Ibn al-QayyimAt‑Tur · 52:1–20

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الطور

At-Tur

The Mount · Meccan · 49 ayahs

52:1–6Page 523

وَٱلطُّورِ ١

By the mount

وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢

And [by] a Book inscribed1

فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣

In parchment spread open

وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤

And [by] the frequented House1

وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥

And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high

وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦

And [by] the sea set on fire,1

(فصل)

ومن ذلك قوله تعالى ﴿والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ في رَقٍّ مَنشُورٍ والبَيْتِ المَعْمُورِ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ والبَحْرِ المَسْجُورِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾

تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه هاهنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال ﴿وطور سينين﴾ وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد الجبال.

الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور.

واختلف في هذا الكتاب فقيل هو اللوح المحفوظ.

وهذا غلط فإنه ليس برق.

وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم

وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور.

وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من لم يزك غيره، فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله، وأقسم الله به لعظمته وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه.

ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى.

وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة، ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق.

إلا أن يقال: هي في رق في السماء، وأنزلت في ألواح

وقيل هو القرآن.

ولعل هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة.

فالصحف هي الرق، وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورًا.

وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنًا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد.

وكثيرًا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة (التين والزيتون)

ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور، وفي وصفه الكتاب بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبًا مفروغًا منه.

وفي وصفه بأنه منشور إيذان بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور

وأما (البيت المعمور) فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، وهو بحيال البيت المعمور في الأرض

وقيل هو البيت الحرام.

ولا ريب أن كلًا منهما معمور، فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم، وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود.

وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت.

ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما

(السقف المرفوع) وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولونا وإشراقًا.

وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه، ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف، ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.

والثاني (البحر المسجور) وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله.

واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده؟

على قولين فقالت طائفة هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام، كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال:

كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال

"ما تسمون هذه؟ " قالوا السحاب

قال "والمزن" قالوا والمزن

قال "والعنان" قالوا والعنان

قال "هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ "

قالوا لا ندري

قال "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرًا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك"

وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي

"إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام"

إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر به، فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل، والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف.

وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكي عن علي بن أبي طالب.

والثاني أنه بحر الأرض، واختلف في المسجور

فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة

قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الإناء إذا ملأته قال لبيد:

؎فتوسطا عرض السرى وصدعا ∗∗∗ مسجورة متجاور أقلامها

وقال المبرد المسجور: المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب:

إذا شاء طالع مسجورة ...

يريد عينًا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما.

قال البحر يسجر فيزداد في جهنم

وحكي هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور

قال الفراء وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته حطبا

وروى ذو الرمة الشاعر عن ابن عباس أن المسجور: اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب.

وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف.

وهذا القول اختيار أبي العالية

قال أبو زيد المسجور: المملوء، والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد

وقد روى عن ابن عباس أن المسجور: المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه

والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرًا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.

وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعًا

"ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره.

وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق.

وأقوى الأقوال في المسجور: أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال علي وابن عباس أوقدت فصارت نارًا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارًا موقدة وكذا من قال ملئت فإنها تملأ نارًا.

وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارًا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم.

52:7–8Page 523

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧

Indeed, the punishment of your Lord will occur.

مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨

Of it there is no preventer.

وأقسم سبحانه بهذه الأمور على المعاد والجزاء فقال ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾

ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانه أنه لا دافع له وهذا يتناول أمرين:

أحدهما أنه لا دافع لوقوعه.

والثاني أنه لا دافع له إذا وقع.

(فصل)

مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.

وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.

وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.

وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.

وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧]

فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.

وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.

وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.

وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.

وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.

وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.

وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.

وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.

وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.

وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي.

وَهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.

قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.

وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.

وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.

وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.

52:9–11Page 523

يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩

On the Day the heaven will sway with circular motion

وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠

And the mountains will pass on, departing1 -

فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Then woe, that Day, to the deniers,

ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾

والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ وقال ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ من مكان إلى مكان وأما السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب وتجيء قال الجوهري مار الشيء يمور مورًا ترهيأ أي تحرك وجاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنه قوله ﴿يوم تمور السماء مورًا﴾ قال الضحاك تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ وأنشد للأعشى:

؎كأن مشيتها من بيت جارتها ∗∗∗ مور السحابة لا ريث ولا عجل.

ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأ ٠٠ عمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعًا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم به الرسل أنه سحر وأنهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا داهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الخزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابًا فلم يجدوا من اقترانهم به بدًا بل صارت عذابًا لازمًا لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالًا كليًا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن لم تزل تلك الإرادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾.

52:12Page 523

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢

Who are in [empty] discourse amusing themselves.

No commentary for this ayah

52:13Page 523

يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣

The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],

No commentary for this ayah

52:14Page 523

هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤

"This is the Fire which you used to deny.

No commentary for this ayah

52:15Page 524

أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥

Then is this magic, or do you not see?

No commentary for this ayah

52:16Page 524

ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦

[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."

No commentary for this ayah

52:17Page 524

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧

Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,

No commentary for this ayah

52:18–19Page 524

فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨

Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.

كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩

[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."

(فصل)

ثم ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾

والفاكه المعجب بالشيء المسرور

المغتبط به وفعله فكه بالكسر يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكه البال ومنه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت بالشيء إذا تمتعت به ومنه الفاكهة التي يتمتع بها

ومنه قوله ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾

قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلقه ضده يقال تحنث إذا زال الحنث عنه وتحرج وتحوب وتأثم ومنه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء كتعلم وتحلم وللخارج منه كتحرج وتأثم

والمقصود أنه سبحانه جمع لهم بين النعيمين نعيم القلب بالتفكه ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ما يحبون جزاء وفاقًا لأنهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب فكان جزاؤهم مطابقًا لأعمالهم

ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمه قوله هنيئًا فإنهم لو علموا زواله وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمهم ولم يكن هناء لهم.

52:20Page 524

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠

They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.

ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾

وفي ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم بعضا كما قال تعالى ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾

فإن من تمام اللذة والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ولا يكون بعيدًا منه قد حيل بينه وبينه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه.

(فصل)

وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾

قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجا كما يزوج النعل بالنعل جعلناهم اثنين اثنين

وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج

قال والعرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها

قال ابن نصر هذا والتنزيل يدل على ما قاله يونس، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ ولو كان على تزوجت بها لقال: زوجناك بها

وقال ابن سلام: تميم تقول: تزوجت امرأة وتزوجت بها وحكاها الكسائي أيضا.

وقال الأزهري تقول العرب زوجته امرأة وتزوجت امرأة، وليس من كلامهم تزوجت بامرأة

وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي قرناهم

وقال الفراء هي لغة في أزد شنوءة

قال الواحدي: وقال أبي عبيدة في هذا أحسن لأنه جعله من التزويج الذي هو بمعنى جعل الشيء زوجا لا بمعنى عقد النكاح

ومن هذا يجوز أن يقال كان فردا فزوجته بآخر، كما يقال شفعته بآخر.

وإنما تمتنع الباء عند من يمنعها إذا كان بمعنى عقد التزويج.

قلت: ولا يمتنع أن يراد الأمران معا فلفظ التزويج يدل على النكاح كما قال مجاهد: أنكحناهم الحور.

ولفظ الباء تدل على الاقتران والضم، وهذا أبلغ من حذفها والله أعلم.

(فصل)

وقال في (التبيان في أقسام القرآن)

وأما (الحور العين) فقال مجاهد التي يحار فيها الطرف باديًا مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون.

وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس.

وقال مقاتل الحور البيض الوجوه العين الحسان الأعين، وعين حوراء شديدة السواد نقية البياض طويلة الأهداب مع سوادها كاملة الحسن، ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينها بياض لون الجسد

فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾

فالبياض في ألوانهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونهن وقد وصف الله سبحانه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات

ودل بما وصف بما سكت عنه

فإن شئت التفصيل فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنها وأخلاقها

البياض في أربعة أشياء اللون وبياض العين والفرق والثغر

والسواد في أربعة سواد العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين

والحمرة في أربعة اللسان والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض فتحسنه وتزينه

ومن التدوير أربعة أشياء الوجه والرأس والكعب والمقعد

ومن الطول أربعة القامة والعنق والشعر والحاجب والسعة في أربعة الجبهة والعين والوجه والصدر

ومن الصغر في أربعة الثدي والفم والكف والقدم

ومن الطيب في أربعة الفم والأنف والفرق والفرج

ومن الضيق في موضع واحد

ومن الأخلاق كما قال تعالى ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ إذ العرب جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ولطافتها وشمائلها

قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة إليه.

وقال أبو عبيدة هي الحسنة التبعل قال المبرد هي العاشقة لزوجها وقال البخاري في صحيحه هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن وذلك وصف خلقهن وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة لهذه الصفات ولما وراءها والله المستعان.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском