page 578

إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤

Indeed, We have prepared for the disbelievers chains and shackles and a blaze.

No commentary for this ayah

76:5Page 578

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥

Indeed, the righteous will drink from a cup [of wine] whose mixture is of Kāfūr,1

(فائدة)

وذكر في سورة الإنسان جزاء الأبرار منبها على ما هو أعلى وأجل منه وهو جزاء المقربين السابقين ليدل على أن هذا إذا كان جزاء الأبرار المقتصدين فما الظن بجزاء المقربين السابقين فقال تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾

إلى قوله:

﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٥-٢١]

فذكر هنا الأساور من الفضة والأكواب من الفضة في جزاء الأبرار.

76:6Page 579

عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦

A spring of which the [righteous] servants of Allāh will drink; they will make it gush forth in force [and abundance].

(قاعدة جليلة)

الفعل المعدى بالحروف المتعددة لا بد أن لا يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف

الآخر وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو: رغبت عنه ورغبت فيه وعدلت إليه وعدلت عنه وملت إليه وعنه وسعيت إليه وسعيت به وإن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وقصدت له وهديته إلى كذا وهديته لكذا وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر.

وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال فيشربون الفعل المتعدى به معناه هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى وطريقة حذاق أصحابه يضمنون الفعل معنى الفعل لا يقيمون الحرف مقام الحرف وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار تستدعي فطنة ولطافة في الذهن وهذا نحو قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فإنهم يضمنون (يشرب) معنى (يروى) فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهما: بالتصريح به والثاني: بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار.

وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها.

وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري وأن يقال يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال ﴿يشرب بها﴾ دل على الشرب بصريحه، وعلى الري بخلاف الباء، فتأمله.

وقال في (طريق الهجرتين)

وقال: ﴿يشرب بها المقربون﴾ ولم يقل: (منها) إشعارًا بأن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها.

فضمن "يشرب" معنى يروى، فعدّى بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى (مِن) ولكن يضمن (يشرب) الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهي طريقة سيبويه وأئمة أصحابه.

وقال في الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الري بالعين خالصة، ودلالة القرآن ألطف وأبلغ من أن يحيط بها البَشر.

وقال في (حادي الأرواح)

وقد اختلف في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ فقال: الكوفيون الباء بمعنى (مِن) أي يشرب منها.

وقال آخرون: بل الفعل مضمن معنى (يشرب) بها: أي يروى بها، فلما ضمنه معناه عداه تعديته.

وهذا أصح وألطف وأبلغ.

وقال طائفة: الباء للظرفية والعين اسم للمكان، كما تقول كنا بمكان كذا وكذا.

ونظير هذا التضمين قوله تعالى: ﴿مَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ ضمن معنى يهم فعدى تعديته.

وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا أن شراب الأبرار يمزج منها، لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها لله، فأخلص شرابهم.

وهؤلاء مزجوا فمزج شرابهم.

ونظير هذا وقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾

فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها، فإن في الكافور من البرد وطيب الرائحة وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرائحة ما يحدث لهم باجتماع الشرابين، ويجيء أحدهما على أثر الآخر حالة أخرى أكمل وأطيب وألذ من كل منهما بانفراده ويعدل كيفية كل منهما بكيفية الآخر وما ألطف موقع ذكر الكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فإن شرابهم مزج أولا بالكافور وفيه من البرد ما يجيء الزنجبيل بعده فيعدله

والظاهر أن الكأس الثانية غير الأولى وأنهما نوعان لذيذان من الشراب.

أحدهما مزج بكافور، والثاني مزج بزنجبيل.

وأيضا فإنه سبحانه أخبر عن مزج شرابهم بالكافور وبرده في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف والإيثار والصبر والوفاء بجميع الواجبات التي نبه على وفائهم بأضعفها وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر على الوفاء بأعلاها وهو ما أوجبه الله عليهم ولهذا قال ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾

فإن في الصبر من الخشونة وحبس النفس عن شهواتها ما اقتضى أن يكون في جزائهم من سعة الجنة ونعومة الحرير ما يقابل ذلك الحبس والخشونة وجمع لهم بين النضرة والسرور وهذا جمال ظواهرهم وهذا حال بواطنهم كما جملوا في الدنيا ظواهرهم بشرائع الإسلام وبواطنهم بحقائق الإيمان.

76:7Page 579

يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧

They [are those who] fulfill [their] vows and fear a Day whose evil will be widespread.

No commentary for this ayah

76:8–9Page 579

وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨

And they give food in spite of love for it1 to the needy, the orphan, and the captive,

إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩

[Saying], "We feed you only for the face [i.e., approval] of Allāh. We wish not from you reward or gratitude.

وفى حديث معاذ عن النبي:

"والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار".

وروى البيهقي من حديث أبي يوسف القاضى عن المختار بن فلفل عن أنس يرفعه:

"باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة"

وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي قال:

«إذا تصدق العبد من كسب طيب ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طيبا أخذها الله بيمينه فيربيها لأحدهم كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، وحَتّى إنَّ التَّمْرَةَ لَتَكُونُ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ»

وفى لفظ البيهقي في هذا الحديث "حتى أن التمرة أو اللقمة لتكون أعظم من أحد»

وقال محمد بن المنكدر:

«من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان»

وقد روى مرفوعا من غير وجه

وإذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلبا على شدة ظمأه فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسى العراة من المسلمين؟!

وقد قال رسول الله: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، قال فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة"

فجعل الكلم الطيب عوضا عن الصدقة لمن لا يقدر عليها.

قالوا وأين لذة الصدقة والإحسان وتفريحهما القلب وتقويتهما إياه، وما يلقى الله سبحانه للمتصدقين من المحبة والتعظيم في قلوب عباده، والدعاء لهم والثناء عليهم، وإدخال المسرات عليهم من أجر الصبر على الفقر.

نعم إن له لأجرا عظيما لكن الأجر درجات عند الله قالوا وأيضا فالصدقة والإحسان والإعطاء وصف الرب تعالى وأحب عباده إليه من اتصف بذلك كما قال النبي:

"الخلق عيال الله فأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله"

قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾

فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات.

قالوا وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا الله.

(لطيفة)

قوله تعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾

جَعَلَ غايَةَ أعْمالِ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ والمُحِبِّينَ: إرادَةَ وجْهِهِ.

(تنبيه)

ذكر بعضهم في قوله ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلى قوله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾

أن المراد بذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

فجمع إلى حمل هذا اللفظ العام المجاهرة بالكذب والبهت في دعواه نزولها في علي فإن السورة مكية، وعلي كان بمكة فقيرا قد رباه النبي في حجره.

فإن أبا طالب لما مات اقتسم بنو عبد المطلب أولاده، لأنه لم يكن له مال فأخذ رسول الله ﷺ عليا ورباه عنده وضمه إلى عياله فكان فيهم.

(فائدة)

والمصدر على الحقيقة لا يجمع لأن المصادر كلها جنس واحد من حيث كانت عبارة عن حركة الفاعل والحركة تماثل الحركة ولا تخالفها بذاتها ولولا هاء التأنيث في الحركة ما ساغ جمعها فلو نطقت العرب بمصدر حلمت الذي استغنى عنه بالحلم وبمصدر شكرت الذي استغنى عنه بالشكر لما جاز جمعه لأن اختلاف الأنواع ليس راجعا إليه وإنما هو راجع إلى المفعول المطلق ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل وكذلك نقيضه وهو الكفر عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل فهو مفعول مطلق لا مصدر اشتق منه الفعل إلا أن الكفر يتعدى بالباء لتضمنه معنى التكذيب وشكرت يتعدى باللام التي هي لام الإضافة لأن المشكور في الحقيقة هي النعمة وهي مضافة إلى المنعم وكذلك المكفور في الحقيقة هي النعمة لكن كفرها تكذيب وجحد فلذلك قالوا كفر بالله وكفر نعمته وشكر له وشكر نعمته وإذا ثبت أن الشكر من قولك شكرت شكرا مفعول مطلق وهو مختلف الأنواع لأن مكافأة النعم تختلف جاز أن يجمع كما جمع الحلم والشغل.

فيحتمل قوله سبحانه حكاية عن المخلصين من عباده: ﴿لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ أن يكون جمعا لشكر وليس كالقعود والجلوس لأنه متعد ومصدر المتعدي لا يجيء على الفعول.

قلت الصحيح أنه مصدر جاء على الفعول لأن مقابله وهو الكفر والجحد والنفار تجيء مصادرها على الفعول نحو كفور وجحود ونفور ويبعد كل البعد أن يراد بالكفور جمع الكفر والكفر لا يعهد جمعه في القرآن قط، ولا في الاستعمال فلا يعرف في التخاطب كفار أو كفور، وإنما المعروف الكفر والكفران والكفور مصادر ليس إلا.

فحسن مجيء الشكور على الفعول حمله على مقابله وهو كثير في اللغة وقد تقدمت الإشارة إليه وحتى لو كان الشكور سائغا استعماله جمعا واحتمل الجمع والمصدر لكان الأليق بمعنى الآية المصدر لا الجمع لأن الله تعالى وصفهم بالإخلاص وأنهم إنما قصدوا بإطعام الطعام وجهه ولم يريدوا من المطعمين جزاء ولا شكورا ولا يليق بهذا الموضع أن يقول لا نريد منكم أنواعا من الشكر وأصنافا منه، بل الأليق بهم وبإخلاصهم أن يقولوا لا نريد منكم شكرا أصلا فينفوا إرادة نفس هذه الماهية منهم وهو أبلغ في قصد الإخلاص من نفي الأنواع فتأمله.

فإنه ظاهر فلا يليق بالآية إلا المصدر.

وكذلك قوله تعالى: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ إنما هو مصدر وليس بالمعهود البين جمع الشكر على الشكور واستعماله كذلك كما لو لم يعهد ذلك في الكفور الاستغناء بالمفعول المطلق عن المصدر.

(فائدة)

من فسح لنفسه في اتباع الهوى ضيق عليها في قبره ويوم معاده.

ومن ضيق عليها بمخالفة الهوى وسع عليها في قبره ومعاده.

وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله تعالى ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾

فلما كان في الصبر الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق جازاهم على ذلك نعومة الحرير، وسعة الجنة.

وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى في هذه الآية: جزاهم بما صبروا عن الشهوات.

76:10Page 579

إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠

Indeed, We fear from our Lord a Day austere and distressful."

No commentary for this ayah

76:11–12Page 579

فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١

So Allāh will protect them from the evil of that Day and give them radiance and happiness

وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢

And will reward them for what they patiently endured [with] a garden [in Paradise] and silk [garments].

وَقالَ في أهل الجنَّة ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا (١١) وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾

فجمل وُجُوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير، وهو سُبْحانَهُ كَما يحب الجمال في الأقْوال والأفْعال واللباس والهيأة يبغض القَبِيح من الأقْوال والأفْعال والثياب والهيأة فيبغض القَبِيح وأهله ويُحب الجمال وأهله ولَكِن ضل في هَذا المَوْضُوع فريقان فريق قالُوا كل ما خلقه جميل فَهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جَمِيع ما خلقه فَلا نبغض مِنهُ شَيْئا قالُوا ومن رأى الكائنات مِنهُ رَآها كلها جميلَة وأنْشد منشدهم

؎وَإذا رَأيْت الكائنات بعينهم ∗∗∗ فَجَمِيع ما يحوي الوُجُود مليح

واحْتَجُّوا بقوله تَعالى ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقَوله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَوله ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾

والعارف عِنْدهم هو الَّذِي يُصَرح بِإطْلاق الجمال ولا يرى في الوُجُود قبيحا، وهَؤُلاء قد عدمت الغيرَة لله من قُلُوبهم والبغض في الله والمعاداة فِيهِ وإنكار المُنكر والجهاد في سَبيله وإقامَة حُدُوده، ويرى جمال الصُّور من الذُّكُور والإناث من الجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فيتعبدون بفسقهم، ورُبما غلا بَعضهم حَتّى يزْعم أن معبوده يظْهر في تِلْكَ الصُّورَة ويحل فِيها، وإن كانَ اتحاديا قالَ هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر الجمالية.

(فصل)

النضرة هي البَهْجَة والحسن الَّذِي يكساه الوَجْه من آثار الإيمان وابتهاج الباطِن بِهِ وفَرح القلب وسروره والتذاذه بِهِ فتظهر هَذِه البَهْجَة والسُّرُور والفرحة نضارة على الوَجْه ولِهَذا يجمع لَهُ سُبْحانَهُ بَين البَهْجَة والسُّرُور والنضرة كَما في قوله تَعالى:

﴿فوقاهم الله شَرّ ذَلِك اليَوْم ولقاهم نَضرة وسرورا﴾

فالنضرة في وُجُوههم والسُّرُور في قُلُوبهم فالنعيم وطيب القلب يظْهر نضارة في الوَجْه كَما قالَ تَعالى ﴿تعرف في وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾

(فائدة)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾

فالنَّضْرَةُ جَمالُ الوُجُوهِ، والسُّرُورُ جَمالُ القُلُوبِ.

76:13Page 579

مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣

[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.

وأما الأرائك فهي جمع أريكة قال مجاهد عن ابن عباس: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾

قال لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة.

فإذا كان سريرا بغير حجلة لا يكون أريكة.

وإن كانت حجلة بغير سرير لم تكن أريكة ولا تكون أريكة إلا والسرير في الحجلة فإذا اجتمعا كانت أريكة

وقال مجاهد هي الأسرة في الحجال.

قال الليث الأريكة سرير حجلة، فالحجلة والسرير أريكة، وجمعها أرائك.

وقال أبو إسحاق الأرائك الفرش في الحجال.

قلت: ها هنا ثلاثة أشياء أحدها السرير.

والثانية الحجلة وهي البشخانة التى تعلق فوقه.

والثالث الفراش الذي على السرير ولا يسمى السرير أريكة حتى يجمع ذلك كله.

وفي الصحاح الأريكة سرير متخذ مزين في قبة أو بيت، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، والجمع الأرائك.

وفي الحديث "إن خاتم النبي ﷺ كان مثل زر الحجلة"

وهو الزر الذي يجمع بين طرفيها من جملة أزرارها والله أعلم.

76:14Page 579

وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤

And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.

قال ابن عباس إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت له حتى يتناول ما يريده.

وقال غيره قريب إليهم مذللة كيف شاؤا فهم يتناولونها قياما وقعودا ومضطجعين، فيكون كقوله: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾

ومعنى تذليل القطف تسهيل تناوله، وأهل المدينة يقولون ذلل النخل أي سو عروقها وأخرجها من السعف حتى يسهل تناولها.

وفي نصب (دانية) وجهان:

أحدهما: أنه على الحال عطف على قوله (متكئين).

والثاني أنه صفة الجنة.

76:15Page 579

وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥

And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],

القوارير هي الزجاج فأخبر سبحانه وتعالى عن مادة تلك الآنية أنها من الفضة وأنها بصفاء الزجاج وشفافيته وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها وقطع سبحانه توهم كون تلك القوارير من زجاج فقال: ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾

قال مجاهد وقتادة ومقاتل والكلبي والشعبي: قوارير الجنة من الفضة فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير

قال ابن قتيبة كل ما في الجنة من الأنهار وسررها وفرشها وأكوابها مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد كما قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء.

والأكواب في الدنيا قد تكون من فضة وتكون من قوارير، فأعلمنا الله أن هناك أكوابا لها بياض الفضة وصفاء القوارير

قال: وهذا على التشبيه أراد قوارير كأنها من فضة وهذا كقوله تعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾

أي لهن ألوان المرجان في صفاء الياقوت وهذا مردود عليه، فإن الآية صريحة أنها من فضة ومن هاهنا لبيان الجنس كما تقول: خاتم من فضة ولا يراد بذلك أنه يشبه الفضة بل جنسه ومادته الفضة ولعله أشكل عليه كونها من فضة وهي قوارير وهو الزجاج وليس في ذلك إشكال لما ذكرناه.

وقوله ﴿قدروها تقديرا﴾ التقدير جعل الشيء بقدر مخصوص فقدرت الصناع هذه الآنية على قدر ريهم، لا يزيد عليه ولا ينقص منه وهذا أبلغ من لذة الشارب فلو نقص عن ربه لنقص التذاذه ولو زاد حتى يشمئز منه حصل له ملالة وسامه من الباقي.

هذا قول جماعة من المفسرين.

قال الفراء: قدروا الكأس على قدر ريِّ أحدهم لا فضل فيه ولا عجز عن ريه وهو ألذ الشراب.

وقال الزجاج: جعلوا الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه.

وقال أبو عبيد يكون التقدير الذين يسقون يقدرونها ثم يسقون.

يعني أن الضمير في (قدروا) للملائكة والخدم قدروا الكأس على قدر الري، فلا يزيد عليه فيثقل الكف، ولا ينقص منه.

فطلبت النفس الزيادة كما تقدم.

وقالت طائفة: الضمير يعود على الشاربين. أي قدروا في أنهم شيئا فجاءهم الأمر بحسب ما قدروه وأرادوه.

وقول الجمهور: أحسن وأبلغ وهو مستلزم لهذا القول والله أعلم.

76:16Page 579

قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

No commentary for this ayah

76:17Page 579

وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧

And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger

قالت فرقة: سلسبيلا جملة مركبة من فعل وفاعل وسلسبيلا منصوب على المفعول أي سل سبيلا إليها وليس هذا بشيء وإنما السلسبيل كلمة مفردة وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها ولقد شفى قتادة ومجاهد في اشتقاق اللفظة

فقال قتادة: سلسة فهم يصرفونها حيث شاؤا وهذا من الاشتقاق الأكبر.

وقال مجاهد سلسة السيل حديدة الجرية.

وقال أبو العالية والمقابلان تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم وهذا من سلاستها وحدة جريتها.

وقال آخرون: معناها طيبة الطعم والمذاق.

وقال أبو إسحاق: سلسبيل صفة لما كان في غاية السلاسة فسميت العين بذلك.

وقال ابن الأنباري: "الصواب في سلسبيل أنه صفة للماء وليس باسم للعين واحتج على ذلك بحجتين إحداهما: أن سلسبيلا مصروف ولو كان اسما للعين لم يصرف للتأنيث والعلمية

الثانية: أن ابن عباس قال: معناه أنها تنسل في حلوقهم انسلالا

قلت ولا حجة له في واحدة منهما، أما الصرف فلاقتضاء رؤوس الآي له كنظائره.

وأما قول ابن عباس فإنما يدل على أن العين سميت بذلك باعتبار صفة السلاسة والسهولة.

(فصل)

وَذَكَرَ أبو نعيم في كِتابِ " الطِّبِّ النَّبَوِيِّ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ:

«أهْدى مَلِكُ الرُّومِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَرَّةَ زَنْجَبِيلٍ، فَأطْعَمَ كُلَّ إنْسانٍ قِطْعَةً، وأطْعَمَنِي قِطْعَةً».

الزَّنْجَبِيلُ حارٌّ في الثّانِيَةِ، رَطْبٌ في الأُولى، مُسْخِنٌ مُعِينٌ عَلى هَضْمِ الطَّعامِ، مُلَيِّنٌ لِلْبَطْنِ تَلْيِينًا مُعْتَدِلًا، نافِعٌ مِن سُدَدِ الكَبِدِ العارِضَةِ عَنِ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ، ومِن ظُلْمَةِ البَصَرِ الحادِثَةِ عَنِ الرُّطُوبَةِ أكْلًا واكْتِحالًا، مُعِينٌ عَلى الجِماعِ، وهو مُحَلِّلٌ لِلرِّياحِ الغَلِيظَةِ الحادِثَةِ في الأمْعاءِ والمَعِدَةِ.

وَبِالجُمْلَةِ فَهو صالِحٌ لِلْكَبِدِ والمَعِدَةِ البارِدَتَيِ المِزاجِ، وإذا أُخِذَ مِنهُ مَعَ السُّكَّرِ وزْنُ دِرْهَمَيْنِ بِالماءِ الحارِّ، أسْهَلَ فُضُولًا لَزِجَةً لُعابِيَّةً، ويَقَعُ في المَعْجُوناتِ الَّتِي تُحَلِّلُ البَلْغَمَ وتُذِيبُهُ.

والمِزِّيُّ مِنهُ حارٌّ يابِسٌ يُهَيِّجُ الجِماعَ، ويَزِيدُ في المَنِيِّ، ويُسَخِّنُ المَعِدَةَ والكَبِدَ، ويُعِينُ عَلى الِاسْتِمْراءِ، ويُنَشِّفُ البَلْغَمَ الغالِبَ عَلى البَدَنِ ويَزِيدُ في الحِفْظِ، ويُوافِقُ بَرْدَ الكَبِدِ والمَعِدَةِ، ويُزِيلُ بِلَّتَها الحادِثَةَ عَنْ أكْلِ الفاكِهَةِ، ويُطَيِّبُ النَّكْهَةَ، ويُدْفَعُ بِهِ ضَرَرُ الأطْعِمَةِ الغَلِيظَةِ البارِدَةِ.

76:18Page 579

عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨

[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.

No commentary for this ayah

76:19Page 579

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩

There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.

قال أبو عبيدة والفراء: مخلدون لا يهرمون ولا يتغيرون

قال والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط أنه لمخلد وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل هو مخلد.

وقال آخرون مخلدون مقرطون مسورون أي في آذانهم القرطة وفي أيديهم الأساور.

وهذا اختيار ابن الأعرابي قال مخلدون مقرطون بالخلدة، وجمعها خلد وهي القرطة

وروى عمرو عن أبيه خلد جاريته إذا حلاها بالخلد وهي القرطة وخلد إذا أسن ولم يشب وكذلك قال سعيد بن جبير مقرطون واحتج هؤلاء بحجتين

احداهما: أن الخلود عام لكل من دخل الجنة فلا بد أن تكون الولدان موصوفين بتخليد مختص بهم وذلك هو القرطة

الحجة الثانية قول الشاعر:

؎ومخلدات باللجين كأنما ∗∗∗ أعجازهن رواكد الكثبان

وقال الأولون: الخلد هو البقاء قال ابن عباس: غلمان لا يموتون

وقول ترجمان القرآن في هذا كاف.

وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل قالوا لا يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون.

وجمعت طائفة بين القولين وقالوا هم ولدان لا يعرض لهم الكبر والهرم، وفي آذانهم القراطة.

فمن قال مقرطون أراد هذا المعنى أن كونهم ولدان أمر لازم لهم.

وشبههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة.

وفي كونه منثورا فائدتان:

احداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين بل مبثوثون في خدمتهم وحوائجهم

والثانية: أن اللؤلؤ إذا كان منثورا ولا سيما على بساط من ذهب أو حرير كان أحسن لمنظره وأبهى من كونه مجموعا في مكان واحد.

وقد اختلف في هؤلاء الولدان هل هم من ولدان الدنيا أم أنشأهم الله في الجنة إنشاء على قولين.

فقال علي بن أبي طالب والحسن البصري هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة لهم يكونون خدم أهل الجنة وولدانهم، إذ الجنة لا ولادة فيها.

قال الحاكم أنا عبد الرحمن بن الحسن ثنا إبراهيم ابن الحسين ثنا آدم ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله (ولدان مخلدون)

قال لم يكن لهم حسنات ولا سيئات فيعاقبون عليها فوضعوا بهذا الموضع.

ومن أصحاب هذا القول من قال هم أطفال المشركين فجعلهم الله خدما لأهل الجنة.

واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن الفاري عن أبي حازم قال المديني عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي ﷺ قال:

"سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم فهم خدم أهل الجنة"

يعني الأطفال قال الدارقطني، ورواه عبد العزيز الماجشون عن ابن المنكدر عن يزيد الرقاشي عن النبي ﷺ انتهى.

ورواه فضيل بن سليمان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن أنس.

وهذه الطرق ضعيفة فيزيد واهٍ، وفضيل بن سليمان متكلم فيه، وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف.

قال ابن قتيبة واللاهون من لهيت عن الشيء إذا غفلت عنه وليس هو من لهوت وأصحاب القول الأول لا يقولون إن هؤلاء أولاد ولدوا لأهل الجنة فيها وإنما يقولون هم غلمان أنشأهم الله في الجنة كما أنشأ الحور العين.

قالوا وأما ولدان أهل الدنيا فيكونون يوم القيامة أبناء ثلاث وثلاثين لما رواه ابن وهب أنبأنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ:

"من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار"

رواه الترمذي.

والأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة كالحور العين خدما لهم وغلمانا كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾

وهؤلاء غير أولادهم فإن من تمام كرامة الله تعالى لهم أن يجعل أولادهم مخدومين معهم ولا يجعلهم غلمانا لهم.

وقد تقدم في حديث أنس عن النبي ﷺ:

"أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وفيه "يطوف على ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون".

والمكنون المستور المصون الذي لم تبتذله الأيادي وإذا تأملت لفظة الولدان ولفظة ويطوف عليهم واعتبرتها بقوله ويطوف عليهم غلمان لهم وضممت ذلك إلى حديث أبي سعيد المذكور آنفا علمت أن الولدان غلمان أنشأهم الله تعالى في الجنة خدما لأهلها والله أعلم.

76:20Page 579

وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠

And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.

(فصل: في ذكر ملك الجنة وأن أهلها كلهم ملوك فيها)

قال تعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرا﴾

قال ابن أبي نجيح عن مجاهد ملكا كبيرا قال عظيما وقال استئذان الملائكة عليهم لا تدخل الملائكة عليهم إلا بإذن وقال كعب في قوله تعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرا﴾

يرسل إليهم ربهم الملائكة فتأتي الملائكة فتستأذن عليهم الملائكة

وقال بعضهم الخدم ولا يدخل عليهم الملائكة إلا بإذن.

وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أنه ذكر مراكب أهل الجنة ثم تلا ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرا﴾

وقال ابن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول في قوله عز وجل: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرا﴾ قال الملك الكبير: إن رسول الله يأتيه بالتحفة واللطف فلا يصل إليه حتى يستأذن له عليه فيقول للحاجب استأذن على ولي الله فإني لست أصل إليه فيعلم ذلك الحاجب حاجبا آخر وحاجبا بعد حاجب ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن فالملك الكبير أن رسول الله رسول رب العزة لا يدخل عليه إلا بإذن وهو يدخل على ربه بلا إذن.

وقال ابن أبي الدنيا حدثنا صالح بن مالك حدثنا صالح المري حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك يرفعه إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم حدثنا محمد بن عباد بن موسى أنبأنا زيد بن الحباب عن أبي هلال الراسبي أنبأنا الحجاج بن عتاب العبدي عن عبد الله بن معبد الِّزَّماني عن أبي هريرة قال

"إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دنيء من يغدو عليه

كل يوم ويروح خمسة عشر ألف خادم ليس منهم خادم إلا ومعه طرفة ليست مع صاحبه"

وحدثني محمد بن عباد حدثنا زيد بن الحباب عن أبي هلال حدثنا حميد بن هلال قال

"ما من رجل من أهل الجنة إلا وله ألف خازن ليس منهم خازن إلا على عمل ليس عليه صاحبه"

وحدثني هارون بن سفيان أنبأنا محمد بن عمر أنبأنا الفضل بن فضالة عن زهرة بن معبد عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال

"إن العبد أول ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم كأنهم اللؤلؤ"

حدثني هارون بن سفيان حدثنا محمد بن عمر أنبأنا محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة قال:

"إن أدنى أهل الجنة منزلة وما فيهم دنيء لمن يغدو عليه عشرة آلاف خادم مع كل خادم طرفة ليست مع صاحبه"

وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا يحيى بن أيوب حدثني عبد الله بن رجز عن محمد بن أبي أيوب المخزومي عن أبي عبد الرحمن المغافري قال

"إنه ليصف للرجل من أهل الجنة سماطان لا يرى طرفاهما من غلمانه حتى إذا مر مشوا وراءه"

وقال أبو خيثمة حدثنا الحسن ابن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ:

"إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد كما بين الجابية وصنعاء"

وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا بقية بن الوليد حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج قال جلست إلى أبي أمامة فقال:

«إنَّ المُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ وعِنْدَهُ سِماطانِ مِن خَدَمٍ، وعِنْدَ طَرَفِ السِّماطَيْنِ بابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ المَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أقْصى الخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتّى يَبْلُغَ المُؤْمِنَ، فَيَقُولُ: ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أقْرَبُهم إلى المُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، ويَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ، حَتّى يَبْلُغَ أقْصاهُمُ الَّذِي عِنْدَ البابِ، فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» وقال ابن أبي الدنيا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، ثنا قَبِيصَةُ، ثنا قَيْسُ بْنُ سُلَيْمٍ العَنْبَرِيُّ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، قالَ:

" بَيْنا ولِيُّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مَنزِلِهِ إذْ أتاهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِلآذِنِ: اسْتَأْذِنْ لِرَسُولِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ولِيِّ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ الآذِنُ فَيَقُولُ،: يا ولِيَّ اللَّهِ، هَذا رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَأْذِنُ، قالَ: ائْذَنْ لَهُ، قالَ: فَيُأْذَنُ لَهُ، فَيَدْخُلُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْفَةً، فَيَقُولُ: يا ولِيَّ اللَّهِ، إنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَأْمُرُكَ أنْ تَأْكُلَ مِن هَذِهِ، فَيُشَبِّهَهُ بِطَعامٍ أكَلَ آنِفًا، فَيَقُولُ: إنِّما أكَلْتُ مِن هَذِهِ الآنَ، فَيَقُولُ: إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تَأْكُلَ مِنها، فَيَأْكُلُ مِنها فَيَجِدُ مِنها طَعْمَ كُلِّ ثَمَرَةٍ في الجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ "

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском