Ibn al-QayyimSad · 38:1–28

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

ص

Sad

The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs

38:1–5Page 453

صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ ١

Ṣād.1 By the Qur’ān containing reminder...2

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢

But those who disbelieve are in pride and dissension.

كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣

How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.

وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤

And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.

أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥

Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."

قوله تعالى ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾

فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذي الذكر المتضمن

لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه وكونه حقًا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون.

وهذا معنى قول كثير من المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق.

وهذا مطرد في كل ما شأنه ذلك.

وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ فاعترض بين القسم وجوابه بقوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾

فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالًا وبالله كم أعتقت عبدًا.

وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا.

وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُل﴾

وأبعد منه قول من قال الجواب ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾

وأبعد منه قول من قال الجواب قوله ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾

وأقرب ما قيل في الجواب لفظًا وإن كان بعيدًا معنى عن قتاده وغيره إنه في قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

كما قال ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾

وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى ﴿بل﴾ توكيد الخبر الذي بعده فصار كـ (إنّ) الشديدة في تثبيت ما بعدها.

وقيل هاهنا بمنزلة (إن) لأنه يؤكد ما بعده من الخبر، وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز وجل قال: ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق.

كما تقول والله إن زيدًا لقائم.

قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم، فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من احتمال أن تكون ﴿بل﴾ بمعنى (إنّ) اهـ

وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن (بل) تقع في جواب القسم كما تقع (إنّ) لأن المراد بها توكيد الخبر.

وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين.

وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فلما قدم القسم ترك على حاله.

قال الأخفش: وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت: والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن.

وقال النحاس: هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدًا عليه لم يكن بد من الجواب.

وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله، لأن الكلام يعتمد على القسم.

وذكر الأخفش وجهًا آخر في جواب القسم فقال يجوز أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ما هو كأنه يقول الحق والله.

قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ﴿ص﴾ الصادق الله أو صدق محمد.

وذكر الفراء هذا الوجه أيضًا فقال ﴿ص﴾ جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله ﴿والقرآن﴾.

وذكر النحاس وغيره وجهًا آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار، ودل على المحذوف قوله تعالى ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ مخالفًا لهذا المضمر فكأنه قيل: والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنهم على الحق أو كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا به في جواب القسم والله أعلم.

(لطيفة)

تأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك (ق) والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن، وذكر الخلق وتكرير القول ومراجعته مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعيد، وذكر المتقين، وذكر القلب والقرون والتنقيب في البلاد، وذكر القيل مرتين، وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وحقوق الوعيد.

ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة، وسر آخر وهو أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح.

وإذا أردت زياة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة (ص) من الخصومات المتعددة فأولها خصومة الكفار مع النبي ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلها واحد﴾ إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ثم خصامة ثانيا في شأن بنيه حلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم.

فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص) وسورة (ق) غير حرفها وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف. والله أعلم.

(فصل: في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام)

كل أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارا وإما اضطرارا.

فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر وأنه يحمد عليه ويذم على الجزع وأنه أن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ولم ينتزع عنه مكروها وأن المقدور لا حيلة في دفعه وما لم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه قال بعض العقلاء:

"العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعله الأحمق بعد شهر" كما قيل

وأن الأمر يفضي إلى آخر ... فيصير آخره أولا

فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره وقال بعض العقلاء من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم فالكريم ينظر إلى المصيبة فإن رأى الجزع يردها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين.

فصل: وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارا فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تجدى عليه شيئا فيصبر صبر الموثق للضرب وأيضا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن واللئيم يصبر في طاعة الشيطان فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم وأقل الناس صبرا في طاعة ربهم فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر ولا يصبر على البذل في طاعة الله في أيسر شيء ويصبر في تحمل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه ويصبر على ما يقال في عرضه في المعصية ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذى في الله بل يفر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية أن يتكلم في عرضه في ذات الله، ويبذل عرضه في هوى نفسه ومرضاته صابرا على ما يقال فيه، وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل لله في مرضاته وطاعته، فهو أصبر شيء على التبذل في طاعة الشيطان ومراد النفس، وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في الله.

وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريما عند الله، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ليعلم أهل الجمع من أولى بالكرم اليوم أين المتقون؟

38:6Page 453

وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦

And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1

No commentary for this ayah

38:7Page 453

مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧

We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.

No commentary for this ayah

38:8Page 453

أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨

Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.

No commentary for this ayah

38:9Page 453

أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩

Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1

No commentary for this ayah

38:10Page 453

أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠

Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1

No commentary for this ayah

38:11Page 453

جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١

[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].

No commentary for this ayah

38:12Page 453

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢

The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1

No commentary for this ayah

38:13Page 453

وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣

And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1

No commentary for this ayah

38:14Page 453

إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤

Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.

No commentary for this ayah

38:15Page 453

وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥

And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1

No commentary for this ayah

38:16Page 453

وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦

And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."

No commentary for this ayah

38:17Page 454

ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧

Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allāh].

No commentary for this ayah

38:18Page 454

إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨

Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allāh] in the [late] afternoon and [after] sunrise.

No commentary for this ayah

38:19Page 454

وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩

And the birds were assembled, all with him repeating [praises].

No commentary for this ayah

38:20Page 454

وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠

And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.

No commentary for this ayah

38:21Page 454

۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١

And has there come to you the news of the adversaries, when they climbed over the wall of [his] prayer chamber -

No commentary for this ayah

38:22Page 454

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢

When they entered upon David and he was alarmed by them? They said, "Fear not. [We are] two adversaries, one of whom has wronged the other, so judge between us with truth and do not exceed [it] and guide us to the sound path.

No commentary for this ayah

38:23Page 454

إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣

Indeed this, my brother, has ninety-nine ewes, and I have one ewe; so he said, 'Entrust her to me,' and he overpowered me in speech."

No commentary for this ayah

38:24Page 454

قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤

[David] said, "He has certainly wronged you in demanding your ewe [in addition] to his ewes. And indeed, many associates oppress one another, except for those who believe and do righteous deeds - and few are they." And David became certain that We had tried him, and he asked forgiveness of his Lord1 and fell down bowing [in prostration] and turned in repentance [to Allāh].

وقوله عن نبيه داود: ﴿وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾

والإنابة الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه، وهي تتضمن المحبة والخشية، فإن المنيب محب لمن أناب إليه خاضع له خاشع ذليل. والناس في إنابتهم على درجات متفاوتة فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد، والحامل عليها العلم والخشية والحذر، ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقربات، فهو ساع فيها بجهده وقد حبب إليه فعل الطاعات وأنواع القربات، وهذه الإنابة مصدرها الرجاءُ ومطالعة الوعد والثواب ومحبة الكرامة من الله وهؤلاء أبسط نفوسًا من أهل القسم الأول وأشرح صدورًا وجانب الرجاءِ ومطالعة الرحمة والمنة أغلب عليهم، وإلا فكل واحد من الفريقين منيب بالأمرين جميعًا، ولكن خوف هؤلاء اندرج في رجائهم فأنابوا بالعبادات، ورجاء الأولين اندرج تحت خوفهم فكانت إنابتهم بترك المخالفات ومنهم المنيب إلى الله بالتضرع والدعاءِ والافتقار إليه والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه.

ومصدر هذه الإنابة شهود الفضل والمنة والغنى والكرم والقدرة، فأنزلوا به حوائجهم وعلقوا به آمالهم، فإنابتهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر والنهي، ولكن إنابتهم الخاصة إنما هي من هذه الجهة، وأما الأعمال فلم يرزقوا فيها الإنابة الخاصة وأملهم المنيب إليه عند الشدائد والضراءِ فقط إنابة اضطرار لا إنابة اختيار كحال الذين قال الله في حقهم: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]

وقوله تعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلُكِ دَعُوُا الله مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]

وهؤلاء كلهم قد تكون نفس أرواحهم ملتفتة عن الله سبحانه معرضة عنه إلى مأْلوف طبيعي نفساني قد حال بينها وبين إنابتها بذاتها إلى معبودها وإلهها الحق، فهي ملتفتة إلى غيره ولها إليه إنابة ما بحسب إيمانها به ومعرفتها له.

فأعلى أنواع الإنابة إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة الغنية لهم عما سوى محبوبهم ومعبودهم وحين أنابت إليه أرواحهم لم يختلف منهم شيء عن الإنابة، فإن الأعضاءَ كلها رعيتها وملكها تبع للروح فلما أنابت الروح بذاتها إليه إنابة محب صادق المحبة ليس فيه عرق ولا مفصل إلا وفيه حب ساكن لمحبوبه أنابت جميع القوى والجوارح: فأناب القلب أيضًا بالمحبة والتضرع والذل والانكسار.

وأناب العقل بانفعاله لأوامر المحبوب ونواهيه، وتسليمه لها، وتحكيمه إياها دون غيرها، فلم يبق فيه منازعة شبهة معترضة دونها، وأنابت النفس بالانقياد والانخلاع عن العوائد النفسانية والأخلاق الذميمة والإرادات الفاسدة، وانقادت لللأمر خاضعة له وداعية فيه مؤثرة إياه على غيره، فلم يبق فيها منازعة شهوة تعترضها دون الأمر، وخرجت عن تدبيرها واختيارها تفويضًا إلى مولاها ورضى بقضائه وتسليمًا لحكمه.

وقد قيل: إن تدبير العبد لنفسه هو آخر الصفات المذمومة في النفس.

وأناب الجسد بالأعمال والقيام بها فرضها وسننها على أكمل الوجوه. وأنابت كل جارحة وعضو إنابتها الخاصة فلم يبق من هذا العبد المنيب عرق ولا مفصل إلا وله إنابة ورجوع إلى الحبيب الحق الذي كل محبة سوى محبته عذاب على صاحبها، وإن كانت عذبة في مباديها فإنها عذاب في عواقبها، فإنابة العبد ولو ساعة من عمره هذه الإنابة الخالصة أنفع له وأعظم ثمرة من إنابة سنين كثيرة من غيره، فأين إنابة هذا من إنابة من قبله؟

وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ، بل هذه روحه منيبة أبدًا، وإن توارى عنه شهود إنابتها باشتغال فهي كامنة فيها كمون النار في الزناد.

وأما أصحاب الإنابات المتقدمة فإن أناب أحدهم ساعة بالدعاء والذكر والابتهال فلنفسه وروحه وقلبه وعقله التفاتات عمن قد أناب إليه، فهو ينيب ببعضه ساعة ثم يترك ذلك مقبلًا على دواعى نفسه وطبعه.

والله الموفق المعين، لا رب غيره ولا إلَه سواه.

38:25Page 454

فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥

So We forgave him that; and indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

قالَ تَعالى في حَقِّ نَبِيِّهِ داوُدَ: ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾

فالزُّلْفى مَنزِلَةُ القُرْبِ، وحُسْنُ المَآبِ حُسْنُ الثَّوابِ والجَزاءِ.

(فصل)

قال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسن حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار في قوله عز وجل ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾

قال: إذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة ثم نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنان فذلك قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني علي بن مسلم الطوسي حدثني سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار: في قوله عز وجل: ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾

قال يقيم الله سبحانه داود عند ساق العرش فيقول:

"يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم، فيقول إلهي كيف أمجدك وقد سلبتنيه في دار الدنيا.

قال فيقول الله عز وجل فإني أرده عليك، قال فيرده عليه فيزداد صوته.

قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة"

38:26Page 454

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦

[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.

[خَطَرُ تَوَلِّي القَضاءِ]

وَلِهَذا جاءَ في القاضِي مِن الوَعِيدِ والتَّخْوِيفِ ما لَمْ يَأْتِ نَظِيرُهُ في المُفْتِي، كَما رَواهُ أبُو داوُد الطَّيالِسِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها ذُكِرَ عِنْدَها القُضاةُ فَقالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:

«يُؤْتى بِالقاضِي العَدْلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْقى مِن شِدَّةِ الحِسابِ ما يَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ في تَمْرَةٍ قَطُّ»

وَرَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَرْفَعُهُ:

«ما مِن حاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ إلّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكٌ آخِذٌ بِقَفاهُ حَتّى يَقِفَ بِهِ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَيَرْفَعَ رَأْسَهُ إلى اللَّهِ فَإنْ أمَرَهُ أنْ يَقْذِفَهُ قَذَفَهُ في مَهْوى أرْبَعِينَ خَرِيفًا»

وَفِي السُّنَنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

«القُضاةُ ثَلاثَةٌ، اثْنانِ في النّارِ وواحِدٌ في الجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضى بِهِ فَهو في الجَنَّةِ، ورَجُلٌ قَضى بَيْنَ النّاسِ بِالجَهْلِ فَهو في النّارِ، ورَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجارَ فَهو في النّارِ».

وَقالَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ويْلٌ لِدَيّانِ مَن في الأرْضِ مِن دَيّانِ مَن في السَّماءِ، يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، إلّا مَن أمَرَ بِالعَدْلِ، وقَضى بِالحَقِّ، ولَمْ يَقْضِ عَلى هَوًى، ولا عَلى قَرابَةٍ، ولا عَلى رَغَبٍ ولا رَهَبٍ، وجَعَلَ كِتابَ اللَّهِ مِرْآةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ وفي سُنَنِ أبِي داوُد مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:

«مَن طَلَبَ قَضاءَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَنالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النّارُ»

وَفِي سُنَنِ البَيْهَقِيّ مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«اللَّهُ مَعَ القاضِي ما لَمْ يَجُرْ، فَإذا جارَ بَرِئَ اللَّهُ مِنهُ ولَزِمَهُ الشَّيْطانُ»

وَفِيهِ مِن حَدِيثِ حُسَيْنِ المُعَلِّمِ عَنْ الشَّيْبانِيِّ عَنْ ابْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«إنّ اللَّهَ مَعَ القاضِي ما لَمْ يَجُرْ، فَإذا جارَ وكَّلَهُ إلى نَفْسِهِ».

وَفِي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَعَّدَ قاضِيًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وفي سُنَنِ البَيْهَقِيّ مِن حَدِيثِ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «وَيْلٌ لِلْأُمَراءِ، ووَيْلٌ لِلْعُرَفاءِ، ووَيْلٌ لِلْأُمَناءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أقْوامٌ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ نَواصِيَهم كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيّا يَتَجَلْجَلُونَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّهم لَمْ يَلُوا عَمَلًا».

38:27Page 455

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧

And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.

والباطِلُ الَّذِي ظَنُّوهُ: لَيْسَ هو الجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، بَلِ الَّذِي ظَنُّوهُ: أنَّهُ لا شَرْعَ ولا جَزاءَ، ولا أمْرَ ولا نَهْيَ، ولا ثَوابَ ولا عِقابَ، فَأخْبَرَ أنَّ خَلْقَها لِغَيْرِ ذَلِكَ هو الباطِلُ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنْهُ، وذَلِكَ هو الحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ، وهو التَّوْحِيدُ، وحَقُّهُ وجَزاؤُهُ وجَزاءُ مَن جَحَدَهُ وأشْرَكَ بِرَبِّهِ.

38:28Page 455

أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨

Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?

وَهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا قَبِيحٌ في نَفْسِهِ، مُنْكَرٌ تُنْكِرُهُ العُقُولُ والفِطَرُ، أفَتَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَلِيقُ بِنا أوْ يَحْسُنُ مِنّا فِعْلُهُ؟ فَأنْكَرَهُ سُبْحانَهُ إنْكارَ مُنَبِّهٍ لِلْعَقْلِ والفِطْرَةِ عَلى قُبْحِهِ، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ زَمانٍ وزَمانٍ ومَكانٍ ومَكانٍ في الفَضْل]

وَأمّا قَوْلُهُ: " وخَصَّ بَعْضَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، وفَضَّلَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، مَعَ تَساوِيها - إلَخْ "

فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صادِقَةٌ، والثّانِيَةُ كاذِبَةٌ.

وَما فَضَّلَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ إلّا لِخَصائِصَ قامَتْ بِها اقْتَضَتْ التَّخْصِيصَ، وما خَصَّ سُبْحانَهُ شَيْئًا إلّا بِمُخَصَّصٍ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظاهِرًا وقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا، واشْتِراكُ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ في مُسَمًّى الزَّمانِ والمَكانِ كاشْتِراكِ الحَيَوانِ في مُسَمّى الحَيَوانِيَّةِ والإنْسانِ في مُسَمّى الإنْسانِيَّةِ، بَلْ وسائِرِ الأجْناسِ في المَعْنى الَّذِي يَعُمُّها.

وَذَلِكَ لا يُوجِبُ اسْتِواءَها في أنْفُسِها، والمُخْتَلِفاتُ تَشْتَرِكُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، والمُتَّفِقاتُ تَتَبايَنُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أحْكَمُ وأعْلَمُ مِن أنْ يُفَضِّلَ مِثْلًا عَلى مِثْلٍ مِن كُلِّ وجْهٍ بِلا صِفَةٍ تَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ، هَذا مُسْتَحِيلٌ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَحِكْمَتُهُ وعَدْلُهُ تَأْبى هَذا وهَذا.

وَقَدْ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَمَّنْ يَظُنُّ بِهِ ذَلِكَ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ زَعْمَهُ الباطِلَ، وجَعَلَهُ حُكْمًا مُنْكَرًا، ولَوْ جازَ عَلَيْهِ ما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ لَبَطَلَتْ حُجَجُهُ وأدِلَّتُهُ؛ فَإنَّ مَبْناها عَلى أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، وعَلى ألّا يُسَوِّيَ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ؛ فَلا يَجْعَلُ الأبْرارَ كالفُجّارِ، ولا المُؤْمِنِينَ كالكُفّارِ، ولا مَن أطاعَهُ كَمَن عَصاهُ، ولا العالِمُ كالجاهِلِ وعَلى هَذا مَبْنى الجَزاءِ؛ فَهو حُكْمُهُ الكَوْنِيُّ والدِّينِيُّ، وجَزاؤُهُ الَّذِي هو ثَوابُهُ وعِقابُهُ وبِذَلِكَ حَصَلَ الِاعْتِبارُ، ولِأجْلِهِ ضُرِبَتْ الأمْثالُ، وقُصَّتْ عَلَيْنا أخْبارُ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، ويَكْفِي في بُطْلانِ هَذا المَذْهَبِ المَتْرُوكِ الَّذِي هو مِن أفْسَدِ مَذاهِبِ العالَمِ أنَّهُ يَتَضَمَّنُ لِمُساواةِ ذاتِ جِبْرِيلَ لِذاتِ إبْلِيسَ وذاتِ الأنْبِياءِ لِذاتِ أعْدائِهِمْ، ومَكانِ البَيْتِ العَتِيقِ بِمَكانِ الحُشُوشِ وبُيُوتِ الشَّياطِينِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الذَّواتِ في الحَقِيقَةِ.

وَإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ الذّاتُ عَنْ هَذِهِ الذّاتِ بِما خُصَّتْ بِهِ لِمَحْضِ المَشِيئَةِ المُرَجِّحَةِ مِثْلًا عَلى مِثْلٍ بِلا مُوجِبٍ، بَلْ قالُوا ذَلِكَ في جَمِيعِ الأجْسامِ، وأنَّها مُتَماثِلَةٌ، فَجِسْمُ المِسْكِ عِنْدَهم مُساوٍ لِجِسْمِ البَوْلِ والعَذِرَةِ، وإنَّما امْتازَ عَنْهُ بِصِفَةٍ عَرَضِيَّةٍ، وجِسْمُ الثَّلْجِ عِنْدَهم مُساوٍ لِجِسْمِ النّارِ في الحَقِيقَةِ، وهَذا مِمّا خَرَجُوا بِهِ عَنْ صَرِيحِ المَعْقُولِ، وكابَرُوا فِيهِ الحِسَّ، وخالَفَهم فِيهِ جُمْهُورُ العُقَلاءِ مِن أهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ، وما سِوى اللَّهِ بَيْنَ جِسْمِ السَّماءِ وجِسْمِ الأرْضِ، ولا بَيْنَ جِسْمِ النّارِ وجِسْمِ الماءِ، ولا بَيْنَ جِسْمِ الهَواءِ وجِسْمِ الحَجَرِ، ولَيْسَ مَعَ المُنازِعِينَ في ذَلِكَ إلّا الِاشْتِراكُ في أمْرِ عامٍّ، وهو قَبُولُ الِانْقِسامِ وقِيامُ الأبْعادِ الثَّلاثَةِ والإشارَةِ الحِسِّيَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجِبُ التَّشابُهَ فَضْلًا عَنْ التَّماثُلِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском