Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
الفرقان
Al-Furqan
The Criterion · Meccan · 77 ayahs
25:1Page 359
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -
No commentary for this ayah
25:2Page 359
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢
He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.
No commentary for this ayah
25:3Page 360
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣
But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.
No commentary for this ayah
25:4Page 360
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤
And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.
No commentary for this ayah
25:5Page 360
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥
And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."
No commentary for this ayah
25:6Page 360
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
No commentary for this ayah
25:7Page 360
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
No commentary for this ayah
25:8Page 360
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
No commentary for this ayah
25:9Page 360
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
No commentary for this ayah
25:10Page 360
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
No commentary for this ayah
25:11Page 360
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
No commentary for this ayah
25:12Page 361
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
No commentary for this ayah
25:13Page 361
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
No commentary for this ayah
25:14Page 361
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
No commentary for this ayah
25:15Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
No commentary for this ayah
25:16Page 361
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
No commentary for this ayah
25:17–19Page 361
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧
And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨
They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩
So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.
(فائدة)
سَمّاهم عِبادَهُ مَعَ ضَلالِهِمْ، لَكِنْ تَسْمِيَةً مُقَيَّدَةً بِالإشارَةِ، وأمّا المُطْلَقَةُ فَلَمْ تَجِئْ إلّا لِأهْلِ النَّوْعِ الثّانِي.
وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَعُبُودِيَّةُ الطّاعَةِ والمَحَبَّةِ، واتِّباعِ الأوامِرِ، قالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] وقالَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وقالَ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾
فالخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ، وأهْلُ طاعَتِهِ ووِلايَتِهِ هم عَبِيدُ إلَهِيَّتِهِ.
وَلا يَجِيءُ في القُرْآنِ إضافَةُ العِبادِ إلَيْهِ مُطْلَقًا إلّا لِهَؤُلاءِ.
وَأمّا وصْفُ عَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ بِالعُبُودِيَّةِ فَلا يَأْتِي إلّا عَلى أحَدِ خَمْسَةِ أوْجُهٍ: إمّا مُنْكِرًا، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والثّانِي مُعَرَّفًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨].
الثّالِثُ: مُقَيَّدًا بِالإشارَةِ أوْ نَحْوِها، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
الرّابِعُ: أنْ يُذْكَرُوا في عُمُومِ عِبادِهِ، فَيَنْدَرِجُوا مَعَ أهْلِ طاعَتِهِ في الذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ ﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
الخامِسُ: أنْ يُذْكَرُوا مَوْصُوفِينَ بِفِعْلِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
وَقَدْ يُقالُ: إنَّما سَمّاهم عِبادَهُ إذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنابُوا إلَيْهِ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِن عَبِيدِ الإلَهِيَّةِ والطّاعَةِ.
(فصل)
قوله سبحانه ﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دونِ اللهِ﴾ [الفرقان: ١٧].
عام في كل عابد ومن عبده من دون الله.
وأما قوله ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتمْ عِبادِي هؤُلاءِ، أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧].
فقال مجاهد، فيما رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح - عنه قال: "هذا خطاب لعيسى وعزير، والملائكة" وروى عنه ابن جريج نحوه.
وأما عكرمة والضحاك والكلبى، فقالوا: هو عام في الأوثان وعبدتها.
ثم يأذن سبحانه لها في الكلام، فيقول: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادي هؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
قال مقاتل: يقول سبحانه: "أأنتم أمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل؟ أي أم هم أخطأوا الطريق؟ فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله.
ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون].
﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أن نتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم.
وقال ابن عباس ومقاتل "نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إله".
وفيها قراءتان: أشهرهما - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل وهي قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول. وهي قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع.
وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال.
فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء؟ حتى يقولوا: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وإنما سألهم هل أمرتم عبادى هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم؟ فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، وإنما هم آثروه وارتضوه أو لم نأمرهم بعبادتنا، كما قال في الآية الأخرى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ١٣].
فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: الجواب يصح على ذلك، ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة، فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا، ولا يحسن منا؟
ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر، وهو قوله: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
فإن زيادة (مِن) لا يحسن إلا مع قصد العموم، كما تقول: ما قام من رجل. وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفي واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن زيادة (مِن) فيه، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك. فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم، ولا يليق بهم أن يعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الواجب على هذا: أن تقرأ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ أو مِن دُونِكَ أوْلِياءَ﴾.
فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه:
أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك، ونتخذ غيرك وليا ومعبودا فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا؟ أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن عبادتنا؟ أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن يعبدنا؟ والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة الله تعالى، فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم؟ وهذا جواب الفراء.
وقال الجرجانى: هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر، وهو أن من عبد شيئا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد، يدل على هذا قوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلمَلاَئِكَةِ أهؤُلاءِ إيّاكَمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ * قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهمْ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١].
فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود.
ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء، وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا. وهذا بسط لقول ابن عباس في هذه الآية.
قال: يقولون: ما توليناهم، ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
أن يريدوا معشر العبيد، لا أنفسهم: أي نحن وهم عبيدك، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم. كما يقول الرجل لمن أتى منكرا: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا: أي أنت مثلى عبد محاسب، فإذا لم يحسن من مثلى أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضًا.
قال: ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نُتَخذَ بضم النون. وهذه القراءة أقرب في التأويل.
لكن قال الزّجّاج: هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذت من أحد وليًا، ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي لأن "من" إنما دخلت لأنها تنفي واحدا من معنى جميع، تقول: ما من أحد قائما، وما من رجل محبا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره.
قال: ولا وجه عندنا لهذا ألبتة، ولو جاز هذا لجاز في: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزَينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
ما أحد عنه من حاجزين.
فلو لم تدخل "من" لصحت هذه القراءة.
قال صاحب النظم: الِعلة في سقوط هذه القراءة: أن "مِن" لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه: فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول "من" كقوله:
﴿ما كانَ لله أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥].
فقوله "من ولد" لا مفعول دونه سواه، ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدا من ولد، لم يحسن فيه دخول "من" لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد.
وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى، وأجروها على قواعد العربية.
قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب في فصاحته.
فقرأ بها زيد بن ثابت، وأبو الدرداء وأبو جعفر، ومجاهد، ونصر بن علقمة، ومكحول، وزيد بن على، وأبو رجاء، والحسن، وحفص بن حُميد، ومحمد بن على، على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك أبو الفتح ابن جنى. ثم وجهها بأن يكون "من أولياء" في موضع الحال: أي ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء. ودخلت "من" زائدة لمكان النفي. كقولك اتخذت زيدا وكيلا، فإذا نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما وما أعطيته من درهم. وهذا في المفعول فيه.
قلت: يعني أن زيادتها مع الحال، كزيادتها مع المفعول.
ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغي لي أن أخدمك متثاقلا، فإذا أكدت، قلت: من متثاقل.
فإن قيل: فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى، فأيهما أحسن؟
قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ في المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق بهم، فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء، وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم، ولا يحسن منهم أن يتخذوا وليا من دونه، بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن نشرك بك شيئا، فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟ وهذا المعنى أجل من الأول وأكبر، فتأمله.
والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله من أوليائه.
وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر.
وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك، تكذيبا لهم، وردا عليهم، وبراءة منهم كقوله:
﴿إذْ تَبَرّاَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦].
وفي الآية الأخرى ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعُبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى: بقولهم:
﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءهم حَتّى نَسُوا الذِّكُرَ وكانْوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨].
قال ابن عباس: أطلت لهم العمر، وأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق.
وقال الفراء: ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد، حتى نسوا ذكرك، وكانوا قوما بورا: أي هلكى فاسدين، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. والبوار: الهلاك والفساد، يقال: بارت السلعة، وبارت المرأة، إذا كسدت ولم يحصل لها من يتزوجها.
قال قتادة: والله ما نسي قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا.
والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا.
قال الله تعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بَما تَقُولْونَ﴾ [الفرقان: ١٩].
أي كذبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء، أو بما تقولون إنهم أمروكم بعبادتهم، ودعوكم إليها.
وقيل: الخطاب للمؤمنين في الدنيا: أي فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون بما تقولونه، مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الله من التوحيد والإيمان والأول أظهر، وعليه يدل السياق.
ومن قرأها - آخر الحروف - فالمعنى، فقد كذبوكم بقولهم، ثم قال:
﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
إخبارا عن حالهم يومئذ، وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا نصرها من الله.
قال ابن زيد: ينادي مناد يوم القيامة، حين يجمع الخلائق:
يقول: من عبد من دون الله، لا ينصر اليوم من عبده، والعابد لا ينصر إلهه:
﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦].
فهذا حال عباد الشيطان يوم لقاء الرحمن، فوا سوء حالهم حين امتيازهم عن المؤمنين إذا سمعوا النداء.
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ ألَمْ أعْهَدْ إٍلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لاَ تَعْبُدُوا الشّيْطانَ إنّهُ لَكم عَدُو مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٥٩-٦٢].
25:20Page 361
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠
And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾
وهذا عام في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم.
وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟ وامتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار ولكفار بالمؤمنين.
وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم، من أتباع الرسل، فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْراَ ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾
هؤلاء.
وقالوا لنوح عليه السلام: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣].
فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء؟
قال الزجاج: كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام، فيمتنع منه لئلا يقال أسلم قبله من هو دونه فيقيم على كفره لئلا يكون للمسلم السابقة عليه في الفضل.
ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة، أن الفقير يقول: لِمَ لَمْ أكن مثل الغني؟
ويقول الضعيف: هلا كنت مثل القوي؟
ويقول المبتلى، هلا كنت مثل المعافى؟
وقال الكفار: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نؤتى مِثْلَ ما أُوتِي رُسلُ اللهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
قال مقاتل: نزلت في افتتان المشركين بفقراء المهاجرين، نحو بلال، وخباب، وصهيب، وأبي ذر، وابن مسعود، وعمار، كان كفار قريش يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا؟
قال الله تعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيق مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ فاتّخَذْتُموهم سِخْرِيا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بَما صَبَرُوا أنّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩-١١١].
فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠].
قال الزجاج: أي أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون:
قلت: قرن الله سبحانه الفتنة بالصبر هاهنا، وفي قوله: ﴿ثُمَّ إنّ رَبّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا﴾ [النحل: ١١٠].
فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة.
فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتنّا الَّذِينَ مِن قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].
فالفتنة قسمت الناس، إلى صادقٍ وكاذبٍ ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ. فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها.
فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّار يفُتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هذا الّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٣،: ١٤].
فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَة لِلظّالِمينَ﴾ [الصافات: ٦٣].
قال قتادة: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿إنّها شَجَرَة تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤].
فأخبرهم أن غذاءها من النار، أي غذيت بالنار.
قال ابن قتيبة: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار، ومن جوهرٍ لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها، وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما يُعلم لم تبق على النار، وإنما دلَّنا الله تعالى على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة، وما في الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك.
والمقصود: أن هذه الشجرة فتنة لهم في الدنيا، بتكذيبهم بها، وفتنة لهم في الآخرة بأكلهم منها.
وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، كان فتنة للكفار، حيث قال عدو الله أبو جهل: أيخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم أفيعجز كل مائةٍ منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟
فقال أبو الأسد: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشى بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبى الأيمن، وتسعة بمنكبى الأيسر في النار، ونمضى فندخل الجنة.
فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم في الدنيا، وفتنة لهم يوم القيامة.
والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل المؤمنون ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال الحنفاء: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٤-٥].
وقال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنْةً لِلْقَوْمِ الظّالمِينَ﴾ [يونس: ٨٥].
قال مجاهد: المعنى، لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.
وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتنوا بذلك.
وقال الفراء: لا تظهر علينا الكفار، فيروا أنهم على حق وأنا على باطل.
وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم.
وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال:
﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾
فقال الله تعالى ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرين﴾.
والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك بهم، فكل من النوعين فتنة للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصح وإلا فبسبيل من هلك، ولهذا قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله سلم:
"ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ مِنَ النِّساءِ عَلى الرِّجالِ"
أو كما قال.
فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوي المزين، وقرنائه وما يراه، ويشاهده، مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلا في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به:
؎فَوَ اللهِ، لَوْلا اللهُ يُسْعِدُ عَبْدَهُ ∗∗∗ ِتَوْفِيقِه واللهُ بِالعَبْدِ أرْحَمُ
؎لما ثَبَتَ الإيمانُ يَوْماَ بِقَلْبِهِ ∗∗∗ عَلى هذِه العِلاّتِ، والأمْرُ أعْظَمُ
؎وَلا طاوَعَتْهُ النّفْسُ في تَرْكِ شَهْوَةٍ ∗∗∗ مَخافَةَ نارٍ جَمْرها يَتَضَرَّمُ
؎وَلا خافَ يَوْمًا منْ مَقامِ إلهِهِ ∗∗∗ عَلَيْهِ بحُكْمِ القِسْطِ، إذْ لَيْسَ يَظْلِمُ
25:21Page 362
۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١
And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.
No commentary for this ayah
25:22Page 362
يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢
The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2
No commentary for this ayah
25:23Page 362
وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣
And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.
No commentary for this ayah
25:24Page 362
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤
The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.
No commentary for this ayah
25:25Page 362
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.
No commentary for this ayah
25:26Page 362
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.
No commentary for this ayah
25:27Page 362
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1
No commentary for this ayah
25:28Page 362
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.
No commentary for this ayah
25:29Page 362
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2
No commentary for this ayah
25:30Page 362
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1
(فائِدَة)
هجر القُرْآن أنْواع:
أحدها هجر سَماعه والإيمان بِهِ والإصغاء إلَيْهِ.
والثّانِي هجر العَمَل بِهِ والوُقُوف عند حَلاله وحَرامه وإن قَرَأهُ وآمن بِهِ.
والثّالِث هجر تحكيمه والتحاكم إلَيْهِ في أصُول الدّين وفروعه، واعتقاد أنه لا يُفِيد اليَقِين وأن أدلته لفظية لا تحصّل العلم.
والرّابِع هجر تدبّره وتفهّمه ومَعْرِفَة ما أرادَ المُتَكَلّم بِهِ مِنهُ.
والخامِس هجر الِاسْتِشْفاء والتداوي بِهِ في جَمِيع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شِفاء دائه من غَيره، ويهجر التَّداوِي بِهِ وكل هَذا داخل في قَوْله ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
وَإن كانَ بعض الهجر أهْون من بعض.
وَكَذَلِكَ الحرج الَّذِي في الصُّدُور مِنهُ فَإنَّهُ تارَة يكون حرجا من إنزاله وكَونه حَقًا من عند الله، وتارَة يكون من جِهَة التكلم بِهِ، أو كَونه مخلوقا من بعض مخلوقاته ألهم غَيره أن تكلم بِهِ، وتارَة يكون من جِهَة كِفايَته وعدمها وأنه لا يَكْفِي العباد بل هم محتاجون مَعَه إلى المعقولات والأقيسة أو الآراء أو السياسات، وتارَة يكون من جِهَة دلالَته وما أُرِيد بِهِ حقائقه المفهومة مِنهُ عند الخطاب، أو أُرِيد بِهِ تَأْوِيلها وإخراجها عَن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مُشْتَركَة، وتارَة يكون من جِهَة كَون تِلْكَ الحَقائِق وإن كانَت مُرادة فَهي ثابِتَة في نفس الأمر، أو أوهم أنَّها مُرادة لضرب المصلحَة، فَكل هَؤُلاءِ في صُدُورهمْ حرج من القُرْآن وهم يعلمُونَ ذَلِك من نُفُوسهم ويجدونه في صُدُورهمْ، ولا تَجِد مبتدعا في دينه قطّ إلّا وفي قلب حرج من الآيات الَّتِي تخالف بدعته كَما أنك لا تَجِد ظالِما فاجِرًا إلّا وفي صَدره حرج من الآيات الَّتِي تحول بَينه وبَين إرادَته.
فَتدبر هَذا المعْنى ثمَّ ارْض لنَفسك بِما تشاء.
25:31Page 362
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
No commentary for this ayah
25:32Page 362
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢
And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1
No commentary for this ayah
25:33Page 363
وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣
And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.
No commentary for this ayah
25:34Page 363
ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤
The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.
No commentary for this ayah
25:35Page 363
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥
And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.
No commentary for this ayah
25:36Page 363
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦
And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.
No commentary for this ayah
25:37Page 363
وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧
And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.
No commentary for this ayah
25:38Page 363
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
No commentary for this ayah
25:39Page 363
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
No commentary for this ayah
25:40Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
No commentary for this ayah
25:41Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
No commentary for this ayah
25:42Page 363
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences