Ibn al-QayyimAsh‑Sharh · 94:1–8

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الشرح

Ash-Sharh

The Relief · Meccan · 8 ayahs

94:1–3Page 596

أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ١

Did We not expand for you, [O Muḥammad], your breast?1

وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ ٢

And We removed from you your burden1

ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ ٣

Which had weighed upon your back

وسمع قارئا يقرأ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾

فقال: شرح الله صدر رسوله ﷺ أتم الشرح، ووضع عنه وزره كل الوضع، ورفع ذكره كل الرفع،

وجعل لأتباعه حظا من ذلك، إذ كل متبوع فلأتباعه حظ ونصيب من حظ متبوعهم في الخير والشر على حسب اتباعهم له.

فأتبع الناس لرسوله ﷺ أشرحهم صدرا، وأوضعهم وزرا، وأرفعهم ذكرا، وكلما قويت متابعته علما وعملا وحالا وجهادا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدرا، وأرفعهم في العالمين ذكرا.

وأما وضع وزره فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودواب البر والبحر يستغفرون له؟

وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تقبض الصدر وتضيقه، وتخمل الذكر وتضعه، وكذلك ضيق الصدر يضع الذكر و يجلب الوزر، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره، ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرح بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار، ولهذا أكثر من يواقع المحظور إنما يدفع به عن نفسه ما فيها من الهم والغم والضيق، وكثيرا ما تبرد شهوته وإرادته، ومع هذا يحرص على المعاودة تداويا منه بزعمه، كما أفصح عن هذا شيخ الفسوق أبو نواس بقوله

؎وكأس شربت على لذة ∗∗∗ وأخرى تداويت منها بها

فإذا حمل العبد الأوزار أوجب له ذلك ضيق الصدر وخمول الذكر، ثم خمول الذكر يوجب له ضيق الصدر فلا يزال

المعرض عن طاعة الله ورسوله مترددا بين هذه المنازل الثلاث، كما لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روح التوحيد وتجريده ومحبة الله ورسوله وامتثال أمره دائرا بين تلك المنازل الثلاث.

وإذا ثقل الظهر بالأوزار منع القلب من السير إلى الله، والجوارح من النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافة السفر مثقلٌ بالحمل على ظهره؟

وكيف ينهض إلى الله قلب قد ثقلته الأوزار؟

فلو وضعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقا إلى ربه، ولانقلب عسره يسرا، فإن ضيق

الصدر وحمل الوزر وخمول الذكر من أعظم العسر، ومعه يسر يقلبه

إليه، وهو تجريد التوحيد و تجريد الطاعة بمتابعة الرسول.

وهما الأصلان اللذان ختم بهما السورة، فقال: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ (٧) وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ (٨)﴾

فالنصب: التفرغ للعبادة والطاعة. والرغبة إلى الله وحده: تجريد توحيده ه فمتى قام بهذين الأصلين حصل له من شرح

الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر بحسب ما قام به، وبدل عسره يسرا.

(فائدة)

شق صدر النبي ﷺ بتطهير قلبه وحشوه إيمانا وحكمة دليل على أن محل العقل القلب، وهو متصل بالدماغ.

واستدل بعض الفقهاء بغسل قلبه ﷺ في الطست من الذهب على جواز تحلية المصاحف بالذهب والمساجد.

وهو في غايه البعد فإن ذلك كان قبل النبوة، ولم يكن ذلك من ذهب الدنيا، وكان كرامة أكرم بها من فعل الملائكة بأمر الله، وهم ليسوا داخلين تحت تكاليف البشر.

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ المُرادِ]

[حَقِيقَةُ المُرادِ]

وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ المُرادِ.

أفْرَدَها القَوْمُ بِالذِّكْرِ. وفي الحَقِيقَةِ: فَكُلُّ مُرِيدٍ مُرادٌ. بَلْ لَمْ يَصِرْ مُرِيدًا إلّا بَعْدَ أنْ كانَ مُرادًا. لَكِنَّ القَوْمَ خَصُّوا المُرِيدَ بِالمُبْتَدِئِ، والمُرادَ بِالمُنْتَهِي.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: المُرِيدُ مُتَحَمِّلٌ، والمُرادُ مَحْمُولٌ، وقَدْ كانَ مُوسى ﷺ مُرِيدًا، إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]

وَنَبِيُّنا ﷺ مُرادًا، إذْ قِيلَ لَهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].

وَسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنِ المُرِيدِ والمُرادِ؟

فَقالَ: المُرِيدُ يَتَوَلّى سِياسَتَهُ العِلْمُ. والمُرادُ: يَتَوَلّى رِعايَتَهُ الحَقُّ. لِأنَّ المُرِيدَ يَسِيرُ، والمُرادَ يَطِيرُ.

فَمَتى يَلْحَقُ السّائِرُ الطّائِرَ؟

94:4Page 596

وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ ٤

And raised high for you your repute.

قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما رفع الله لَهُ ذكره فَلا يذكر إلّا ذكر مَعَه.

وَفِي هَذا الدَّلِيل نظر لِأن ذكره ﷺ مَعَ ذكر ربه هو الشَّهادَة لَهُ بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية

وَهَذا هو الواجِب في الخطْبَة قطعا بل هو ركنها الأعْظَم.

وَقد روى أبُو داوُد وأحمد وغَيرهما من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أنه قالَ "كل خطْبَة لَيْسَ فِيها تشهد فَهي كاليَدِ الجذماء"

(إسْناده قوي)

واليَد الجذماء المقطوعة.

فَمن أوجب الصَّلاة على النَّبِي ﷺ في الخطْبَة دون التَّشَهُّد فَقَوله في غايَة الضعْف

وَقد روى يُونُس عَن شَيبان عَن قَتادَة ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

قالَ رفع الله ذكره في الدُّنْيا والآخِرَة فَلَيْسَ خطيب ولا متشهد ولا صاحب صَلاة إلّا ابتدأها أشهد أن لا إلَه إلّا الله وأشْهد أن مُحَمَّدًا رَسُول الله.

وَقالَ عبد بن حميد أخْبرنِي عَمْرو بن عون عَن هشيم عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحّاك ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذكرك﴾

قالَ إذا ذكرتُ ذكرتَ معي ولا يجوز خطْبَة ولا نِكاح إلّا بذكرك.

وَقالَ عبد الرَّزّاق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن نجيح عَن مُجاهِد ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

قالَ لا أذكر إلّا ذكرت معي ولا يجوز خطْبَة ولا نِكاح إلّا بذكرك

وَقالَ عبد الرازق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجاهِد ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

قالَ لا أذكر إلّا ذكرت معي الأذان أشهد أن لا إلَه إلّا الله وأشْهد أن مُحَمَّدًا رَسُول الله

(إسْناده صَحِيح)

فَهَذا هو المُراد من الآيَة وكَيف لا يجب التَّشَهُّد الَّذِي هو عقد الإسْلام في الخطْبَة وهو أفضل كلماتها وتجب الصَّلاة على النَّبِي ﷺ فِيها.

94:5–6Page 596

فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ٥

For indeed, with hardship [will be] ease [i.e., relief].

إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا ٦

Indeed, with hardship [will be] ease.

(فائدة)

المعرَّف وإن تعدد ذكره واتحد لفظه فهو شيء واحد، بخلاف المنَكَّر.

ومن فهم هذا فهم معنى قول النبي ﷺ "لن يغلب عسر يسرين"

(مرسل وله طرق تعضده).

فإنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾

فالعسر وإن تكرر مرتين فتكرر بلفظ المعرفة فهو واحد، واليسر تكرر بلفظ النكرة فهو يسران.

فالعسر محفوف بيسرين يسر قبله، ويسر بعده، فلن يغلب عسر يسرين.

وقال في (شفاء العليل)

و "لن يغلب عسر يسرين"

وهذا لأن الرحمة غلبت الغضب، والعفو سبق العقوبة، والنعمة تقدمت المحنة، والخير في الصفات والأفعال، والشر في المفعولات لا في الأفعال.

فأوصافه كلها كمال، وأفعاله كلها خيرات، فإن ألم الحيوان لم يعدم بألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم، أو تهيئة لقوة وصحة وكمال، أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما.

فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة إلى جبال الدنيا بكثير.

وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة.

والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سدى، ولم يقدرهما عبثا.

ومن كمال قدرته وحكمته أن جعل كل واحد منهما يثمر الأخرى.

هذا ولوازم الخلقة يستحيل ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق، فلا يكون المخلوق إلا فقيرا محتاجا، ناقص العلم والقدرة، فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيوانا، ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك وإنما جعلها دارا ممتزجا ألمها بلذتها وسرورها بأحزانها وغمومها وصحتها بسقمها، حكمة منه بالغة.

94:7–8Page 596

فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ ٧

So when you have finished [your duties], then stand up [for worship].

وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب ٨

And to your Lord direct [your] longing.

قالَ تَعالى: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]. ولَمْ يَقُلْ: وإلى رَسُولِهِ، بَلْ جَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ وحْدَهُ.

كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ - وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾

فالرَّغْبَةُ والتَّوَكُّلُ والإنابَةُ والحَسْبُ لِلَّهِ وحْدَهُ، كَما أنَّ العِبادَةَ والتَّقْوى والسُّجُودَ لِلَّهِ وحْدَهُ.

(فصل)

وأما الرغبة في الله وإرادة وجهه، والشوق إلى لقائه فهي رأس مال العبد وملاك أمره، وقوام حياته الطيبة، وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه.

ولذلك خلق وبه أمر وبذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده كما قال الله تعالى ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾

وقال تعالى ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾

والراغبون ثلاثة أقسام:

راغب في الله، وراغب فيما عند الله، وراغب عن الله.

فالمحب راغب فيه، والعامل راغب فيما عنده، والراضي بالدنيا من الآخرة راغب عنه.

ومن كانت رغبته في الله كفاه الله كل مهم، وتولاه في جميع أموره ودفع عنه ما لا يستطيع دفعه عن نفسه، ووقاه وقاية الوليد وصانه من جميع الآفات.

ومن آثر الله على غيره آثره الله على غيره.

ومن كان لله كان الله له حيث لا يكون لنفسه، ومن عرف الله لم يكن شيء أحب إليه منه، ولم تبق له رغبة فيما سواه إلا فيما يقربه إليه، ويعينه على سفره إليه.

ومن علامات المعرفة الهيبة فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه كما قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском