Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
الممتحنة
Al-Mumtahanah
She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs
60:1Page 549
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١
O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.
(فائِدَة)
قَول النَّبِي لعمر "وَما يدْريك أن الله اطّلع على أهل بدر فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُم فقد غفرت لكم"
أشكل على كثير من النّاس مَعْناهُ فَإن ظاهره إباحَة كل الأعْمال لَهُم وتخييرهم فِيما شاؤا مِنها وذَلِكَ مُمْتَنع فَقالَت طائِفَة مِنهُم ابْن الجَوْزِيّ لَيْسَ المُراد من قَوْله اعْمَلُوا الِاسْتِقْبال وإنَّما هو للماضي وتَقْدِيره أي عمل كانَ لكم فقد غفرته
قالَ ويدل على ذَلِك شَيْئانِ:
أحدهما أنه لَو كانَ للمستقبل كانَ جَوابه قَوْله فسأغفر لكم.
والثّانِي أنه كانَ يكون إطلاقا في الذُّنُوب ولا وجه لذَلِك.
وَحَقِيقَة هَذا الجَواب أنِّي قد غفرت لكم بِهَذِهِ الغَزْوَة ما سلف من ذنوبكم لكنه ضَعِيف من وجْهَيْن:
أحدهما أن لفظ اعْمَلُوا يأباه فَإنَّهُ للاستقبال دون الماضِي
وَقَوله فقد غفرت لكم لا يُوجب أن يكون اعْمَلُوا مثله فَإن قَوْله قد غفرت تَحْقِيق لوُقُوع المَغْفِرَة في المُسْتَقْبل كَقَوْلِه ﴿أتى أمر الله﴾ ﴿وَجاء رَبك﴾ ونظائره.
الثّانِي أن نفس الحَدِيث يردّه فَإن سَببه قصّة حاطِب وتجسسه على النَّبِي وذَلِكَ ذَنْب واقع بعد غَزْوَة بدر لا قبلها وهو سَبَب الحَدِيث فَهو مُراد مِنهُ قطعا فالَّذِي نظن في ذَلِك والله أعلم أن هَذا خطاب لقوم قد علم الله سُبْحانَهُ أنّهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على الإسْلام وأنَّهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غَيرهم من الذُّنُوب ولَكِن لا يتركهم سُبْحانَهُ مصرِّين عَلَيْها بل يوفّقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذَلِك ويكون تخصيصهم بِهَذا دون غَيرهم لِأنَّهُ قد تحقق ذَلِك فيهم وأنَّهم مغْفُور لَهُم ولا يمْنَع ذَلِك كَون المَغْفِرَة حصلت بِأسْباب تقوم بهم كَما لا يَقْتَضِي ذَلِك أن يعطّلوا الفَرائِض وثوقا بالمغفرة فَلَو كانَت قد حصلت بِدُونِ الِاسْتِمْرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذَلِك إلى صَلاة ولا صِيام ولا حج ولا زَكاة ولا جِهاد وهَذا محال ومن أوجب الواجِبات التَّوْبَة بعد الذَّنب فضمان المَغْفِرَة لا يوجّب تَعْطِيل أسباب المَغْفِرَة ونَظِير هَذا قَوْله في الحَدِيث الآخر أذْنب عبد ذَنبا فَقالَ أي ربّ أذنبت ذَنبا فاغفره لي فغفر لَهُ ثمَّ مكث ما شاءَ الله أن يمْكث ثمَّ أذْنب ذَنبا آخر فَقالَ أي ربّ أصبت ذَنبا فاغْفِر لي فغفر لَهُ ثمَّ مكث ما شاءَ الله أن يمْكث ثمَّ أذْنب ذَنبا آخر فَقالَ رب أصبت ذَنبا فاغفره لي فَقالَ الله علم عَبدِي أن لَهُ رَبًّا يغْفر الذَّنب ويَأْخُذ بِهِ قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاءَ فَلَيْسَ في هَذا إطْلاق وإذن مِنهُ سُبْحانَهُ لَهُ في المحرّمات والجرائم وإنَّما يدل على أنه يغْفر لَهُ ما دامَ كَذَلِك إذا أذْنب تابَ واختصاص هَذا العَبْد بِهَذا، لِأنَّهُ قد علم أنه لا يصر على ذَنْب وأنه كلما أذْنب تابَ حكم يعم كل من كانَت حاله حاله لَكِن ذَلِك العَبْد مَقْطُوع لَهُ بذلك كَما قطع بِهِ لأهل بدر وكَذَلِكَ كل من بشّره رَسُول الله بِالجنَّةِ أو أخبرهُ بِأنَّهُ مغْفُور لَهُ لم يفهم مِنهُ هو ولا غَيره من الصَّحابَة إطْلاق الذُّنُوب والمعاصي لَهُ، ومسامحته بترك الواجِبات بل كانَ هَؤُلاءِ أشد اجْتِهادًا وحذرا وخوفا بعد البشارَة مِنهُم قبلها، كالعشرة المَشْهُود لَهُم بِالجنَّةِ.
وَقد كانَ الصديّق شَدِيد الحذر والمخافة، وكَذَلِكَ عمر، فَلهم علمُوا أن البشارَة المُطلقَة مقيّدة بشروطها والاستمرار عَلَيْها إلى المَوْت، ومقيدة بانتقاء موانعها ولم يفهم أحد مِنهُم من ذَلِك الإطْلاق الإذْن فِيما شاءوا من الأعْمال.
(فصل)
وَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ بِالجَهازِ، وأمَرَ أهْلَهُ أنْ يُجَهِّزُوهُ، فَدَخَلَ أبو بكر عَلى ابْنَتِهِ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وهي تُحَرِّكُ بَعْضَ جَهازِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أيْ بُنَيَّةُ أمَرَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَجْهِيزِهِ؟ قالَتْ: نَعَمْ فَتَجَهَّزْ، قالَ: فَأيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قالَتْ: لا واللَّهِ ما أدْرِي. ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعْلَمَ النّاسَ أنَّهُ سائِرٌ إلى مَكَّةَ، فَأمَرَهم بِالجِدِّ والتَّجْهِيزِ، وقالَ: «اللَّهُمَّ خُذِ العُيُونَ والأخْبارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَها في بِلادِها»
فَتَجَهَّزَ النّاسُ.
فَكَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى قُرَيْشٍ كِتابًا يُخْبِرُهم بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، ثُمَّ أعْطاهُ امْرَأةً، وجَعَلَ لَها جُعْلًا عَلى أنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، فَجَعَلَتْهُ في قُرُونٍ في رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ، وأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الخَبَرُ مِنَ السَّماءِ بِما صَنَعَ حاطب، فَبَعَثَ عليا والزبير - وغَيْرُ ابْنِ إسْحاقَ يَقُولُ: «بَعَثَ عليا والمقداد والزبير - فَقالَ: انْطَلِقا حَتّى تَأْتِيا رَوْضَةَ خاخٍ، فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ إلى قُرَيْشٍ، فانْطَلَقا تَعادى بِهِما خَيْلُهُما، حَتّى وجَدا المَرْأةَ بِذَلِكَ المَكانِ فاسْتَنْزَلاها، وقالا: مَعَكِ كِتابٌ؟ فَقالَتْ: ما مَعِي كِتابٌ، فَفَتَّشا رَحْلَها فَلَمْ يَجِدا شَيْئًا، فَقالَ لَها علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أحْلِفُ بِاللَّهِ ما كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا كَذَبْنا، واللَّهِ لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ، أوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ، فَلَمّا رَأتِ الجِدَّ مِنهُ، قالَتْ: أعْرِضْ، فَأعْرَضَ فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِها فاسْتَخْرَجَتِ الكِتابَ مِنها، فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِما فَأتَيا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإذا فِيهِ:
مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى قُرَيْشٍ، يُخْبِرُهم بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حاطبا، فَقالَ: ما هَذا يا حاطب؟ فَقالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وما ارْتَدَدْتُ ولا بَدَّلْتُ ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ لَسْتُ مِن أنْفُسِهِمْ، ولِي فِيهِمْ أهْلٌ وعَشِيرَةٌ ووَلَدٌ ولَيْسَ لِي فِيهِمْ قَرابَةٌ يَحْمُونَهُمْ، وكانَ مَن مَعَكَ لَهم قَراباتٌ يَحْمُونَهُمْ، فَأحْبَبْتُ إذْ فاتَنِي ذَلِكَ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ فَإنَّهُ قَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ وقَدْ نافَقَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْرِيكَ يا عمر لَعَلَّ اللَّهَ قدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم " فَذَرَفَتْ عَيْنا عمر، وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ».
ثُمَّ مَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو صائِمٌ، والنّاسُ صِيامٌ حَتّى إذا كانُوا بِالكُدَيْدِ - وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ النّاسُ اليَوْمَ قُدَيْدًا - أفْطَرَ وأفْطَرَ النّاسُ مَعَهُ.
ثُمّ مَضى حَتّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ، وهو بَطْنُ مَرٍّ، ومَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ وعَمّى اللَّهُ الأخْبارَ عَنْ قُرَيْشٍ فَهم عَلى وجَلٍ وارْتِقابٍ، وكانَ أبو سفيان يَخْرُجُ يَتَحَسَّسُ الأخْبارَ، فَخَرَجَ هو وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وبديل بن ورقاء، يَتَحَسَّسُونَ الأخْبارَ، وكانَ العباس قَدْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأهْلِهِ وعِيالِهِ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالجُحْفَةِ، وقِيلَ فَوْقَ ذَلِكَ، وكانَ مِمَّنْ لَقِيَهُ في الطَّرِيقِ ابْنُ عَمِّهِ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، وعبد الله بن أبي أمية، لَقِياهُ بِالأبْواءِ، وهُما ابْنُ عَمِّهِ وابْنُ عَمَّتِهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُما، لِما كانَ يَلْقاهُ مِنهُما مِن شِدَّةِ الأذى والهَجْوِ، فَقالَتْ لَهُ أم سلمة: لا يَكُنِ ابْنُ عَمِّكَ وابْنُ عَمَّتِكَ أشْقى النّاسِ بِكَ، وقالَ علي لأبي سفيان فِيما حَكاهُ أبو عمر: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن قِبَلِ وجْهِهِ، فَقُلْ لَهُ ما قالَ إخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] فَإنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ أحَدٌ أحْسَنَ مِنهُ قَوْلًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ أبو سفيان، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]
فَأنْشَدَهُ أبو سفيان أبْياتًا، مِنها:
؎لَعَمْرُكَ إنِّي حِينَ أحْمِلُ رايَةً ∗∗∗ لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ
؎لَكالمُدْلِجِ الحَيْرانِ أظْلَمَ لَيْلُهُ ∗∗∗ فَهَذا أوانِي حِينَ أُهْدى فَأهْتَدِي
؎هَدانِي هادٍ غَيْرُ نَفْسِي ودَلَّنِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ مَن طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ وقالَ: "أنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ " وحَسُنَ إسْلامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَيُقالُ: إنَّهُ ما رَفَعَ رَأْسَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أسْلَمَ حَياءً مِنهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهُ، وشَهِدَ لَهُ بِالجَنَّةِ وقالَ: " «أرْجُو أنْ يَكُونَ خَلَفًا مِن حمزة» "، ولَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، قالَ: "لا تَبْكُوا عَلَيَّ، فَواللَّهِ ما نَطَقْتُ بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أسْلَمْتُ "
فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرانِ، نَزَلَهُ عِشاءً، فَأمَرَ الجَيْشَ فَأوْقَدُوا النِّيرانَ، فَأُوقِدَتْ عَشَرَةُ آلافِ نارٍ، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الحَرَسِ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَرَكِبَ العباس بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ البَيْضاءَ وخَرَجَ يَلْتَمِسُ لَعَلَّهُ يَجِدُ بَعْضَ الحَطّابَةِ، أوْ أحَدًا يُخْبِرُ قُرَيْشًا؛ لِيَخْرُجُوا يَسْتَأْمِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها عَنْوَةً، قالَ: واللَّهِ إنِّي لَأسِيرُ عَلَيْها إذْ سَمِعْتُ كَلامَ أبي سفيان، وبديل بن ورقاء وهُما يَتَراجَعانِ وأبو سفيان يَقُولُ: ما رَأيْتُ كاللَّيْلَةِ نِيرانًا قَطُّ ولا عَسْكَرًا، قالَ: يَقُولُ بديل: هَذِهِ واللَّهِ خُزاعَةُ حَمَشَتْها الحَرْبُ، فَيَقُولُ أبو سفيان: خُزاعَةُ أقَلُّ وأذَلُّ مِن أنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرانَها وعَسْكَرَها، قالَ: فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ، فَقُلْتُ: أبا حنظلة، فَعَرَفَ صَوْتِي فَقالَ: أبا الفضل؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: ما لَكَ فِداكَ أبِي وأُمِّي؟ قالَ: قُلْتُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ، واصَباحَ قُرَيْشٍ واللَّهِ، قالَ: فَما الحِيلَةُ فِداكَ أبِي وأُمِّي؟ قُلْتُ: واللَّهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فارْكَبْ في عَجُزِ هَذِهِ البَغْلَةِ حَتّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأسْتَأْمِنُهُ لَكَ، فَرَكِبَ خَلْفِي، ورَجَعَ صاحِباهُ، قالَ: فَجِئْتُ بِهِ، فَكُلَّما مَرَرْتُ بِهِ عَلى نارٍ مِن نِيرانِ المُسْلِمِينَ قالُوا: " مَن هَذا؟ " فَإذا رَأوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا عَلَيْها، قالُوا: عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى بَغْلَتِهِ، حَتّى مَرَرْتُ بِنارِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ: مَن هَذا؟ وقامَ إلَيَّ فَلَمّا رَأى أبا سفيان عَلى عَجُزِ الدّابَّةِ قالَ: أبو سفيان عَدُوُّ اللَّهِ؟ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أمْكَنَ مِنكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ ولا عَهْدٍ، ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَكَضْتُ البَغْلَةَ فَسَبَقَتْ فاقْتَحَمْتُ عَنِ البَغْلَةِ، فَدَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَخَلَ عَلَيْهِ عمر، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا أبو سفيان فَدَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَهُ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنِّي قَدْ أجَرْتُهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذْتُ بِرَأْسِهِ، فَقُلْتُ: واللَّهِ لا يُناجِيهِ اللَّيْلَةَ أحَدٌ دُونِي، فَلَمّا أكْثَرَ عمر في شَأْنِهِ، قُلْتُ: مَهْلًا يا عمر، فَواللَّهِ لَوْ كانَ مِن رِجالِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ ما قُلْتَ مِثْلَ هَذا، قالَ: مَهْلًا يا عباس، " فَواللَّهِ لَإسْلامُكَ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن إسْلامِ الخطاب لَوْ أسْلَمَ، وما بِي إلّا أنِّي قَدْ عَرَفْتُ أنَّ إسْلامَكَ كانَ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن إسْلامِ الخطاب، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «اذْهَبْ بِهِ يا عباس إلى رَحْلِكَ، فَإذا أصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ، فَذَهَبْتُ فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: " ويْحَكَ يا أبا سفيان ألَمْ يَأْنِ لَكَ أنْ تَعْلَمَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ " قالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي ما أحْلَمَكَ وأكْرَمَكَ وأوْصَلَكَ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى شَيْئًا بَعْدُ، قالَ: ويْحَكَ يا أبا سفيان ألَمْ يَأْنِ لَكَ أنْ تَعْلَمَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»؟ " قالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي ما أحْلَمَكَ وأكْرَمَكَ وأوْصَلَكَ، أمّا هَذِهِ فَإنَّ في النَّفْسِ حَتّى الآنَ مِنها شَيْئًا، فَقالَ لَهُ العباس: ويْحَكَ أسْلِمْ واشْهَدْ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَبْلَ أنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ، فَأسْلَمَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ " فَقالَ العباس: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبا سفيان رَجُلٌ يُحِبُّ الفَخْرَ، فاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، قالَ: نَعَمْ
«مَن دَخَلَ دارَ أبي سفيان فَهو آمِنٌ، ومَن أغْلَقَ عَلَيْهِ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ فَهو آمِنٌ».
وَأمَرَ العباس أنْ يَحْبِسَ أبا سفيان بِمَضِيقِ الوادِي عِنْدَ خَطْمِ الجَبَلِ؛ حَتّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَراها، فَفَعَلَ فَمَرَّتِ القَبائِلُ عَلى راياتِها، كُلَّما مَرَّتْ بِهِ قَبِيلَةٌ قالَ: يا عباس مَن هَذِهِ؟ فَأقُولُ: سُلَيْمٌ، قالَ: فَيَقُولُ: ما لِي ولِسُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ القَبِيلَةُ، فَيَقُولُ: يا عباس مَن هَؤُلاءِ؟، فَأقُولُ: مُزَيْنَةُ، فَيَقُولُ: ما لِي ولِمُزَيْنَةَ، حَتّى نَفِدَتِ القَبائِلُ، ما تَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ إلّا سَألَنِي عَنْها، فَإذا أخْبَرْتُهُ بِهِمْ، قالَ: ما لِي ولِبَنِي فُلانٍ، حَتّى مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كَتِيبَتِهِ الخَضْراءِ فِيها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، لا يُرى مِنهم إلّا الحَدَقُ مِنَ الحَدِيدِ، قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ يا عباس مَن هَؤُلاءِ؟
قالَ: قُلْتُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، قالَ: ما لِأحَدٍ بِهَؤُلاءِ قِبَلٌ ولا طاقَةٌ، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ يا أبا الفضل لَقَدْ أصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أخِيكَ اليَوْمَ عَظِيمًا، قالَ: قُلْتُ: يا أبا سفيان إنَّها النُّبُوَّةُ، قالَ: فَنَعَمْ إذًا، قالَ: قُلْتُ: النَّجاءُ إلى قَوْمِكَ.
وَكانَتْ رايَةُ الأنْصارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، فَلَمّا مَرَّ بأبي سفيان قالَ لَهُ: اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الحُرْمَةُ، اليَوْمَ أذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا.
فَلَمّا حاذى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا سفيان قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تَسْمَعْ ما قالَ سعد؟ قالَ: وما قالَ؟ فَقالَ: كَذا وكَذا، فَقالَ عثمان وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما نَأْمَنُ أنْ يَكُونَ لَهُ في قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَلِ اليَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فِيهِ الكَعْبَةُ، اليَوْمَ يَوْمٌ أعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا».
ثُمَّ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سعد فَنَزَعَ مِنهُ اللِّواءَ ودَفَعَهُ إلى قيس ابْنِهِ، ورَأى أنَّ اللِّواءَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ سعد، إذْ صارَ إلى ابْنِهِ، قالَ أبو عمر: ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَزَعَ مِنهُ الرّايَةَ دَفَعَها إلى الزبير.
وَمَضى أبو سفيان حَتّى إذا جاءَ قُرَيْشًا، صَرَخَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذا مُحَمَّدٌ قَدْ جاءَكم فِيما لا قِبَلَ لَكم بِهِ، فَمَن دَخَلَ دارَ أبي سفيان فَهو آمِنٌ، فَقامَتْ إلَيْهِ هند بنت عتبة فَأخَذَتْ بِشارِبِهِ، فَقالَتْ: اقْتُلُوا الحَمِيتَ الدَّسِمَ الأحْمَشَ السّاقَيْنِ قُبِّحَ مِن طَلِيعَةِ قَوْمٍ، قالَ: ويْلَكم لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ مِن أنْفُسِكُمْ، فَإنَّهُ قَدْ جاءَكم ما لا قِبَلَ لَكم بِهِ، مَن دَخَلَ دارَ أبي سفيان فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ، قالُوا: قاتَلَكَ اللَّهُ، وما تُغْنِي عَنّا دارُكَ؟ قالَ: ومَن أغْلَقَ عَلَيْهِ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ، فَتَفَرَّقَ النّاسُ إلى دُورِهِمْ وإلى المَسْجِدِ.
وَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ مَكَّةَ مِن أعْلاها وضُرِبَتْ لَهُ هُنالِكَ قُبّةٌ، وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أنْ يَدْخُلَها مِن أسْفَلِها، وكانَ عَلى المُجَنِّبَةِ اليُمْنى، وفِيها أسْلَمُ وسُلَيْمٌ وغِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، وقَبائِلُ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، وكانَ أبو عبيدة عَلى الرَّجّالَةِ والحُسَّرِ، وهُمُ الَّذِينَ لا سِلاحَ مَعَهُمْ، وقالَ لخالد ومَن مَعَهُ: إنْ عَرَضَ لَكم أحَدٌ مِن قُرَيْشٍ فاحْصُدُوهم حَصْدًا حَتّى تُوافُونِي عَلى الصَّفا، فَما عَرَضَ لَهم أحَدٌ إلّا أنامُوهُ.
60:2Page 549
إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢
If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.
No commentary for this ayah
60:3Page 549
لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣
Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.
No commentary for this ayah
60:4Page 549
قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤
There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.
No commentary for this ayah
60:5Page 549
رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥
Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."
No commentary for this ayah
60:6Page 550
لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦
There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
No commentary for this ayah
60:7Page 550
۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧
Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
60:8–9Page 550
لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨
Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.
إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩
Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.
لَمّا نَهى في أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ اتِّخاذِ المُسْلِمِينَ الكُفّارَ أوْلِياءَ وقَطْعِ المَوَدَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُمْ، تَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ بِرَّهم والإحْسانَ إلَيْهِمْ مِنَ المُوالاةِ والمَوَدَّةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المُوالاةِ المَنهِيِّ عَنْها، وأنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ بَلْ هو مِنَ الإحْسانِ الَّذِي يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وكَتَبَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وإنَّما المَنهِيُّ عَنْهُ تَوَلِّي الكُفّارِ والإلْقاءُ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ.
60:10Page 550
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠
O you who have believed, when the believing women come to you as emigrants, examine [i.e., test] them. Allāh is most knowing as to their faith. And if you know them to be believers, then do not return them to the disbelievers; they are not lawful [wives] for them, nor are they lawful [husbands] for them. But give them [i.e., the disbelievers] what they have spent.1 And there is no blame upon you if you marry them when you have given them their due compensation [i.e., mahr]. And hold not to marriage bonds with disbelieving women, but ask for what you have spent and let them [i.e., the disbelievers] ask for what they have spent.2 That is the judgement of Allāh; He judges between you. And Allāh is Knowing and Wise.
[فَصْلٌ: في حُكْمِهِ ﷺ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ لِعَدُوِّهِ وفي رُسُلِهِمْ أنْ لا يُقْتَلُوا ولا يُحْبَسُوا، وفي النَّبْذِ إلى مَن عاهَدَهُ عَلى سَواءٍ إذا خافَ مِنهُ نَقْضَ العَهْدِ]
ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِرَسُولَيْ مسيلمة الكذاب لَمّا قالا: نَقُولُ إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ: «لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُما».
وَثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ (قالَ لأبي رافع، وقَدْ أرْسَلَتْهُ إلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَأرادَ المَقامَ عِنْدَهُ، وأنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: «إنِّي لا أخِيسُ بِالعَهْدِ، ولا أحْبِسُ البُرُدَ، ولَكِنِ ارْجِعْ إلى قَوْمِكَ، فَإنْ كانَ في نَفْسِكَ الَّذِي فِيها الآنَ فارْجِعْ».
وَثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ «رَدَّ إلَيْهِمْ أبا جندل لِلْعَهْدِ الَّذِي كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ مَن جاءَهُ مِنهم مُسْلِمًا» ولَمْ يَرُدَّ النِّساءَ، وجاءَتْ سبيعة الأسلمية مُسْلِمَةً، فَخَرَجَ زَوْجُها في طَلَبِها فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ الآيَةَ.
فاسْتَحْلَفَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ لَمْ يُخْرِجْها إلّا الرَّغْبَةُ في الإسْلامِ، وأنَّها لَمْ تَخْرُجْ لِحَدَثٍ أحْدَثَتْهُ في قَوْمِها، ولا بُغْضًا لَزَوْجِها، فَحَلَفَتْ، فَأعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوْجَها مَهْرَها، ولَمْ يَرُدَّها عَلَيْهِ.
فَهَذا حُكْمُهُ المُوافِقُ لِحُكْمِ اللَّهِ، ولَمْ يَجِئْ شَيْءٌ يَنْسَخُهُ ألْبَتَّةَ.
وَمَن زَعَمَ أنَّهُ مَنسُوخٌ، فَلَيْسَ بِيَدِهِ إلّا الدَّعْوى المُجَرَّدَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ.
60:11Page 550
وَإِن فَاتَكُمۡ شَيۡءٞ مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَٰجُهُم مِّثۡلَ مَآ أَنفَقُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١
And if you have lost any of your wives to the disbelievers and you subsequently obtain [something],1 then give those whose wives have gone the equivalent of what they had spent. And fear Allāh, in whom you are believers.
No commentary for this ayah
60:12Page 551
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢
O Prophet, when the believing women come to you pledging to you that they will not associate anything with Allāh, nor will they steal, nor will they commit unlawful sexual intercourse, nor will they kill their children, nor will they bring forth a slander they have invented between their arms and legs,1 nor will they disobey you in what is right - then accept their pledge and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
(فصل)
«وَكانَتْ البَيْعَةُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمُصافَحَةِ، وبَيْعَةُ النِّساءِ بِالكَلامِ، وما مَسَّتْ يَدُهُ الكَرِيمَةُ ﷺ يَدَ امْرَأةٍ لا يَمْلِكُها، فَيَقُولُ لِمَن يُبايِعُهُ: بايَعْتُك، أوْ أُبايِعُك، عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ»، كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كُنّا نُبايِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فَيَقُولُ: فِيما اسْتَطَعْت» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ «كُنّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، فَبايَعْناهُ وعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، بايَعْناهُ عَلى أنْ لا نَفِرَّ، ولَمْ نُبايِعْهُ عَلى المَوْتِ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، وعَلى أثَرَةٍ عَلَيْنا، وعَلى أنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وعَلى أنْ نَقُولَ بِالحَقِّ أيْنَما كُنّا، لا تَأْخُذُنا في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنْ «جُنادَةَ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ قالَ: دَخَلْنا عَلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وهو مَرِيضٌ، فَقُلْنا: حَدِّثْنا أصْلَحَك اللَّهُ بِحَدِيثٍ نَنْتَفِعُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: دَعانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبايَعْناهُ، وكانَ فِيما أخَذَ عَلَيْنا أنْ بايَعْناهُ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في مَنشَطِنا ومَكْرَهِنا وعُسْرِنا ويُسْرِنا وأثَرَةٍ عَلَيْنا، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، قالَ إلّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عِنْدَكم مِن اللَّهِ فِيهِ بُرْهانٌ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ المُؤْمِناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] إلى آخِرِ الآيَةِ.
قالَتْ عائِشَةُ: فَمَن أقَرَّتْ بِهَذا مِن المُؤْمِناتِ فَقَدْ أقَرَّتْ بِالمِحْنَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِنَّ قالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْطَلِقْنَ فَقَدْ بايَعْتُكُنَّ ولا واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ، غَيْرَ أنَّهُ يُبايِعُهُنَّ بِالكَلامِ».
«قالَتْ عائِشَةُ: واللَّهِ ما أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى النِّساءِ قَطُّ إلّا بِما أمَرَهُ اللَّهُ، وما مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَّ امْرَأةٍ قَطُّ، وكانَ يَقُولُ لَهُنَّ إذا أخَذَ عَلَيْهِنَّ قَدْ بايَعْتُكُنَّ كَلامًا».
فَهَذِهِ هي البَيْعَةُ النَّبَوِيَّةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]
وَقالَ فِيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].
60:13Page 551
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣
O you who have believed, do not make allies of a people with whom Allāh has become angry. They have despaired of [reward in] the Hereafter just as the disbelievers have despaired of [meeting] the companions [i.e., inhabitants] of the graves.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences