Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
البروج
Al-Buruj
The Mansions of the Stars · Meccan · 22 ayahs
(فصل)
ومن ذلك إقسامه سبحانه ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ التي تنزلها الشمس والقمر وفسرت بالنجوم أو نوع منها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات قدرته وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكرى لا يتميز منه جانب عن جانب بطول ولا قصر ولا وضع بل هو متساوي الجوانب فجعل هذه البروج في هذه الكرى على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولا عالم ولا مريد ولا حي ولا حكيم ولا مباين للمفعول وهذا ونحوه مما هدم قواعد الطبائعية والملاحدة والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنًا قادرًا فاعلًا بالاختيار عالمًا بتفاصيله حكيمًا مدبرًا له
فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم آياته سبحانه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة وهو المقسم به وعليه كما أن القرآن يقسم به وعليه ودال على وقوع اليوم الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي تأبى أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثًا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل بها سبحانه على إمكانة تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه من أنه لا يأتي به تارة فالإقسام به عند من آمن بالله كالإقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المشاهدة بالعيان
ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنه المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني به وما عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لا على وجه التخصيص
فإن قيل فما واجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها قيل هي بحمد الله في غاية الارتباط والإقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا والآخرة وكل منها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم العلوي وهي السماء وما فيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلها قدرًا الذي هو مظهر ملكه وأمره ونهيه وثوابه وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدله ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله وهو الشاهد والمشهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذبوا أولياءه وهم شهود على ما يفعلون بهم والملائكة شهود عليهم بذلك والأنبياء وجوارحهم تشهد به عليهم وأيضًا فالشاهد هو المطلع والرقيب والمخبر والمشهود وهو المطلع عليه المخبر به المشاهد
فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي لنا وغير مرئي كما قال ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ كما نوعها إلى أرض وسماء وليل ونهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود
وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه ولا يتم نظام العالم إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولا يكون الخالق تبارك وتعالى شاهدًا على عباده مطلعًا عليهم رقيبًا
وأيضًا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله فإنهم شاهدون على العباد فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود وهو المقسم به وعليه وأيضا فيوم القيامة مشهود كما قال تعالى ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ يشهده الله وملائكته والإنس والجن والوحش من آياته والمشهود من آياته
وأيضًا فكلامه مشهود كما قال تعالى ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فالمشهود من أعظم آياته وكذلك الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل
وأيضًا فكتاب الأبرار في عليين يشهده المقربون فالكتاب مشهود والمقربون شاهدون
والأحسن أن يكون هذا القسم مستغنيًا عن الجواب لأن القصة التنبيه على المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود.
ثم وصف حالهم القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عيانًا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة، ولا يعيبون عليهم دينًا سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض.
وهذا الوصف يقتضي إكرامهم وتعظيمهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا به، وهذا شأن أعداء الله دائمًا ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبوا ويكرموا لأجله كما قال تعالى ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُون﴾
وكذلك اللوطية نقموا من عباد الله تنزيههم عن مثل فعلهم فقالوا ﴿أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾
وكذلك أهل الإشراك ينقمون من الموحدين تجريدهم التوحيد وإخلاص الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون من أهل السنة تجريد متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون من أهل الإثبات إثباتهم لله صفات كماله ونعوت جلاله وكذلك الرافضة ينقمون على أهل السنة محبتهم للصحابة جميعهم وترضيهم عنهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمه رسول الله منهم وتنزيلهم منازلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول أخذهم بحديثه وتركهم ما خالفه وكل هؤلاء لهم نصيب وفيهم شبه من أصحاب الأخدود وبينهم وبينهم نسب قريب أو بعيد.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
85:4Page 590
قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤
Destroyed [i.e., cursed] were the companions of the trench1
No commentary for this ayah
85:5–7Page 590
ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥
[Containing] the fire full of fuel,
إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦
When they were sitting near it.
وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧
And they, to what they were doing against the believers, were witnesses. 1
والعجب من الفارسي يقول في قوله تعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ أنها بدل من الأخدود بدل اشتمال والنار جوهر قائم بنفسه ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود وليس فيها شرط من شرائط الاشتمال وذهل أبو علي عن هذا وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه قيل أصحاب الأخدود أخدود النار ذات الوقود فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة كما قال الشاعر:
رضيعي لبان ثدي أم تحالفا
على رواية الجر في ثدي، أم أراد لبان ثدي فحذف المضاف.
85:8Page 590
وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨
And they resented them not except because they believed in Allāh, the Exalted in Might, the Praiseworthy,
No commentary for this ayah
85:9Page 590
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩
To whom belongs the dominion of the heavens and the earth. And Allāh, over all things, is Witness.1
No commentary for this ayah
85:10Page 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ١٠
Indeed, those who have tortured1 the believing men and believing women and then have not repented will have the punishment of Hell, and they will have the punishment of the Burning Fire.
ثم أخبر سبحانه أنه أعد لهم عذاب جهنم وعذاب الحريق حيث لم يتوبوا وأنهم لو تابوا بعد أن فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار لغفر لهم ولم يعذبهم.
وهذا غاية الكرم والجود.
قال الحسن: انظروا إلى هذا الكرم والجود يقتلون أولياءه ويفتنونهم وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.
انظروا إلى كرم الرب تعالى يدعوهم إلى التوبة، وقد فتنوا أولياءه فحرقوهم بالنار فلا ييأس العبد من مغفرته وعفوه ولو كان منه ما كان فلا عداوة أعظم من هذه العداوة ولا اكفر ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده وعبده وحده ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم وألحقهم بأوليائه.
وقال في (طريق الهجرتين)
وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار، ثم هو يدعوهم إلى التوبة؟!
فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته سبحانه وتعالى، فإن نعمته على عباده مشهودة لهم، يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات.
(فائدة)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾
فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ هاهُنا بِتَعْذِيبِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وإحْراقِهِمْ إيّاهم بِالنّارِ، واللَّفْظُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
وَحَقِيقَتُهُ: عَذِّبُوا المُؤْمِنِينَ لِيَفْتَتِنُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَهَذِهِ الفِتْنَةُ المُضافَةُ إلى المُشْرِكِينَ.
وَأمّا الفِتْنَةُ الَّتِي يُضِيفُها اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ، أوْ يُضِيفُها رَسُولُهُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقَوْلِ مُوسى: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فَتِلْكَ بِمَعْنًى آخَرَ، وهي بِمَعْنى الِامْتِحانِ، والِاخْتِبارِ، والِابْتِلاءِ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، بِالنِّعَمِ والمَصائِبِ، فَهَذِهِ لَوْنٌ، وفِتْنَةُ المُشْرِكِينَ لَوْنٌ، وفِتْنَةُ المُؤْمِنِ في مالِهِ ووَلَدِهِ وجارِهِ لَوْنٌ آخَرُ.
85:11Page 590
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١
Indeed, those who have believed and done righteous deeds will have gardens beneath which rivers flow. That is the great attainment.
ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء فإنه هو المبدئ المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه وهو مع ذلك الغفور الودود يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه وهو الودود أيضًا أي المحبوب قال البخاري في صحيحه الودود الحبيب والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين على كونه وادا لأوليائه ومودودًا لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونه
وقال شعيب عليه السلام ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾
وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور، فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه.
وكذلك قد يرحم من لا يحب، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان.
85:12Page 590
إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢
Indeed, the assault [i.e., vengeance] of your Lord is severe.
No commentary for this ayah
85:13–14Page 590
إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ١٣
Indeed, it is He who originates [creation] and repeats.
وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ١٤
And He is the Forgiving, the Affectionate,
(فصل)
اعلم أن الذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية، والعبد إذا مرض ثم عوفى وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما رجعت أقوى وأكمل مما كانت عليه، لأنه ربما كان معه في حال العافية آلام وأسقام كامنة، فإذا اعتل ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملة فتعود قوته خيرًا مما كانت وأكمل.
وفي مثل هذا قال الشاعر:
؎لعل عتبك محمود عواقبه ∗∗∗ وربما صحت الأجسام بالعلل
وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال: إنه يعود خيرًا بالتوبة مما كان قبل التوبة.
واحتجوا لقولهم أيضًا بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا تحصل بدون التوبة، بل التوبة شرط في حصولها، وإن حصل له محبة أُخرى بغيرها من الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة لا تنال بغيرها، فإن الله يحب التوابين، ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله.
فإذا أثمرت له التوبة هذه المحبة ورجع بها إلى طاعاته التي كان عليها أولًا انضم أثرها إلى أثر تلك الطاعات فقوى الأثران فحصل له المزيد من القرب والوسيلة وهذا بخلاف ما يظنه من نقصت معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذي كان له منه قبل الجناية.
واحتجوا في ذلك بأثر إسرائيلي مكذوب أن الله قال لداود عليه السلام: يا داود، أما الذنب فقد غفرناه، وأما الود فلا يعود.
وهذا كذب قطعًا، فإن الود يعود بعد التوبة النصوح أعظم مما كان، فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته، وأيضًا فإنه يفرح بتوبة التائب، ومحال أن يفرح بها أعظم فرح وأكمله وهو لا يحبه.
وتأمل سر اقتران هذين الاسمين في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِيءُ ويُعِيدُ وهو الغَفُورُ الودُود﴾ [البروج: ١٣-١٤]
تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدًا، ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه، وفي ذلك ما يهيج القلب السليم ويأْخذ بمجامعه ويجعله عاكفًا على ربه - الذي لا إله إلا هو ولا رب له سواه - عكوف المحب الصادق على محبوبه الذي لا غنى له عنه، ولا بد له منه ولا تندفع ضرورته بغيره أبدًا.
ثم قال ﴿ذو العرش﴾ فأضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة وهذا يدل على عظمة العرش وقربه منه
سبحانه واختصاصه به بل يدل على غاية القرب والاختصاص كما يضيف إلى نفسه بذو صفاته القائمة به كقوله ذو القوة ذو الجلال والإكرام ويقال ذو العزة وذو الملك وذو الرحمة ونظائر ذلك فلو كان حظ العرش منه حظ الأرض السابعة لكان لا فرق أن يقال ذو العرش وذو الأرض
ثم وصف نفسه بالمجيد وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامه وأما من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء والمخلوق إنما يصير مجيدًا بأوصافه وأفعاله فكيف يكون الرب تبارك وتعالى مجيدًا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال تعالى الله عما يقول المعطلون علوًا كبيرًا بل هو المجيد الفعال لما يريد والمجد في لغة العرب كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال الخير وأحسن ما قرن اسم المجيد إلى الحميد كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ وكما شرع لنا في آخر الصلاة أن نثني على الرب تعالى بأنه حميد مجيد وشرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن نقول ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد فالحمد والمجد على الاطلاق لله الحميد المجيد فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال والمجيد العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام ومن قرأ المجيد بالكسر فهو صفة لعرشه سبحانه وإذا كان عرشه مجيدًا فهو سبحانه أحق بالمجد وقد استشكل هذه القراءة بعض الناس وقال لم يسمع في صفات الخلق مجيد ثم خرجها على أحد الوجهين إما على الجوار وإما أن يكون صفة لربك وهذا من قلة بضاعة هذا القائل فإن الله سبحانه وصف عرشه بالكرم وهو نظير المجد ووصفه بالعظمة فوصفه سبحانه بالمجد مطابق لوصفه بالعظمة والكرم بل هو أحق المخلوقات أن يوصف بذلك لسعته وحسنه وبهاء منظره فإنه أوسع كل شيء في المخلوقات وأجمله وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة والذات ولا يقدر قدر عظمته وحسنه وبهاء منظره إلا الله ومجده مستفاد من مجد خالقه ومبدعه والسماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي الذي بين يديه كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي فيه كتلك الحلقة في الفلاة قال ابن عباس السماوات السبع في العرش كسبعة دراهم جعلن في ترس فكيف لا يكون مجيدًا وهذا شأنه فهو عظيم كريم مجيد وأما تكلف هذا المتكلف جره إلى الجوار أو أنه صفة لربك فتكلف شديد وخروج عن المألوف في اللغة من غير حاجة إلى ذلك.
وقوله ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ دليل على أمور
أحدها أنه سبحانه يفعل بإرادته ومشيئته
الثاني أنه لم يزل كذلك لأنه لم يزل
كذلك لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه وأن ذلك من كماله سبحانه فلا يجوز أن يكون عادمًا لهذا الكمال في وقت من الأوقات وقد قال تعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾
وما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد أن لم يكن.
الثالث أنه إذا أراد شيئًا فعله فإن ما موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن يفعله وهذا في إرادته المتعلقة بفعله وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه ويجعله فاعلًا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريده من نفسه أن يجعله فاعلًا وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها فإن هنا إرادتين إرادة أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله الرب فاعلًا وليستا متلازمتين وإن لزم من الثانية الأولى من غير عكس فمتى أراد من نفسه أن يعين عبده وأن يخلق له أسباب الفعل فقد أراد فعله وقد يريه فعله ولا يريد من نفسه أن يخلق له أسباب الفعل فلا يوجد الفعل.
فإن اعتاص عليك فهم هذا الموضع وأشكل عليك فانظر إلى قول النبي حاكيًا عن ربه قوله للعبد يوم القيامة قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب أبيك أن لا تشرك بي شيئًا ولم يقع هذا المراد لأنه لم يرد من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له الرابع أن فعله سبحانه وإرادته متلازمان فما أراد أن يفعله فعله وما فعله فقد أراده بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل وقد يفعل ما لا يريد فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده
الخامس إثبات إرادة متعددة بحسب الأفعال وأن كل فعل له إرادة تخصه وهذا هو المعقول في الفطر وهو الذي يعقله الناس من الإرادة فشأنه تعالى أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد
السادس أن كل ما صلح أن تتعلق به إرادته جاز فعله فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى نفسه لعباده وأن يتجلى لهم كيف شاء وأن يخاطبهم ويضحك إليهم وغير ذلك مما يريد سبحانه لم يمتنع عليه فعله فإنه فعال لما يريد وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به فإذا أخبر به وجب التصديق به وكان رده ردًا لكماله الذي اخبر به عن نفسه وهذا عين الباطل وكذلك إذا أمكن إرادته سبحانه محو ما شاء وإثبات ما شاء أمكن فعله وكانت الإرادة والفعل من مقتضيات كماله المقدس.
وقد اشتملت هذه السورة على اختصارها من التوحيد على وصفه سبحانه بالعزة المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير والحمد المتضمن لصفات الكمال والتنزيه عن أضدادها مع محبته وإلهيته وملكه السماوات والأرض المتضمن لكمال غناه وسعة ملكه وشهادته على كل شيء المتضمن لعموم اطلاعه على ظواهر الأمور وبواطنها وإحاطة بصره بمرئياتها وسمعه بمسموعاتها وعلمه بمعلوماتها ووصفه بشدة البطش المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة وتفرده بالإبداء والإعادة المتضمن لتوحيد ربوبيته وتصرفه في المخلوقات بالإبداء والإعادة وانقيادها لقدرته فلا يستعصى عليه منها شيء ووصفه بالمغفرة المتضمن لكمال جوده وإحسانه وغناه ورحمته ووصفه بالودود المتضمن لكونه حبيبًا إلى عباده محبًا لهم ووصفه بأنه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه وأن عرشه المختص به لا يليق بغيره أن يستوى عليه ووصفه بالمجد المتضمن لسعة العلم والقدرة والملك والغنى والجود والإحسان والكرم وكونه فعالًا لما يريد المتضمن لحياته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته وغير ذلك من أوصاف كماله
فهذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين تكفي من فهمها
فالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده.
(فائدة)
ذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُجابِينَ، وفي الدُّعاءِ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأنْصارِ يُكَنّى أبا مُعَلَّقٍ وكانَ تاجِرًا يَتَّجِرُ بِمالٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ، يَضْرِبُ بِهِ في الآفاقِ، وكانَ ناسِكًا ورِعًا، فَخَرَجَ مَرَّةً فَلَقِيَهُ لِصٌّ مُقَنَّعٌ في السِّلاحِ، فَقالَ لَهُ: ضَعْ ما مَعَكَ فَإنِّي قاتِلُكَ، قالَ: فَما تُرِيدُهُ مِن دَمِي؟ شَأْنُكَ بِالمالِ، قالَ: أمّا المالُ فَلِي، ولَسْتُ أُرِيدُ إلّا دَمَكَ، قالَ: أما إذا أبَيْتَ فَذَرْنِي أُصَلِّي أرْبَعَ رَكَعاتٍ، قالَ صَلِّ ما بَدا لَكَ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فَكانَ مِن دُعائِهِ في آخِرِ سُجُودِهِ أنْ قالَ: يا ودُودُ يا ودُودُ، يا ذا العَرْشِ المَجِيدِ، يا فَعّالًا لِما تُرِيدُ، أسْألُكَ بِعِزِّكَ الَّذِي لا يُرامُ، وبِمُلْكِكَ الَّذِي لا يُضامُ، وبِنُورِكَ الَّذِي مَلَأ أرْكانَ عَرْشِكَ أنْ تَكْفِيَنِي شَرَّ هَذا اللِّصِّ، يا مُغِيثُ أغِثْنِي، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَإذا هو بِفارِسٍ قَدْ أقْبَلَ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ قَدْ وضَعَها بَيْنَ أُذُنَيْ فَرَسِهِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ اللِّصُّ أقْبَلَ نَحْوَهُ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: قُمْ، فَقالَ: مَن أنْتَ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي؟ فَقَدْ أغاثَنِي اللَّهُ بِكَ اليَوْمَ، فَقالَ: أنا مَلَكٌ مِن أهْلِ السَّماءِ الرّابِعَةِ، دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الأوَّلِ فَسَمِعْتُ لِأبْوابِ السَّماءِ قَعْقَعَةً، ثُمَّ دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الثّانِي، فَسَمِعْتُ لِأهْلِ السَّماءِ ضَجَّةً، ثُمَّ دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الثّالِثِ، فَقِيلَ لِي: دُعاءُ مَكْرُوبٍ فَسَألْتُ اللَّهَ أنْ يُوَلِّيَنِي قَتْلَهُ، قالَ الحَسَنُ: فَمَن تَوَضَّأ وصَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ودَعا بِهَذا الدُّعاءِ، اسْتُجِيبَ لَهُ، مَكْرُوبًا كانَ أوْ غَيْرَ مَكْرُوبٍ.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
85:19–20Page 590
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ١٩
But they who disbelieve are in [persistent] denial,
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٢٠
While Allāh encompasses them from behind.1
ثم ختمها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك به وكذب رسله تحذيرًا لعباده من سلوك سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل به كما فعل بهم ثم أخبر عن أعدائه بأنهم مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالًا ممن عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار
فقال ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾
فهذا أعجب عجب ممن كفر بمن هو محيط به وآخذ بناصيته قادر عليه.
ثم وصف كلامه بأنه مجيد وهو أحق بالمجد من كل كلام كما أن المتكلم به له المجد كله فهو المجيد وكلامه مجيد وعرشه مجيد
قال ابن عباس رضي الله عنهما قرآن مجيد كريم لأن كلام الرب ليس كما يقول الكافرون شعر وكهانة وسحر
وقد تقدم أن المجد السعة وكثرة الخير وكثرة خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به.
وقوله ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أكثر القراء على الجر صفة لـ (لوح)
وفيه إشارة إلى أن الشياطين لا يمكنهم التنزل به لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه وهو في نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان فوصفه سبحانه بأنه محفوظ في قوله ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾
ووصف محله بالحفظ في هذه السورة فالله سبحانه حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل وحفظ معانيه من التحريف كما حفظ ألفاظه من التبديل وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان ومعانيه من التحريف والتغيير.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences