Ibn al-QayyimAl‑Ahqaf · 46:1–35

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الأحقاف

Al-Ahqaf

The Wind-Curved Sandhills · Meccan · 35 ayahs

46:1Page 502

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

No commentary for this ayah

46:2Page 502

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

No commentary for this ayah

46:3Page 502

مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣

We did not create the heavens and earth and what is between them except in truth and [for] a specified term. But those who disbelieve, from that of which they are warned, are turning away.

No commentary for this ayah

46:4Page 502

قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤

Say, [O Muḥammad], "Have you considered that which you invoke besides Allāh? Show me what they have created of the earth; or did they have partnership in [creation of] the heavens? Bring me a scripture [revealed] before this or a [remaining] trace of knowledge, if you should be truthful."

No commentary for this ayah

46:5Page 502

وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥

And who is more astray than he who invokes besides Allāh those who will not respond to him until the Day of Resurrection [i.e., never], and they, of their invocation, are unaware.

No commentary for this ayah

46:6Page 503

وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦

And when the people are gathered [that Day], they [who were invoked] will be enemies to them, and they will be deniers of their worship.

No commentary for this ayah

46:7Page 503

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is obvious magic."

No commentary for this ayah

46:8Page 503

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨

Or do they say, "He has invented it"? Say, "If I have invented it, you will not possess for me [the power of protection] from Allāh at all. He is most knowing of that in which you are involved.1 Sufficient is He as Witness between me and you, and He is the Forgiving, the Merciful."

No commentary for this ayah

46:9Page 503

قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩

Say, "I am not something new among the messengers,1 nor do I know what will be done with me or with you. I only follow that which is revealed to me, and I am not but a clear warner."

فَهَذا رد وإنكار على من أنكر رِسالَة النَّبِي ﷺ مَعَ مَجِيئه بِمثل ما جاءَت بِهِ الرُّسُل قبله من الآيات، بل أعظم مِنها.

فَكيف تنكر رسالَته؟ ولَيْسَت من الأُمُور الَّتِي تطرق العالم، بل لم تخل الأرْض من الرُّسُل وآثارهم، فرسولكم جاءَ على منهاج من تقدمه من الرُّسُل في الرسالَة لم يكن بدعا.

46:10Page 503

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠

Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] was from Allāh, and you disbelieved in it while a witness from the Children of Israel has testified to something similar1 and believed while you were arrogant...?"2 Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.

No commentary for this ayah

46:11Page 503

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١

And those who disbelieve say of those who believe, "If it had [truly] been good, they would not have preceded us to it." And when they are not guided by it, they will say, "This is an ancient falsehood."

No commentary for this ayah

46:12Page 503

وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢

And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.

(فصل)

قال السهيلي: إذا كانت الحال صفة لازمة للاسم كان حملها عليه على جهة النعت أولى بها.

وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت الإخبار عنه بالفعل مع أن تكون حالا لأنها مشتقة من التحول فلا تكون إلا صفة يتحول عنها ولذلك لا تكون إلا مشتقة من فعل لأن الفعل حركة غير ثابتة وقد تجيء غير مشتقة لكن في معنى المشتق كقوله:

"وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا"

رواه مسلم.

أي يتحول عن حاله ويعود متصورا في صورة الرجل فقوله: رجلا في قوة متصورا بهذه الصورة وأما قولهم: جاءني زيد رجلا صالحا فالصفة وطأت الاسم للحال ولولا صالحا ما كان رجلا حالا وكذلك قوله تعالى: ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾

قلت: وعلى هذا فيكون أقسام الحال أربعة مقيدة ومقدرة ومؤكدة وموطئة.

فإن قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد في الموطئة وهلا اكتفى بالمشتق فيها قيل في ذكر الاسم موصوفا بالصفة في هذا الموطن دليل على لزوم هذه الحال لصاحبها وأنها مستمرة له وليس كقولك جاءني زيد صالحا لأن صالحا ليس فيه غير لفظ الفعل والفعل غير دائم وفي قولك رجلا صالحا لفظ رجل وهو دائم فلذلك ذكر.

فإن قيل كيف يصح في لسانا عربيا أن يكون حالا وليست وصفا منتقلا

ولهذا لو قلت: جاءني زيد قرشيا أو عربيا لم يجز؟

قيل: قوله: ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من الضمير في مصدق لا من كتاب لأنه نكره والعامل في الحال ما في مصدق من معنى الفعل فصار المعنى أنه مصدق لك في هذه الحال والاسم الذي هو صاحب الحال قديم وقد كان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى ومن خلا من الرسل وإنما كان عربيا حين أنزل على محمد ﷺ مصدقا لما بين يديه من الكتاب فقد أوضحت فيه معنى الحال وبرح الإشكال.

قلت: كلا بل زدت الإشكال إشكالا وليس معنى الآية ما ذهبت إليه وإنما ﴿لسانا عربيا﴾ حال من ﴿كتاب﴾ وصح انتصاب الحال عنه مع كونه نكرة لكونه قد وصف، والنكرة إذا وصفت انتصب عنها الحال لتخصصها بالصفة كما يصح أن يبتدئ بها.

وأما قوله: إن المعنى مصدق لك فلا ريب أنه مصدق له، ولكن المراد من الآية أنه مصدق لما تقدم من كتب الله تعالى كما قال: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾

وقال: ﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾

وقال: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾

أفلا ترى كيف اطرد في القرآن وصف الكتاب بأنه مصدق لما بين يديه.

وقال: وباتفاق الناس أن المراد مصدق لما تقدمه من الكتب، وبهذه الطريق يكون مصدقا للنبي ﷺ، ويكون أبلغ في الدليل على صدقه من أن يقال: هذا كتاب مصدق لك، فإنه إذا كانت الكتب المتقدمة تصدقها وتشهد بصحة ما فيها مما أنزله الله من غير مواطأة ولا اقتباس منها دل على أن الذي جاء به رسول الله ﷺ صادق، كما أن الذي جاء بها كذلك، وأن مخرجهما من مشكاة واحدة.

ولهذا قال النجاشي حين قرئ عليه القرآن:

"إن هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة"

يعني فإذا كان موسى صادقا وكتابه حق، فهذا كذلك، إذ من المحال أن يخرج شيئان من مشكاة واحدة ويكون أحدهما باطلا محضا، والآخر حقا محضا.

فإن هذا لا يكون إلا مع غاية التباين والتنافر.

فالقرآن صدق الكتب المتقدمة، وهي بشرت به وبمن جاء به، فقام الدليل على صدقه من الوجهين معا من جهة بشارة من تقدمه به، ومن جهة تصديقه ومطابقته له فتأمله.

ولهذا كثيرا ما يتكرر هذا المعنى في القرآن إذ في ضمنه الاحتجاج على الكتابيين بصحة ﷺ بهذه الطريق وهي حجة أيضا على غيرهم بطريق اللزوم، لأنه إذا جاء بمثل ما جاءوا به من غير أن يتعلم منهم حرفا واحدا دل على أنه من عند الله تعالى وحتى لو أنكروا رسالة من تقدم لكان في مجيئه بمثل ما جاءوا به إثبات لرسالته ورسالة من تقدمه، ودليل على صحة الكتابين وصدق الرسولين، لأن الثاني قد جاء بأمر لا يمكن أن ينال بالتعليم أصلا، ولا البعض منه.

فجاء على يدي أمي لا يقرأ كتابا ولا خطه بيمينه، ولا عاشر أحدا من أهل الكتاب، بل نشأ بينكم وأنتم شاهدون حاله حضرا وسفرا، وظعنا وإقامة، فهذا من أكبر الأدلة على أن ما جاء به ليس من عند البشر ولا في قدرتهم، وهذا برهان بين من برهان الشمس.

وقد تضمن ما جاء به تصديق من تقدمه، وتضمن ما تقدمه البشارة به، فتطابقت حجج الله وبيناته على صدق أنبيائه ورسله، وانقطعت المعذرة، وثبتت الحجة فلم يبق لكافر إلا العناد المحض، أو الإعراض والصد.

46:13Page 503

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣

Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh," and then remained on a right course - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

No commentary for this ayah

46:14Page 503

أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤

Those are the companions of Paradise, abiding eternally therein as reward for what they used to do.

No commentary for this ayah

46:15Page 504

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥

And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."

أخْبر تَعالى أن مُدَّة الحمل والفطام ثَلاثُونَ شهرا وأخْبر في آيَة البَقَرَة أن مُدَّة تَمام الرَّضاع حَوْلَيْنِ كامِلين فَعلم أن الباقِي يصلح مُدَّة للْحَمْل وهو سِتَّة أشهر فاتفق الفُقَهاء كلهم على أن المَرْأة لا تَلد لدوّنَ سِتَّة أشهر إلّا أن يكون سقطا وهَذا أمر تَلقاهُ الفُقَهاء عَن الصَّحابَة رَضِي الله عَنْهُم

فَذكر البَيْهَقِيّ وغَيره عَن أبي حَرْب بن أبي الأسود الديلِي أن عمر أُتِي بِامْرَأة قد ولدت لسِتَّة أشهر فهم عمر برجمها فَبلغ ذَلِك عليا رَضِي الله عَنهُ فَقالَ لَيْسَ عَلَيْها رجم فَبلغ ذَلِك عمر فَأرْسل إلَيْهِ فَسَألَهُ فَقالَ ﴿والوالدات يرضعن أوْلادهنَّ حَوْلَيْنِ كامِلين لمن أرادَ أن يتم الرضاعَة﴾ [البقرة: ٢٣٣]

وَقالَ ﴿وَحمله وفصاله ثَلاثُونَ شهرا﴾

فستة أشهر حمله وحولان تَمام الرضاعَة لا حد عَلَيْهِما فخلى عَنْها.

وَفِي موطأ مالك أنه بلغه أن عُثْمان بن عَفّان رَضِي الله عَنهُ أُتِي بِامْرَأة قد ولدت في سِتَّة أشهر فَأمر بها أن ترْجم فَقالَ عَليّ لَيْسَ ذَلِك عَلَيْها قالَ الله تَعالى ﴿وَحمله وفصاله ثَلاثُونَ شهرا﴾

وَقالَ ﴿وفصاله في عاميْنِ﴾ فَأمر بها عُثْمان أن ترد فَوَجَدَها قد رجمت.

وَذكر داوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبّاس أنه كانَ يَقُول إذا ولدت المَرْأة لتسعة أشهر كفاها من الرَّضاع أحد وعِشْرُونَ شهرا وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرَّضاع ثَلاثَة وعِشْرُونَ شهرا وإذا وضعت لسِتَّة أشهر كفاها من الرَّضاع أرْبَعَة وعِشْرُونَ شهرا كَما قالَ تَعالى ﴿وَحمله وفصاله ثَلاثُونَ شهرا﴾ انْتهى كَلامه.

(فائدة)

وَفَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ المَرْأةَ قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، ولَمْ يَفْهَمْهُ عُثْمانُ فَهَمَّ بِرَجْمِ امْرَأةٍ ولَدَتْ لَها حَتّى ذَكَّرَهُ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ فَأقَرَّ بِهِ.

(فصل: سن الأشد)

فَإذا تَيَقّن بُلُوغه جرى عَلَيْهِ قلم التَّكْلِيف وثَبت لَهُ جَمِيع أحْكام الرجل ثمَّ يَأْخُذ في بُلُوغ الأشد.

قالَ الزّجاج الأشد من نَحْو سبع عشرَة سنة إلى نَحْو الأرْبَعين

وَقالَ ابْن عَبّاس في رِوايَة عَطاء عَنهُ الأشد الحلم وهو اخْتِيار يحيى بن يعمر والسُّديّ

وروى مُجاهِد عَنهُ سِتا وثَلاثِينَ سنة

وروى عَنهُ أيْضا ثَلاثِينَ

وَقالَ الضَّحّاك عشْرين سنة

وَقالَ مقاتل ثَمان عشرَة

وَقد أحكم الزُّهْرِيّ تحكيم اللَّفْظَة فَقالَ بُلُوغ الأشد يكون من وقت بُلُوغ الإنْسان مبلغ الرِّجال إلى أرْبَعِينَ سنة

قالَ فبلوغ الأشد مَحْصُور الأول مَحْصُور النِّهايَة، غير مَحْصُور ما بَين ذَلِك.

فبلوغ الأشد مرتبَة بَين البلُوغ وبَين الأرْبَعين.

وَمعنى اللَّفْظَة من الشدَّة وهِي القُوَّة والجلادة والشديد الرجل القوي فالأشد القوي

قالَ الفراء واحِدها شدَّة في القياس ولم أسمع لَها بِواحِد

وَقالَ أبُو الهَيْثَم واحِدها شدَّة كنعمة وأنعم

وَقالَ بعض أهل اللُّغَة واحِدها شُدَّة بِضَم الشين

وَقالَ آخَرُونَ مِنهُم هو اسْم مُفْرد كالآنك ولَيْسَ بِجمع حَكاهُما ابْن الأنْبارِي.

46:16Page 504

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦

Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.

No commentary for this ayah

46:17Page 504

وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧

But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -

No commentary for this ayah

46:18Page 504

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨

Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.

No commentary for this ayah

46:19Page 504

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩

And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.

No commentary for this ayah

46:20Page 504

وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠

And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."

وأكمل الناس أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، فكما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة، كما قال النبي ﷺ: "إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".

فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها هناك، كما نعى سبحانه وتعالى على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها، ولهذا كان الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك أشد الخوف.

وذكر الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم فقال: "ما هذا"؟

قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم.

فقال أوَكلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه؟

أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾.

وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا جرير بن حازم قال حدثنا الحسن قال:

قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى على عمر فكنا ندخل عليه كل يوم وله خبز ثلاثة وربما وافقناها مأدومة بالسمن، وربما وافقناها مأدومة بالزيت، وربما وافقناها مأدومة باللبن، وربما وافقناها القلائد اليابسة قد دقت ثم أغلى بها، وربما وافقناها اللحم العريض وهو قليل.

فقال: ذات يوم: إني والله قد أرى تقذيركم وكراهيتكم لطعامي إني والله لو شئت لكنت من أطيبكم طعاما وأرقكم عيشا، ولكني سمعت رسول الله يقول:

عير قوما بأمر فعلوه فقال: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾

فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون.

ومن استوفاها هنا حرمها هناك، أو نقص كمالها، فلا يجعل الله لذة من أوضع في معاصيه ومحارمه كلذة من ترك شهوته لله أبدا. والله أعلم.

(فصل)

قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة.

كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠]

فالمؤمن لا يذهب طيباته في الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة.

وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته في الدنيا، ومنها علمه بأن أعماله

هي زاده ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته، ومنها علمه بأن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه، ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوى به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث تستقر به، قال الله تعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعملُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]

وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّمَآءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]

فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أُغلقت عنها.

وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه، فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين، ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبًا للصوص وقطاع الطريق.

فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة إلى خربة موحشة هي مأْوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟

ومنها أنه بالمعصية قد تعرّض لمحق بركته في كل شيء من أمر دنياه وآخرته فإن الطاعة تجلب للعبد بركات كل شيء والمعصية متحق منه كل بركة.

وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علمًا، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علمًا فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته.

وفي بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: من ذا الذي أطاعني فشقي بطاعتي؟

ومن ذا الذي عصاني فسعد بمعصيتي؟

46:21Page 505

۞ وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٢١

And mention, [O Muḥammad], the brother of ʿAad,1 when he warned his people in [the region of] al-Aḥqāf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."2

No commentary for this ayah

46:22Page 505

قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢

They said, "Have you come to delude us away from our gods? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."

No commentary for this ayah

46:23Page 505

قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٣

He said, "Knowledge [of its time] is only with Allāh, and I convey to you that with which I was sent; but I see you [to be] a people behaving ignorantly."

No commentary for this ayah

46:24Page 505

فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤

And when they saw it as a cloud approaching their valleys, they said, "This is a cloud bringing us rain!" Rather, it is that for which you were impatient:1 a wind, within it a painful punishment,

No commentary for this ayah

46:25Page 505

تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥

Destroying everything by command of its Lord. And they became so that nothing was seen [of them] except their dwellings. Thus do We recompense the criminal people.

No commentary for this ayah

46:26Page 505

وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٢٦

And We had certainly established them in such as We have not established you, and We made for them hearing and vision and hearts [i.e., intellect]. But their hearing and vision and hearts availed them not from anything [of the punishment] when they were [continually] rejecting the signs of Allāh; and they were enveloped by what they used to ridicule.

تَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾

كَيْفَ تَجِدُ المَعْنى أنَّ حُكْمَكم كَحُكْمِهِمْ، وأنّا إذا كُنّا قَدْ أهْلَكْناهم بِمَعْصِيَةِ رُسُلِنا ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم ما مُكِّنُوا فِيهِ مِن أسْبابِ العَيْشِ فَأنْتُمْ كَذَلِكَ تَسْوِيَةً بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ، وأنَّ هَذا مَحْضُ عَدْلِ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ.

46:27Page 505

وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٧

And We have already destroyed what surrounds you of [those] cities, and We have diversified the signs [or verses] that perhaps they might return [from disbelief].

No commentary for this ayah

46:28Page 505

فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٨

Then why did those they took besides Allāh as deities by which to approach [Him]1 not aid them? But they had strayed [i.e., departed] from them. And that was their falsehood and what they were inventing.

No commentary for this ayah

46:29Page 506

وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩

And [mention, O Muḥammad], when We directed to you a few of the jinn, listening to the Qur’ān. And when they attended it, they said, "Listen attentively." And when it was concluded, they went back to their people as warners.

(فائدة)

قوله تعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾

إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٢]

يدل على تكليف الجن من وجوه متعددة:

أحدها: أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به ويأتْمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه.

الثاني: أنهم ولوا إلى قومهم منذرين والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول.

الثالث: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه وأنه يهدى إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدق له وأنه هاد إلى صراط مستقيم.

وهذا يدل على تمكينهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه والتكليف إنما يستلزم العقل والقدرة.

الرابع: إنهم قالوا لقومهم: ﴿يا قَوْمنا أجِيبُوا داعِى اللهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١]

وهذا صريح في أنهم مكلفون مأْمورون بإجابة الرسول، وهي تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر.

الخامس: أنهم قالوا: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب وهو مخالفة الأمر.

السادس: أنهم قالوا: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ والذنب مخالفة الأمر.

السابع: أنهم قالوا: ﴿وَيُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾، وهذا يدل على أن من لم يستجب منهم لداعي الله لم يجره من العذاب الأليم. وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم.

الثامن: أنهم قالوا: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِى اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ [الأحقاف: ٣٢]

وهذا تهديد لمن تخلف عن إجابة داعي الله منهم. وقد استدل بها على أنهم كانوا متعبدين بشريعة موسى كما هم متعبدون بشريعة محمد، وهذا ممكن والآية لا تستلزمه، ولكن قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]

الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد ﷺ، والآيات المتقدمة تدل على ذلك أيضًا.

وعلى هذا فيكون اختصاص النبي ﷺ بالبعثة إلى الثقلين إلى جميعهم لا إلى بعضهم

ومن قبله كان يبعث إلى طائفة مخصوصة، وأيضًا فقد قال تعالى عن نبيه سليمان: ﴿وَمِنَ الجِنِّ من يعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ، ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]، وهذا محض التكليف.

[فَصْلٌ: في مَوْتَ أبِي طالِبٍ ومَوْتَ خَدِيجَةَ والخُرُوجُ إلى الطّائِفِ]

فَلَمّا نُقِضَتِ الصَّحِيفَةُ وافَقَ مَوْتَ أبِي طالِبٍ ومَوْتَ خَدِيجَةَ، وبَيْنَهُما يَسِيرٌ، فاشْتَدَّ البَلاءُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن سُفَهاءِ قَوْمِهِ، وتَجَرّءُوا عَلَيْهِ فَكاشَفُوهُ بِالأذى، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الطّائِفِ رَجاءَ أنْ يُؤْوُوهُ ويَنْصُرُوهُ عَلى قَوْمِهِ ويَمْنَعُوهُ مِنهُمْ، ودَعاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ يَرَ مَن يُؤْوِي، ولَمْ يَرَ ناصِرًا، وآذَوْهُ مَعَ ذَلِكَ أشَدَّ الأذى، ونالُوا مِنهُ ما لَمْ يَنَلْهُ قَوْمُهُ، وكانَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ مَوْلاهُ، فَأقامَ بَيْنَهم عَشَرَةَ أيّامٍ لا يَدَعُ أحَدًا مِن أشْرافِهِمْ إلّا جاءَهُ وكَلَّمَهُ، فَقالُوا: اخْرُجْ مِن بَلَدِنا، وأغْرَوْا بِهِ سُفَهاءَهُمْ، فَوَقَفُوا لَهُ سِماطَيْنِ، وجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالحِجارَةِ حَتّى دَمِيَتْ قَدَماهُ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتّى أصابَهُ شِجاجٌ في رَأْسِهِ، فانْصَرَفَ راجِعًا مِنَ الطّائِفِ إلى مَكَّةَ مَحْزُونًا، وفي مَرْجِعِهِ ذَلِكَ دَعا بِالدُّعاءِ المَشْهُورِ دُعاءِ الطّائِفِ: «اللَّهُمَّ إلَيْكَ أشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وقِلَّةَ حِيلَتِي، وهَوانِي عَلى النّاسِ، يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ، أنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وأنْتَ رَبِّي، إلى مَن تَكِلُنِي؟ إلى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أوْ إلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أمْرِي، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلا أُبالِي، غَيْرَ أنَّ عافِيَتَكَ هي أوْسَعُ لِي، أعُوذُ بِنُورِ وجْهِكَ الَّذِي أشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُماتُ، وصَلُحَ عَلَيْهِ أمْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ أوْ أنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ، لَكَ العُتْبى حَتّى تَرْضى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِكَ.

فَأرْسَلَ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى إلَيْهِ مَلَكَ الجِبالِ يَسْتَأْمِرُهُ أنْ يُطْبِقَ الأخْشَبَيْنِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، وهُما جَبَلاها اللَّذانِ هي بَيْنَهُما، فَقالَ: لا، بَلْ أسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».

فَلَمّا نَزَلَ بِنَخْلَةَ مَرْجِعَهُ، قامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَصُرِفَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فاسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ - قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ - ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ - ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩-٣٢].

«وَأقامَ بِنَخْلَةَ أيّامًا، فَقالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وقَدْ أخْرَجُوكَ؟ يَعْنِي قُرَيْشًا، فَقالَ يا زيد: إنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لِما تَرى فَرَجًا ومَخْرَجًا، وإنَّ اللَّهَ ناصِرٌ دِينَهُ ومُظْهِرٌ نَبِيَّهُ».

ثُمَّ انْتَهى إلى مَكَّةَ فَأرْسَلَ رَجُلًا مِن خُزاعَةَ إلى مطعم بن عدي: أدْخُلُ في جِوارِكَ؟ فَقالَ: نَعَمْ، ودَعا بَنِيهِ وقَوْمَهُ فَقالَ: البِسُوا السِّلاحَ، وكُونُوا عِنْدَ أرْكانِ البَيْتِ فَإنِّي قَدْ أجَرْتُ مُحَمَّدًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ حَتّى انْتَهى إلى المَسْجِدِ الحِرامِ، فَقامَ المطعم بن عدي عَلى راحِلَتِهِ فَنادى: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنِّي قَدْ أجَرْتُ مُحَمَّدًا، فَلا يَهِجْهُ أحَدٌ مِنكُمْ، فانْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الرُّكْنِ فاسْتَلَمَهُ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، وانْصَرَفَ إلى بَيْتِهِ، والمطعم بن عدي ووَلَدُهُ مُحْدِقُونَ بِهِ بِالسِّلاحِ حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ.

46:30Page 506

قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠

They said, "O our people, indeed we have heard a [recited] Book revealed after Moses confirming what was before it which guides to the truth and to a straight path.

وأما ذكره له [الصراط] بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة، فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وتعبيرهم عنه هاهنا بالطريق فيه نكتة بديعة وهي أنهم قدموا قبله ذكر موسى وأن الكتاب الذي سمعوه مصدقا لما بين يديه من كتاب موسى وغيره فكان فيه كالنبأ عن رسول الله ﷺ في قوله لقومه: ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لم أكن أول

رسول بعث إلى أهل الأرض بل قد تقدمت رسل من الله إلى الأمم وإنما بعثت مصدقا لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان فقال مؤمنوا الجن: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله، وإنه ليس بدع كما قال في أول السورة نفسها.

فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ (الطريق) لأنه فعيل بمعنى مفعول. أي مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل.

فحقيق على من صدق رسل الله وآمن بهم أن يؤمن به ويصدقه، فذكر (الطريق) هاهنا إذًا أولى، لأنه أدخل في باب الدعوة والتنبيه على تعين أتباعه. والله أعلم.

ثم رأيت هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي فوافق فيه الخاطر الخاطر.

46:31Page 506

يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١

O our people, respond to the Caller [i.e., Messenger] of Allāh1 and believe in him; He [i.e., Allāh] will forgive for you your sins and protect you from a painful punishment.

No commentary for this ayah

46:32Page 506

وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢

But he who does not respond to the Caller of Allāh will not cause failure [to Him] upon earth, and he will not have besides Him any protectors. Those are in manifest error."

No commentary for this ayah

46:33Page 506

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٣٣

Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth and did not fail in their creation, is able to give life to the dead? Yes. Indeed, He is over all things competent.

No commentary for this ayah

46:34Page 506

وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٤

And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will say, "Then taste the punishment for what you used to deny."1

No commentary for this ayah

46:35Page 506

فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٣٥

So be patient, [O Muḥammad], as were those of determination among the messengers and do not be impatient for them.1 It will be - on the Day they see that which they are promised - as though they had not remained [in the world] except an hour of a day. [This is] notification. And will [any] be destroyed except the defiantly disobedient people?

(فصل: في بيان تفاوت درجات الصبر)

الصبر كما تقدم نوعان: اختياري واضطراري

والاختياري أكمل من الاضطراري فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختيارى ولذلك كان صبر يوسف الصديق عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد ومن الصبر الثاني إنشاء الله سبحانه له ما أنشأه من العز والرفعة والملك والتمكين في الأرض وكذلك صبر الخليل عليه السلام والكليم وصبر نوح وصبر المسيح وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبرا على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سماهم الله أولي العزم وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾

وأولو العزم هم المذكورون في قوله تعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾

وفي قوله ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾

كذلك قال ابن عباس وغيره من السلف.

[فائدة: كِتابٌ لِعُسْرِ الوِلادَةِ]

قالَ الخلال: حَدَّثَنِي عبد الله بن أحمد: قالَ رَأيْتُ أبِي يَكْتُبُ لِلْمَرْأةِ إذا عَسُرَ عَلَيْها وِلادَتُها في جامٍ أبْيَضَ، أوْ شَيْءٍ نَظِيفٍ، يَكْتُبُ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦].

قالَ الخلال: أنْبَأنا أبو بكر المروزي، أنَّ أبا عبد الله جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أبا عبد الله! تَكْتُبُ لِامْرَأةٍ قَدْ عَسُرَ عَلَيْها ولَدُها مُنْذُ يَوْمَيْنِ؟ فَقالَ: قُلْ لَهُ: يَجِيءُ بِجامٍ واسِعٍ، وزَعْفَرانٍ، ورَأيْتُهُ يَكْتُبُ لِغَيْرِ واحِدٍ، ويَذْكُرُ عَنْ عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ:

«مَرَّ عِيسى صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى بَقَرَةٍ قَدِ اعْتَرَضَ ولَدُها في بَطْنِها، فَقالَتْ: يا كَلِمَةَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي أنْ يُخَلِّصَنِي مِمّا أنا فِيهِ، فَقالَ: يا خالِقَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، ويا مُخَلِّصَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، ويا مُخْرِجَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، خَلِّصْها.

قالَ: فَرَمَتْ بِوَلَدِها، فَإذا هي قائِمَةٌ تَشُمُّهُ».

قالَ: فَإذا عَسُرَ عَلى المَرْأةِ ولَدُها، فاكْتُبْهُ لَها. وكُلُّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الرُّقى، فَإنَّ كِتابَتَهُ نافِعَةٌ.

وَرَخَّصَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ في كِتابَةِ بَعْضِ القُرْآنِ وشُرْبِهِ، وجَعْلِ ذَلِكَ مِنَ الشِّفاءِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ.

كِتابٌ آخَرُ لِذَلِكَ: يُكْتَبُ في إناءٍ نَظِيفٍ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ - وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ - وإذا الأرْضُ مُدَّتْ - وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ١-٤]

وَتَشْرَبُ مِنهُ الحامِلُ، ويُرَشُّ عَلى بَطْنِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском