Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
المنافقون
Al-Munafiqun
The Hypocrites · Medinan · 11 ayahs
63:1Page 554
إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١
When the hypocrites come to you, [O Muḥammad], they say, "We testify that you are the Messenger of Allāh." And Allāh knows that you are His Messenger, and Allāh testifies that the hypocrites are liars.
(فائدة)
سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن رجل سمع مؤذنا يقول: أشهد أن محمدا رسول الله فقال: كذبت هل يكفر؟
فقال: "لا. لا يكفر لجواز أن يكون قصده تكذيب القائل فيما قال (لا) في أصل الكلمة فكأنه قال: أنت لا تشهد هذه الشهادة كقوله: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾.
63:2–3Page 554
ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢
They have taken their oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh. Indeed, it was evil that they were doing.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٣
That is because they believed, and then they disbelieved; so their hearts were sealed over, and they do not understand.
تَسْبِقُ يَمِينُ أحَدِهِمْ كَلامَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ، لِعِلْمِهِ أنَّ قُلُوبَ أهْلِ الإيمانِ لا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ، فَيَتَبَرَّأُ بِيَمِينِهِ مِن سُوءِ الظَّنِّ بِهِ وكَشْفِ ما لَدَيْهِ، وكَذَلِكَ أهْلُ الرِّيبَةِ يَكْذِبُونَ، ويَحْلِفُونَ لِيَحْسَبَ السّامِعُ أنَّهم صادِقُونَ، قَدِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢].
تَبًّا لَهُمْ! بَرَزُوا إلى البَيْداءِ مَعَ رَكْبِ الإيمانِ، فَلَمّا رَأوْا طُولَ الطَّرِيقِ وبُعْدَ الشُّقَّةِ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ ورَجَعُوا، وظَنُّوا أنَّهم يَتَمَتَّعُونَ بِطِيبِ العَيْشِ ولَذَّةِ المَنامِ في دِيارِهِمْ، فَما مُتِّعُوا بِهِ ولا بِتِلْكَ الهَجْعَةِ انْتَفَعُوا، فَما هو إلّا أنْ صاحَ بِهِمُ الصّائِحُ فَقامُوا عَنْ مَوائِدِ أطْعِمَتِهِمْ والقَوْمُ جِياعٌ ما شَبِعُوا، فَكَيْفَ حالُهم عِنْدَ اللِّقاءِ؟
وَقَدْ عَرَفُوا ثُمَّ أنْكَرُوا، وعَمُوا بَعْدَما عايَنُوا الحَقَّ وأبْصَرُوا ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣].
63:4Page 554
۞ وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٤
And when you see them, their forms please you, and if they speak, you listen to their speech. [They are] as if they were pieces of wood propped up1 - they think that every shout is against them. They are the enemy, so beware of them. May Allāh destroy them; how are they deluded?
أحْسَنُ النّاسِ أجْسامًا، وأخْلَبُهم لِسانًا، وألْطَفُهم بَيانًا، وأخْبَثُهم قُلُوبًا، وأضْعَفُهم جَنانًا، فَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ الَّتِي لا ثَمَرَ لَها، قَدْ قُلِعَتْ مِن مَغارِسِها فَتَسانَدَتْ إلى حائِطٍ يُقِيمُها، لِئَلّا يَطَأها السّالِكُونَ ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وقْتِها الأوَّلِ إلى شَرَقِ المَوْتى فالصُّبْحُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ والعَصْرُ عِنْدَ الغُرُوبِ، ويَنْقُرُونَها نَقْرَ الغُرابِ، إذْ هي صَلاةُ الأبْدانِ، لا صَلاةُ القُلُوبِ، ويَلْتَفِتُونَ فِيها التِفاتَ الثَّعْلَبِ، إذْ يَتَيَقَّنُ أنَّهُ مَطْرُودٌ مَطْلُوبٌ، ولا يَشْهَدُونَ الجَماعَةَ، بَلْ إنْ صَلّى أحَدُهم فَفي البَيْتِ أوِ الدُّكّانِ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ، هَذِهِ مُعامَلَتُهم لِلْخَلْقِ، وتِلْكَ مُعامَلَتُهم لِلْخالِقِ، فَخُذْ وصْفَهم مِن أوَّلِ المُطَفِّفِينَ، وآخِرِ والسَّماءِ والطّارِقِ فَلا يُنْبِئُكُ عَنْ أوْصافِهِمْ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] فَما أكْثَرَهُمْ! وهُمُ الأقَلُّونَ، وما أجْبَرَهُمْ! وهُمُ الأذَلُّونَ، وما أجْهَلَهُمْ! وهُمُ المُتَعالِمُونَ، وما أغَرَّهم بِاللَّهِ! إذْ هم بِعَظَمَتِهِ جاهِلُونَ ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦].
(فائدة)
قيل: في قوله ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾
إن المراد به عبد الله بن أبي وكان من أحسن الناس جسما والصواب أن اللفظ عام في من اتصف بهذه الصفات وهي صحة الجسم وتمامه وحسن الكلام وخلوه من روح الإيمان ومحبة الهدى وإيثاره كـ خُلُوِّ الخشب المقطوعة التي قد تساند بعضها إلى بعض من روح الحياة التي يعطيها النمو أو الزيادة والثمرة واتصافهم بالجبن والخور الذي يحسب صاحبه أن كل صيحة عليه.
فمن التقصير الزائد أن يقال إن المراد بهذا اللفظ هو عبد الله بن أبي.
(فصل: في طبقة الزنادقة)
وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسوله.
وهؤلاء المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، ولَن تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]
فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم في دركات النار. لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]
ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر، أي لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد هاهنا حصر العداوة فيهم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم بل هذا] من إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم لهم] ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعدواة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها.
فإن ضرر هؤلاءِ المخالطين لهم المعاشرين لهم - وهم في الباطن على خلاف دينهم - أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضى ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْوهُمْ﴾
لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًا من الكفار المجاهرين.
ونظير ذلك قول النبي ﷺ:
"ليس المسكين الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه"
فليس هذا نفيًا لاسم المسكين عن الطواف، بل إخبار بأن هذا القانع الذي لا يسمونه مسكينًا أحق بهذا الاسم من الطواف الذي يسمونه مسكينًا.
والمقصود أن هذه الطبقة أشقى الأشقياءِ، ولهذا يستهزأُ بهم في الآخرة، وتعطى نورًا يتوسطون به على الصراط ثم يطفيء الله نورهم ويقال لهم: ﴿ارْجَعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]،
ويضرب بينهم وبين المؤمنين: ﴿بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قَبْلِهِ العَذابُ يُنادُونَهم ألَمْ نَكُن مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُم وغَرَّتْكُمُ الأمانِي حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ وغرَّكم بِاللهِ الغرُورِ﴾
وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاءِ أن يفتح للعبد طريق النجاة والفلاح، حتى إذا ظن أنه ناج ورأى منازل السعداءِ اقتطع عنهم وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه.
وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداءُ، ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرًا وأخبث قلوبًا، وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداءِ عنهم، وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين.
ولهذا قال تعالى [فى المنافقين]: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُم لا يَفْقَهُونَ﴾
وقال تعالى فيهم: ﴿صُم بُكْمُّ عُمِى فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٨]،
وقال تعالى في الكفار: ﴿صُم بُكْم عُمْى فَهم لا يرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]،
فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن كان هكذا كان أشد كفرًا وأخبث قلبًا وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل.
[فَصْلٌ: المَعاصِي تُلْقِي الرُّعْبَ والخَوْفَ في القُلُوبِ]
وَمِن عُقُوباتِها ما يُلْقِيهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الرُّعْبِ والخَوْفِ في قَلْبِ العاصِي، فَلا تَراهُ إلّا خائِفًا مَرْعُوبًا.
فَإنَّ الطّاعَةَ حِصْنُ اللَّهِ الأعْظَمُ، مَن دَخَلَهُ كانَ مِنَ الآمِنِينَ مِن عُقُوباتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن خَرَجَ عَنْهُ أحاطَتْ بِهِ المَخاوِفُ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَمَن أطاعَ اللَّهَ انْقَلَبَتِ المَخاوِفُ في حَقِّهِ أمانًا، ومَن عَصاهُ انْقَلَبَتْ مَآمِنُهُ مَخاوِفَ، فَلا تَجِدُ العاصِيَ إلّا وقَلْبُهُ كَأنَّهُ بَيْنَ جَناحَيْ طائِرٍ، إنْ حَرَّكَتِ الرِّيحُ البابَ قالَ: جاءَ الطَّلَبُ، وإنْ سَمِعَ وقْعَ قَدَمٍ خافَ أنْ يَكُونَ نَذِيرًا بِالعَطَبِ، يَحْسَبُ أنَّ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِ، وكُلَّ مَكْرُوهٍ قاصِدٌ إلَيْهِ، فَمَن خافَ اللَّهَ آمَنَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومَن لَمْ يَخَفِ اللَّهَ أخافَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ:
؎بِذا قَضى اللَّهُ بَيْنَ الخَلْقِ مُذْ خُلِقُوا ∗∗∗ أنَّ المَخاوِفَ والأجْرامَ في قَرَنِ
المَعاصِي تُوقِعُ في الوَحْشَةِ
وَمِن عُقُوباتِها أنَّها تُوقِعُ الوَحْشَةَ العَظِيمَةَ في القَلْبِ فَيَجِدُ المُذْنِبُ نَفْسَهُ مُسْتَوْحِشًا، قَدْ وقَعَتِ الوَحْشَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، وبَيْنَ الخَلْقِ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وكُلَّما كَثُرَتِ الذُّنُوبُ اشْتَدَّتِ الوَحْشَةُ، وأمَرُّ العَيْشِ عَيْشُ المُسْتَوْحِشِينَ الخائِفِينَ، وأطْيَبُ العَيْشِ عَيْشُ المُسْتَأْنِسِينَ، فَلَوْ نَظَرَ العاقِلُ ووازَنَ لَذَّةَ المَعْصِيَةِ وما تُوقِعُهُ مِنَ الخَوْفِ والوَحْشَةِ، لَعَلِمَ سُوءَ حالِهِ، وعَظِيمَ غَبْنِهِ، إذْ باعَ أُنْسَ الطّاعَةِ وأمْنَها وحَلاوَتَها بِوَحْشَةِ المَعْصِيَةِ وما تُوجِبُهُ مِنَ الخَوْفِ والضَّرَرِ الدّاعِي لَهُ.
كَما قِيلَ:
؎فَإنْ كُنْتَ قَدْ أوْحَشَتْكَ الذُّنُوبُ ∗∗∗ فَدَعْها إذا شِئْتَ واسْتَأْنِسِ
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ القُرْبَ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، فَكُلَّما اشْتَدَّ القُرْبُ قَوِيَ الأُنْسُ، والمَعْصِيَةُ تُوجِبُ البُعْدَ مِنَ الرَّبِّ، وكُلَّما زادَ البُعْدُ قَوِيَتِ الوَحْشَةُ.
وَلِهَذا يَجِدُ العَبْدُ وحْشَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ لِلْبُعْدِ الَّذِي بَيْنَهُما، وإنْ كانَ مُلابِسًا لَهُ، قَرِيبًا مِنهُ، ويَجِدُ أُنْسًا قَوِيًّا بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُحِبُّ، وإنْ كانَ بَعِيدًا عَنْهُ.
والوَحْشَةُ سَبَبُها الحِجابُ، وكُلَّما غَلُظَ الحِجابُ زادَتِ الوَحْشَةُ، فالغَفْلَةُ تُوجِبُ الوَحْشَةَ، وأشَدُّ مِنها وحْشَةُ المَعْصِيَةِ، وأشَدُّ مِنها وحْشَةُ الشِّرْكِ والكُفْرِ، ولا تَجِدُ أحَدًا مُلابِسًا شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا ويَعْلُوهُ مِنَ الوَحْشَةِ بِحَسْبِ ما لابَسَهُ مِنهُ، فَتَعْلُو الوَحْشَةُ وجْهَهُ وقَلْبَهُ فَيَسْتَوْحِشُ ويُسْتَوْحَشُ مِنهُ.
63:5Page 555
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٥
And when it is said to them, "Come, the Messenger of Allāh will ask forgiveness for you," they turn their heads aside and you see them evading while they are arrogant.
No commentary for this ayah
63:6Page 555
سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ أَسۡتَغۡفَرۡتَ لَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ لَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٦
It is all the same for them whether you ask forgiveness for them or do not ask forgiveness for them; never will Allāh forgive them. Indeed, Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
No commentary for this ayah
63:7Page 555
هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ٧
They are the ones who say, "Do not spend on those who are with the Messenger of Allāh until they disband." And to Allāh belong the depositories of the heavens and the earth, but the hypocrites do not understand.
No commentary for this ayah
63:8Page 555
يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨
They say, "If we return to al-Madīnah, the more honored [for power] will surely expel therefrom the more humble." And to Allāh belongs [all] honor, and to His Messenger, and to the believers, but the hypocrites do not know.
(فائدة)
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ العِزَّ قَرِينَ طاعَتِهِ، والذُّلَّ قَرِينَ مَعْصِيَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وَقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
والإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ، ظاهِرٌ وباطِنٌ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
أيْ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلُبْها بِطاعَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَفِي دُعاءِ القُنُوتِ: "إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ، ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ"
وَمَن أطاعَ اللَّهَ فَقَدْ والاهُ فِيما أطاعَهُ فِيهِ، ولَهُ مِنَ العِزِّ بِحَسَبِ طاعَتِهِ، ومَن عَصاهُ فَقَدْ عاداهُ فِيما عَصاهُ فِيهِ، ولَهُ مِنَ الذُّلِّ بِحَسَبِ مَعْصِيَتِهِ.
وقال في (إغاثة اللهفان)
وقال بعض السلف: "الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله"
وقال الحسن: "وإن هَمْلَجَتْ بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبي الله عز وجل إلا أن يُذِلَّ من عصاه، وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه، ولا يذل من والاه الله، كما في دعاء القنوت.
(فائدة)
للعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُوِلهِ ولِلْمُؤْمِنِين﴾ [المنافقون: ٨].
فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا.
(فصل)
والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف والعجز فالعز يقتضي كمال القدرة والعزة، ولهذا يوصف به المؤمن ولا يكون ذمًا له بخلاف الكبر.
قال رجل للحسن البصري: إنك متكبر. فقال: لست متكبرًا، ولكني عزيز.
وقال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينِ﴾ [المنافقون: ٨]
وقال ابن مسعود: ما زِلْنا أعِزَّةً مُنْذُ أسْلَمَ عُمَرُ.
وقال النبي ﷺ
"اللهم أعز بأحد هذيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرَ بْن الخَطّاب، أو أبِي جَهْل بْن هِشام"
وفي بعض الآثار: إن الناس يطلبون العزة في أبواب الملوك، ولا يجدونها إلا في طاعة الله عز وجل.
وفي الحديث: "اللَّهُمَّ أعِزَّنا بِطاعَتِكَ ولا تُذِلَّنا بِمعْصِيتكَ"
وقال بعضهم: من أراد عزًا بلا سلطان، وكثرة بلا عشيرة، وغنى بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة.
فالعزة من جنس القدرة والقوة.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
"المُؤْمِنُ القَوِى خَيْر وأحَبُّ إلى اللهُ مَنَ المُؤْمِنِ الضعيف، وفي كل خير".
فالقدرة إن لم يكن معها حكمة بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر في العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان فعله فسادًا كصاحب شهوات الغي والظلم، الذي يفعله بقوته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإن هذا وإن كان له قوة وعزة لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده.
63:9Page 555
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩
O you who have believed, let not your wealth and your children divert you from the remembrance of Allāh. And whoever does that - then those are the losers.
قال ابن جريج: سمعت عطاء ابن أبي رباح يقول هي الصلاة المكتوبة.
ووجه الاستدلال بالآية أن الله حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح يوضحه أنه سبحانه وتعالى أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد:
أحدهما: إتيانه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.
الثاني: تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى لهم، فإنك إذا قلت: زيد العالم الصالح أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له بخلاف قولك عالم صالح.
الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين وذلك من علامات انحصار الخبر في المبتدأ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ونظائره.
الرابع: إدخال ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين قوة الإسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾، وقوله: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾، وقوله: ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
ونظائر ذلك.
(فصل)
المقصود: أن دوام الذكر لما كان سببا لدوام المحبة، وكان الله سبحانه أحق بكمال الحب والعبودية والتعظيم والإجلال، كان كثرة ذكره من أنفع ما للعبد. وكان عدوه حقا هو الصاد له عن ذكر ربه، وعبوديته.
ولهذا أمر سبحانه بكثرة ذكره في القرآن. وجعله سببا للفلاح. فقال تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
وقال: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾
وقال: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾
وقال: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. ومَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
وقال: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾
وقال النبي ﷺ «سبق المفردون. قالوا: يا رسول الله وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرا»
وفي الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله»
وهو في الموطأ موقوف على أبي الدرداء.
وقال معاذ بن جبل «ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله».
وذكر رسول الله ﷺ تبع لذكره.
والمقصود: أن دوام الذكر سبب لدوام المحبة.
فالذكر للقلب كالماء للزرع، بل كالماء للسمك، لا حياة له إلا به.
وهو أنواع: ذكره بأسمائه وصفاته، والثناء عليه بها.
الثاني: تسبيحه وتحميده، وتكبيره وتهليله، وتمجيده، وهو الغالب من استعمال لفظ الذكر عند المتأخرين.
الثالث: ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه. وهو ذكر أهل العلم، بل الأنواع الثلاثة هي ذكرهم لربهم.
ومن أفضل ذكره: ذكره بكلامه. قال تعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾
فذكره هاهنا هو كلامه الذي أنزله على رسوله، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ. ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾.
ومن ذكره سبحانه: دعاؤه واستغفاره والتضرع إليه.
فهذه خمسة أنواع من الذكر.
(فصل)
إن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله عز وجل، قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾
وقال كعب: من أكثر ذكر الله عز وجل برئ من النفاق ولهذا - والله أعلم - ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾.
فإن في ذلك تحذيرًا من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله عز وجل فوقعوا في النفاق.
وسئل بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الخوارج: منافقون هم؟
قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا.
فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله عز وجل، وكثرة ذكره أمان من النفاق، والله عز وجل أكرم من أن يبتلي قلبًا ذاكرًا بالنفاق، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله عز وجل.
(فصل: في بيان منفعة الحق، ومنفعة الخلق، وما بينهما من التباين)
قال ابن القيم - بعد كلام -
إذا تبين هذا ظهر أن أحدًا من المخلوقين لا يقصد منفعتك بالمقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل، فإذا دعوته فقد دعوت من ضرُّه أقرب من نفعه.
وأما الرب تبارك وتعالى فهو يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك، وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها، فتدبر هذا حق التدبر وراعه حق المراعاة، فملاحظة تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك فإنه لا يريد ذلك ألبتة بالقصد الأول، بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلًا أو آجلًا، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه، فتأمل ذلك فإن فيه منفعة عظيمة وراحة ويأْسًا من المخلوقين، سدًا لباب عبوديتهم وفتحًا لباب عبودية الله وحده، فما أعظم حظ من عرف هذه المسألة ورعاها حق رعايتها.
ولا يحملنك هذا على جفوة الناس وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم، بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم.
فكما لا تخافهم فلا ترجوهم، ومما يبين ذلك أن غالب الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك وإن كان ذلك ضررًا عليك، فإن صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءَها، فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم، بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك.
وهذا إذا تدبره العاقل علم أنه عداوة في صورة صداقة، وأنه لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة، فهم يريدون أن يصيروك كالكير ينفخ بطنك ويعصر أضلاعك في نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلك لجزروك كما يجزرون الشاة، وكم يذبحونك كل وقت بغير سكين لمصالحهم، وكم اتخذوك جسرًا ومعبرًا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر، وكم بعت آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم، وربما علمت.
وكم بعت حظك من الله بحظوظهم منك، ورحت صفر اليدين، وكم فَوَّتُوا عليك من مصالح الدارين وقطعوك عنها وحالوا بينك وبينها، وقطعوا طريق سفرك إلى منازلك الأُولى ودارك التي دعيت إليها وقالوا: نحن أحبابك وخدمك، وشيعتك وأعوانك، والساعون في مصالحك. وكذبوا والله إنهم لأعداءٌ في صورة أولياءَ، وحرب في صورة مسالمين، وقطاع طريق في صورة أعوان.
فواغوثاه ثم واغوثاه بالله الذي يغيث ولا يغاث ﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ إنّ مِن أزْواجِكم وأوْلاَدِكم عَدُوًّا لّكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]
﴿ياأيّها الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكم أمْوالُكم ولاَ أوْلاَدُكم عَن ذِكْرِ اللهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ولم يعاملهم في الله، وخاف الله فيهم ولم يخفهم في الله وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله، وراقب الله فيهم ولم يراقبهم في الله، وآثر الله عليهم ولم يؤثرهم في الله، وأمات خوفهم ورجاءَهم وحبهم من قلبه وأحيا حب الله وخوفه ورجاءَه فيه، فهذا هو الذي يكتب عليهم، وتكون معاملته لهم كلها ربحًا، بشرط أن يصبر على أذاهم ويتخذه مغنمًا لا مغرمًا وربحًا لا خسرانًا.
ومما يوضح الأمر أن الخلق لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة ألبتة إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره فهو في الحقيقة الذي لا يأْتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو: ﴿وَإن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلاَ كاشِفَ لَهُ إلاّ هو وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، قال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس:
"واعْلَمْ أنَّ الخَليقَةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيءٍ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ ولَوْ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يضروك لم يضروكَ إلا بِشَيءٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ"
وإذا كانت هذه حال الخلقة، فتعليق الخوف والرجاء بهم ضار غير نافع. والله أعلم.
63:10Page 555
وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠
And spend [in the way of Allāh] from what We have provided you before death approaches one of you and he says, "My Lord, if only You would delay me for a brief term so I would give charity and be of the righteous."
No commentary for this ayah
63:11Page 555
وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١١
But never will Allāh delay a soul when its time has come. And Allāh is Aware of what you do.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences