Ibn al-QayyimAl‑Fil · 105:1–5

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الفيل

Al-Fil

The Elephant · Meccan · 5 ayahs

105:1–5Page 601

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ ١

Have you not considered, [O Muḥammad], how your Lord dealt with the companions of the elephant?1

أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ ٢

Did He not make their plan into misguidance?1

وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ ٣

And He sent against them birds in flocks,

تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ ٤

Striking them with stones of hard clay,

فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۭ ٥

And He made them like eaten straw.1

(فصل)

لا خِلافَ أنَّهُ ﷺ وُلِدَ بِجَوْفِ مَكَّةَ، وأنَّ مَوْلِدَهُ كانَ عامَ الفِيلِ، وكانَ أمْرُ الفِيلِ تَقْدِمَةً قَدَّمَها اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وبَيْتِهِ، وإلّا فَأصْحابُ الفِيلِ كانُوا نَصارى أهْلَ كِتابٍ، وكانَ دِينُهم خَيْرًا مِن دِينِ أهْلِ مَكَّةَ إذْ ذاكَ؛ لِأنَّهم كانُوا عُبّادَ أوْثانٍ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ نَصْرًا لا صُنْعَ لِلْبَشَرِ فِيهِ، إرْهاصًا وتَقْدِمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَرَجَ مِن مَكَّةَ، وتَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ الحَرامِ.

(فائدة)

لَما أتى النَّبِيُّ ﷺ بَطْنَ مُحَسِّرٍ، حَرَّكَ ناقَتَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ، وهَذِهِ كانَتْ عادَتَهُ في المَواضِعِ الَّتِي نَزَلَ فِيها بَأْسُ اللَّهِ بِأعْدائِهِ، فَإنَّ هُنالِكَ أصابَ أصْحابَ الفِيلِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الوادِي وادِيَ مُحَسِّرٍ؛ لِأنَّ الفِيلَ حُسِرَ فِيهِ

أيْ أُعْيِيَ وانْقَطَعَ عَنِ الذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ في سُلُوكِهِ الحِجْرَ دِيارَ ثَمُودَ، فَإنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وأسْرَعَ السَّيْرَ.

وَمُحَسِّرٌ: بَرْزَخٌ بَيْنَ مِنًى وبَيْنَ مُزْدَلِفَةَ، لا مِن هَذِهِ ولا مِن هَذِهِ.

وَعُرَنَةُ: بَرْزَخٌ بَيْنَ عَرَفَةَ والمَشْعَرِ الحَرامِ، فَبَيْنَ كُلِّ مَشْعَرَيْنِ بَرْزَخٌ لَيْسَ مِنهُما.

فَمِنًى: مِنَ الحَرَمِ، وهي مَشْعَرٌ، ومُحَسِّرٌ: مِنَ الحَرَمِ، ولَيْسَ بِمَشْعَرٍ، ومُزْدَلِفَةُ: حَرَمٌ ومَشْعَرٌ، وعُرَنَةُ لَيْسَتْ مَشْعَرًا، وهي مِنَ الحِلِّ. وعَرَفَةُ: حِلٌّ ومَشْعَرٌ.

(فصل)

وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ»

كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قَهْرَ رَسُولِهِ وجُنْدِهِ الغالِبِينَ لِأهْلِها أعْظَمُ مِن قَهْرِ الفِيلِ الَّذِي كانَ يَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً، فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، وسَلَّطَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، حَتّى فَتَحُوها عَنْوَةً بَعْدَ القَهْرِ وسُلْطانِ العَنْوَةِ، وإذْلالِ الكُفْرِ وأهْلِهِ، وكانَ ذَلِكَ أجَلَّ قَدْرًا، وأعْظَمَ خَطَرًا، وأظْهَرَ آيَةً وأتَمَّ نُصْرَةً، وأعْلى كَلِمَةً مِن أنْ يُدْخِلَهم تَحْتَ رِقِّ الصُّلْحِ، واقْتِراحِ العَدُوِّ وشُرُوطِهِمْ، ويَمْنَعُهم سُلْطانَ العَنْوَةِ وعِزَّها وظَفَرَها في أعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلى رَسُولِهِ، وأعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ.

(فائدة)

تَأمل الحِكْمَة في كَون فرج الدّابَّة، جعل بارزا من ورائِها ليتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها، ولَو جعل في أسفل بَطنها كَما جعل للْمَرْأة لم يتَمَكَّن الفَحْل من ضرابها إلا على الوَجْه الَّذِي تجامع بِهِ المَرْأة.

وَقد ذكر في كتب الحَيَوان أن فروج الفيلة في أسفل بَطنها، فَإذا كانَ وقت الضراب ارْتَفع ونشز وبرز للفحل، فيتمكن من ضرابها.

فَلَمّا جعل في الفيلة على خلاف ما هو في سائِر البَهائِم خصت بِهَذِهِ الخاصية عَنْها، ليتهيأ الأمر الَّذِي بِهِ دوام النَّسْل.

(فصل)

ثمَّ تَأمل شفر الفِيل وما فِيهِ من الحكم الباهرة فَإنَّهُ يقوم لَهُ مقام اليَد في تناول العلف والماء وإيرادهما إلى جَوْفه، ولَوْلا ذَلِك ما اسْتَطاعَ أن يتَناوَل شَيْئا من الأشياء من الأرض، لأنه لَيست لَهُ عنق يمدها كَسائِر الأنعام، فَلَمّا عدم العُنُق أخلف عَلَيْهِ مَكانَهُ الخرطوم الطَّوِيل ليسد مسده، وجعل قادِرًا على سدله ورَفعه وثنيه والتَّصَرُّف بِهِ كَيفَ شاءَ، وجعل وعاء أجوف لين الملمس، فَهو يتَناوَل بِهِ حاجته، ويحمله ما أرادَ إلى جَوْفه، ويحبس فِيهِ ما يُرِيد، ويكيد بِهِ إذا شاءَ، ويُعْطي ويتناول إذا أرادَ.

فسل المُعَطل من الَّذِي عوضه؟

وَمن أخلف عَلَيْهِ مَكان العُضْو الَّذِي مَنعه ما يقوم لَهُ مقامه وينوب مَنابه غير الرؤوف الرَّحِيم بخلقه، المتكفل بمصالحهم اللَّطِيف بهم؟

وَكَيف يَتَأتّى ذَلِك مَعَ الإهمال وخلو العالم عَن قيِّمِه وبارئه ومبدعه وفاطره لا إلَه إلّا هو العَزِيز الحَكِيم.

فَإن قلت فَما باله لم يخلق ذا عنق كَسائِر الأنعام وما الحِكْمَة في ذَلِك؟

قيل: - والله أعلم بِحِكْمَتِهِ في مصنوعاته - لأن رَأسه وأذنيه أمر هائل عَظِيم وحمل ثقيل فَلَو كانَ ذا عنق كَسائِر الأعناق لانهدت رقبته بثقله، ووهنت بِحمْلِهِ فَجعل رأسه مُلْصقًا بجسمه لِئَلّا يَنالهُ مِنهُ شَيْء من الثّقل والمؤنة، وخلق لَهُ مَكان العُنُق هَذا المشفر الطَّوِيل يتَناوَل بِهِ غذاءه، ولما طالَتْ عنق البَعِير للحكمة في ذَلِك صغر رَأسه بِالنِّسْبَةِ إلى عظم جثته لِئَلّا يُؤْذِيه ثقله ويوهن عُنُقه.

فسبحان من فاتَت حكمه عد العادين، وحصر الحاصرين.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском