Ibn al-QayyimAl‑Infitar · 82:1–15

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الإنفطار

Al-Infitar

The Cleaving · Meccan · 19 ayahs

82:1Page 587

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ ١

When the sky breaks apart

No commentary for this ayah

82:2Page 587

وَإِذَا ٱلۡكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتۡ ٢

And when the stars fall, scattering,

No commentary for this ayah

82:3Page 587

وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ فُجِّرَتۡ ٣

And when the seas are erupted

No commentary for this ayah

82:4Page 587

وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ ٤

And when the [contents of] graves are scattered [i.e., exposed],

No commentary for this ayah

82:5Page 587

عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ ٥

A soul will [then] know what it has put forth and kept back.

No commentary for this ayah

82:6Page 587

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ٦

O mankind, what has deceived you concerning your Lord, the Generous,

قال ابن القيم - بعد كلام -:

وَكاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦٦]

فَيَقُولُ: كَرَمُهُ، وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ، وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغَرُورُ، وهو الشَّيْطانُ، ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ، وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الكَرِيمِ وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ، الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ، ولا إهْمالُ حَقِّهِ، فَوَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ الغَرُورَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ.

82:7Page 587

ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٧

Who created you, proportioned you, and balanced you?

No commentary for this ayah

82:8Page 587

فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ٨

In whatever form He willed has He assembled you.

No commentary for this ayah

82:9Page 587

كـَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ ٩

No! But you deny the Recompense.

No commentary for this ayah

82:10–12Page 587

وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠

And indeed, [appointed] over you are keepers,1

كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١

Noble and recording;

يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ ١٢

They know whatever you do.

[فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تُباعِدُ بَيْنَ العَبْدِ والمَلِكِ]

فَصْلٌ

المَعْصِيَةُ تُباعِدُ بَيْنَ العَبْدِ والمَلِكِ ومِن عُقُوباتِها: أنَّها تُباعِدُ عَنِ العَبْدِ ولِيَّهُ وأنْفَعَ الخَلْقِ لَهُ وأنْصَحَهم لَهُ، ومَن سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ مِنهُ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ وأغَشَّ الخَلْقِ لَهُ، وأعْظَمَهم ضَرَرًا لَهُ، وهو الشَّيْطانُ، فَإنَّ العَبْدَ إذا عَصى اللَّهَ تَباعَدَ مِنهُ المَلَكُ بِقَدْرِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، حَتّى إنَّهُ يَتَباعَدُ مِنهُ بِالكِذْبَةِ الواحِدَةِ مَسافَةً بَعِيدَةً.

وَفِي بَعْضِ الآثارِ: إذا كَذَبَ العَبْدُ تَباعَدَ مِنهُ المَلَكُ مِيلًا مِن نَتَنِ رِيحِهِ، فَإذا كانَ هَذا تَباعُدَ المَلَكِ مِنهُ مِن كِذْبَةٍ واحِدَةٍ، فَماذا يَكُونُ مِقْدارُ بُعْدِهِ مِنهُ مِمّا هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، وأفْحَشُ مِنهُ؟

وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا رُكِبَ الذَّكَرُ عَجَّتِ الأرْضُ إلى اللَّهِ وهَرَبَتِ المَلائِكَةُ إلى رَبِّها، وشَكَتْ إلَيْهِ عَظِيمَ ما رَأتْ.

وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ ابْتَدَرَهُ المَلَكُ والشَّيْطانُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ وكَبَّرَهُ وحَمِدَهُ وهَلَّلَهُ، طُرِدَ الشَّيْطانُ وتَوَلّاهُ المَلَكُ، وإنِ افْتَتَحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ذَهَبَ المَلَكُ عَنْهُ وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ.

وَلا يَزالُ المَلَكُ يَقْرُبُ مِنَ العَبْدِ حَتّى يَصِيرَ الحُكْمُ والطّاعَةُ والغَلَبَةُ لَهُ، فَتَتَوَلّاهُ المَلائِكَةُ في حَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وعِنْدَ بَعْثِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠-٣١].

وَإذا تَوَلّاهُ المَلَكُ تَوَلّاهُ أنْصَحُ الخَلْقِ وأنْفَعُهم وأبَرُّهُمْ، فَثَبَّتَهُ وعَلَّمَهُ، وقَوّى جَنانَهُ، وأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].

فَيَقُولُ المَلَكُ عِنْدَ المَوْتِ: لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ وأبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، ويُثَبِّتُهُ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وعِنْدَ المَوْتِ، وفي القَبْرِ عِنْدَ المَسْألَةِ.

فَلَيْسَ أحَدٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ مِن صُحْبَةِ المَلَكِ لَهُ، وهو ولِيُّهُ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَياتِهِ وعِنْدَ مَوْتِهِ وفي قَبْرِهِ، ومُؤْنِسُهُ في وحْشَتِهِ، وصاحِبُهُ في خَلْوَتِهِ، ومُحَدِّثُهُ في سِرِّهِ، ويُحارِبُ عَنْهُ عَدُوَّهُ، ويُدافِعُ عَنْهُ ويُعِينُهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُهُ بِالخَيْرِ ويُبَشِّرُهُ بِهِ، ويُحِثُّهُ عَلى التَّصْدِيقِ بِالحَقِّ، كَما جاءَ في الأثَرِ الَّذِي يُرْوى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «إنَّ لِلْمَلَكِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، ولِلشَّيْطانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ المَلَكِ: إيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالوَعْدِ، ولَمَّةُ الشَّيْطانِ: إيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ».

وَإذا اشْتَدَّ قُرْبُ المَلَكِ مِنَ العَبْدِ تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلى لِسانِهِ القَوْلَ السَّدِيدَ، وإذا بَعُدَ مِنهُ وقَرُبَ الشَّيْطانُ، تَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ، وألْقى عَلَيْهِ قَوْلَ الزُّورِ والفُحْشِ، حَتّى يُرى الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ المَلَكُ والرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِهِ الشَّيْطانُ

وَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسانِ عُمَرَ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكانَ أحَدُهم يَسْمَعُ الكَلِمَةَ الصّالِحَةَ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ فَيَقُولُ: ما ألْقاهُ عَلى لِسانِكَ إلّا المَلَكُ، ويَسْمَعُ ضِدَّها فَيَقُولُ: ما ألْقاها عَلى لِسانِكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالمَلَكُ يُلْقِي بِالقَلْبِ الحَقَّ ويُلْقِيهِ عَلى اللِّسانِ، والشَّيْطانُ يُلْقِي الباطِلَ في القَلْبِ ويُجْرِيهِ عَلى اللِّسانِ.

فَمِن عُقُوبَةِ المَعاصِي أنَّها تُبْعِدُ مِنَ العَبْدِ ولِيَّهُ الَّذِي سَعادَتُهُ في قُرْبِهِ ومُجاوَرَتِهِ ومُوالاتِهِ، وتُدْنِي مِنهُ عَدُوَّهُ الَّذِي شَقاؤُهُ وهَلاكُهُ وفَسادُهُ في قُرْبِهِ ومُوالاتِهِ، حَتّى إنَّ المَلَكَ لَيُنافِحُ عَنِ العَبْدِ، ويَرُدُّ عَنْهُ إذا سَفِهَ عَلَيْهِ السَّفِيهُ وسَبَّهُ، كَما اخْتَصَمَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلانِ، فَجَعَلَ أحَدُهُما يَسُبُّ الآخَرَ وهو ساكِتٌ، فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ يَرُدُّ بِها عَلى صاحِبِهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ قُمْتَ، فَقالَ: «كانَ المَلَكُ يُنافِحُ عَنْكَ، فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ جاءَ الشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأجْلِسَ».

وَإذا دَعا العَبْدُ المُسْلِمُ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ أمَّنَ المَلَكُ عَلى دُعائِهِ، وقالَ: «وَلَكَ بِمِثْلٍ».

وَإذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ الفاتِحَةِ أمَّنَتِ المَلائِكَةُ عَلى دُعائِهِ.

وَإذا أذْنَبَ العَبْدُ المُوَحِّدُ المُتَّبِعُ لِسَبِيلِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ.

وَإذا نامَ العَبْدُ عَلى وُضُوءٍ باتَ في شِعارِ مَلَكٍ.

فَمَلَكُ المُؤْمِنِ يَرُدُّ عَنْهُ ويُحارِبُ ويُدافِعُ عَنْهُ، ويُعَلِّمُهُ ويُثَبِّتُهُ ويُشَجِّعُهُ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُسِيءَ جِوارَهُ ويُبالِغَ في أذاهُ وطَرْدِهِ عَنْهُ وإبْعادِهِ، فَإنَّهُ ضَيْفُهُ وجارُهُ.

وَإذا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والإحْسانُ إلى الجارِ مِن لَوازِمِ الإيمانِ ومُوجِباتِهِ، فَما الظَّنُّ بِإكْرامِ أكْرَمِ الأضْيافِ، وخَيْرِ الجِيرانِ وأبَرِّهِمْ؟ وإذا آذى العَبْدُ المَلَكَ بِأنْواعِ المَعاصِي والظُّلْمِ والفَواحِشِ دَعا عَلَيْهِ رَبَّهُ، وقالَ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما يَدْعُو لَهُ إذا أكْرَمَهُ بِالطّاعَةِ والإحْسانِ.

قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: إنَّ مَعَكم مَن لا يُفارِقُكُمْ، فاسْتَحْيُوا مِنهم وأكْرِمُوهم.

وَلا ألْأمَ مِمَّنْ لا يَسْتَحِي مِنَ الكَرِيمِ العَظِيمِ القَدْرِ، ولا يُجِلُّهُ ولا يُوَقِّرُهُ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ - كِرامًا كاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]

أيِ اسْتَحْيُوا مِن هَؤُلاءِ الحافِظِينَ الكِرامِ وأكْرِمُوهُمْ، وأجِلُّوهم أنْ يَرَوْا مِنكم ما تَسْتَحْيُونَ أنْ يَراكم عَلَيْهِ مَن هو مِثْلُكُمْ، والمَلائِكَةُ تَتَأذّى مِمّا يَتَأذّى مِنهُ بَنُو آدَمَ، وإذا كانَ ابْنُ آدَمَ يَتَأذّى مِمَّنْ يَفْجُرُ ويَعْصِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وإنْ كانَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَما الظَّنُّ بِأذى المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ.

(فصل)

إذا عرف هذا فكل حركة في العالم العلوي والسفلي فسببها المحبة والإرادة، وغايتها المحبة والإرادة.

فإن الحركات ثلاث: إرادية، وطبعية، وقسرية.

فإن المتحرك إن كان له شعور بحركته وإرادة لها، فحركته إرادية، وإن لم يكن له شعور بحركته، أوله بها شعور وهو غير مريد لها، فحركته إما على وفق طبعه، أو على خلافه، فالأولى طبعية، والثانية قسرية.

أظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرا مباينا للمتحرك، أو قوة فيه، فالأول الحركة فيه قسرية، والثاني، إما أن يكون له به شعور أم لا، فالأول: الحركة فيه إرادية، والثاني طبعية.

فالحركة متى لازمت الشعور والإرادة فهي إرادية، ومتى انتفى عنها الأمران، فإن كانت بقوة في المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت من غير قوة في المحرك فهي القسرية.

وكل حركة في السماوات والأرض: من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرا﴾، وقال ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾.

وهي الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل عليهم السلام، وأما المكذبون للرسل، المنكرون للصانع، فيقولون: هي النجوم.

وقد أشبعنا الرد على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى بالمفتاح.

وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكِّل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها. ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه، وملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها، وعمل الأنهار فيها ملائكة فالملائكة أعظم جنود الله تعالى.

ومنهم:

﴿والمُرْسَلاَتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ١-٥] ومنهم ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا والنّاشِطاتِ نَشْطًا والسّابحاتِ سَبْحًا فالسّابِقاتِ سَبْقًا فالمُدَبِّراتِ أمْرا﴾ [النازعات:١-٥] ومنهم ﴿والصّافّاتِ صَفا فالزّاجِراتِ زَجْرًا فالتّالِياتِ ذِكْرا﴾ [الصافات:١-٣].

ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى.

ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره:

﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلا لَمِن ارْتَضى وهْمْ مِن خَشْيَتهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧-٢٨] ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهمْ ويَفْعَلُونَ ما يؤمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويفْعَلُونَ ما يُؤْمَرْونَ﴾ [التحريم: ٦].

ولا تتنزل إلا بأمره، ولا تفعل شيئا إلا من بعد إذنه، فهم:

﴿عِبادٌ مُكرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦].

منهم الصافون، ومنهم المسبحون. ليس منهم إلا من له مقام معلوم، لا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه، ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده سبحانه:

﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَستَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الليْلَ والنَّهارَ لا يفْتُروُنَ﴾ [الأنبياء: ١٩-٢٠].

ورؤساؤهم الأملاك الثلاث: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: "الّلهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ، فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أنْتَ تَحْكم بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لَمِا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ".

فتوسل إليه سبحانه بربوبيته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة الموكلين بالحياة.

فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم.

فسأله رسوله بربوبيته لهؤلاء أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، لما في ذلك من الحياة النافعة.

والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوي والسفلي ملائكة، فهي تدبر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة، لكونهم هم المباشرين للتدبير، كقوله:

﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥].

ويضيف التدبير إليه كقوله: ﴿إنَّ رَبَّكُم اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [يونس: ٣] قوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماء والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحى مِنَ المَيِّتِ ويخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحى ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ، فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١]. فهو المدبر أمرًا وإذنًا ومشيئةً، والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالًا.

وهذا كما أضاف التوفي إليهم تارة، كقوله تعالى: ﴿تَوَفّتْهُ رُسُلنا﴾ [الأنعام: ٦١].

وإليه تارة، كقوله: ﴿اللهُ يَتَوَفّى الأنْفسَ﴾ [الزمر: ٤٢] ونظائره.

والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر فإنهم موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره. وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ، وبعد البعث. وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب. وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة، وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه ليحذره، وما يحبه ليقوى قلبه، ويزداد شكرا، وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر، ويحذرونه منه.

فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه مادام في طاعة ربه، ويصلون عليه مادام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند موته، ويوم بعثه. وهم الذين يزهدونه في الدنيا، ويرغبونه في الآخرة. وهم الذين يذكرونه إذا نسي. وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع. وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته.

فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من عنده في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر قد أطت بهم السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، أو راكع أو ساجد ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليه.

والقرآن مملوء بذكر الملائكة، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم. كقوله تعالى: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ للمَلائِكَةِ إنِّي جاعٍلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَل فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بحَمْدِكَ ونُقّدِّسُ لَكَ قّالَ إنِّي أعْلَمُ مالاَ تَعْلَمُونَ وعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هؤلاء إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلاّ ما عَلّمْتَنا إنّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيم قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بأسمائهم فَلمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلُم غَيْبَ السَّمواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وإذْ قُلْنا لِلْملائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ إلى آخر القصة [البقرة: ٣٠-٣٨]

وقوله: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبهِّمْ﴾ [القدر: ٤].

وما بين هاتين السورتين في سور القرآن. بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحا، أو تلويحا، أو إشارة.

وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر.

ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمس التي هي أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.

82:13–14Page 587

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ ١٣

Indeed, the righteous will be in pleasure,

وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٖ ١٤

And indeed, the wicked will be in Hellfire.

وَلا تَحْسَبُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ - وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ مَقْصُورٌ عَلى نَعِيمِ الآخِرَةِ وجَحِيمِها فَقَطْ بَلْ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ كَذَلِكَ - أعْنِي دارَ الدُّنْيا، ودارَ البَرْزَخِ، ودارَ القَرارِ - فَهَؤُلاءِ في نَعِيمٍ، وهَؤُلاءِ في جَحِيمٍ، وهَلِ النَّعِيمُ إلّا نَعِيمُ القَلْبِ؟

وَهَلِ العَذابُ إلّا عَذابُ القَلْبِ؟

وَأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ الخَوْفِ والهَمِّ والحُزْنِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، وإعْراضِهِ عَنِ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، وتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وانْقِطاعِهِ عَنِ اللَّهِ، بِكُلِّ وادٍ مِنهُ شُعْبَةٌ؟

وَكُلُّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ بِهِ وأحَبَّهُ مِن دُونِ اللَّهِ فَإنَّهُ يَسُومُهُ سُوءَ العَذابِ.

فَكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في هَذِهِ الدّارِ، فَهو يُعَذَّبُ بِهِ قَبْلَ حُصُولِهِ حَتّى يَحْصُلَ، فَإذا حَصَلَ عُذِّبَ بِهِ حالَ حُصُولِهِ بِالخَوْفِ مِن سَلْبِهِ وفَواتِهِ، والتَّنْغِيصِ والتَّنْكِيدِ عَلَيْهِ، وأنْواعٍ مِنَ العَذابِ في هَذِهِ المُعارَضاتِ، فَإذا سُلِبَهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ عَذابُهُ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ في هَذِهِ الدّارِ.

وَأمّا في البَرْزَخِ: فَعَذابٌ يُقارِنُهُ ألَمُ الفِراقِ الَّذِي لا يَرْجُو عَوْدَةً وألَمُ فَواتِ ما فاتَهُ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ بِاشْتِغالِهِ بِضِدِّهِ، وألَمُ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ، وألَمُ الحَسْرَةِ الَّتِي تَقْطَعُ الأكْبادَ، فالهَمُّ والغَمُّ والحُزْنُ تَعْمَلُ في نُفُوسِهِمْ نَظِيرَ ما يَعْمَلُ الهَوامُّ والدِّيدانُ في أبْدانِهِمْ، بَلْ عَمَلُها في النُّفُوسِ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، حَتّى يَرُدَّها اللَّهُ إلى أجْسادِها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ العَذابُ إلى نَوْعٍ هو أدْهى وأمَرُّ، فَأيْنَ هَذا مِن نَعِيمِ مَن يَرْقُصُ قَلْبُهُ طَرَبًا وفَرَحًا وأُنْسًا بِرَبِّهِ، واشْتِياقًا إلَيْهِ، وارْتِياحًا بِحُبِّهِ، وطُمَأْنِينَةً بِذِكْرِهِ؟ حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم في حالِ نَزْعِهِ: واطَرَباهُ.

وَيَقُولُ الآخَرُ: مَساكِينُ أهْلُ الدُّنْيا، خَرَجُوا مِنها وما ذاقُوا لَذِيذَ العَيْشِ فِيها، وما ذاقُوا أطْيَبَ ما فِيها.

وَيَقُولُ الآخَرُ: لَوْ عَلِمَ المُلُوكُ وأبْناءُ المُلُوكِ ما نَحْنُ فِيهِ لَجالَدُونا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ.

وَيَقُولُ الآخَرُ: إنَّ في الدُّنْيا جَنَّةً مَن لَمْ يَدْخُلْها لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الآخِرَةِ.

فَيا مَن باعَ حَظَّهُ الغالِي بِأبْخَسِ الثَّمَنِ، وغُبِنَ كُلَّ الغَبْنِ في هَذا العَقْدِ وهو يَرى أنَّهُ قَدْ غُبِنَ، إذا لَمْ يَكُنْ لَكَ خِبْرَةٌ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ فَسَلِ المُقَوِّمِينَ، فَيا عَجَبًا مِن بِضاعَةٍ مَعَكَ اللَّهُ مُشْتَرِيها وثَمَنُها جَنَّةُ المَأْوى، والسَّفِيرُ الَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ عَقْدُ التَّبايُعِ وضَمِنَ الثَّمَنَ عَنِ المُشْتَرِي هو الرَّسُولُ ﷺ، وقَدْ بِعْتَها بِغايَةِ الهَوانِ، كَما قالَ القائِلُ:

؎إذا كانَ هَذا فِعْلُ عَبْدٍ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ فَمَن ذا لَهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ يُكْرِمُ

﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [الحج: ١٨].

وقال أيضا في (الجواب الكافي)

وَلا تَظُنَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ - وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ المَعادِ فَقَطْ، بَلْ هَؤُلاءِ في نَعِيمٍ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ، وهَؤُلاءِ في جَحِيمٍ في دُورِهِمُ الثَّلاثَةِ.

وَأيُّ لَذَّةٍ ونَعِيمٍ في الدُّنْيا أطْيَبُ مِن بِرِّ القَلْبِ، وسَلامَةِ الصَّدْرِ، ومَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى ومَحَبَّتِهِ، والعَمَلِ عَلى مُوافَقَتِهِ؟ وهَلِ العَيْشُ في الحَقِيقَةِ إلّا عَيْشُ القَلْبِ السَّلِيمِ؟ وقَدْ أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَلامَةِ قَلْبِهِ، فَقالَ: ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ - إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٤].

وقال في (المدارج)

قُلُوبُ أهْلِ البِدَعِ، والمُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ، وأهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ، وأهْلِ المَعاصِي في جَحِيمٍ قَبْلَ الجَحِيمِ الأكْبَرِ، وقُلُوبُ الأبْرارِ في نَعِيمٍ قَبْلَ النَّعِيمِ الأكْبَرِ ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]

هَذا في دُورِهِمُ الثَّلاثِ، لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالدّارِ الآخِرَةِ، وإنْ كانَ تَمامُهُ وكَمالُهُ وظُهُورُهُ: إنَّما هو في الدّارِ الآخِرَةِ، وفي البَرْزَخِ دُونَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] وقالَ تَعالى ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧١]

وَفِي هَذِهِ الدّارِ دُونَ ما في البَرْزَخِ، ولَكِنْ يَمْنَعُ مِنَ الإحْساسِ بِهِ الِاسْتِغْراقُ في سَكْرَةِ الشَّهَواتِ، وطَرْحُ ذَلِكَ عَنِ القَلْبِ، وعَدَمُ التَّفَكُّرِ فِيهِ.

والعَبْدُ قَدْ يُصِيبُهُ ألَمٌ حِسِّيٌّ فَيَطْرَحُهُ عَنْ قَلْبِهِ، ويَقْطَعُ التِفاتَهُ عَنْهُ، ويَجْعَلُ إقْبالَهُ عَلى غَيْرِهِ، لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِ جُمْلَةً، فَلَوْ زالَ عَنْهُ ذَلِكَ الِالتِفاتُ، لَصاحَ مِن شِدَّةِ الألَمِ، فَما الظَّنُّ بِعَذابِ القُلُوبِ وآلامِها؟!.

وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْحَسَناتِ والطّاعاتِ آثارًا مَحْبُوبَةً لَذِيذَةً طَيِّبَةً، لَذَّتُها فَوْقَ لَذَّةِ المَعْصِيَةِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، لا نِسْبَةَ لَها إلَيْها، وجَعَلَ لِلسَّيِّئاتِ والمَعاصِي آلامًا وآثارًا مَكْرُوهَةً، وحَزازاتٍ تُرْبِي عَلى لَذَّةِ تَناوُلِها بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا في القَلْبِ، وضِياءً في الوَجْهِ، وقُوَّةً في البَدَنِ، وزِيادَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوادًا في الوَجْهِ، وظُلْمَةً في القَلْبِ ووَهَنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وهَذا يَعْرِفُهُ صاحِبُ البَصِيرَةِ، ويَشْهَدُهُ مِن نَفْسِهِ ومِن غَيْرِهِ.

فَما حَصَلَ لِلْعَبْدِ حالٌ مَكْرُوهَةٌ قَطُّ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].

وقال أيضا في (إغاثة اللهفان)

وقوله: ﴿إنَّ الأبْرارَ لفي نَعِيمٍ وإنّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤].

فوعد أهل الهدى والعمل الصالح بالنعيم التام في الدار الآخرة، ووعيد أهل الضلال والفجور بالشقاء في الدار الآخرة مما اتفقت عليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم، وتضمنته الكتب.

ولكن نذكر هاهنا نكتة نافعة. وهي: أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من أهل الإيمان في الدنيا من المصائب، وما ينال كثيرا من الكفار والفجار والظلمة في الدنيا من الرياسة والمال، وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار، وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة في الدنيا قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين.

فإذا سمع في القرآن قوله تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]

وقوله ﴿وَإنّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]

وقوله ﴿كَتَبَ الله لأغْلِبن أنا ورُسُلِى﴾ [المجادلة: ٢١]

وقوله ﴿والعاقِبةُ لِلْمُتّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨، القصص: ٨٣].

ونحو هذه الآيات، وهو ممن يصدق بالقرآن، حمل ذلك على أن حصوله في الدار الآخرة فقط وقال: أما الدنيا فإنا نرى الكفار والمنافقين يغلبون فيها ويظهرون، ويكون لهم النصر والظفر.

والقرآن لا يرد بخلاف الحس، ويعتمد على هذا الظن إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين، أو الفجرة الظالمين: وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى. فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق، فيقول: أنا على الحق. وأنا مغلوب: فصاحب الحق في هذه الدنيا مغلوب مقهور، والدولة فيها الباطل.

فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين، قال: هذا في الآخرة فقط.

وإذا قيل له: كيف يفعل الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه، وأهل الحق؟

فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله تعالى بالحكم والمصالح، قال: يفعل الله في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد:

﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].

وإن كان ممن يعلل الأفعال، قال: فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب الآخرة وعلو الدرجات، وتوفية الأجر بغير حساب.

ولكل أحد مع نفسه في هذا المقام مباحثات وإيرادات وإشكالات وأجوبة، بحسب حاصله وبضاعته، من المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحكمته، والجهل بذلك، فالقلوب تغلى بما فيها، كالقدر إذا استجمعت غليانا.

فلقد بلغنا وشاهدنا من كثير من هؤلاء من التظلم للرب تعالى واتهامه، ما لا يصدر إلا من عدو، فكان الجهم يخرج بأصحابه، فيقفهم على الجذمى وأهل البلاء، ويقول انظروا، أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟ إنكارا لرحمته، كما أنكر حكمته.

فليس الله عند جهم وأتباعه حكيما ولا رحيما.

وقال آخر من كبار القوم: ما على الخلق أضر من الخالق.

وكان بعضهم يتمثل:

؎إذا كانَ هذا فِعْلُهُ مُحِبِّة ∗∗∗ فما تَراهُ في أعادِيهِ يَصْنَعُ؟

وأنت تشاهد كثيرا من الناس إذا أصابه نوع من البلاء يقول: يا ربي ما كان ذنبي، حتى فعلت بي هذا؟

وقال لي غير واحد: إذا تبت إليه وأنبت وعملت صالحا ضيق على رزقى، ونكد على معيشتى، وإذا رجعت إلى معصيته، وأعطيت نفسي مرادها، جاءني الرزق والعون ونحو هذا.

فقلت لبعضهم: هذا امتحان منه، ليرى صدقك وصبرك، هل أنت صادق في مجيئك إليه وإقبالك عليه، فتصبر على بلائه، فتكون لك العاقبة، أم أنت كاذب فترجع على عقبك؟

وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحائدة عن الصواب مبنية على مقدمتين.

إحداهما: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه، وتارك ما نهي عنه، واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأنه تارك للمأمور، مرتكب للمحظور، وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه.

والمقدمة الثانية: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه، بل يعيش عمره مظلوما مقهورا مستضاما، مع قيامه بما أمر به ظاهرا وباطنا، وانتهائه عما نهي عنه باطنا وظاهرا، فهو عند نفسه قائم بشرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وهو تحت قهر أهل الظلم، والفجور والعدوان.

فلا إله إلا الله، كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل، ومتدين لا بصيرة له، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين.

فإنه من المعلوم: أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب في الدنيا لما لا بد له منه: من جلب النفع، ودفع الضر، بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح. فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى، والاستقامة على التوحيد، ومتابعة السنة ينافى ذلك.

وأنه يعادي جميع أهل الأرض لما لا يقدر عليه من البلاء، وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة، لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال دينه، وتجرده لله ورسوله، فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين، بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين، بل قد يدخل مع الظالمين، بل مع المنافقين، وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من فروعه وأعماله، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:

"بادِرُوا بِالأعْمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ الّليْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُمسِي كافِرًا، ويُمْسِي كافِرًا ويُصْبِحُ مُؤْمِنًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا".

وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه، من حصول ضرر لا يحتمله، وفوات منفعة لابد له منها، لم يقدم على احتمال هذا الضرر، ولا تفويت تلك المنفعة.

فسبحان الله، كم صدت هذه الفتنة الكثير من الخلق، بل أكثرهم عن القيام بحقيقة الدين.

وأصلها ناشئ من جهلين كبيرين: جهل بحقيقة الدين، وجهل بحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس، وكمالها، وبه ابتهاجها والتذاذها، فيتولد من بين هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين، وعن طلب حقيقة النعيم.

ومعلوم أن كمال العبد هو بأن يكون عارفا بالنعيم الذي يطلبه، والعمل الذي يوصل إليه، وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العمل، ومحبة صادقة لذلك النعيم، وإلا فالعلم بالمطلوب وطريقه لا يحصله إن لم يقترن بذلك العمل، والإرادة الجازمة لا توجب وجود المراد إلا إذا لازمها الصبر.

فصارت سعادة العبد وكمال لذته ونعيمه موقوفا على هذه المقامات الخمسة علمه بالنعيم المطلوب ومحبته له، وعلمه بالطريق الموصل إليه وعمله به، وصبره على ذلك.

82:15Page 587

يَصۡلَوۡنَهَا يَوۡمَ ٱلدِّينِ ١٥

They will [enter to] burn therein on the Day of Recompense,

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском