Ibn al-QayyimAl‑A'raf · 7:1–27

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الأعراف

Al-A'raf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

7:1Page 151

الٓمٓصٓ ١

Alif, Lām, Meem, Ṣād.1

No commentary for this ayah

7:2Page 151

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

[This is] a Book revealed to you, [O Muḥammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

No commentary for this ayah

7:3Page 151

ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

No commentary for this ayah

7:4Page 151

وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ٤

And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.

وأما الفاء فهي موضوعة للتعقيب وقد تكون للتسبيب والترتيب وهما راجعان إلى معنى التعقيب لأن الثاني بعدهما أبدا إنما يجيء في عقب الأول فالسبب نحو ضربته فبكى والترتيب: ﴿أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ دخلت الفاء لترتيب اللفظ لأن الهلاك يجب تقديمه في الذكر لأن الاهتمام به أولى وإن كان مجيء البأس قبله في الوجود.

ومن هذا أن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد بعد ذلك جده دخلت ثم لترتيب الكلام لا لترتيب المعنى في الوجود

وهذا معنى قول بعض النحاة: أنها تأتي للترتيب في الخبر لا في المخبر وعندي في الآية تقديران آخران أحسن من هذا

أحدهما: أن يكون المراد بالإهلاك إرادة الهلاك وعبر بالفعل عن الإرادة وهو كثير فترتب مجيء البأس على الإرادة ترتب المراد على الإرادة.

والثاني وهو ألطف أن يكون الترتيب ترتيب تفصيل على جملة فذكر الإهلاك ثم فصله بنوعين أحدهما مجيء البأس بياتا أي ليلا والثاني مجيئه وقت القائلة وخص هذين الوقتين لأنهما وقت راحتهم وطمأنينتهم فجاءهم بأس الله أسكن ما كانوا وأروحه في وقت طمأنينتهم وسكونهم على عادته سبحانه في أخذ الظالم في وقت بلوغ آماله وكرمه وفرحه وركونه إلى ما هو فيه.

وكذلك قوله: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾

والمقصود أن الترتيب هنا ترتيب التفصيل على الجمل وهو ترتيب علمي لا خارجي فإن الذهن يشعر بالشيء جملة أولا ثم بطلب تفصيله بعد ذلك وأما في الخارج فلم يقع إلا مفصلا فتأمل هذا الموضع الذي خفي على كثير من الناس حتى ظن أن الترتيب في الآية كترتيب الإخبار أي إنا أخبرناكم بهذا قبل هذا.

7:5Page 151

فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٥

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

No commentary for this ayah

7:6Page 151

فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

No commentary for this ayah

7:7Page 151

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

No commentary for this ayah

7:8–9Page 151

وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

(الطبقة الحادية عشرة)

طبقة أقوام خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا: فعملوا حسنات وكبائر، ولقوا الله مصرّين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم، فإذا وزنت بها رجحت كفة الحسنات، فهؤلاءِ أيضًا ناجون فائزون قال تعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَق فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُون﴾ [الأعراف: ٨-٩].

قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن

رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف.

وهذه الموازنة تكون بعد القصاص، واستيفاءِ المظلومين حقوقهم من حسناته، فإذا بقي شيء منها وزن هو وسيئاته.

ولكن هنا مسألة، وهي: إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات، هل يلغى المرجوح جملة ويصير الأثر للراجح فيثاب على حسناته كلها، أو يسقط من الحسنات ما قابلها من السيئات المرجوحة ويبقى التأْثير للرجحان فيثاب عليه وحده؟ فيه قولان: هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة، وأما من ينفي ذلك فلا عبرة عنده بهذا، وإنما هو موكول إلى محض المشيئة، وعلى القول الأول فيذهب أثر السيئات جملة بالحسنات الراجحة، وعلى القول الثاني يكون تأْثيرها في نقصان ثوابه لا في حصول العقاب له، ويترجح هذا القول الثاني بأن السيئات لو لم تحبط ما قبلها من الحسنات، وكان العمل والتأْثير للحسنات كلها لم يكن فرق بين وجودها وعدمها، ولكان لا فرق بين المحسن الذي محض عمله حسنات، وبين من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.

وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت في نقصان ثوابه ولا بد، فإنه لو اشتغل في زمن إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه، وإذا كان كذلك فقد ترجح القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأْثير المغلوب المرجوح وصار الحكم للغالب دونه لاستهلاكه في جنبه كما يستهلك يسير النجاسة في الماءِ الكثير والماءُ إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث"، والله أعلم.

7:10Page 151

وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠

And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.

No commentary for this ayah

7:11Page 151

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ١١

And We have certainly created you, [O mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He was not of those who prostrated.

No commentary for this ayah

7:12Page 152

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢

[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."

No commentary for this ayah

7:13Page 152

قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣

[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."

No commentary for this ayah

7:14Page 152

قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

No commentary for this ayah

7:15Page 152

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ١٥

[Allāh] said, "Indeed, you are of those reprieved."

No commentary for this ayah

7:16Page 152

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.

قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف "على" فانتصب بالفعل. والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك.

والظاهر: أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشيء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه، ولأرصدنه، ولأعوجنه، ونحو ذلك.

قال ابن عباس: "دينك الواضح"

وقال ابن مسعود: "هو كتاب الله"

وقال جابر: "هو الإسلام"

وقال مجاهد: "هو الحق".

والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى، وقد تقدم حديث سبرة بن أبي الفاكه:

"إن الشَّيْطانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بأطْرُقِهِ كُلِّها" الحديث.

فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك.

7:17Page 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

وقوله: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْديهِمْ﴾.

قال ابن عباس، في رواية عطية عنه: "مِن قِبَل الدنيا" وفي رواية علي عنه "أشككهم في آخرتهم".

وكذلك قال الحسن: "من قبل الآخرة، تكذيبا بالبعث والجنة والنار".

وقال مجاهد: "من بين أيديهم من حيث يبصرون"

ومن خلفهم.

قال ابن عباس: "أرغبهم في دنياهم"

وقال الحسن: "من قبل دنياهم أزينها لهم وأشَهيها لهم".

وعن ابن عباس رواية أخرى: "من قبل الآخرة".

وقال أبو صالح: "أشككهم في الآخرة وأباعدها عليهم"

وقال مجاهد أيضًا: "من حيث لا يبصرون".

﴿وعن أيمانهم﴾

قال ابن عباس: "أشبه عليهم أمر دينهم"

وقال أبو صالح: "الحق أشككهم فيه"

وعن ابن عباس أيضًا: "من قبل حسناتهم".

قال الحسن: "من قبل الحسنات أثبطهم عنها".

وقال أبو صالح أيضًا: " ﴿من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾: أُنفِّقُه عليهم وأُرَغِّبُهم فيه".

وقال الحسن " ﴿وعن شمائلهم﴾ السيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ويرغبهم فيها ويزينها في أعينهم".

وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "ولم يقل من فوقهم؛ لأنه علم أن الله من فوقهم".

قال الشعبي: "فالله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم".

وقال قتادة: "أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك. لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله".

قال الواحدي: "وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات، حسن؛ لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، تريد: اجعلني من المقدمين عندك، ولا تجعلني، من المؤخرين"

وأنشد لابن الدمينة:

؎ألُبْنى أفِي يُمْنى يَديْكِ جَعَلْتِنِي ∗∗∗ فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ؟

وروى أبو عبيد عن الأصمعي: "هو عندنا باليمين: أي بمنزلة حسنة، وبضد ذلك هو عندنا بالشمال"، وأنشد:

؎رَأيْتُ بَنِي العَلاتِ لَمّا تَظافَرُوا ∗∗∗ يَحُوزُونَ سَهْمي بَيْنَهم في الشَّمائِلِ

أى ينزلوني بالمنزلة السيئة.

وحكى الأزهري عن بعضهم في هذه الآية ﴿لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾

"أى لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة

﴿ومن خلفهم﴾ بأمر البعث

﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أي لأضلنهم فيما يعملون؛ لأن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت يداك، وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئا؛ لأنهما الأصل في التصرف، فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل بغيرهما".

وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشري، واللفظ لأبي إسحاق: ذكر هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد، أي: لآتينهم من جميع الجهات، والله أعلم، أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم.

وقال الزمخشري: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله:

﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِسَوْطِكَ وأجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].

وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: "أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك".

وهذا القول أعم فائدة ولا يناقض ما قاله السلف، فإن ذلك على جهة التمثيل لا التعيين.

قال شقيق: "ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢].

وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على من أخلفه، فأقرأ: ﴿وَما مِن دابّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦].

ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء، فأقرأ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].

ومن قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤].

قلت: السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير، فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصدا له، فإن سلكها في طاعة وجده عليها يُثبِّطه عنها ويقطعه، أو يعوقه ويبطئه، وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له وخادما ومعينا وممنيا، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك.

ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناء فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥].

قال الكلبي: "ألزمناهم قرناء من الشياطين".

وقال مقاتل: "هيأنا لهم قرناء من الشياطين".

وقال ابن عباس: "ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة".

والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها.

وقال الكلبى: "زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث، وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالة". وهذا اختيار الفراء.

وقال ابن زيد: "زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم، وما يستقبلون منها". والمعنى: على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ينوون تركه.

فقول عدو الله تعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْديِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ يتناول الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾

فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه عنه، وإن ملك السيئات عن الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها، وهذا يفصل ما أجمله في قوله: ﴿فَبِعزَّتِكَ لأغْوِينَّهم أجْمَعينَ﴾ [ص: ٨٢].

(فائدة)

في جمع لفظ الشمائل في قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾

فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم، فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم بل الجمع هاهنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضى توزيع الأفراد ونظيره: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾.

7:18Page 152

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

No commentary for this ayah

7:19Page 152

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

No commentary for this ayah

7:20–22Page 152

فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١

And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

(فصل)

وأول كيد الشّيْطانِ ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ (٢٠) وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾.

فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي، وبه سمى صوت الحلي وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْه مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].

وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم، وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة يدل على فساد في دينه، قال الشاعر:

؎إنِّي كَأنِّي أرى مَن لا حَياءَ لَهُ ∗∗∗ ولا أمانَةَ وسْطَ النّاسِ عُرْيانا

فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، يُجَمِّل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها.

ثم قال: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكْين﴾ [الأعراف: ٢٠].

أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا في الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم، فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود.

فشام عدو الله الأبوين، فأحسَّ منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.

وكان عبد الله بن عباس يقرؤها (مَلِكَين) بكسر اللام، ويقول: لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠].

وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب؟ وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه؟،

فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلًا، وإنما كذبهما عدو الله وغرَّهما، وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح،

وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون، ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود في الجنة، وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه، أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعده القدر، ولما فرغ الله سبحانه من تقديره فأخذتهما سنة الغَفْلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل:

؎واسْتَيْقَظُوا وأرادَ اللهُ غَفْلَتَهم ∗∗∗ لِيَنْفُذَ القَدَرُ المَحْتُومُ في الأزَلِ

إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله ﴿أو تكونا من الخالدين﴾ [الأعراف: ٢٠]. فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله، والاعتذار عنه، وإنما يعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه، فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين، وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع، والآخر: ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده.

فقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يْبلى﴾ [طه: ١٢٠].

فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها في قوله: ﴿إلا أنْ تَكونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فتأمله، ثم قال: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّى لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١].

فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد:

أحدها: تأكيده بالقسم.

الثاني: تأكيده بـ إنّ.

الثالث: تقديم المعمول على العامل، إيذانا بالاختصاص. أي نصيحتي مختصة بكما، وفائدتها إليكما لا إلى.

الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد: أي النصح صفتي وسجيتي، ليس أمرا عارضا لي.

الخامس: إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم.

السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين، فكأنه قال لهما: الناصحون لكما في ذلك كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشئ: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به.

؎سَعى نَحْوَها حَتّى تجاوَزَ حَدَّهُ ∗∗∗ وكَثَّرَ فارْتابَتْ، ولَوْ شاءَ قَلَّلا

وورّث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١]. فأكدوا خبرهم بالشهادة وبـ إن وبلام التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].

ثم قال تعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢].

قال أبو عبيدة: "خذلهما وخلاهما، من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر".

وذكر الأزهري لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: "أصله الرجل العطشان يتدلى في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدى نفعا، فيقال: دلاه، إذا أطمعه"، ومنه قول أبى جندب الهذلي:

؎أحُصُّ، فَلاَ أُجِيرُ ومَن أُجِرْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ كَمَن تَدَلّى بِالغُرُورِ

أحص: أي أقطع.

الثاني: "فدلاهما بغرور، أي جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهي الجراءة"، قال شمر: "يقال: ما دَلَّكَ علي أي ما جرأك علي"، وأنشد لقيس بن زهير:

؎أظنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِى ∗∗∗ وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ

قلت: أصل التدلية في اللغة الإرسال والتعليق. يقال: دلى الشيء في مهواة، إذا أرسله بتعليق. وتدلى الشيء بنفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩].

قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر. ودلاها بالتخفيف إذا نزعها من البئر، فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا أرسلها، ودلاها يدلوها دلوا، إذا نزعها وأخرجها، ومنه الإدلاء، وهو التوصل إلى الرجل برحم منه، ويشاركه في الاشتقاق الأكبر الدلالة وهي التوصل إلى الشيء بإبانته وكشفه، ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله، وكان عبد الله بن مسعود يتشبه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في هديه ودله وسمته، فالهدى الطريقة التي عليها العبد، من أخلاقه وأقواله وأعماله، والدل ما يدل من ظاهره على باطنه، والسمت هيأته ووقاره ورزانته.

والمقصود: ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين.

قال مطرف بن عبد الله: "قال لهما إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما وحلف لهما، وإنما يخدع المؤمن بالله"

قال قتادة: "وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله خدعنا"، فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم، وفي الصحيح: "أن عيسى ابن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق، فقال: سرقت؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت بصرى".

وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله، فظنه المسيح سرقة، وهذا تكلف، وإنما كان الله سبحانه وتعالى في قلب المسيح عليه السلام أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له في اليمين بالله، كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له بالله عز وجل، وقال: ما ظننت أحدا يحلف بالله تعالى كاذبا.

(فصل)

وأما كيده للأبوين: فقد قص الله [الأعراف: ٢٠-٢٢] سبحانه علينا قصته معهما، وأنه لم يزل يخدعهما، ويعدهما، ويمنيهما الخلود في الجنة، حتى حلف لهما بالله جهد يمينه: إنه ناصح لهما، حتى اطمأنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما، فجرى عليهما من المحبة والخروج من الجنة ونزع لباسهما عنهما ما جرى، وكان ذلك بكيده ومكره الذي جرى به القلم، وسبق به القدر، ورد الله سبحانه كيده عليه، وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته، فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال وأجملها، وعاد عاقبة مكره عليه.

﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].

وظن عدو الله بجهله أن الغلبة والظفر له في هذه الحرب، ولم يعلم بكمين جيش:

﴿رَبّنا ظَلَمْنا أنْفَسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].

ولا بإقبال دولة ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢].

وظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من أجل أكلة أكلها.

وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع في غير مقتل في غير مقتل، فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة.

بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هُدِيَ لأحسن الشيم.

7:23Page 153

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

(لطيفة)

حذرا من فائت ما، انتفع آدم في بلية وعصى بكمال وعلم ولا رد عنه عز ﴿اسجدوا﴾ وإنما خلصه ذل ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾.

7:24Page 153

قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤

[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."

No commentary for this ayah

7:25Page 153

قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

No commentary for this ayah

7:26Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.

(لطيفة)

وَكَما جَمَعَ بَيْنَ اللِّباسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾، فَذَكَرَ - سُبْحانَهُ - زِينَةَ ظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ونَبَّهَهم بِالحِسِّيِّ عَلى المَعْنَوِيِّ؛ وفَهْمُ هَذا القَدْرِ زائِدٌ عَلى فَهْمِ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ ووَضْعِهِ في أصْلِ اللِّسانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى، زينة الظاهر والباطن، وكمال الظاهر والباطن.

(فصل)

قوله ﷺ في الحَدِيث "إن الله جميل يحب الجمال"

يتَناوَل جمال الثِّياب المسؤول عَنهُ في نفس الحَدِيث، ويدخل فِيهِ بطرِيق العُمُوم الجمال من كل شَيْء كَما في الحَدِيث الآخر إن الله نظيف يحب النَّظافَة وفي الصَّحِيح إن الله طيب لا يقبل إلّا طيبا وفي السّنَن إن الله يحب أن يرى أثر نعْمَته على عَبده وفيها عَن أبي الأحْوَص الجُشَمِي قالَ رَآنِي النَّبِي وعليَّ أطمار فَقالَ هَل لَك من مال قلت نعم قالَ من أي المال قلت من كل ما أتى الله من الإبِل والشاه قالَ فلتر نعْمَته وكرامته عَلَيْك فَهو سُبْحانَهُ يحب ظُهُور أثر نعْمَته على عَبده فَإنَّهُ من الجمال الَّذِي يُحِبهُ وذَلِكَ من شكره على نعمه وهو جمال باطِن فيحب أن يرى على عَبده الجمال الظّاهِر بِالنعْمَةِ والجمال الباطِن بالشكر عَلَيْها ولمحبته سُبْحانَهُ للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمّل ظواهرهم وتقوى تجمّل بواطنهم فَقالَ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِك خير﴾

وَقالَ في أهل الجنَّة ﴿ولقاهم نضرة وسُرُورًا وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾

فجمل وُجُوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وهو سُبْحانَهُ كَما يحب الجمال في الأقْوال والأفْعال واللباس والهيأة يبغض القَبِيح من الأقْوال والأفْعال والثياب والهيأة فيبغض القَبِيح وأهله ويُحب الجمال وأهله ولَكِن ضل في هَذا المَوْضُوع فريقان فريق قالُوا كل ما خلقه جميل فَهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جَمِيع ما خلقه فَلا نبغض مِنهُ شَيْئا قالُوا ومن رأى الكائنات مِنهُ رَآها كلها جميلَة وأنْشد منشدهم

؎وَإذا رَأيْت الكائنات بعينهم ∗∗∗ فَجَمِيع ما يحوي الوُجُود مليح

واحْتَجُّوا بقوله تَعالى ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقَوله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَوله ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾

والعارف عِنْدهم هو الَّذِي يُصَرح بِإطْلاق الجمال ولا يرى في الوُجُود قبيحا، وهَؤُلاء قد عدمت الغيرَة لله من قُلُوبهم والبغض في الله والمعاداة فِيهِ وإنكار المُنكر والجهاد في سَبيله وإقامَة حُدُوده ويرى جمال الصُّور من الذُّكُور والإناث من الجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فيتعبدون بفسقهم ورُبما غلا بَعضهم حَتّى يزْعم أن معبوده يظْهر في تِلْكَ الصُّورَة ويحل فِيها وإن كانَ اتحاديا قالَ هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر الجمالية.

(فصل)

وقابلهم في الفَرِيق الثّانِي فَقالُوا قد ذمّ الله سُبْحانَهُ جمال الصُّور وتَمام القامَة والخلقة فَقالَ عَن المنافقين ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ وقالَ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾

أي أمْوالًا ومناظر قالَ الحسن هو الصُّور وفي صَحِيح مُسلم عَنهُ إن الله لا ينظر إلى صوركم وأمْوالكم وإنَّما ينظر إلى قُلُوبكم وأعْمالكم قالُوا ومَعْلُوم أنه لم ينف نظر الإدْراك وإنَّما نفى نظر المحبَّة قالُوا وقد حرّم علينا لِباس الحَرِير والذَّهَب وآنية والذَّهَب الفضة وذَلِكَ من أعظم جمال الدُّنْيا وقالَ ولا تَمُدَّن عَيْنك إلى ما متّعنا بِهِ أزْواجًا مِنهُم زهرَة الحَياة الدُّنْيا لنفتنهم فِيهِ وفي الحَدِيث البذاذة من الإيمان وقد ذمّ الله المسرفين والسرف كَما يكون في الطَّعام والشراب يكون في اللباس.

وَفصل النزاع أن يُقال الجمال في الصُّورَة واللباس والهيأة ثَلاثَة أنْواع مِنهُ ما يحمد ومِنه ما يذم ومِنه ما لا يتَعَلَّق بِهِ مدح ولا ذمّ فالمحمود مِنهُ ما كانَ لله وأعان على طاعَة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة لَهُ كَما كانَ النَّبِي يتجمّل للوفود وهو نَظِير لِباس آلَة الحَرْب لِلْقِتالِ ولباس الحَرِير في الحَرْب والخُيَلاء فِيهِ فَإن ذَلِك مَحْمُود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوّه والمذموم مِنهُ ما كانَ للدنيا والرياسة والفَخْر والخُيَلاء والتوسل إلى الشَّهَوات وأن يكون هو غايَة العَبْد وأقصى مطلبه فَإن كثيرا من النُّفُوس لَيْسَ لَها همّة في سوى ذَلِك وأما ما لا يحمد ولا يذم هو ما خلا عَن هذَيْن القصدين وتجرّد عَن الوصفين

والمَقْصُود أن هَذا الحَدِيث الشريف مُشْتَمل على أصلين عظيمين فأوله معرفَة وآخره سلوك فَيعرف الله سُبْحانَهُ بالجمال الَّذِي لا يماثله فِيهِ شَيْء ويعبد بالجمال الَّذِي يُحِبهُ من الأقْوال والأعمال والأخلاق فيحب من عَبده أن يجمل لِسانه بِالصّدقِ وقَلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بِالطّاعَةِ وبدنه بِإظْهار نعمه عَلَيْهِ في لِباسه وتطهيره لَهُ من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الأظْفار فيعرفه بِصِفات بالجمال ويتعرف إلَيْهِ بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الَّذِي هو وصفه ويعبده بالجمال الَّذِي هو شَرعه ودينه فَجمع الحَدِيث قاعدتين المعرفَة والسلوك.

7:27Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском