Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
المزمل
Al-Muzzammil
The Enshrouded One · Meccan · 20 ayahs
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
73:4Page 574
أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤
Or add to it, and recite the Qur’ān with measured recitation.
No commentary for this ayah
73:5Page 574
إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا ٥
Indeed, We will cast upon you a heavy word.1
(لطيفة)
ذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما".
وَفِي أثَرٍ مَرْفُوعٍ ذَكَرَهُ أبُو الفَرَجِ وغَيْرُهُ: «مَن أفْتى النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ السَّماءِ ومَلائِكَةُ الأرْضِ».
وَكانَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: مَن سُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ فَيَنْبَغِي لَهُ قَبْلَ أنْ يُجِيبَ فِيها أنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلى الجَنَّةِ والنّارِ، وكَيْفُ يَكُونُ خَلاصُهُ في الآخِرَةِ، ثُمَّ يُجِيبَ فِيها.
وَسُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ فَقالَ: لا أدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: إنّها مَسْألَةٌ خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ، فَغَضِبَ، وقالَ: لَيْسَ في العِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥] فالعِلْمُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وخاصَّةً ما يُسْألُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ وقالَ: ما أفْتَيْتُ حَتّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أنِّي أهْلٌ لِذَلِكَ، وقالَ: لا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أنْ يَرى نَفْسَهُ أهْلًا لِشَيْءٍ حَتّى يَسْألَ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ، وما أفْتَيْتُ حَتّى سَألْتُ رَبِيعَةَ ويَحْيى بْنَ سَعِيدٍ، فَأمَرانِي بِذَلِكَ، ولَوْ نَهَيانِي انْتَهَيْتُ، قالَ: وإذا كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَصْعُبُ عَلَيْهِمْ المَسائِلُ، ولا يُجِيبُ أحَدٌ مِنهم عَنْ مَسْألَةٍ حَتّى يَأْخُذَ رَأْيَ صاحِبِهِ مَعَ ما رُزِقُوا مِن السَّدادِ والتَّوْفِيقِ والطَّهارَةِ، فَكَيْفَ بِنا الَّذِينَ غَطَّتْ الذُّنُوبُ والخَطايا قُلُوبَنا؟ وكانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا سُئِلَ عَنْ مَسْألَةٍ فَكَأنَّهُ واقِفٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ.
وَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: أدْرَكْتُ أقْوامًا إنْ كانَ أحَدُهم لَيُسْألُ عَنْ شَيْءٍ فَيَتَكَلَّمُ وإنَّهُ لَيَرْعَدُ.
73:6Page 574
إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا ٦
Indeed, the hours of the night are more effective for concurrence [of heart and tongue]1 and more suitable for words.2
قوله تعالى: ﴿ناشِئَةَ اللَّيْل﴾
قال الإمام أحمد:
قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر والناشئة لا تكون إلا من بعد رقدة ومن لم يرقد لا يقال لها ناشئة.
﴿هِيَ أشَدُّ وطْئًا﴾
قال: هي أشد تبيينا، تفهم ما يقرأ وتعي أذنك.
(فصل)
وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا كقوله: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾
وقوله: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهو كثير ولم يرد لفظ المنشئ.
وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر وهو شروعه في الفعل وابتداؤه له يقول أنشأ يحدثنا وأنشأ السير فهو منشأ لذلك وهذا إنشاء مقيد وإنشاء الرب إنشاء مطلق وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء أنشأه الله أي ابتدأ خلقه وأنشأ يفعل كذا ابتداء وفلان ينشئ الأحاديث أي يبتدئ وضعها والناشئ أول ما ينشأ من السحاب
قال الجوهري: "وناشئة الليل أول ساعاته"
قلت هذا قد قاله غير واحد من السلف إن ناشئة الليل أوله التي منها ينشأ الليل والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى بل هي ساعاته ناشئة بعد ناشئة كلما انقضت ساعة نشأت بعدها أخرى
وقال أبو عبيدة: "ناشئة الليل ساعاته وآناؤه ناشئة بعد ناشئة"
قال الزجاج: "ناشئة الليل كلما نشأ منه أي حدث منه فهو ناشئة"
قال ابن قتيبة: "هي آناء الليل وساعاته"
مأخوذة من نشأت تنشأ نشأ أي ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء وأنشأها الله فنشأت والمعنى أن ساعات الليل الناشئة وقول صاحب الصحاح منقول عن كثير من السلف
قال علي بن الحسين: "ناشئة الليل ما بين المغرب إلى العشاء"
وهذا قول أنس وثابت وسعيد بن جبير والضحاك والحكم واختيار الكسائي
قالوا: "ناشئة الليل أوله"
وهؤلاء راعوا معنى الأولية في الناشة.
وفيها قول ثالث أن الليل كله ناشئة وهذا قول عكرمة وأبي مجلز ومجاهد والسدي وابن الزبير وابن عباس في رواية.
قال ابن أبي مليكة سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل فقالا: "الليل كله ناشئة" فهذه أقوال من جعل ناشئة الليل زمانا وأما من جعلها فعلا ينشأ بالليل، فالناشئة عندهم اسم لما يفعل بالليل من القيام.
وهذا قول ابن مسعود ومعاوية بن قرة وجماعة قالوا: "ناشئة الليل قيام الليل" وقال آخرون منهم عائشة - رضي الله عنها - إنما يكون القيام ناشئة إذا تقدمه نوم.
قالت عائشة: "ناشئة الليل القيام بعد النوم"
وهذا قول ابن الأعرابي قال: "إذا نمت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك النشأة"
ومنه ناشئة الليل.
فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من إضافة نوع إلى جنسه. أي ناشئة منه، وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في أي طاعة ناشئة فيه.
والمقصود أن الإنشاء ابتداء سواء تقدمه مثله كالنشأة الثانية، أو لم يتقدمه كالنشأة الأولى.
73:7Page 574
إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا ٧
Indeed, for you by day is prolonged occupation.
No commentary for this ayah
73:8Page 574
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا ٨
And remember the name of your Lord and devote yourself to Him with [complete] devotion.
والتَّبَتُّلُ الِانْقِطاعُ. وهو تَفَعُّلٌ مِنَ البَتْلِ وهو القَطْعُ.
وَسُمِّيَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ البَتُولَ لِانْقِطاعِها عَنِ الأزْواجِ، وعَنْ أنْ يَكُونَ لَها نُظَراءُ مِن نِساءِ زَمانِها. فَفاقَتْ نِساءَ الزَّمانِ شَرَفًا وفَضْلًا. وقُطِعَتْ مِنهُنَّ.
وَمَصْدَرُ بَتَّلَ تَبَتُّلًا كالتَّعَلُّمِ والتَّفَهُّمِ، ولَكِنْ جاءَ عَلى التَّفْعِيلِ - مَصْدَرُ تَفَعَّلَ - لِسِرٍّ لِطَيْفٍ.
فَإنَّ في هَذا الفِعْلِ إيذانًا بِالتَّدْرِيجِ والتَّكَلُّفِ والتَّعَمُّلِ والتَّكَثُّرِ والمُبالَغَةِ.
فَأتى بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى أحَدِهِما، وبِالمَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الآخَرِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إلى اللَّهِ تَبْتِيلًا، وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبَتُّلًا. فَفُهِمَ المَعْنَيانِ مِنَ الفِعْلِ ومَصْدَرِهِ. وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وهو مِن أحْسَنِ الِاخْتِصارِ والإيجازِ.
(فَوائد ومواعظ)
بَين العَبْد وبَين الله والجنَّة قنطرة تقطع بخطوتين خطْوَة عَن نَفسه وخطوة عَن الخلق، فَيسْقط نَفسه ويلغيها فِيما بَينه وبَين النّاس، ويسْقط النّاس ويلغيهم فِيما بَينه وبَين الله، فَلا يلْتَفت إلّا إلى من دله على الله وعَلى الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ.
صاح بالصحابة واعظُ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُم﴾ فَجَزِعت للخوف قُلُوبهم فجرت من الحذر العُيُون ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدرِها﴾
تزينت الدُّنْيا لعَلي فَقالَ أنْت طالِق ثَلاثًا لا رَجْعَة لي فِيك، وكانَت تكفيه واحِدَة للسنة، لكنه جمع الثَّلاث لِئَلّا يتَصَوَّر للهوى جَواز المُراجَعَة، ودينه الصَّحِيح وطبعه السَّلِيم يأنفان من المُحَلّل، كَيفَ وهو أحد رُواة حَدِيث لعن الله المُحَلّل؟!
ما في هَذِه الدّار مَوضِع خلْوَة، فاتخذه في نَفسك لا بُد أن تجذبك الجواذب فاعرفها، وكن مِنها على حذر.
لا تَضُرك الشواغل إذا خلوت مِنها وأنت فِيها نور الحق أضْوَأ من الشَّمْس، فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عَنهُ.
الطَّرِيق إلى الله خال من أهل الشَّك، ومن الَّذين يتبعُون الشَّهَوات، وهو معمور بِأهْل اليَقِين والصَّبْر، وهم على الطَّرِيق كالأعلام
﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يوقنون﴾.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ التَّبَتُّلِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ التَّبَتُّلِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨].
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
التَّبَتُّلُ الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ بِالكُلِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أيِ التَّجْرِيدِ المَحْضِ.
وَمُرادُهُ بِالتَّجْرِيدِ المَحْضِ التَّبَتُّلُ عَنْ مُلاحَظَةِ الأعْواضِ. بِحَيْثُ لا يَكُونُ المُتَبَتِّلُ كالأجِيرِ الَّذِي لا يَخْدِمُ إلّا لِأجْلِ الأُجْرَةِ. فَإذا أخَذَها انْصَرَفَ عَنْ بابِ المُسْتَأْجِرِ، بِخِلافِ العَبْدِ. فَإنَّهُ يَخْدِمُ بِمُقْتَضى عُبُودِيَّتِهِ، لا لِلْأُجْرَةِ. فَهو لا يَنْصَرِفُ عَنْ بابِ سَيِّدِهِ إلّا إذا كانَ آبِقًا. والآبِقُ قَدْ خَرَجَ مِن شَرَفِ العُبُودِيَّةِ. ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ إطْلاقُ الحُرِّيَّةِ. فَصارَ بِذَلِكَ مَرْكُوسًا عِنْدَ سَيِّدِهِ وعِنْدَ عَبِيدِهِ. وغايَةُ شَرَفِ النَّفْسِ دُخُولُها تَحْتَ رِقِّ العُبُودِيَّةِ طَوْعًا واخْتِيارًا ومَحَبَّةً، لا كَرْهًا وقَهْرًا.
كَما قِيلَ:
؎شَرَفُ النُّفُوسِ دُخُولُها في رِقِّهِمْ ∗∗∗ والعَبْدُ يَحْوِي الفَخْرَ بِالتَّمْلِيكِ
والَّذِي حَسُنَ اسْتِشْهادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] في هَذا المَوْضِعِ: إرادَةُ هَذا المَعْنى. وأنَّهُ تَعالى صاحِبُ دَعْوَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ وصِفاتِهِ. وإنْ لَمْ يُوجِبْ لِداعِيهِ بِها ثَوابًا. فَإنَّهُ يَسْتَحِقُّها لِذاتِهِ. فَهو أهْلٌ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ويُدْعى وحْدَهُ، ويُقْصَدَ ويُشْكَرَ ويُحْمَدَ، ويُحَبَّ ويُرْجى ويُخافَ، ويُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، ويُسْتَعانَ بِهِ، ويُسْتَجارَ بِهِ، ويُلْجَأ إلَيْهِ، ويُصْمَدَ إلَيْهِ. فَتَكُونُ الدَّعْوَةُ الإلَهِيَّةُ الحَقُّ لَهُ وحْدَهُ.
وَمَن قامَ بِقَلْبِهِ هَذا - مَعْرِفَةً وذَوْقًا وحالًا - صَحَّ لَهُ مَقامُ التَّبَتُّلِ، والتَّجْرِيدِ المَحْضِ.
وَقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ دَعْوَةَ الحَقِّ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فِيهِ والصِّدْقِ. ومُرادُهم هَذا المَعْنى.
فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْوَةُ الحَقِّ التَّوْحِيدُ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وَقِيلَ: الدُّعاءُ بِالإخْلاصِ. والدُّعاءُ الخالِصُ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ.
وَدَعْوَةُ الحَقِّ دَعْوَةُ الإلَهِيَّةِ وحُقُوقُها وتَجْرِيدُها وإخْلاصُها.
[دَرَجاتُ التَّبَتُّلِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ عَنِ الحُظُوظِ واللُّحُوظِ إلى العالَمِ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ.
الدَّرَجَةُ الأُولى: تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ عَنِ الحُظُوظِ
واللُّحُوظُ إلى العالَمِ، خَوْفًا أوْ رَجاءً، أوْ مُبالاةً بِحالٍ.
قُلْتُ: التَّبَتُّلُ يَجْمَعُ أمْرَيْنِ اتِّصالًا وانْفِصالًا. لا يَصِحُّ إلّا بِهِما.
فالِانْفِصالُ: انْقِطاعُ قَلْبِهِ عَنْ حُظُوظِ النَّفْسِ المُزاحِمَةِ لِمُرادِ الرَّبِّ مِنهُ. وعَنِ التِفاتِ قَلْبِهِ إلى ما سِوى اللَّهِ، خَوْفًا مِنهُ، أوْ رَغْبَةً فِيهِ، أوْ مُبالاةً بِهِ، أوْ فِكْرًا فِيهِ، بِحَيْثُ يُشْغَلُ قَلْبُهُ عَنِ اللَّهِ.
والِاتِّصالُ: لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ هَذا الِانْفِصالِ. وهو اتِّصالُ القَلْبِ بِاللَّهِ، وإقْبالُهُ عَلَيْهِ، وإقامَةُ وجْهِهِ لَهُ، حُبًّا وخَوْفًا ورَجاءً، وإنابَةً وتَوَكُّلًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ ما يُعِينُ عَلى هَذا التَّجْرِيدِ، وبِأيِّ شَيْءٍ يَحْصُلُ. فَقالَ:
بِحَسْمِ الرَّجاءِ بِالرِّضا، وقَطْعِ الخَوْفِ بِالتَّسْلِيمِ، ورَفْضِ المُبالاةِ بِشُهُودِ الحَقِيقَةِ.
يَقُولُ: إنَّ الَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ رَجاءِ المَخْلُوقِينَ مِن قَلْبِكَ هو الرِّضا بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَسْمِهِ لَكَ.
فَمَن رَضِيَ بِحُكْمِ اللَّهِ وقَسْمِهِ، لَمْ يَبْقَ لِرَجاءِ الخَلْقِ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ.
والَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الخَوْفِ هو التَّسْلِيمُ لِلَّهِ. فَإنَّ مَن سَلَّمَ لِلَّهِ واسْتَسْلَمَ لَهُ، وعَلِمَ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وعَلِمَ أنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ - لَمْ يَبْقَ لِخَوْفِ المَخْلُوقِينَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ أيْضًا.
فَإنَّ نَفْسَهُ الَّتِي يَخافُ عَلَيْها قَدْ سَلَّمَها إلى ولِيِّها ومَوْلاها.
وَعَلِمَ أنَّهُ لا يُصِيبُها إلّا ما كُتِبَ لَها. وأنَّ ما كُتِبَ لَها لا بُدَّ أنْ يُصِيبَها.
فَلا مَعْنى لِلْخَوْفِ مِن غَيْرِ اللَّهِ بِوَجْهٍ.
وَفِي التَّسْلِيمِ أيْضًا فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ. وهي أنَّهُ إذا سَلَّمَها اللَّهُ فَقَدْ أوْدَعَها عِنْدَهُ. وأحْرَزَها في حِرْزِهِ. وجَعَلَها تَحْتَ كَنَفِهِ. حَيْثُ لا تَنالُها يَدُ عَدُوٍّ عادٍ، ولا بَغْيُ باغٍ عاتٍ.
والَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ المُبالاةِ بِالنّاسِ شُهُودُ الحَقِيقَةِ. وهو رُؤْيَةُ الأشْياءِ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، وبِاللَّهِ، وفي قَبْضَتِهِ، وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ. لا يَتَحَرَّكُ مِنها شَيْءٌ إلّا بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ. ولا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ إلّا بِإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ.
فَما وجْهُ المُبالاةِ بِالخَلْقِ بَعْدَ هَذا الشُّهُودِ؟
[الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّعْرِيجِ عَلى النَّفْسِ بِمُجانَبَةِ الهَوى]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ عَنِ التَّعْرِيجِ عَلى النَّفْسِ بِمُجانَبَةِ الهَوى.
وَتَنَسُّمِ رَوْحِ الأُنْسِ، وشَيْمِ بَرْقِ الكَشْفِ.
الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ والَّتِي قَبْلَها: أنَّ الأُولى انْقِطاعٌ عَنِ الخَلْقِ، وهَذِهِ انْقِطاعٌ عَنِ النَّفْسِ. وجَعَلَهُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها: مُجانَبَةُ الهَوى ومُخالَفَتُهُ ونَهْيُ نَفْسِهِ عَنْهُ؛ لِأنَّ اتِّباعَهُ يَصُدُّ عَنِ التَّبَتُّلِ.
وَثانِيها: - وهو بَعْدَ مُخالَفَةِ الهَوى - تَنَسُّمُ رَوْحِ الأُنْسِ بِاللَّهِ، والرَّوْحُ لِلرُّوحِ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ. فَهو رُوحُها وراحَتُها.
وَإنَّما حَصَلَ لَهُ هَذا الرَّوْحُ لَمّا أعْرَضَ عَنْ هَواهُ. فَحِينَئِذٍ تَنَسَّمَ رَوْحَ الأُنْسِ بِاللَّهِ. ووَجَدَ رائِحَتَهُ. إذِ النَّفْسُ لا بُدَّ لَها مِنَ التَّعَلُّقِ. فَلَمّا انْقَطَعَ تَعَلُّقُها مِن هَواها وجَدَتْ رَوْحَ الأُنْسِ بِاللَّهِ. وهَبَّتْ عَلَيْها نَسَماتُهُ. فَرَيَّحَتْها وأحْيَتْها.
وَثالِثُها: شَيْمُ بَرْقِ الكَشْفِ. وهو مُطالَعَتُهُ واسْتِشْرافُهُ، والنَّظَرُ إلَيْهِ. لِيَعْلَمَ بِهِ مَواقِعَ الغَيْثِ ومَساقِطَ الرَّحْمَةِ.
وَلَيْسَ مُرادُهُ بِالكَشْفِ هاهُنا الكَشْفُ الجُزْئِيُّ السُّفْلِيُّ، المُشْتَرَكُ بَيْنَ البَرِّ والفاجِرِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، كالكَشْفِ عَنْ مُخَبَّآتِ النّاسِ ومَسْتُورِهِمْ. وإنَّما هو الكَشْفُ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ، هُنَّ مُنْتَهى كَشْفِ الصّادِقِينَ أرْبابِ البَصائِرِ.
أحَدُها: الكَشْفُ عَنْ مَنازِلِ السَّيْرِ.
والثّانِي: الكَشْفُ عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ، وآفاتِ الأعْمالِ ومُفَسَّداتِها.
والثّالِثُ: الكَشْفُ عَنْ مَعانِي الأسْماءِ والصِّفاتِ، وحَقائِقِ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ.
وَهَذِهِ الأبْوابُ الثَّلاثَةُ هي مَجامِعُ عُلُومِ القَوْمِ. وعَلَيْها يَحُومُونَ. وحَوْلَها يُدَنْدِنُونَ. وإلَيْها يُشَمِّرُونَ. فَمِنهم مَن جُلُّ كَلامِهِ ومُعْظَمُهُ في السَّيْرِ وصِفَةِ المَنازِلِ. ومِنهم مَن جُلُّ كَلامِهِ في الآفاتِ والقَواطِعِ. ومِنهم مَن جُلُّ كَلامِهِ في التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ، وحَقائِقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ.
والصّادِقُ الذَّكِيُّ يَأْخُذُ مِن كُلٍّ مِنهم ما عِنْدَهُ مِنَ الحَقِّ. فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلى مَطْلَبِهِ. ولا يَرُدُّ ما يَجِدُهُ عِنْدَهُ مِنَ الحَقِّ لِتَقْصِيرِهِ في الحَقِّ الآخَرِ. ويَهْدِرُهُ بِهِ. فالكَمالُ المُطْلَقُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وما مِنَ العِبادِ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
[الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ إلى السَّبْقِ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقامَةِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ تَجْرِيدُ الِانْقِطاعِ إلى السَّبْقِ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقامَةِ، والِاسْتِغْراقِ في قَصْدِ الوُصُولِ، والنَّظَرِ إلى أوائِلِ الجَمْعِ.
لَمّا جَعَلَ الدَّرَجَةَ الأُولى انْقِطاعًا عَنِ الخَلْقِ، والثّانِيَةُ انْقِطاعًا عَنِ النَّفْسِ، جَعَلَ الثّالِثَةَ طَلَبًا لِلسَّبْقِ. وجَعَلَهُ بِتَصْحِيحِ الِاسْتِقامَةِ. وهي الإعْراضُ عَمّا سِوى الحَقِّ. ولُزُومُ الإقْبالِ عَلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَحابِّهِ. ثُمَّ بِالِاسْتِغْراقِ في قَصْدِ الوُصُولِ.
وَهُوَ أنْ يَشْغَلَهُ طَلَبُ الوُصُولِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَسْتَغْرِقُ هُمُومَهُ وعَزائِمَهُ وإرادَتَهُ وأوْقاتَهُ. وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ بُدُوِّ بَرْقِ الكَشْفِ المَذْكُورِ لَهُ.
وَأمّا النَّظَرُ إلى أوائِلِ الجَمْعِ فالجَمْعُ هو قِيامُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ بِالحَقِّ وحْدَهُ. وقِيامُهُ عَلَيْهِمْ بِالرُّبُوبِيَّةِ والتَّدْبِيرِ.
والنَّظَرُ إلى أوائِلِ ذَلِكَ هو الِالتِفاتُ إلى مُقَدِّماتِهِ وبِداياتِهِ. وهي العَقَبَةُ الَّتِي يَنْحَدِرُ مِنها عَلى وادِي الفَناءِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّها وقْفَةٌ تَعْتَرِضُ القاطِعَ لِأوْدِيَةِ التَّفْرِقَةِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى الجَمْعِ. ومِنها يُشْرِفُ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الوَقْفَةُ تَعْتَرِضُ كُلَّ طالِبِ مَجْدٍ في طَلَبِهِ. فَمِنها يَرْجِعُ عَلى عَقِبِهِ، أوْ يَصِلُ إلى مَطْلَبِهِ كَما قِيلَ:
لابُدَّ لِلْعاشِقِ مِن وقْفَةٍ
ما بَيْنَ سُلْوانٍ وبَيْنَ غَرامِ ... وعِنْدَها يَنْقِلُ أقْدامَهُ إمّا إلى خَلْفٍ وإمّا أمامِ
والَّذِي يَظْهَرُ لِي مِن كَلامِهِ أنَّ أوائِلَ الجَمْعِ مَبادِئُهُ ولَوائِحُهُ وبَوارِقُهُ.
وَبَعْدَ هَذا دَرَجَةٌ رابِعَةٌ. وهي الِانْقِطاعُ عَنْ مُرادِهِ مِن رَبِّهِ. والفَناءُ عَنْهُ إلى مُرادِ رَبِّهِ مِنهُ، والفَناءِ بِهِ. فَلا يُرِيدُ مِنهُ، بَلْ يُرِيدُ ما يُرِيدُهُ، مُنْقَطِعًا بِهِ عَنْ كُلِّ إرادَةٍ. فَيَنْظُرُ في أوائِلِ الجَمْعِ في مُرادِهِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ الَّذِي يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ.
وَأكْثَرُ أرْبابِ السُّلُوكِ عِنْدَهُمْ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَرْقٌ، ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جَمْعٌ.
ثُمَّ مِنهم مَن يَرى أنَّ تَرْكَ الجَمْعِ زَنْدَقَةٌ وكُفْرٌ. فَهو يُعْرِضُ عَنِ الجَمْعِ إلى الفَرْقِ.
وَمِنهم مَن يَرى أنَّ مَقامَ التَّفْرِقَةِ ناقِصٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. ويَرى سُوءَ حالِ أهْلِهِ وتَشَتُّتَهم. فَيَرْغَبُ عَنْهُ عامِلًا عَلى الجَمْعِ.
يَتَوَجَّهُ مَعَهُ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ رَكائِبُهُ.
والمُسْتَقِيمُونَ مِنهم يَقُولُونَ: لا بُدَّ لِلْعَبْدِ السّالِكِ مِن جَمْعٍ وفَرْقٍ، وقِيامُ العُبُودِيَّةِ بِهِما. فَمَن لا تَفْرِقَةَ لَهُ لا عُبُودِيَّةَ لَهُ. ومَن لا جَمْعَ لَهُ لا مَعْرِفَةَ لَهُ ولا حالَ.
فَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فَرْقٌ. ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ جَمْعٌ.
والحَقُّ: أنَّ كُلًّا مِن مَشْهَدَيْ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مُتَضَمِّنٌ لِلْفَرْقِ والجَمْعِ، وكَمالُ العُبُودِيَّةِ بِالقِيامِ بِهِما في كُلِّ مَشْهَدٍ.
فَفَرْقُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ تَنَوُّعُ ما يُعْبَدُ بِهِ، وكَثْرَةُ تَعَلُّقاتِهِ وضُرُوبِهِ.
وَجَمْعُهُ: تَوْحِيدُ المَعْبُودِ بِذَلِكَ كُلِّهِ. وإرادَةُ وجْهِهِ وحْدَهُ، والفَناءُ عَنْ كُلِّ حَظٍّ ومُرادٍ يُزاحِمُ حَقَّهُ ومُرادَهُ.
فَتَضَمَّنَ هَذا المَشْهَدُ فَرْقًا في جَمْعٍ، وكَثْرَةً في وحْدَةٍ. فَصاحِبُهُ يَتَنَقَّلُ في مَنازِلَ العُبُودِيَّةِ مِن عِبادَةٍ إلى عِبادَةٍ، ومَعْبُودٍ واحِدٍ، لا إلَهَ إلّا هو.
وَأمّا فَرْقُ: ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَشُهُودُ ما يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْهِ، ومَرْتَبَتَهُ ومَنزِلَتَهُ، ومَحَلَّهِ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ، وبِدايَتَهُ وعاقِبَتَهُ، واتِّصالَهُ - بَلْ وانْفِصالَهُ - وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن هَذا الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ.
وَيَشْهَدُ - مَعَ ذَلِكَ - فَقْرَ المُسْتَعِينِ وحاجَتَهُ ونَقْصَهُ، وضَرُورَتَهُ إلى كَمالاتِهِ الَّتِي يَسْتَعِينُ رَبَّهُ في تَحْصِيلِها، وآفاتَهُ الَّتِي يَسْتَعِينُ رَبَّهُ في دَفْعِها. ويَشْهَدُ حَقِيقَةَ الِاسْتِعانَةِ وكِفايَةَ المُسْتَعانِ بِهِ.
وَهَذا كُلُّهُ فَرْقٌ يُثْمِرُ عُبُودِيَّةَ هَذا المَشْهَدِ.
وَأمّا جَمْعُهُ: فَشُهُودُ تَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالأفْعالِ، وصُدُورِ الكائِناتِ بِأسْرِها عَنْ مَشِيئَتِهِ، وتَصْرِيفِها بِإرادَتِهِ وحِكْمَتِهِ.
فَغَيْبَتُهُ بِهَذا المَشْهَدِ عَمّا قَبْلَهُ مِنَ الفَرْقِ: نَقْصٌ في العُبُودِيَّةِ، كَما أنَّ تَفَرُّقَهُ في الَّذِي قَبْلَهُ دُونَ مُلاحَظَتِهِ: نَقْصٌ أيْضًا. والكَمالُ إعْطاءُ الفَرْقِ والجَمْعِ حَقَّهُما في هَذا المَشْهَدِ والمَشْهَدِ الأوَّلِ.
فَتَبَيَّنَ تَضَمُّنُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لِلْجَمْعِ والفَرْقِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
73:9Page 574
رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩
[He is] the Lord of the East and the West; there is no deity except Him, so take Him as Disposer of [your] affairs.1
وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَتَّخِذَهُ وكِيلًا. فَقالَ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
وَهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ مِن جَهَلَةِ القَوْمِ: إنَّ تَوْكِيلَ الرَّبِّ فِيهِ جَسارَةٌ عَلى البارِّي؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي إقامَةَ الوَكِيلِ مَقامَ المُوَكِّلِ. وذَلِكَ عَيْنُ الجَسارَةِ.
قالَ: ولَوْلا أنَّ اللَّهَ أباحَ ذَلِكَ ونَدَبَ إلَيْهِ: لَما جازَ لِلْعَبْدِ تَعاطِيهِ.
وَهَذا مِن أعْظَمِ الجَهْلِ. فَإنَّ اتِّخاذَهُ وكِيلًا هو مَحْضُ العُبُودِيَّةِ، وخالِصُ التَّوْحِيدِ، إذا قامَ بِهِ صاحِبُهُ حَقِيقَةً.
وَلِلَّهِ دَرُّ سَيِّدِ القَوْمِ، وشَيْخِ الطّائِفَةِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ؛ إذْ يَقُولُ: العِلْمُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ التَّعَبُّدِ. والتَّعَبُّدُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ الوَرَعِ. والوَرَعُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ الزُّهْدِ، والزُّهْدُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ التَّوَكُّلِ.
فالَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّ التَّوَكُّلَ أوْسَعُ مِنَ التَّفْوِيضِ، وأعْلى وأرْفَعُ.
(فصل: المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد)
ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار، فأمر رسوله علي الصلاة والسلام بقيام الليل، ثم أخبره أن له في النهار سبحا طويلا، فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه، وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع، لأن ظهور الليل والنهار هما واحد فالنهار أبدا يظهر من المشرق، والليل أبدا يظهر من المغرب.
وقال في (التبيان في أقسام القرآن)
وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته، وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده، فكذلك يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده، فليس للمشرق والمغرب رب سواه.
فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه
73:10Page 574
وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا ١٠
And be patient over what they say and avoid them with gracious avoidance.
No commentary for this ayah
73:11Page 574
وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١
And leave Me with [the matter of] the deniers, those of ease [in life], and allow them respite a little.
No commentary for this ayah
73:12Page 574
إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢
Indeed, with Us [for them] are shackles and burning fire
No commentary for this ayah
73:13Page 574
وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣
And food that chokes and a painful punishment -
No commentary for this ayah
73:14Page 574
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤
On the Day the earth and the mountains will convulse and the mountains will become a heap of sand pouring down.
No commentary for this ayah
73:15–16Page 574
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥
Indeed, We have sent to you a Messenger as a witness upon you just as We sent to Pharaoh a messenger.
فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦
But Pharaoh disobeyed the messenger, so We seized him with a ruinous seizure.
أي كَيفَ يَقع الإنْكار مِنكُم وقد تقدم قبلكم رسل مني مبشرين ومنذرين وقد علمْتُم حال من عصى رُسُلِي كَيفَ أخذتهم أخذا وبيلًا.
وقال في (إعلام الموقعين)
أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلَيْنا كَما أرْسَلَ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ عَصى رَسُولَهُ فَأخَذَهُ أخْذًا وبِيلًا، فَهَكَذا مَن عَصى مِنكم مُحَمَّدًا ﷺ.
(فائدة)
قَوله تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾
وَمَعْلُوم أن التَّشْبِيه في أصل الإرسال لا يَقْتَضِي تماثل الرسولين.
73:17Page 574
فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا ١٧
Then how can you fear, if you disbelieve, a Day that will make the children white-haired?1
No commentary for this ayah
73:18Page 574
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا ١٨
The heaven will break apart therefrom;1 ever is His promise fulfilled.
No commentary for this ayah
73:19Page 574
إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ١٩
Indeed, this is a reminder, so whoever wills may take to his Lord a way.
No commentary for this ayah
73:20Page 575
۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ ٢٠
Indeed, your Lord knows, [O Muḥammad], that you stand [in prayer] almost two thirds of the night or half of it or a third of it, and [so do] a group of those with you. And Allāh determines [the extent of] the night and the day. He has known that you [Muslims] will not be able to do it1 and has turned to you in forgiveness, so recite what is easy [for you] of the Qur’ān. He has known that there will be among you those who are ill and others traveling throughout the land seeking [something] of the bounty of Allāh and others fighting for the cause of Allāh. So recite what is easy from it and establish prayer and give zakāh and loan Allāh a goodly loan.2 And whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. It is better and greater in reward. And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences