Ibn al-QayyimAl‑Anfal · 8:1–21

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الأنفال

Al-Anfal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

8:1Page 177

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١

They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.

No commentary for this ayah

8:2Page 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

No commentary for this ayah

8:3Page 177

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

No commentary for this ayah

8:4Page 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

No commentary for this ayah

8:5Page 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

No commentary for this ayah

8:6Page 177

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

No commentary for this ayah

8:7Page 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

No commentary for this ayah

8:8Page 177

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

No commentary for this ayah

8:9Page 178

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

﴿مُرْدِفِينَ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ وفَتْحِها، فَقِيلَ: المَعْنى إنَّهم رِدْفٌ لَكم.

وَقِيلَ: يُرْدِفُ بَعْضُهم بَعْضًا أرْسالًا لَمْ يَأْتُوا دَفْعَةً واحِدَةً.

فَإنْ قِيلَ: هاهُنا ذَكَرَ أنَّهُ أمَدَّهم بِألْفٍ، وفي (سُورَةِ آلِ عِمْرانَ) قالَ: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ - بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾

فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟

قِيلَ: قَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الإمْدادِ الَّذِي بِثَلاثَةِ آلافٍ، والَّذِي بِالخَمْسَةِ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وكانَ إمْدادًا مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ، فَلَمّا فاتَ شَرْطُهُ، فاتَ الإمْدادُ، وهَذا قَوْلُ الضحاك ومقاتل، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عكرمة.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومجاهد، وقتادة.

والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ عكرمة، اخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وحُجَّةُ هَؤُلاءِ أنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ - إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ - بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٣-١٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: هَذا الإمْدادَ ﴿إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] قالَ هَؤُلاءِ: فَلَمّا اسْتَغاثُوا، أمَدَّهم بِتَمامِ ثَلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ لَمّا صَبَرُوا واتَّقَوْا، فَكانَ هَذا التَّدْرِيجُ ومُتابَعَةُ الإمْدادِ أحْسَنَ مَوْقِعًا، وأقْوى لِنُفُوسِهِمْ، وأسَرَّ لَها مِن أنْ يَأْتِيَ بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، وهو بِمَنزِلَةِ مُتابَعَةِ الوَحْيِ ونُزُولِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

وَقالَتِ الفِرْقَةُ الأُولى: القِصَّةُ في سِياقِ أُحُدٍ، وإنَّما أدْخَلَ ذِكْرَ بَدْرٍ اعْتِراضًا في أثْنائِها، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فَذَكَّرَهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ لَمّا نَصَرَهم بِبَدْرٍ وهم أذِلَّةٌ، ثُمَّ عادَ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ، وأخْبَرَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِهِ لَهُمْ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾، ثُمَّ وعَدَهم أنَّهم إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا، أمَدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ، فَهَذا مِن قَوْلِ رَسُولِهِ، والإمْدادُ الَّذِي بِبَدْرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى، وهَذا بِخَمْسَةِ آلافٍ، وإمْدادُ بَدْرٍ بِألْفٍ، وهَذا مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ، وذَلِكَ مُطْلَقٌ، والقِصَّةُ في (سُورَةِ آلِ عِمْرانَ) هي قِصَّةُ أُحُدٍ مُسْتَوْفاةٌ مُطَوَّلَةٌ، وبَدْرٌ ذُكِرَتْ فِيها اعْتِراضًا، والقِصَّةُ في سُورَةِ الأنْفالِ قِصَّةُ بَدْرٍ مُسْتَوْفاةٌ مُطَوَّلَةٌ، فالسِّياقُ في (آلِ عِمْرانَ) غَيْرُ السِّياقِ في الأنْفالِ.

يُوَضِّحُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ [آل عمران: ١٢٥] قَدْ قالَ مجاهد: إنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ الإمْدادُ المَذْكُورُ فِيهِ، فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ: إنَّ الإمْدادَ بِهَذا العَدَدِ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وإتْيانُهم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يَوْمَ أُحُدٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

8:10Page 178

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

No commentary for this ayah

8:11Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

No commentary for this ayah

8:12Page 178

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1

قِيلَ في تَفْسِيرِها: قَوُّوا قُلُوبَهُمْ، وبَشَّرُوهم بِالنَّصْرِ.

وَقِيلَ: احْضُرُوا مَعَهُمُ القِتالَ.

والقَوْلانِ حَقٌّ، فَإنَّهم حَضَرُوا مَعَهُمُ القِتالَ، وثَبَّتُوا قُلُوبَهم.

8:13Page 178

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.

No commentary for this ayah

8:14Page 178

ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

No commentary for this ayah

8:15Page 178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].

No commentary for this ayah

8:16Page 178

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

No commentary for this ayah

8:17Page 179

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ فالمُرادُ بِهِ القَبْضَةُ مِنَ الحَصْباءِ الَّتِي رَمى بِها وُجُوهَ المُشْرِكِينَ فَوَصَلَتْ إلى عُيُونِ جَمِيعِهِمْ، فَأثْبَتَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الرَّمْيَ بِاعْتِبارِ النَّبْذِ والإلْقاءِ، فَإنَّهُ فَعَلَهُ، ونَفاهُ عَنْهُ بِاعْتِبارِ الإيصالِ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وهَذا فِعْلُ الرَّبِّ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَةُ العَبْدِ، والرَّمْيُ يُطْلَقُ عَلى الخَذْفِ، وهو مَبْدَؤُهُ، وعَلى الإيصالِ، وهو نِهايَتُهُ.

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِيُبْلِى المُوْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ فالبلاءُ الحسن هنا هو النعمة بالظفر والغنيمة والنصر على الأعداءِ، وليس من الابتلاءِ الذي هو الامتحان بالمكروه، بل من أبلاه بلاءً حسنًا إذا أنعم عليه، يقال: أبلاك الله ولا ابتلاك، فأبلاه بالخير، وابتلاه بالمكاره غالبًا كما في الحديث: "إني مبتليك ومبتل لك".

(فصل)

قلت اعتقد جماعة أن المراد بالآية: سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلا في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده. وهذا أغلظ منهم في فهم القرآن، فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال. فيقال: ما صليت، وما صمت إذا صمت، وما ضحيت إذ ضحيت، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته، ولكن الله فعل ذلك. فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد طاعاتهم ومعاصيهم، إذ لا فرق. فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها، أو رميه وحده، تناقضوا، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية.

وبعد: فهذه الآية نزلت في شأن رميه ﷺ المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته. ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه ﷺ مبدأ الرمي وهو الحذف ومن الله سبحانه وتعالى نيابة، وهو الإيصال. فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفي عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته.

ونظير هذا قوله في الآية نفسها: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ، ولكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم ثم قال: وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّهَ رَمى فأخبر أنه وحده هو الذي تفرد بقتلهم، ولم يكن ذلك بكم أنتم، كما تفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن ذلك من رسوله. ولكن وجه الإشارة بالآية: أنه سبحانه أقام أسبابا ظاهرة لدفع المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس. فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه، وبه، وهو خير الناصرين.

(فائدة)

وَقَدْ ظَنَّ طائِفَةٌ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ عَنِ العَبْدِ، وإثْباتِهِ لِلَّهِ، وأنَّهُ هو الفاعِلُ حَقِيقَةً، وهَذا غَلَطٌ مِنهم مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ مَذْكُورَةٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أثْبَتَ لِرَسُولِهِ ابْتِداءَ الرَّمْيِ، ونَفى عَنْهُ الإيصالَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ بِرَمْيَتِهِ فالرَّمْيُ يُرادُ بِهِ الحَذْفُ والإيصالُ، فَأثْبَتَ لِنَبِيِّهِ الحَذْفَ، ونَفى عَنْهُ الإيصالَ.

وَكانَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ تُبادِرُ المُسْلِمِينَ إلى قَتْلِ أعْدائِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أمامَهُ، إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وصَوْتَ الفارِسِ فَوْقَهُ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ، إذْ نَظَرَ إلى المُشْرِكِ أمامَهُ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ، فَإذا هو قَدْ خُطِمَ أنْفُهُ، وشُقَّ وجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذَلِكَ أجْمَعُ، فَجاءَ الأنْصارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِن مَدَدِ السَّماءِ الثّالِثَةِ».

وَقالَ أبو داود المازني: «إنِّي لَأتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأضْرِبَهُ، إذْ وقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي».

«وَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِالعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسِيرًا، فَقالَ العباس: إنَّ هَذا واللَّهِ ما أسَرَنِي، لَقَدْ أسَرَنِي رَجُلٌ أجْلَحُ، مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، عَلى فَرَسٍ أبْلَقَ ما أراهُ في القَوْمِ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: أنا أسَرْتُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: " اسْكُتْ فَقَدْ أيَّدَكَ اللَّهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ». وأُسِرَ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ ثَلاثَةٌ: العباس، وعقيل، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ.

(فصل)

وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾

فَغابَ عَنْهم فِقْهُ الآيَةِ وفَهْمُها، والآيَةُ مِن أكْبَرِ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ، والخِطابُ بِها خاصٌّ لِأهْلِ بَدْرٍ. وكَذَلِكَ القَبْضَةُ الَّتِي رَمى بِها النَّبِيُّ ﷺ فَأوْصَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى جَمِيعِ وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِ ﷺ، وهو الرَّمْيُ الَّذِي نَفاهُ عَنْهُ، وأثْبَتَ لَهُ الرَّمْيَ الَّذِي هو في مَحَلِّ قُدْرَتِهِ وهو الخَذْفُ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الَّذِي نَفاهُ عَنْهم هو قَتْلٌ لَمْ تُباشِرْهُ أيْدِيهِمْ، وإنَّما باشَرَتْهُ أيْدِي المَلائِكَةِ، فَكانَ أحَدُهم يَشْتَدُّ في أثَرِ الفارِسِ وإذا بِرَأْسِهِ قَدْ وقَعَ أمامَهُ مِن ضَرْبَةِ المَلِكِ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما فَهِمَهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا فِقْهَ لَهم في فَهْمِ النُّصُوصِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كُلِّ قَتْلٍ وكُلِّ فِعْلٍ مِن شُرْبٍ أوْ زِنًا أوْ سَرِقَةٍ أوْ ظُلْمٍ فَإنَّ اللَّهَ خالِقُ الجَمِيعِ، وكَلامُ اللَّهِ يُنَزَّهُ عَنْ هَذا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ «ما أنا حَمَلْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» لَمْ يُرِدْ أنَّ اللَّهَ حَمَلَهم بِالقَدَرِ، وإنَّما كانَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَصَرِّفًا بِأمْرِ اللَّهِ مُنَفِّذًا لَهُ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِحَمْلِهِمْ فَنَفَّذَ أوامِرَهُ، فَكَأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي حَمَلَهُمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ «واللَّهِ إنِّي لا أُعْطِي أحَدًا شَيْئًا ولا أمْنَعُهُ» ولِهَذا قالَ: «وَإنَّما أنا قاسِمٌ» فاللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُعْطِي عَلى لِسانِهِ، وهو يَقْسِمُ ما قَسَمَهُ بِأمْرِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في العَزْلِ «فَسَيَأْتِيها ما قُدِّرَ لَها» لَيْسَ فِيهِ إسْقاطُ الأسْبابِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إذا قَدَّرَ خَلْقَ الوَلَدِ سَبَقَ مِن الماءِ ما يُخْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ ولَوْ كانَ أقَلَّ شَيْءٍ فَلَيْسَ مِن كُلِّ الماءِ يَكُونُ الوَلَدُ، ولَكِنْ أيْنَ في السُّنَّةِ أنَّ الوَطْءَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في الوَلَدِ ألْبَتَّةَ ولَيْسَ سَبَبًا لَهُ، وأنَّ الزَّوْجَ أوْ السَّيِّدَ إنْ وطِئَ أوْ لَمْ يَطَأْ فَكِلا الأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى حُصُولِ الوَلَدِ وعَدَمِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ كَما يَقُولُهُ مُنْكِرُو الأسْبابِ؟

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ» ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ نَفِيَ السَّبَبِ كَما زَعَمْتُمْ لَمْ يَدُلَّ عَلى نَفْيِ كُلِّ سَبَبٍ، وإنَّما غايَتُهُ أنَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَيْسا مِن أسْبابِ الشَّرِّ، كَيْفَ والحَدِيثُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؟ وإنَّما يَنْفِي ما كانَ المُشْرِكُونَ يُثْبِتُونَهُ مِن سَبَبِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ لا يُمْكِنُ إبْطالُها ولا صَرْفُها عَنْ مَحَلِّها ولا مُعارَضَتُها بِما هو أقْوى مِنها، لا كَما يَقُولُهُ مَن قَصُرَ عِلْمُهُ: إنّهم كانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ فاعِلًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ.

[مَذاهِبُ النّاسِ في الأسْبابِ]

فالنّاسُ في الأسْبابِ لَهم ثَلاثُ طُرُقٍ: إبْطالُها بِالكُلِّيَّةِ، وإثْباتُها عَلى وجْهٍ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَقْبَلُ سَلْبَ سَبَبِيَّتِها ولا مُعارَضَتَها بِمِثْلِها أوْ أقْوى مِنها كَما يَقُولُهُ الطَّبائِعِيَّةُ والمُنَجِّمُونَ والدَّهْرِيَّةُ، والثّالِثُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ودَلَّ عَلَيْهِ الحِسُّ والعَقْلُ والفِطْرَةُ: إثْباتُها أسْبابًا، وجَوازًا، بَلْ وُقُوعُ سَلْبِ سَبَبِيَّتِها عَنْها إذا شاءَ اللَّهُ ودَفْعُها بِأُمُورٍ أُخْرى نَظِيرَها أوْ أقْوى مِنها، مَعَ بَقاءِ مُقْتَضى السَّبَبِيَّةِ فِيها، كَما تُصْرَفُ كَثِيرٌ مِن أسْبابِ الشَّرِّ بِالتَّوَكُّلِ والدُّعاءِ والصَّدَقَةِ والذِّكْرِ والِاسْتِغْفارِ والعِتْقِ والصِّلَةِ، وتُصْرَفُ كَثِيرٌ مِن أسْبابِ الخَيْرِ بَعْدَ انْعِقادِها بِضِدِّ ذَلِكَ، فَلِلَّهِ كَمْ مِن خَيْرٍ انْعَقَدَ سَبَبُهُ ثُمَّ صُرِفَ عَنْ العَبْدِ بِأسْبابٍ أحْدَثُها مَنَعَتْ حُصُولَهُ وهو يُشاهِدُ السَّبَبَ حَتّى كَأنَّهُ أُخِذَ بِاليَدِ؟ وكَمْ مِن شَرٍّ انْعَقَدَ سَبَبُهُ ثُمَّ صُرِفَ عَنْ العَبْدِ بِأسْبابٍ أحْدَثُها مَنَعَتْ حُصُولَهُ؟، ومَن لا فِقْهَ لَهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَلا انْتِفاعَ لَهُ بِنَفْسِهِ ولا بِعِلْمِهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.

[فَصْلٌ]

قَولُ اللَّهِ تَعالى ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾.

اعْتَقَدَ جَماعَةٌ أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ: سَلْبُ فِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْهُ، وإضافَتُهُ إلى الرَّبِّ تَعالى، وجَعَلُوا ذَلِكَ أصْلًا في الجَبْرِ، وإبْطالِ نِسْبَةِ الأفْعالِ إلى العِبادِ، وتَحْقِيقِ نِسْبَتِها إلى الرَّبِّ وحْدَهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم في فَهْمِ القُرْآنِ، فَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَجَبَ طَرْدُهُ في جَمِيعِ الأعْمالِ، فَيُقالُ: ما صَلَّيْتَ إذْ صَلَّيْتَ، وما صُمْتَ إذْ صُمْتَ، وما ضَحَّيْتَ إذْ ضَحَّيْتَ، ولا فَعَلْتَ كُلَّ فِعْلٍ إذْ فَعَلْتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإنْ طَرَدُوا ذَلِكَ لَزِمَهم في جَمِيعِ أفْعالِ العِبادِ - طاعَتِهِمْ ومَعاصِيهِمْ - إذْ لا فَرْقَ، فَإنْ خَصُّوهُ بِالرَّسُولِ ﷺ وحْدَهُ وأفْعالِهِ جَمِيعِها، أوْ رَمْيِهِ وحْدَهُ؛ تَناقَضُوا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يُوَفَّقُوا لِفَهْمِ ما أُرِيدَ بِالآيَةِ.

وَبَعْدُ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ رَمْيِهِ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَبْضَةٍ مِنَ الحَصْباءِ، فَلَمْ تَدَعْ وجْهَ أحَدٍ مِنهم إلّا أصابَتْهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ الرَّمْيَةَ مِنَ البَشَرِ لا تَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ، فَكانَ مِنهُ ﷺ مَبْدَأُ الرَّمْيِ، وهو الحَذْفُ، ومِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى نِهايَتُهُ، وهو الإيصالُ، فَأضافَ إلَيْهِ رَمْيَ الحَذْفِ الَّذِي هو مَبْدَؤُهُ، ونَفى عَنْهُ رَمْيَ الإيصالِ الَّذِي هو نِهايَتُهُ، ونَظِيرُ هَذا: قَوْلُهُ في الآيَةِ نَفْسِها ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ فَأخْبَرَهُ: أنَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي تَفَرَّدَ بِقَتْلِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِكم أنْتُمْ، كَما تَفَرَّدَ بِإيصالِ الحَصى إلى أعْيُنِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن رَسُولِهِ ولَكِنْ وجْهُ الإشارَةِ بِالآيَةِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أقامَ أسْبابًا ظاهِرَةً، كَدَفْعِ المُشْرِكِينَ، وتَوَلِّى دَفْعِهِمْ، وإهْلاكِهِمْ بِأسْبابٍ باطِنَةٍ غَيْرِ الأسْبابِ الَّتِي تَظْهَرُ لِلنّاسِ، فَكانَ ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ والنُّصْرَةِ مُضافًا إلَيْهِ وبِهِ، وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ.

(فصل)

واسْتَفْتَحَ أبو جهل في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا نَعْرِفُهُ فَأحْنِهِ الغَداةَ، اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ، وأرْضى عِنْدَكَ، فانْصُرْهُ اليَوْمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].

وَلَمّا وضَعَ المُسْلِمُونَ أيْدِيَهم في العَدُوِّ يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ، وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ واقِفٌ عَلى بابِ الخَيْمَةِ الَّتِي فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهي العَرِيشُ مُتَوَشِّحًا بِالسَّيْفِ في ناسٍ مِنَ الأنْصارِ، «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الكَراهِيَةَ لِما يَصْنَعُ النّاسُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَأنَّكَ تَكْرَهُ ما يَصْنَعُ النّاسُ؟ " قالَ: أجَلْ، واللَّهِ كانَتْ أوَّلَ وقْعَةٍ أوْقَعَها اللَّهُ بِالمُشْرِكِينَ، وكانَ الإثْخانُ في القَتْلِ أحَبَّ إلَيَّ مِنِ اسْتِبْقاءِ الرِّجالِ».

وَلَمّا بَرَدَتِ الحَرْبُ ووَلّى القَوْمُ مُنْهَزِمِينَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن يَنْظُرُ لَنا ما صَنَعَ أبو جهل؟ " فانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنا عفراء حَتّى بَرَدَ، وأخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقالَ: أنْتَ أبو جهل؟ فَقالَ: لِمَنِ الدّائِرَةُ اليَوْمَ؟ فَقالَ: لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وهَلْ أخْزاكَ اللَّهُ يا عَدُوَّ اللَّهِ؟ فَقالَ: وهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ فَقَتَلَهُ عبد الله، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: قَتَلْتُهُ: فَقالَ: " اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو " فَرَدَّدَها ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، انْطَلِقْ أرِنِيهِ. فانْطَلَقْنا فَأرَيْتُهُ إيّاهُ فَقالَ: " هَذا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ».

(وَأسَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أمية بن خلف، وابْنَهُ عليا، فَأبْصَرَهُ بلال، وكانَ أمية يُعَذِّبُهُ بِمَكَّةَ، فَقالَ: رَأْسُ الكُفْرِ أمية بن خلف، لا نَجَوْتُ إنْ نَجا، ثُمَّ اسْتَوْخى جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ، واشْتَدَّ عبد الرحمن بِهِما يُحْرِزُهُما مِنهُمْ، فَأدْرَكُوهُمْ، فَشَغَلَهم عَنْ أمية بِابْنِهِ، فَفَرَغُوا مِنهُ، ثُمَّ لَحِقُوهُما، فَقالَ لَهُ عبد الرحمن: ابْرُكْ. فَبَرَكَ فَألْقى نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ مِن تَحْتِهِ حَتى قَتَلُوهُ، وأصابَ بَعْضُ السُّيُوفِ رِجْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قالَ لَهُ أمية قَبْلَ ذَلِكَ: مَنِ الرَّجُلُ المُعَلَّمُ في صَدْرِهِ بِرِيشَةِ نَعامَةٍ؟ فَقالَ: ذَلِكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقالَ ذاكَ الَّذِي فَعَلَ بِنا الأفاعِيلَ، وكانَ مَعَ عبد الرحمن أدْراعٌ قَدِ اسْتَلَبَها، فَلَمّا رَآهُ أمية قالَ لَهُ: أنا خَيْرٌ لَكَ مِن هَذِهِ الأدْراعِ، فَألْقاها وأخَذَهُ، فَلَمّا قَتَلَهُ الأنْصارُ، كانَ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ بلالا، فَجَعَنِي بِأدْراعِي وبِأسِيرِي).

وانْقَطَعَ يَوْمَئِذٍ سَيْفُ عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ ﷺ جِذْلًا مِن حَطَبٍ فَقالَ: (دُونَكَ هَذا)، فَلَمّا أخَذَهُ عكاشة وهَزَّهُ، عادَ في يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلًا شَدِيدًا أبْيَضَ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يُقاتِلُ بِهِ حَتّى قُتِلَ في الرِّدَّةِ أيّامَ أبي بكر.

وَلَقِيَ الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مُدَجَّجٌ في السِّلاحِ لا يُرى مِنهُ إلّا الحَدَقُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الزبير بِحَرْبَتِهِ، فَطَعَنَهُ في عَيْنِهِ، فَماتَ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلى الحَرْبَةِ، ثُمَّ تَمَطّى، فَكانَ الجَهْدُ أنْ نَزَعَها، وقَدِ انْثَنى طَرَفاها، قالَ عروة: فَسَألَهُ إيّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهُ إيّاها، فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، ثُمَّ طَلَبَها أبو بكر، فَأعْطاهُ إيّاها، فَلَمّا قُبِضَ أبو بكر، سَألَهُ إيّاها عمر فَأعْطاهُ إيّاها، فَلَمّا قُبِضَ عمر أخَذَها، ثُمَّ طَلَبَها عثمان فَأعْطاهُ إيّاها، فَلَمّا قُبِضَ عثمان، وقَعَتْ عِنْدَ آلِ عَلِيٍّ، فَطَلَبَها عبد الله بن الزبير، وكانَتْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ.

«وَقالَ رفاعة بن رافع: (رُمِيتُ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَفُقِئَتْ عَيْنِي، فَبَصَقَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ودَعا لِي، فَما آذانِي مِنها شَيْءٌ».

وَلَمّا انْقَضَتِ الحَرْبُ أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى وقَفَ عَلى القَتْلى، فَقالَ: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وصَدَّقَنِي النّاسُ، وخَذَلْتُمُونِي ونَصَرَنِي النّاسُ، وأخْرَجْتُمُونِي وآوانِي النّاسُ.

ثُمَّ أمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا إلى قَلِيبٍ مِن قُلُبِ بَدْرٍ، فَطُرِحُوا فِيهِ، ثُمَّ وقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: " يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فُلانُ، ويا فُلانُ هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقّا، فَإنِّي وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقّا "، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تُخاطِبُ مِن أقْوامٍ قَدْ جَيَّفُوا؟ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ، ولَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ الجَوابَ ". ثُمَّ أقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالعَرْصَةِ ثَلاثًا، وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أقامَ بِعَرْصَتِهِمْ ثَلاثًا».

ثُمَّ ارْتَحَلَ مُؤَيَّدًا مَنصُورًا، قَرِيرَ العَيْنِ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، ومَعَهُ الأُسارى والمَغانِمُ، فَلَمّا كانَ بِالصَّفْراءِ، قَسَمَ الغَنائِمَ وضَرَبَ عُنُقَ النضر بن الحارث بن كلدة، ثُمَّ لَمّا نَزَلَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ، ضَرَبَ عُنُقَ عقبة بن أبي معيط.

وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ مُؤَيَّدًا مُظَفَّرًا مَنصُورًا قَدْ خافَهُ كُلُّ عَدُوٍّ لَهُ المَدِينَةَ وحَوْلَها، فَأسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وحِينَئِذٍ دَخَلَ عبد الله بن أبي المُنافِقُ وأصْحابُهُ في الإسْلامِ ظاهِرًا.

8:18Page 179

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.

No commentary for this ayah

8:19Page 179

إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩

If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.

No commentary for this ayah

8:20Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠

O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

No commentary for this ayah

8:21Page 179

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском