Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
الفجر
Al-Fajr
The Dawn · Meccan · 30 ayahs
89:1–5Page 593
وَٱلۡفَجۡرِ ١
By the dawn
وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢
And [by] ten nights1
وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣
And [by] the even [number] and the odd
وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤
And [by] the night when it passes,
هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥
Is there [not] in [all] that an oath [sufficient] for one of perception?1
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والفَجْرِ (١) ولَيالٍ عَشْرٍ (٢) والشَّفْعِ والوَتْرِ (٣) واللَّيْلِ إذا يَسْرِ (٤) هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾
قيل جوابه ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾
وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما طول الكلام والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة والثاني قوله ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ ذكر لتقرير عقوبة الله الأمم المذكورة وهي عاد وثمود وفرعون فذكر عقوبتهم ثم قال مقررًا ومحذرا ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ فلا ترى تعلقه بذلك دون القسم.
وأحسن من هذا أن يقال إن الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالًا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة، وهي محلها.
وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه، فإن الحج والنسك عبودية محضة لله وذل وخضوع لعظمته، وذلك ضد ما وصف به عادًا وثمود وفرعون من العتو والتكبر والتجبر، فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله، وهؤلاء الأمم عتوا وتكبروا عن أمر ربهم.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي قال:
"ما من أيام للعمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر.
قيل يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء"
فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسم الرب عز وجل به ﴿والفَجْرِ﴾ إن أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمن وقت صلاة الصبح التي هي أول الصلوات
فافتتح القسم بما يتضمن أول الصلوات وختمه بقوله ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ المتضمن لآخر الصلوات
وإن أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النحر وليلته التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام
وما رؤي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها.
وذلك الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند الله كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال
"أفضل الأيام عند الله يوم النحر"
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وهو آخر أيام العشر وهو يوم الحج الأكبر كما ثبت في صحيح البخاري وغيره.
وهو اليوم الذي أذن فيه مؤذن رسول الله ﷺ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾
وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لا يوم عرفة، وذلك بأمر رسول الله امتثالًا وتأويلًا للقرآن.
وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته، ولهذا قال الخليل عليه السلام ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقيل لخاتم الرسل ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾
بخلاف حال المشركين المتكبرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يشركون به، ويستكبرون عن عبادته كحال من ذكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون وذكر سبحانه من جملة هذه الأقسام ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ إذ هذه الشعائر المعظمة منها شفع ومنها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال.
فالصفا والمروة شفع، والبيت وتر، والجمرات وتر، ومنى ومزدلفة شفع، وعرفة وتر.
وأما الأعمال فالطواف وتر، وركعتاه شفع، والطواف بين الصفا والمروة وتر، ورمي الجمار وتر.
كل ذلك سبع سبع، وهو الأصل فإن الله وتر يحب الوتر.
والصلاة منها شفع ومنها وتر، والوتر يوتر الشفع فتكون كلها وترا كما قال النبي ﷺ
" صلاة الليل مثنى مثنى"
فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت.
وأما الزمان فإن يوم عرفة وتر، ويوم النحر شفع.
وهذا قول أكثر المفسرين وروى مجاهد عن ابن عباس الوتر آدم وشفع بزوجته حواء
وقال في رواية أخرى الشفع آدم وحواء، والوتر الله وحده.
وعنه رواية ثالثة الشفع يوم النحر والوتر اليوم الثالث.
وقال عمران ابن حصين وقتادة الشفع والوتر هي الصلاة.
وروى فيه حديثًا مرفوعًا.
وقال عطية العوفي الشفع الخلق قال الله تعالى ﴿وَخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ والوتر هو الله.
وهذا قول الحكم قال كل شيء شفع والله وتر.
وقال أبو صالح خلق الله من كل شيء زوجين اثنين والله وتر واحد.
وهذا قول مجاهد ومسروق.
وقال الحسن الشفع والوتر العدد كله من شفع ووتر.
وقال ابن زيد الشفع والوتر الخلق كله من شفع ووتر.
وقال مقاتل الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة.
وذكرت أقوال أخر هذه أصولها ومدارها كلها على قولين:
أحدهما أن الشفع والوتر نوعان للمخلوقات والمأمورات.
والثاني أن الوتر الخالق والشفع المخلوق.
وعلى هذا القول فيكون قد جمع في القسم بين الخالق والمخلوق فهو نظير ما تقدم في قوله ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾
ونظير ما ذكر في قوله ﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وما ذكر في قوله ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى﴾
وقال هاهنا ﴿والليل إذا يسر﴾ وفي سورة المدثر أقسم بالليل إذا أدبر، وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس.
وقد فسر بـ أقبل وفسر بأدبر فإن كان المراد إقباله فقد أقسم بأحوال الليل الثلاثة وهي حالة إقباله وحالة امتداده وسريانه وحالة إدباره وهي من آياته الدالة عليه سبحانه
وعرف ﴿الفجر﴾ باللام إذ كل أحد يعرفه ونكر (الليالي العشر) لأنها إنما تعرف بالعَلم
وأيضًا فإن التنكير تعظيم لها فإن التنكير يكون للتعظيم.
وفي تعريف ﴿الفجر﴾ ما يدل على شهرته وأنه الفجر الذي يعرفه كل أحد ولا يجهله.
فلما تضمن هذا القسم ما جاء به إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كان في ذلك ما دل على المقسم عليه، ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾
فإن عظمة هذا المقسم به يعرف بالنبوة، وذلك يحتاج إلى حجر بحجر صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى، ويحمله على اتباع الرسل لئلا يصيبه ما أصاب من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود.
وقال في (زاد المعاد) - بعد كلام -:
وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، فَإنَّ أيّامَهُ أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ ثَبَتَ في " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيها أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن هَذِهِ الأيّامِ العَشْرِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إلّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ»، وهي الأيّامُ العَشْرُ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والفَجْرِ - ولَيالٍ عَشْرٍ﴾
وَلِهَذا يُسْتَحَبُّ فِيها الإكْثارُ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ»، ونِسْبَتُها إلى الأيّامِ كَنِسْبَةِ مَواضِعِ المَناسِكِ في سائِرِ البِقاعِ.
وَمِن ذَلِكَ تَفْضِيلُ شَهْرِ رَمَضانَ عَلى سائِرِ الشُّهُورِ، وتَفْضِيلُ عَشْرِهِ الأخِيرِ عَلى سائِرِ اللَّيالِي، وتَفْضِيلُ لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى ألْفِ شَهْرٍ.
فَإنْ قُلْتَ: أيُّ العَشْرَيْنِ أفْضَلُ؟ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، أوِ العَشْرُ الأخِيرُ مِن رَمَضانَ؟ وأيُّ اللَّيْلَتَيْنِ أفْضَلُ؟ لَيْلَةُ القَدْرِ، أوْ لَيْلَةُ الإسْراءِ؟
قُلْتُ: أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ فالصَّوابُ فِيهِ أنْ يُقالَ: لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ أفْضَلُ مِن لَيالِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وأيّامُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أفْضَلُ مِن أيّامِ عَشْرِ رَمَضانَ، وبِهَذا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الِاشْتِباهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ لَيالِيَ العَشْرِ مِن رَمَضانَ إنَّما فُضِّلَتْ بِاعْتِبارِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وهي مِنَ اللَّيالِي، وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ إنَّما فُضِّلَ بِاعْتِبارِ أيّامِهِ، إذْ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
وقال في (بدائع الفوائد)
وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيا كافيا فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة وفيهما يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية.
وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان رسول الله ﷺ يحييها كلها وفيها ليلة خير من ألف شهر
فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة.
89:6Page 593
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦
Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -
ولما تضمن ذلك مدح الخاضعين والمتواضعين ذكر حال المستكبرين المتجبرين الطاغين ثم أخبر أنه صب عليهم سوط عذاب ونكره إما للتعظيم وإما لأن يسيرًا من عذابه استأصلهم وأهلكهم ولم يكن معه بقاء ولا ثبات.
(فائدة)
إنَّ كَوْنَهُ بِالمِرْصادِ هو مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.
(موعظة)
احذر عداوة من ينام وطرفه باك يقلب وجهه في السماء، يرمي سهاما ما لها غرض سوى الأحشاء منك، فربما ولعلها إذا كانت راحة اللذة تثمر ثمرة العقوبة لم يحسن تناولها.
No commentary for this ayah
89:8Page 593
ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨
The likes of whom had never been created in the land?
No commentary for this ayah
89:9Page 593
وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩
And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
89:13Page 593
فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣
So your Lord poured upon them a scourge of punishment.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
89:15–16Page 593
فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥
And as for man, when his Lord tries him and [thus] is generous to him and favors him, he says, "My Lord has honored me."1
وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦
But when He tries him and restricts his provision, he says, "My Lord has humiliated me."
﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ (١٥) وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ (١٦) كَلّا﴾
ثم ذكر حال الموسع عليهم في الدنيا والمقتر عليهم، وأخبر أن توسعته على من وسع عليه وإن كان إكرامًا له في الدنيا فليس ذلك إكرامًا على الحقيقة ولا يدل على أنه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته وأن تقتيره على من قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده بل يوسع ابتلاء وامتحانًا ويقتر ابتلاء وامتحانًا فيبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب
وسبحانه هو يبتلي عبده بنعمة تجلب له نقمة وبنعمة تجلب له نعمة أخرى وبنقمة تجلب له نقمة أخرى وبنقمة تجلب له نعمة فهذا شأن نعمه ونقمه سبحانه.
وقال في (عدة الصابرين)
أخبر سبحانه أنه يبتلي عبده بإكرامه له وبتنعيمه له وبسط الرزق عليه كما يبتليه بتضييق الرزق وتقديره عليه وأن كليهما ابتلاء منه وامتحان ثم أنكر سبحانه على من زعم أن بسط الرزق وتوسعته إكرام من الله لعبده، وأن تضييقه عليه اهانة منه له فقال ﴿كلا﴾ أي ليس الأمر كما يقول الإنسان، بل قد أبتلِي بنعمتي وأُنعِم ببلائي
وإذا تأملت ألفاظ الآية وجدت هذا المعنى يلوح على صفحاتها ظاهرا للمتأمل.
وقال في (المدارج)
أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن أعْطَيْتُهُ ونَعَّمْتُهُ وخَوَّلْتُهُ فَقَدْ أكْرَمْتُهُ، وما ذاكَ لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ مِنِّي، وامْتِحانٌ لَهُ أيَشْكُرُنِي فَأُعْطِيَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، أمْ يَكْفُرُنِي فَأسْلُبَهُ إيّاهُ، وأُخَوِّلَ فِيهِ غَيْرَهُ؟ ولَيْسَ كُلُّ مَنِ ابْتَلَيْتُهُ فَضَيَّقْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وجَعَلْتُهُ بِقَدَرٍ لا يُفَضَّلُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مِن هَوانِهِ عَلَيَّ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنِّي لَهُ أيَصْبِرُ فَأُعْطِيَهُ أضْعافَ أضْعافِ ما فاتَهُ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، أمْ يَتَسَخَّطُ فَيَكُونَ حَظُّهُ السُّخْطَ؟
فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى مَن ظَنَّ أنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ إكْرامٌ، وأنَّ الفَقْرَ إهانَةٌ، فَقالَ: لَمْ أبْتَلِ عَبْدِي بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ، فَأخْبَرَ أنَّ الإكْرامَ والإهانَةَ لا يَدُورانِ عَلى المالِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وتَقْدِيرِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُوَسِّعُ عَلى الكافِرِ لا لِكَرامَتِهِ، ويُقَتِّرُ عَلى المُؤْمِنِ لا لِإهانَتِهِ، إنَّما يُكْرِمُ مَن يُكْرِمُهُ بِمَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، ويُهِينُ مَن يُهِينُهُ بِالإعْراضِ عَنْهُ ومَعْصِيَتِهِ، فَلَهُ الحَمْدُ عَلى هَذا وعَلى هَذا، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
وقال في (الجواب الكافي)
وَقَدْ رَدَّ سُبْحانَهُ عَلى مَن يَظُنُّ هَذا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِي - كَلّا﴾
أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن نَعَّمْتُهُ ووَسَّعْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أكُونُ قَدْ أكْرَمْتُهُ، ولَيْسَ كُلُّ مَنِ ابْتَلَيْتُهُ وضَيَّقْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أكُونُ قَدْ أهَنْتُهُ، بَلْ أبْتَلِي هَذا بِالنِّعَمِ، وأُكْرِمُ هَذا بِالِابْتِلاءِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيا مَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِبُّ ولا يُعْطِي الإيمانَ إلّا مَن يُحِبُّ»
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: رُبَّ مُسْتَدْرَجٍ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو لا يَعْلَمُ، ورُبَّ مَغْرُورٍ بِسَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو لا يَعْلَمُ، ورُبَّ مَفْتُونٍ بِثَناءِ النّاسِ عَلَيْهِ وهو لا يَعْلَمُ.
وقال أيضا في (المدارج)
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - والفَقْرُ والغِنى ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ كَلّا﴾
أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن وسَّعْتُ عَلَيْهِ وأعْطَيْتُهُ: أكُونُ قَدْ أكْرَمْتُهُ، ولا كُلُّ مَن ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ وقَتَّرْتُ: أكُونُ قَدْ أهَنْتُهُ، فالإكْرامُ: أنْ يُكْرِمَ اللَّهُ العَبْدَ بِطاعَتِهِ، والإيمانِ بِهِ، ومَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ. والإهانَةُ: أنْ يَسْلُبَهُ ذَلِكَ.
قالَ - يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ - ولا يَقَعُ التَّفاضُلُ بِالغِنى والفَقْرِ. بَلْ بِالتَّقْوى، فَإنِ اسْتَوَيا في التَّقْوى اسْتَوَيا في الدَّرَجَةِ.
سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَتَذاكَرُوا هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ. فَقالَ: لا يُوزَنُ غَدًا الفَقْرُ ولا الغِنى، وإنَّما يُوزَنُ الصَّبْرُ والشُّكْرُ.
وَقالَ غَيْرُهُ: هَذِهِ المَسْألَةُ مُحالٌ مِن وجْهٍ آخَرَ. وهو أنَّ كُلًّا مِنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ لا بُّدَ لَهُ مِن صَبْرٍ وشُكْرٍ.
فَإنَّ الإيمانَ نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ. ونِصْفٌ شُكْرٌ.
بَلْ قَدْ يَكُونُ نَصِيبُ الغَنِيِّ وقِسْطُهُ مِنَ الصَّبْرِ أوْفَرَ. لِأنَّهُ يَصْبِرُ عَنْ قُدْرَةٍ، فَصَبْرُهُ أتَمُّ مَن صَبْرِ مَن يَصْبِرُ عَنْ عَجْزٍ. ويَكُونُ شُكْرُ الفَقِيرِ أتَمَّ؛ لِأنَّ الشُّكْرَ هو اسْتِفْراغُ الوُسْعِ في طاعَةِ اللَّهِ، والفَقِيرُ أعْظَمُ فَراغًا لِلشُّكْرِ مِنَ الغَنِيِّ.
فَكِلاهُما لا تَقُومُ قائِمَةُ إيمانِهِ إلّا عَلى ساقِي الصَّبْرِ والشُّكْرِ.
وقال أيضا في (شفاء العليل)
قوله: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾
فهو قد اعترف بأن ربه هو الذي آتاه ذلك، ولكن ظن أنه لكرامته عليه.
فالآية على التقدير الأول تتضمن ذم من أضاف النعم إلى نفسه وعلمه وقوته، ولم يضفها إلى فضل الله وإحسانه، وذلك محض الكفر بها، فإن رأس الشكر الاعتراف بالنعمة، وأنها من المنعم وحده، فإذا أضيفت إلى غيره كان جحدا لها، فإذا قال أوتيته على ما عندي من العلم والخبرة التي حصلت بها ذلك فقد أضافها إلى نفسه، وأعجب بها، كما أضافها إلى قدرته الذين قالوا ﴿من أشد منا قوة﴾
فهؤلاء اغتروا بقوتهم، وهذا اغتر بعلمه، فما أغنى عن هؤلاء قوتهم، ولا عن هذا علمه.
وعلى التقدير الثاني يتضمن ذم من اعتقد أن إنعام الله عليه لكونه أهلا ومستحقا لها، فقد جعل سبب النعمة ما قام به من الصفات التي يستحق بها على الله أن ينعم عليه، وأن تلك النعمة جزاء له على إحسانه وخيره، فقد جعل سببها ما اتصف به هو لا ما قام بربه من الجود والإحسان والفضل والمنة، ولم يعلم أن ذلك ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر، ليس ذلك جزاء على ما هو منه، ولو كان ذلك جزاء على عمله أو خير قام به فالله سبحانه هو المنعم عليه بذلك السبب، فهو المنعم بالمسبب والجزاء والكل محض منته وفضله وجوده، وليس للعبد من نفسه مثقال ذرة من الخير.
وعلى التقديرين فهو لم يضف النعمة إلى الرب من كل وجه، وإن أضافها إليه من وجه دون وجه، وهو سبحانه وحده هو المنعم من جميع الوجوه على الحقيقة بالنعم وأسبابها فأسبابها من نعمه على العبد، وإن حصلت بكسبه فكسبه من نعمه فكل نعمة فمن الله وحده حتى الشكر فإنه نعمة وهي منه سبحانه، فلا يطيق أحد أن يشكره إلا بنعمته، وشكره نعمة منه عليه كما قال داود:
"يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة من نعمك علي تستوجب شكرا آخر فقال: الآن شكرتني يا داود"
ذكره الإمام أحمد.
وذكر أيضا عن الحسن قال: قال داود:
"إلهي لو أن لكل شعرة من شعري لسانين يذكرانك بالليل والنهار والدهر كله لما أدّوا ما لك علي من حق نعمة واحدة"
والمقصود أن حال الشاكر ضد حال القائل (إنما أوتيته على علم عندي).
[فصل: النِّعْمَةُ المُقَيَّدَةُ]
والنِّعْمَةُ الثّانِيَةُ: النِّعْمَةُ المُقَيَّدَةُ كَنِعْمَةِ الصِّحَّةِ، والغِنى، وعافِيَةِ الجَسَدِ، وبَسْطِ الجاهِ، وكَثْرَةِ الوَلَدِ، والزَّوْجَةِ الحَسَنَةِ، وأمْثالِ هَذِهِ، فَهَذِهِ النِّعْمَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ البَرِّ والفاجِرِ والمُؤْمِنِ والكافِرِ، وإذا قِيلَ: لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو حَقٌّ، فَلا يَصِحُّ إطْلاقًا السَّلْبُ والإيجابُ إلّا عَلى وجْهٍ واحِدٍ؛ وهو أنَّ النِّعَمَ المُقَيَّدَةَ، لَمّا كانَتِ اسْتِدْراجًا لِلْكافِرِ ومَآلُها إلى العَذابِ والشَّقاءِ فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً وإنَّما كانَتْ بَلِيَّةً كَما سَمّاها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِي كَلّا. . .﴾ الآيَةَ.
أيْ: لَيْسَ كُلُّ مَن أكْرَمْتُهُ في الدُّنْيا ونَعَّمْتُهُ فِيها فَقَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ وإنَّما كانَ ذَلِكَ ابْتِلاءً مِنِّي لَهُ، واخْتِبارًا، ولا كُلُّ مَن قَدَرْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَجَعَلْتُهُ بِقَدْرِ حاجَتِهِ مِن غَيْرِ فَضْلٍ أكُونُ قَدْ أهَنْتُهُ، بَلْ أبْتَلِي عَبْدِي بِالنِّعَمِ كَما أبْتَلِيهِ بِالمَصائِبِ.
فَإنْ قِيلَ - فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى ويَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥]. فَأثْبَتَ الإكْرامَ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّي أكْرَمَنِي﴾ [الفجر: ١٥] وقالَ: (كَلّا). أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إكْرامًا مِنِّي وإنَّما هو ابْتِلاءٌ فَكَأنَّهُ أثْبَتَ لَهُ الإكْرامَ ونَفاهُ؟
قِيلَ: الإكْرامُ المُثْبَتُ غَيْرُ الإكْرامِ المَنفِيِّ، وهُما مِن جِنْسِ النِّعْمَةِ المُطْلَقَةِ والمُقَيَّدَةِ، فَلَيْسَ هَذا الإكْرامُ المُقَيَّدُ بِمُوجِبٍ لِصاحِبِهِ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الإكْرامِ المُطْلَقِ.
وَكَذَلِكَ أيْضًا إذا قِيلَ إنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى الكافِرِ نِعْمَةً مُطْلَقَةً ولَكِنَّهُ رَدَّ نِعْمَةَ اللَّهِ وبَدَّلَها فَهو بِمَنزِلَةِ مَن أُعْطِيَ مالا يَعِيشُ بِهِ فَرَماهُ في البَحْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] وقالَ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، فَهِدايَتُهُ إيّاهم نِعْمَةٌ مِنهُ عَلَيْهِمْ فَبَدَّلُوا نِعْمَتَهُ وآثَرُوا عَلَيْها الضَّلالَ. فَهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في مَسْألَةِ: هَلْ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ أمْ لا؟
وَأكْثَرُ اخْتِلافِ النّاسِ مِن جِهَتَيْنِ:
إحْداهُما: اشْتِراكُ الألْفاظِ وإجْمالُها.
والثّانِيَةُ: مِن جِهَةِ الإطْلاقِ والتَّفْصِيلِ.
89:17–19Page 593
كـَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧
No!1 But you do not honor the orphan
وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨
And you do not encourage one another to feed the poor.
وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩
And you consume inheritance, devouring [it] altogether,1
وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانه وماله وهم هؤلاء الأمم الثلاثة قوم عاد اغتروا بقوتهم وثمود اغتروا بجنانهم وعيونهم وزروعهم وبساتينهم وقوم فرعون اغتروا بالمال والرياسة فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله علينا وهذا شأنه دائمًا مع كل من اغتر بشيء من ذلك لا بد أن يفسده عليه ويسلبه إياه ثم ذكر سبحانه حال الإنسان في معاملته لمن هو أضعف منه كاليتيم والمسكين فلا يكرم هذا ولا يحض على طعام هذا.
ثم ذكر حرصه على جمع المال وأكله وحبه له وذلك هو الذي أوجب له عدم رحمته لليتيم والمسكين.
(فائدة)
قوله: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ المقصود تقرير هذا النفي وتحقيقه، لا الإضراب عن قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾.
قوله تعالى: ﴿أكْلًا لَمًّا﴾
جاءَ في تَفْسِيرها يَأْكُل نصِيبه ونصِيب صاحبه وأصله من اللم وهو الجمع كَما يُقال لفه يلفه ومِنه ألم بالشَّيْء إذا قارب الِاجْتِماع بِهِ والوصول إلَيْهِ ومِنه اللمم وهو مقاربة الِاجْتِماع بالكبائر ومِنه الملمة وهِي النّازِلَة الَّتِي تصيب العَبْد ومِنه اللُمة وهِي الشّعْر الَّذِي قد اجْتمع وتقلص حَتّى جاوز شحمة الأذن ومِنه تمّ الشَّيْء وما تصرف مِنها ومِنه بدر التم إذا كمل واجْتمعَ نوره ومِنه التوأم للولدين المجتمعين في بطن ومِنه الأُم وأم الشَّيْء أصله الَّذِي تفرع مِنهُ فَهو الجامِع لَهُ وبِه سميت مَكَّة أم القرى والفاتحة أم القُرْآن واللوح المَحْفُوظ أم الكتاب.
No commentary for this ayah
89:21Page 593
كـَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١
No! When the earth has been leveled - pounded and crushed
No commentary for this ayah
89:22Page 593
وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢
And your Lord has come1 and the angels, rank upon rank,
No commentary for this ayah
89:23–24Page 593
وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣
And brought [within view], that Day, is Hell - that Day, man will remember, but how [i.e., what good] to him will be the remembrance?
يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤
He will say, "Oh, I wish I had sent ahead [some good] for my life."1
(موعظة)
الحَياةُ في الحَقِيقَةِ حَياةُ القَلْبِ، وعُمُرُ الإنْسانِ مُدَّةُ حَيّاتِهِ فَلَيْسَ عُمُرُهُ إلّا أوْقاتَ حَياتِهِ بِاللَّهِ، فَتِلْكَ ساعاتُ عُمُرِهِ، فالبِرُّ والتَّقْوى والطّاعَةُ تَزِيدُ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي هي حَقِيقَةُ عُمُرِهِ، ولا عُمُرَ لَهُ سِواها.
وَبِالجُمْلَةِ، فالعَبْدُ إذا أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ واشْتَغَلَ بِالمَعاصِي ضاعَتْ عَلَيْهِ أيّامُ حَياتِهِ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يَجِدُ غِبَّ إضاعَتِها يَوْمَ يَقُولُ: ﴿يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤].
فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ تَطَلُّعٌ إلى مَصالِحِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ أوْ لا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَطَلُّعٌ إلى ذَلِكَ فَقَدْ ضاعَ عَلَيْهِ عُمُرُهُ كُلُّهُ، وذَهَبَتْ حَياتُهُ باطِلًا، وإنْ كانَ لَهُ تَطَلُّعٌ إلى ذَلِكَ طالَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ بِسَبَبِ العَوائِقِ، وتَعَسَّرَتْ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ بِحَسْبِ اشْتِغالِهِ بِأضْدادِها، وذَلِكَ نُقْصانٌ حَقِيقِيٌّ مِن عُمُرِهِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّ عُمُرَ الإنْسانِ مُدَّةُ حَيّاتِهِ ولا حَياةَ لَهُ إلّا بِإقْبالِهِ عَلى رَبِّهِ، والتَّنَعُّمِ بِحُبِّهِ وذِكْرِهِ، وإيثارِ مَرْضاتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences