Ibn al-QayyimAt‑Tawbah · 9:1–23

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

التوبة

At-Tawbah

The Repentance · Medinan · 129 ayahs

9:1Page 187

بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١

[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1

No commentary for this ayah

9:2Page 187

فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢

So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.

No commentary for this ayah

9:3Page 187

وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣

And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.

[تَفْضِيلُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ]

وَمِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ، فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في " السُّنَنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ».

وَقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ أفْضَلُ مِنهُ، وهَذا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، قالُوا: لِأنَّهُ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، وصِيامُهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ، وما مِن يَوْمٍ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ الرِّقابَ أكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ؛ ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْنُو فِيهِ مِن عِبادِهِ، ثُمَّ يُباهِي مَلائِكَتَهُ بِأهْلِ المَوْقِفِ. والصَّوابُ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ لا يُعارِضُهُ شَيْءٌ يُقاوِمُهُ، والصَّوابُ أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ هو يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾

وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّ أبا بكر وعليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أذَّنا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، لا يَوْمَ عَرَفَةَ.

وَفِي " سُنَنِ أبي داود " بِأصَحِّ إسْنادٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ»

وَكَذَلِكَ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ويَوْمُ عَرَفَةَ مُقَدِّمَةٌ لِيَوْمِ النَّحْرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإنَّ فِيهِ يَكُونُ الوُقُوفُ والتَّضَرُّعُ والتَّوْبَةُ والِابْتِهالُ والِاسْتِقالَةُ، ثُمَّ يَوْمُ النَّحْرِ تَكُونُ الوِفادَةُ والزِّيارَةُ، ولِهَذا سُمِّيَ طَوافُهُ طَوافَ الزِّيارَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ طَهُرُوا مِن ذُنُوبِهِمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ أذِنَ لَهم رَبُّهم يَوْمَ النَّحْرِ في زِيارَتِهِ، والدُّخُولِ عَلَيْهِ إلى بَيْتِهِ، ولِهَذا كانَ فِيهِ ذَبْحُ القَرابِينِ، وحَلْقُ الرُّءُوسِ، ورَمْيُ الجِمارِ، ومُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ، وعَمَلُ يَوْمِ عَرَفَةَ كالطُّهُورِ والِاغْتِسالِ بَيْنَ يَدَيْ هَذا اليَوْمِ. وكَذَلِكَ تَفْضِيلُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، فَإنَّ أيّامَهُ أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ ثَبَتَ في " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيها أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن هَذِهِ الأيّامِ العَشْرِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إلّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ»

وَهِيَ الأيّامُ العَشْرُ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والفَجْرِ - ولَيالٍ عَشْرٍ﴾

وَلِهَذا يُسْتَحَبُّ فِيها الإكْثارُ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ»، ونِسْبَتُها إلى الأيّامِ كَنِسْبَةِ مَواضِعِ المَناسِكِ في سائِرِ البِقاعِ.

9:4Page 187

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤

Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

No commentary for this ayah

9:5Page 187

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

9:6Page 187

وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦

And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.

(فائدة)

قول النبي ﷺ لما أنشدته قتيلة بنت الحارث شعرها المعروف ترثي به أخاها النضر

"لو سمعت هذا قبل قتله لم أقتله"

ليس فيه الندم على قتله فإنه لم يقتله إلا بالحق ولكن كان رحيما يقبل الشفاعة ويمنّ على الجاني، فمعناه لو شفعت عندي بما قالت قبل أن أقتله لقبلت شفاعتها وتركته.

9:7–12Page 188

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧

How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].

كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨

How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.

ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩

They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.

لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠

They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١

But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢

And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]

فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟

يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.

والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.

[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]

فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفَيْنِ المُتَلازِمَيْنِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَمَتى تَحَقَّقَ أحَدُهُما تَحَقَّقَ الآخَرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ الطَّعْنِ في دِينِنا بَلْ إمْكانُ بَقائِهِ عَلى العَهْدِ دِينًا أقْرَبُ مِن بَقائِهِ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ، بَلْ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وسُنَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلَيْهِ مَعَ المُحارَبَةِ بِاليَدِ ومَنعِ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، وهَذا واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ.

الجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ما يُبَيَّنُ في الحُكْمِ، وإلّا فالوَصْفُ العَدِيمُ التَّأْثِيرِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ وزَنى حُدَّ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ كُلُّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالتَّأْثِيرِ لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما يُقالُ: يُقْتَلُ هَذا لِأنَّهُ زانٍ مُرْتَدٌّ. وقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُ الجَزاءِ مُرَتَّبًا عَلى المَجْمُوعِ، ولِكُلِّ وصْفٍ تَأْثِيرٌ في البَعْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].

وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.

وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.

وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُها مُسْتَلْزِمًا لِلْبَعْضِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [آل عمران: ٢١] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أيِّ الأقْسامِ فُرِضَتْ كانَتْ دَلِيلًا؛ لِأنَّ أقْصى ما يُقالُ: إنَّ نَقْضَ العَهْدِ هو المُبِيحُ لِلْقِتالِ والطَّعْنِ في الدِّينِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مُوجِبٌ لَهُ، فَنَقُولُ إذا كانَ الطَّعْنُ يُغَلِّظُ قِتالَ مَن لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ ويُوجِبُهُ؛ فَلِأنْ يُوجِبَ قَتْلَ مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ ذِمَّةٌ - وهو مُلْتَزِمٌ لِلصَّغارِ - أوْلى، فَإنَّ المُعاهِدَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِهِ ما شاءَ مِن أمْرِ دِينِهِ، والذِّمِّيُّ لَيْسَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِ الإسْلامِ شَيْئًا مِن دِينِهِ الباطِلِ.

الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ مُجَرَّدَ نَكْثِ الأيْمانِ مُقْتَضٍ لِلْمُقاتَلَةِ ولَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الطَّعْنِ في الدِّينِ، وضَرَرُهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ عَلَيْنا، فَإذا كانَ أيْسَرُ الأمْرَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلْمُقاتَلَةِ فَكَيْفَ بِأشَدِّهِما؟

الجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا سَبَّ اللَّهَ والرَّسُولَ أوْ عابَ الإسْلامَ عَلانِيَةً فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ بِما يَرْدَعُهُ ويُنَكَّلُ بِهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُعاهِدْنا عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مُعاهَدًا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ كَما لا يُعاقَبُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ الخِنْزِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا كُنّا عاهَدْناهُ عَلى ألّا يَطْعَنَ في دِينِنا ثُمَّ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ مِن بَعْدِ عَهْدِهِ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ.

قالَ شَيْخُنا: وهَذِهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المُنازِعَ سَلَّمَ لَنا أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ لَكِنَّهُ يَقُولُ: " لَيْسَ كُلُّ ما مُنِعَ مِنهُ يَنْقُضُ عَهْدَهُ كَإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ ". ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مَنَعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا لا يَضُرُّ بِنا ضَرَرًا بَيِّنًا، كَتَرْكِ الغِيارِ مَثَلًا وشُرْبِ الخَمْرِ وإظْهارِ الخِنْزِيرِ، وبَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مُنِعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا فِيهِ غايَةُ الضَّرَرِ بِالمُسْلِمِينَ وبِالدِّينِ، فَإلْحاقُ أحَدِهِما بِالآخَرِ باطِلٌ.

يُوَضِّحُ ذَلِكَ الجَوابُ الخامِسُ: أنَّ النَّكْثَ هو مُخالَفَةُ العَهْدِ، فَمَتى خالَفُوا شَيْئًا مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهو نَكْثٌ مَأْخُوذٌ مِن نَكْثِ الحَبْلِ وهو نَقْضُ قُواهُ، ونَكْثُ الحَبْلِ يَحْصُلُ بِنَقْضِ قُوَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَحْصُلُ بِنَقْضِ جَمِيعِ القُوى، لَكِنْ قَدْ يَبْقى مِن [قُواهُ ما [يَتَمَسَّكُ بِهِ الحَبْلُ، وقَدْ يَهِنُ بِالكُلِّيَّةِ.

وَهَذِهِ المُخالَفَةُ مِنَ المُعاهِدِ قَدْ تُبْطِلُ العَهْدَ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَجْعَلَهُ حَرْبِيًّا، وقَدْ تُشَعِّثُ العَهْدَ حَتّى تُبِيحَ عُقُوبَتَهُمْ، كَما أنَّ فَقْدَ بَعْضِ الشُّرُوطِ في البَيْعِ والنِّكاحِ وغَيْرِهِما قَدْ يُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُبِيحُ الفَسْخَ والإمْساكَ.

وَأمّا مَن قالَ: " يَنْتَقِضُ العَهْدُ بِجَمِيعِ المُخالَفاتِ ". فَظاهِرٌ عَلى قَوْلٍ قالَهُ القاضِي في " التَّعْلِيقِ ".

واحْتَجَّ القاضِي بِأنَّهم لَوْ أظْهَرُوا مُنْكَرًا في دارِ الإسْلامِ مِثْلَ: إحْداثِ البِيَعِ والكَنائِسِ في دارِ الإسْلامِ ورَفْعِ الأصْواتِ بِكُتُبِهِمْ والضَّرْبِ بِالنَّواقِيسِ وإطالَةِ البِناءِ عَلى أبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وكَذَلِكَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُسْلِمِينَ في مَلْبُوسِهِمْ ومَرْكُوبِهِمْ وشُعُورِهِمْ وكُناهم.

قالَ: والجَوابُ أنَّ مِن أصْحابِنا مَن جَعَلَهُ ناقِضًا لِلْعَهْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ - وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: " ومَن نَقَضَ العَهْدَ بِمُخالَفَةِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ عادَ حَرْبِيًّا " - فَعَلى هَذا لا نُسَلِّمُ، وإنْ سَلَّمْناهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها وإنَّما نُهُوا عَنْ فِعْلِها لِما في إظْهارِها مِنَ المُنْكَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في مِلَّتِنا لِأنَّ في فِعْلِها ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ فَبانَ الفَرْقُ، انْتَهى كَلامُهُ.

قالَ شَيْخُنا: فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى العَقْدُ ألّا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِن عَيْبِ دِينِنا، وأنَّهم مَتى أظْهَرُوهُ فَقَدْ نَكَثُوا وطَعَنُوا في الدِّينِ فَيَدْخُلُونَ في عُمُومِ الآيَةِ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّصِّ.

[فَصْلٌ: كُلُّ مَن طَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ]

وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِنا، ولَكِنْ أقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ بَيْنَهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ المُقاتَلَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] ونَظائِرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ، وإمامُ الكُفْرِ هو الدّاعِي إلَيْهِ المُتَّبَعُ فِيهِ.

وَإنَّما صارَ إمامًا في الكُفْرِ لِأجْلِ الطَّعْنِ، وإلّا فَإنَّ مُجَرَّدَ النَّكْثِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّ الطّاعِنَ في الدِّينِ يَعِيبُهُ ويَذُمُّهُ ويَدْعُو إلى خِلافِهِ، وهَذا شَأْنُ الإمامِ، فَإذا طَعَنَ الذِّمِّيُّ في الدِّينِ كانَ إمامًا في الكُفْرِ فَيَجِبُ قِتالُهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] عِلَّةٌ أُخْرى لِقِتالِهِ، فَأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ المُقْتَضِي لِلْقِتالِ - وهو نَكْثُ العَهْدِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - وبَيانُ عَدَمِ المانِعِ مِنَ القِتالِ وهو الإيمانُ العاصِمُ.

وَأمّا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألِفِ فالأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي أحْسَنُ القِراءَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ سَبَبِ القِتالِ - وهو نَكْثُ الأيْمانِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا أيْمانَ لَهم تَعْصِمُهم مِنَ القَتْلِ لِأنَّهم قَدْ نَكَثُوها.

والمُرادُ بِالأيْمانِ هُنا العُهُودُ لا القَسَمُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقاسِمْهم بِاللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما عاهَدَهُمْ، ونُسْخَةُ الكِتابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيها قَسَمٌ، وهَذا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إلى الآخَرِ، ثُمَّ صارَ مُجَرَّدُ الكَلامِ بِالعَهْدِ يُسَمّى يَمِينًا، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ اليَمِينِ.

وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ العَهْدُ يَمِينًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ هي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ولَمّا كانَ الحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ يَمِينًا، فاسْمُ اليَمِينِ جامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ وإنْ كانَ نَذْرًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ " النَّذْرُ حَلْفَةٌ " ولِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالنَّهْيُ عَنْ [نَقْضِ] العُهُودِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَسَمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَسَمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]

مَعْناهُ: تَتَعاهَدُونَ وتَتَعاقَدُونَ بِهِ، والمَقْصُودُ أنَّ كُلَّ مَن طَعَنَ في دِينِنا بَعْدَ أنْ عاهَدْناهُ عَهْدًا يَقْتَضِي ألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهو إمامٌ في الكُفْرِ لا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ، وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإمامٍ في الكُفْرِ، وهو مَن خالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحَ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ الهَمُّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِقِتالِهِمْ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] فَجَعَلَ هَمَّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبًا لِقِتالِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الأذى لَهُ.

وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ سَبَّهُ أعْظَمُ أذًى لَهُ مِن مُجَرَّدِ إخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ، ولِهَذا عَفا ﷺ عامَ الفَتْحِ عَنِ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ولَمْ يَعْفُ عَمَّنْ سَبَّهُ، فالذِّمِّيُّ إذا أظْهَرَ سَبَّهُ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وفَعَلَ ما هو أعْظَمُ مِنَ الهَمِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ وبَدَأ بِالأذى فَيَجِبُ قِتالُهُ.

[فَصْلٌ الأمْرُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤-١٥]

فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ، ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أشْياءَ: تَعْذِيبِهِمْ بِأذى المُؤْمِنِينَ، وخِزْيِهِمْ، والنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وشِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وذَهابِ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وتَوْبَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُقاتِلُوهم يَحْصُلْ هَذا.

وَإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مُرَتَّبَةً عَلى قِتالِ النّاكِثِ والطّاعِنِ في الدِّينِ - وهي أُمُورٌ مَطْلُوبَةٌ - كانَ سَبَبُها المُقْتَضِي لَها مَطْلُوبًا لِلشّارِعِ - وهو القِتالُ - وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَطْلُوبَةً حاصِلَةً بِالقِتالِ لَمْ يَجُزْ تَعْطِيلُ القِتالِ الَّذِي هو سَبَبُها مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي لَهُ مِن جِهَةِ مَن يُقاتِلُهُ، وهو النَّكْثُ والطَّعْنُ في الدِّينِ.

فَشِفاءُ الصُّدُورِ الحاصِلُ مِن ألَمِ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وذَهابُ الغَيْظِ الحاصِلِ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ، مَقْصُودٌ لِلشّارِعِ مَطْلُوبُ الحُصُولِ، ولا رَيْبَ أنَّ مَن أظْهَرَ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنَّهُ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويُؤْلِمُهم أكْثَرَ مِن سَفْكِ دِماءِ بَعْضِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ هَذا يُثِيرُ الغَضَبَ لِلَّهِ والحَمِيَّةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ.

وَهَذا القَدْرُ لا يَهِيجُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ غَيْظٌ أكْثَرَ مِنهُ، بَلِ المُؤْمِنُ المُسَدَّدُ لا يَغْضَبُ هَذا الغَضَبَ إلّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وذَهابَ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِقَتْلِ السَّبّابِ لِأوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ [تَعْزِيرَهُ] وتَأْدِيبَهُ يُذْهِبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أذْهَبَ التَّعْزِيرُ والتَّأْدِيبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ الرَّسُولَ لَكانَ غَيْظُهم مِن سَبِّ نَبِيِّهِمْ مِثْلَ غَيْظِهِمْ مِن سَبِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا.

الثّانِي: أنَّ شَتْمَهُ أعْظَمُ عِنْدَهم مِن أنْ يُسْفَكَ دِماءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ لَوْ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم إلّا قَتْلُهُ، فَأنْ لا تُشْفى صُدُورُهم إلّا بِقَتْلِ السّابِّ أوْلى وأحْرى.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِتالَهم هو السَّبَبَ في حُصُولِ الشِّفاءِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَصِّلُهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ هو الشّافِيَ لِصُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ هَذا.

الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأرادَ أنْ يَشْفِيَ صُدُورَ خُزاعَةَ - وهُمُ القَوْمُ المُؤْمِنُونَ - مِن بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ قاتَلُوهم مَكَّنَهم مِنهم نِصْفَ النَّهارِ أوْ أكْثَرَ مَعَ أمانِهِ لِسائِرِ النّاسِ، فَلَوْ كانَ شِفاءُ صُدُورِهِمْ وذَهابُ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ بِدُونِ القَتْلِ لِلَّذِينَ نَكَثُوا أوْ طَعَنُوا لَما فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أمانِهِ النّاسَ.

9:13Page 188

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣

Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.

No commentary for this ayah

9:14–15Page 189

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤

Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥

And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.

فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد.

فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضا أُخر أصعب من مرض العشق كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، ولم يزل، وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر.

وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب. فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه، لكن اشتغال القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبرئه، وقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتِي بفتواهم

"قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال"

فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم.

وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهديَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كأنماَ يَصَّعَّدُ فِى السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].

والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية. ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن.

(فائدة)

وَأمّا تَأْثِيرُ الجِهادِ في دَفْعِ الهَمِّ والغَمِّ فَأمْرٌ مَعْلُومٌ بِالوِجْدانِ، فَإنَّ النَّفْسَ مَتى تَرَكَتْ صائِلَ الباطِلِ وصَوْلَتَهُ واسْتِيلاءَهُ اشْتَدَّ هَمُّها، وغَمُّها، وكَرْبُها، وخَوْفُها، فَإذا جاهَدَتْهُ لِلَّهِ أبْدَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الهَمَّ والحُزْنَ فَرَحًا ونَشاطًا وقُوَّةً كَما قالَ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾

فَلا شَيْءَ أذْهَبُ لِجَوى القَلْبِ وغَمِّهِ وهَمِّهِ وحُزْنِهِ مِنَ الجِهادِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.

9:16Page 189

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦

Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.

No commentary for this ayah

9:17Page 189

مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧

It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.

No commentary for this ayah

9:18Page 189

إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨

The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.

No commentary for this ayah

9:19–20Page 189

۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].

فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام، وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن، وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة بقوله تعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاة وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشى إلا اللهَ، فَعَسى أُولَئِكَ أن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾

فهؤلاءِ هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم.

9:21Page 190

يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

No commentary for this ayah

9:22Page 190

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.

No commentary for this ayah

9:23Page 190

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском