Ibn al-QayyimAr‑Rahman · 55:1–25

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الرحمن

Ar-Rahman

The Beneficent · Medinan · 78 ayahs

55:1–4Page 531

ٱلرَّحۡمَٰنُ ١

The Most Merciful

عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢

Taught the Qur’ān,

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣

Created man,

عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤

[And] taught him eloquence.

دلّت هَذِه الكَلِمات على إعْطائِهِ سُبْحانَهُ مَراتِب الوُجُود بأسرها، فَقَوله ﴿خلق الإنسان﴾ إخْبار عَن الإيجاد الخارِجِي العَيْنِيّ.

وَخص الإنسان بالخلق لما تقدم.

وَقَوله ﴿علم القُرْآن﴾ إخْبار عَن إعْطاء الوُجُود العلمي الذهْنِي، فَإنَّما تعلم الإنسان القُرْآن بتعليمه كَما أنه إنَّما صار إنْسانا بخلقه فَهو الَّذِي خلقه وعلمه.

ثمَّ قالَ ﴿علمه البَيان﴾

والبَيان يتَناوَل مَراتِب راتب ثَلاثَة كل مِنها يُسمى بَيانا:

أحدها: البَيان الذهْنِي الَّذِي يُمَيّز فِيهِ بَين المعلومات

الثّانِي: البَيان

اللَّفْظِيّ الَّذِي يعبر بِهِ عَن تِلْكَ المعلومات ويترجم عَنْها فِيهِ لغيره.

الثّالِث: البَيان الرسمي الخطي الَّذِي يرسم بِهِ تِلْكَ الألفاظ فيتبين النّاظر مَعانِيها كَما يتَبَيَّن للسامع مَعاني الألفاظ.

فَهَذا بَيان للعين، وذاكَ بَيان للسمع.

والأول بَيان للقلب وكَثِيرًا ما يجمع سُبْحانَهُ بَين هَذِه الثَّلاثَة كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسئولا﴾

وَقَوله ﴿والله أخرجكم من بطُون أُمَّهاتكُم لا تعلمُونَ شَيْئا وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكم تشكرون﴾

ويذم من عدم الِانْتِفاع بها في اكْتِساب الهدى والعلم النافع كَقَوْلِه ﴿صم بكم عمي﴾ وقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أبْصارهم غشاوة﴾.

55:5Page 531

ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ ٥

The sun and the moon [move] by precise calculation,

No commentary for this ayah

55:6Page 531

وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ ٦

And the stars and trees prostrate.1

(فصل)

تَأمل الحِكْمَة في خلق الوَرق فَإنّك ترى في الورقة الواحِدَة من جملَة العُرُوق الممتدة فِيها المبثوثة فِيها ما يبهر النّاظر فَمِنها غِلاظ ممتدة في الطول والعرض ومِنها دقاق تتخلل تِلْكَ الغِلاظ منسوجة نسجا دَقِيقًا معجبا لَو كانَ مِمّا يتَوَلّى البشر صنع مثله بِأيْدِيهِم لما فرغوا من ورقة في عام كامِل ولاحتاجوا فِيهِ إلى آلات وحركات وعلاج تعجز قدرتهم عَن تَحْصِيله فَبَثَّ الخلاق العَلِيم في أيّام قَلائِل من ذَلِك ما يمْلَأ الأرض سهلها وجبالها بِلا آلات ولا معِين ولا معالجة أن هي إلّا أرادته النافذة في كل شَيْء وقدرته الَّتِي لا يمْتَنع مِنها شَيْء إنَّما أمره إذا أراد شَيْئا أن يَقُول لَهُ كن فَيكون فَتَأمل الحِكْمَة في تِلْكَ العُرُوق المتخللة الورقة باسرها لتسقيها وتوصل إليها المادَّة فتحفظ عَلَيْها حَياتها ونضارتها بِمَنزِلَة العُرُوق المبثوثة في الأبدان الَّتِي توصل الغذاء إلى كل جُزْء مِنهُ وتَأمل ما في العُرُوق الغِلاظ من إمْساكها الوَرق بصلابتها ومتانتها لِئَلّا تتمزق وتضمحل فَهي بِمَنزِلَة الأعصاب لبدن الحَيَوان فتراها قد أحكمت صنعتها ومدت العُرُوق في طولها وعرضها لتتماسك فَلا يعرض لَها التمزق ثمَّ تَأمل حِكْمَة اللَّطِيف الخَبِير في كَونها جعلت زِينَة للشجر وسترا ولباسا للثمرة ووقاية لَها من الآفات الَّتِي تمنع كمالها.

وَلِهَذا إذا جردت الشَّجَرَة عَن ورقها فَسدتْ الثَّمَرَة ولم ينْتَفع بها وانْظُر كَيفَ جعلت وقاية لمنبت الثَّمَرَة الضعيفة من اليبس فَإذا ذهبت الثَّمَرَة بَقِي الوَرق وقاية لتلك الافنان الضعيفة من الحر حَتّى إذا طفئت تِلْكَ الجَمْرَة ولم يضر الأفنان عراها من ورقها وسلبها إيّاه لتكتسى لباسا جَدِيدا أحسن مِنهُ فتبارك الله رب العالمين الَّذِي يعلم مساقط تِلْكَ الأوراق ومنابتها، فَلا تخرج مِنها ورقة إلا بإذنه ولا تسْقط إلا بِعِلْمِهِ.

وَمَعَ هَذا فَلَو شاهدها العبادعلى كثرتها وتنوعها وهِي تسبح بِحَمْد رَبها مَعَ الثِّمار والأفنان والأشجار لشاهدوا من جمالها أمرًا آخر ولرأوا خلقتها بِعَين أخرى، ولعلموا أنها لشأن عَظِيم خلقت، وأنَّها لم تخلق سدى قالَ تَعالى ﴿والنجم والشَّجر يسجدان﴾

فالنجم ما لَيْسَ لَهُ ساق من النَّبات والشَّجر ما له ساق، وكلها ساجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ ﴿وَإن من شَيْء إلّا يسبح بِحَمْدِهِ ولَكِن لا تفقهون تسبيحهم إنَّه كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

ولعلك أن تكون مِمَّن غلظ حجابه فَذهب إلى أن التَّسْبِيح دلالتها على صانعها فَقَط فاعْلَم أن هَذا القَوْل يظْهر بُطْلانه من أكثر من ثَلاثِينَ وجها قد ذكرنا أكثرها في مَوضِع آخر.

55:7Page 531

وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧

And the heaven He raised and imposed the balance

No commentary for this ayah

55:8Page 531

أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ ٨

That you not transgress within the balance.

No commentary for this ayah

55:9Page 531

وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩

And establish weight in justice and do not make deficient the balance.

No commentary for this ayah

55:10Page 531

وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠

And the earth He laid [out] for the creatures.

No commentary for this ayah

55:11Page 531

فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١

Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]

No commentary for this ayah

55:12Page 531

وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢

And grain having husks and scented plants.

(فصل)

وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:

«مَن عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحانٌ، فَلا يَرُدَّهُ، فَإنَّهُ خَفِيفُ المَحْمِلِ، طَيِّبُ الرّائِحَةِ»

وَفِي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ ": مِن حَدِيثِ أسامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:

«ألا مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ، فَإنَّ الجَنَّةَ لا خَطَرَ لَها، هي ورَبِّ الكَعْبَةِ، نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، ورَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ، وقَصْرٌ مَشِيدٌ، ونَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وزَوْجَةٌ حَسْناءُ جَمِيلَةٌ، وحُلَلٌ كَثِيرَةٌ في مَقامٍ أبَدًا، في حِبَرَةٍ ونَضْرَةٍ، في دُورٍ عالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ، قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَها قالَ: قُولُوا: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ القَوْمُ: إنْ شاءَ اللَّهُ»

الرَّيْحانُ كُلُّ نَبْتٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، فَكُلُّ أهْلِ بَلَدٍ يَخُصُّونَهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأهْلُ الغَرْبِ يَخُصُّونَهُ بِالآسِ، وهو الَّذِي يَعْرِفُهُ العَرَبُ مِنَ الرَّيْحانِ، وأهْلُ العِراقِ والشّامِ يَخُصُّونَهُ بِالحَبَقِ.

فَأمّا الآسُ، فَمِزاجُهُ بارِدٌ في الأُولى، يابِسٌ في الثّانِيَةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُرَكَّبٌ مِن قُوًى مُتَضادَّةٍ، والأكْثَرُ فِيهِ الجَوْهَرُ الأرْضِيُّ البارِدُ، وفِيهِ شَيْءٌ حارٌّ لَطِيفٌ، وهو يُجَفِّفُ تَجْفِيفًا قَوِيًّا، وأجْزاؤُهُ مُتَقارِبَةُ القُوَّةِ، وهي قُوَّةٌ قابِضَةٌ حابِسَةٌ مِن داخِلٍ وخارِجٍ مَعًا.

وَهُوَ قاطِعٌ لِلْإسْهالِ الصَّفْراوِيِّ، دافِعٌ لِلْبُخارِ الحارِّ الرَّطْبِ إذا شُمَّ، مُفْرِحٌ لِلْقَلْبِ تَفْرِيحًا شَدِيدًا، وشَمُّهُ مانِعٌ لِلْوَباءِ، وكَذَلِكَ افْتِراشُهُ في البَيْتِ.

وَيُبْرِئُ الأوْرامَ الحادِثَةَ في الحالِبَيْنِ إذا وُضِعَ عَلَيْها، وإذا دُقَّ ورَقُهُ وهو غَضٌّ وضُرِبَ بِالخَلِّ، ووُضِعَ عَلى الرَّأْسِ، قَطَعَ الرُّعافَ، وإذا سُحِقَ ورَقُهُ اليابِسُ، وذُرَّ عَلى القُرُوحِ ذَواتِ الرُّطُوبَةِ نَفَعَها، ويُقَوِّي الأعْضاءَ الواهِيَةَ إذا ضُمِّدَ بِهِ، ويَنْفَعُ داءَ الدّاحِسِ، وإذا ذُرَّ عَلى البُثُورِ والقُرُوحِ الَّتِي في اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، نَفَعَها.

وَإذا دُلِّكَ بِهِ البَدَنُ قَطَعَ العَرَقَ، ونَشَّفَ الرُّطُوباتِ الفَضْلِيَّةَ، وأذْهَبَ نَتْنَ الإبِطِ، وإذا جُلِسَ في طَبِيخِهِ، نَفَعَ مِن خَرارِيجِ المَقْعَدَةِ والرَّحِمِ، ومِنِ اسْتِرْخاءِ المَفاصِلِ، وإذا صُبَّ عَلى كُسُورِ العِظامِ الَّتِي لَمْ تَلْتَحِمْ، نَفَعَها.

وَيَجْلُو قُشُورَ الرَّأْسِ وقُرُوحَهُ الرَّطْبَةَ، وبُثُورَهُ، ويُمْسِكُ الشَّعْرَ المُتَساقِطَ ويُسَوِّدُهُ، وإذا دُقَّ ورَقُهُ وصُبَّ عَلَيْهِ ماءٌ يَسِيرٌ، وخُلِطَ بِهِ شَيْءٌ مِن زَيْتٍ أوْ دُهْنِ الوَرْدِ، وضُمِّدَ بِهِ وافَقَ القُرُوحَ الرَّطْبَةَ والنَّمْلَةَ والحُمْرَةَ، والأوْرامَ الحادَّةَ، والشَّرى والبَواسِيرَ.

وَحَبُّهُ نافِعٌ مَن نَفْثِ الدَّمِ العارِضِ في الصَّدْرِ والرِّئَةِ، دابِغٌ لِلْمَعِدَةِ ولَيْسَ بِضارٍّ لِلصَّدْرِ ولا الرِّئَةِ لِجَلاوَتِهِ، وخاصِّيَّتُهُ النَّفْعُ مِنِ اسْتِطْلاقِ البَطْنِ مَعَ السُّعالِ، وذَلِكَ نادِرٌ في الأدْوِيَةِ، وهو مُدِرٌّ لِلْبَوْلِ، نافِعٌ مَن لَذْعِ المَثانَةِ وعَضِّ الرُّتَيْلاءِ، ولَسْعِ العَقارِبِ، والتَّخَلُّلُ بِعِرْقِهِ مُضِرٌّ، فَلْيُحْذَرْ.

وَأمّا الرَّيْحانُ الفارِسِيُّ الَّذِي يُسَمّى الحَبَقَ، فَحارٌّ في أحَدِ القَوْلَيْنِ، يَنْفَعُ شَمُّهُ مِنَ الصُّداعِ الحارِّ إذا رُشَّ عَلَيْهِ الماءُ، ويُبَرِّدُ، ويُرَطِّبُ بِالعَرَضِ، وبارِدٌ في الآخَرِ، وهَلْ هو رَطْبٌ أوْ يابِسٌ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.

والصَّحِيحُ: أنَّ فِيهِ مِنَ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ، ويَجْلِبُ النَّوْمَ، وبَزْرُهُ حابِسٌ لِلْإسْهالِ الصَّفْراوِيِّ، ومُسَكِّنٌ لِلْمَغَصِ، مُقَوٍّ لِلْقَلْبِ، نافِعٌ لِلْأمْراضِ السَّوْداوِيَّةِ.

55:13Page 531

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣

So which of the favors of your Lord would you deny?1

No commentary for this ayah

55:14Page 531

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤

He created man from clay like [that of] pottery.

No commentary for this ayah

55:15Page 531

وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥

And He created the jinn from a smokeless flame of fire.

No commentary for this ayah

55:16Page 531

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:17–18Page 532

رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧

[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

(فصل: المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد)

ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين وتارة مثنيين وتارة مفردين لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك فالأول كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾

والثاني كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾

والثالث كقوله: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلاّ هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾

فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب موادها يطلعك على عظمة القرآن الكريم وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد فحيث جمعت كان المراد بها مشارق الشمس ومغاربها في أيام السنة وهي متعددة وحيث أفردت كان المراد أفقي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء: فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا، ويقابلها مغرباها فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع.

وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أر أحدا تعرض له ولا فتح بابه وهو بحمد الله بين من السياق.

فتأمل وروده مثنى في سورة الرحمن لما كان مساق السورة مساق المثاني المزدوجات فذكر أولا نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعظيم، ثم ذكر سراجي العالم ومظهري نوره وهما الشمس والقمر، ثم ذكر نوعي النبات ما قام منه على ساق وما انبسط منه على وجه الأرض وهما النجم والشجر، ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة والأرض الموضوعة، وأخبر أنه رفع هذه ووضع هذه، ووسط بينهما ذكر الميزان، ثم ذكر العدل والظلم في الميزان، فأمر بالعدل ونهى عن الظلم، ذكر نوعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والثمار، ثم ذكر خلق نوعي المكلفين وهما نوع الإنسان ونوع الجان، ثم ذكر نوعي المشرقين ونوعي المغربين،

ثم ذكر بعد ذلك البحرين الملح والعذب، فتأمل حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجلالة ورودهما لذلك، وقدر موضعهما اللفظ مفردا ومجموعا تجد السمع ينبو عنه ويشهد العقل بمنافرته للنظم.

ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار، فأمر رسوله علي الصلاة والسلام بقيام الليل، ثم أخبره أن له في النهار سبحا طويلا، فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه، وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع، لأن ظهور الليل والنهار هما واحد، فالنهار أبدا يظهر من المشرق، والليل أبدا يظهر من المغرب.

ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾

لما كان هذا القسم في سياق سعة ربوبيته وإحاطة قدرته والمقسم عليه أرباب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب لتضمنهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب فمن فعل هذا كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره ويبدل الحر بالبرد والبرد بالحر والصيف بالشتاء والشتاء بالصيف إلى سائر تبدل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج وغير ذلك من التبدلات والتغيرات الواقعة في العالم بسبب اختلاف مشارق الشمس ومغاربها كان ذلك تقدير العزيز العليم فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على أن يبدل خيرا منهم، وأكد هذا المعنى بقوله ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع.

ثم تأمل كيف جاءت أيضا في سورة الصافات مجموعة في قوله: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾

لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السماوات والأرض وما بينهما كان الأحسن مجيئها مجموعة لينتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال لذلك فإن المشارق مظهر الأنوار وأسباب انتشار الحيوان وحياته وتصرفه ومعاشه وانبساطه، فهو إنشاء مشهود فقدمه بين يدي الرد على منكري البعث، ثم ذكر تعجب بنيه من تكذيبهم واستبعادهم البعث بعد الموت ثم قدر الموت وحالهم فيه وكان الاقتصار على ذكر المشارق هاهنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب والله أعلم ...

(فصل)

وقال في (التبيان في أقسام القرآن)

قوله تعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾

قيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء في سورة الرحمن ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾

لأنها سورة ذكرت فيها المزدوجات، فذكر فيها الخلق والتعليم، والشمس والقمر، والنجوم والشجر، والسماء والأرض، والحب والثمر، والجن والإنس، ومادة أبي البشر، وأبي الجن، والبحرين، والجنة والنار، وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين، وجنتين دونهما.

وأخبر أن في كل جنة عينين.

فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين.

(فصل)

وذكر الترمذي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:

"خرج رسول الله على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾

قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد"

55:19Page 532

مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩

He released the two seas,1 meeting [one another];

No commentary for this ayah

55:20Page 532

بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠

Between them is a barrier so neither of them transgresses.

No commentary for this ayah

55:21Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:22Page 532

يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢

From both of them emerge pearl and coral.

No commentary for this ayah

55:23Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:24Page 532

وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤

And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.

No commentary for this ayah

55:25Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском