Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
المرسلات
Al-Mursalat
The Emissaries · Meccan · 50 ayahs
77:1–7Page 580
وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا ١
By those [winds] sent forth in gusts
فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا ٢
And the winds that blow violently
وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا ٣
And [by] the winds that spread [clouds]
فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا ٤
And those [angels] who bring criterion1
فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا ٥
And those [angels] who deliver a message
عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا ٦
As justification or warning,
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ ٧
Indeed, what you are promised is to occur.
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا فالعاصِفاتِ عَصْفًا والنّاشِراتِ نَشْرًا فالفارِقاتِ فَرْقًا فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾
فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس
قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾
فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار.
فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الإقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضًا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وقوله ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وقوله ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾
وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفًا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح عطف (العاصفات) عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح.
وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى:
تعصف بالدراع والحاسر ...
حكاه أبو إسحاق.
وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما.
وأما ﴿الناشرات نشرا﴾ فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء
قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾
يعني أنها تنشر السحاب نشرًا وهو ضد الطي.
وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس.
وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها.
وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء.
وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان.
وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها
قلت ويجوز أن تكون (الناشرات) لازمًا لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات، والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها، لكن هنا أمرًا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الإقسام في هذه السورة نوعين، وفصل أحدهما من الآخر، وجعل (العاصفات) معطوفًا على (المرسلات) بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد.
ثم جعل (الناشرات) كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو، ثم عطف عليه (الفارقات والملقيات) بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات، وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات.
وقد اختلف في (الفارقات) والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف ﴿الملقيات ذكرًا﴾ عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق.
وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارًا وإنذارا.
ومن جعل (الناشرات) الرياح جعل (الفارقات) صفة لها وقال هي تفرق السحاب هاهنا وهاهنا.
ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها.
ومن قال (الفارقات) أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون (الناشرات) الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح.
ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر.
وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول.
ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة.
ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح، فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة.
فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء.
وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية، وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الإقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة.
فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة، ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر، فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب.
فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه موقعًا، فإنه تكرر عشر مرات، ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق، وما يوجب التصديق به، فتأمله.
قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا (٦)﴾
(فصل)
مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: مِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الِاعْتِذارَ مُحاجَّةٌ عَنِ الجِنايَةِ، وتَرْكُ الِاعْتِذارِ اعْتِرافٌ بِها، ولا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إلّا بَعْدَ الِاعْتِرافِ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَراءِ لِرَئِيسِهِ وقَدْ عَتَبَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ:
؎وَما قابَلْتَ عَتْبَكَ بِاعْتِذارٍ ∗∗∗ ولَكِنِّي أقُولُ كَما تَقُولُ
؎وَأطْرُقُ بابَ عَفْوِكَ بِانْكِسارٍ ∗∗∗ ويَحْكُمُ بَيْنَنا الخُلُقُ الجَمِيلُ
فَلَمّا سَمِعَ الرَّئِيسُ مَقالَتَهُ قامَ ورَكِبَ إلَيْهِ مِن فَوْرِهِ، وأزالَ عَتْبَهُ عَلَيْهِ، فَتَمامُ الِاعْتِرافِ تَرْكُ الِاعْتِذارِ، بِأنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ: اللَّهُمَّ لا بَراءَةَ لِي مِن ذَنْبٍ فَأعْتَذِرُ، ولا قُوَّةَ لِي فَأنْتَصِرُ، ولَكِنِّي مُذْنِبٌ مُسْتَغْفِرٌ، اللَّهُمَّ لا عُذْرَ لِي، وإنَّما هو مَحْضُ حَقِّكَ، ومَحْضُ جِنايَتِي، فَإنْ عَفَوْتَ وإلّا فالحَقُّ لَكَ.
والَّذِي ظَهَرَ لِي مِن كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ أنَّهُ أرادَ بِالِاعْتِذارِ إظْهارَ الضَّعْفِ والمَسْكَنَةِ، وغَلَبَةَ العَدُوِّ، وقُوَّةَ سُلْطانِ النَّفْسِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنِّي ما كانَ عَنِ اسْتِهانَةٍ بِحَقِّكَ، ولا جَهْلًا بِهِ، ولا إنْكارًا لِاطِّلاعِكَ، ولا اسْتِهانَةً بِوَعِيدِكَ، وإنَّما كانَ مِن غَلَبَةِ الهَوى، وضَعْفِ القُوَّةِ عَنْ مُقاوَمَةِ مَرَضِ الشَّهْوَةِ، وطَمَعًا في مَغْفِرَتِكَ واتِّكالًا عَلى عَفْوِكَ، وحُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، ورَجاءً لِكَرَمِكَ، وطَمَعًا في سَعَةِ حِلْمِكَ ورَحْمَتِكَ، وغَرَّنِي بِكَ الغَرُورُ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وسِتْرُكَ المُرْخى عَلَيَّ، وأعانَنِي جَهْلِي، ولا سَبِيلَ إلى الِاعْتِصامِ لِي إلّا بِكَ، ولا مَعُونَةَ عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَوْفِيقِكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِعْطافِ والتَّذَلُّلِ والِافْتِقارِ، والِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، والإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ.
فَهَذا مِن تَمامِ التَّوْبَةِ، وإنَّما يَسْلُكُهُ الأكْياسُ المُتَمَلِّقُونَ لِرَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَتَمَلَّقَ لَهُ.
وَفِي الحَدِيثِ " تَمَلَّقُوا لِلَّهِ " وفي الصَّحِيحِ «لا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وإنْ كانَ مَعْنى ذَلِكَ الإعْذارَ، كَما قالَ في آخِرِ الحَدِيثِ
«مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ»
وَقالَ تَعالى ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ فَإنَّهُ مِن تَمامِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ أنْ أعْذَرَ إلى عِبادِهِ، وأنْ لا يُؤاخِذَ ظالِمَهم إلّا بَعْدَ كَمالِ الإعْذارِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ، ويَتَنَصَّلَ إلَيْهِ مِن ذَنْبِهِ.
وَفِي الحَدِيثِ: «مَنِ اعْتَذَرَ إلى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ»
فَهَذا هو الِاعْتِذارُ المَحْمُودُ النّافِعُ.
وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤]
قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ.
وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]
وَفِي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]
فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها.
والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ".
فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
77:14Page 580
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ١٤
And what can make you know what is the Day of Judgement?
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
77:20–22Page 581
أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٢٠
Did We not create you from a liquid disdained?
فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ ٢١
And We placed it in a firm lodging [i.e., the womb]
إِلَىٰ قَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢٢
For a known extent.
(فصل: ذكر مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته)
قال مدعي الطهارة: المني مبدأ خلق بشر فكان طاهرا كالتراب.
قال الآخر: ما أبعد ما اعتبرت فالتراب وضع طهورا ومساعدا للطهور في الولوغ ويرفع حكم الحدث على رأي والحدث نفسه على رأي فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه على أن الاستحالات تعمل عملها فأين الثواني من المبادئ وهل الخمر إلا ابنة العنب والمني إلا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة ثم إلى الدم ثم إلى المني.
قال المطهر: ما ذكرته في التراب صحيح وكون المني يتطهر منه لا يدل على نجاسته فالجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه ولو كان التطهر منه لنجاسته لاختصت الطهارة بأعضاء الوضوء كالبول والدم وأما كون التراب طهورا دون المني فلعدم تصور التطهير بالمني وكذلك مساعدته في الولوغ فما أبعد ما اعتبرت من الفرق وأما دعواك أن الاستحالة تعمل عملها فنعم وهي تقلب الطيب إلى الخبيث كالأغذية إلى البول والعذرة والدم والخبيث إلى الطيب كدم الطمث ينقلب لبنا وكذلك خروج البن من بين الفرث والدم فالاستحالة من أكبر حجتنا عليك لأن المني دم قصرته الشهوة وأحالته النجسة وانقلابه عنها إلى عين أخرى فلو أعطيت الاستحالة حقها لحكمت بطهارته.
قال مدعي النجاسة: المذي مبدأ المني وقد دل الشرع على نجاسته حيث أمر بغسل الذكر وما أصابه منه وإذا كان مبدؤه نجسا فكيف بنهايته ومعلوم أن المبدأ موجود في الحقيقة بالفعل.
قال المطهر: هذا دعوى لا دليل عليها ومن أين لك أن المذي مبدأ المني وهما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة ثم لو سلمت لك لم يفدك شيئا ألبتة فإن للمبادى ء أحكاما تخالفها أحكام الثواني فهذا الدم مبدأ اللبن وحكمهما مختلف بل هذا المني نفسه مبدأ الآدمي طاهر العين ومبدأه عندك نجس العين فهذا من أظهر ما يفسد دليلك ويوضح تناقضك وهذا مما لا حيلة في دفعة فإن المني لو كان نجس العين لم يكن الآدمي طاهرا لأن النجاسة عندك لا تطهر بالاستحالة فلا بد من نقض أحد أصليك فإما أن تقول بطهارة المني أو تقول النجاسة تطهر بالاستحالة وإما أن تقول المني نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة ثم تقول بعد ذلك بطهارة الآدمي فتناقض مالنا إلا النكير له.
قال المنجس: لا ريب إن المني فضله مستحيلة عن الغذاء يخرج من مخرج البول فكانت نجسه كهو ولا يرد على البصاق والمخاط والدمع والعرق لأنها لا تخرج من مخرج البول.
قال المطهر: حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء أو للخروج من مخرج البول أو لمجموع الأمرين فالأول باطل إذ مجرد استحالة الفضلة عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها كالدمع والمخاط والبصاق وإن كان لخروجه من مخرج البول فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه وهو فاسد فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه مقره وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحلة عن الغذاء تنقسم إلى طاهر كالبصاق والعرق والمخاط ونجس كالبول والغائط فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث وجودا وعدما فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار تنفر منهما النفوس وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن ولا كذلك هذه الفضلة الشريفة التي هي مبدأ خيار عباد الله وساداتهم وهي من أشرف جواهر الإنسان وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه ومعها من روح الحياة ما تميزت به عن سائر الفضلات فقياسها على العذرة أفسد قياس في العالم وأبعده عن الصواب والله تعالى أحكم من أن يجعل محال وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسه فهو أكرم من ذلك وأيضا فإن الله تعالى أخبر عنه هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي فالمهين هاهنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث وأيضا فلو كان المني نجسا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عبادة والطيبات ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة والناس إذا سبوا الرجل قالوا أصله خبيث وهو خبيث الأصل فلو كانت أصول الناس نجسة وكل نجس خبيث لكان هذا السبب بمنزلة أن يقال أصله نطفة أو أصله ماء ونحو ذلك وإن كانوا إنما يريدون بخبث الأصل كون النطفة وضعت في غير حالها فذاك خبث على خبث ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئا من الخبث بوجه ما.
قال المنجسون قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي وأطلتم القول وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنه كما أن الله يجعل خواص عباده ظروفا وأوعية للنجاسة كالبول والغائظ والدم والمذي ولا يكون ذلك عائدا عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق.
قال المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفا للنجاسة ألبتة وإنما تصير الفضلة بولا وغائطا إذا فارقت محلها فحينئذ يحكم عليها بالنجاسة وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنما يصير خبيثا بعد قذفة وإخراجه وكذلك الدم إنما هو نجس إذا سفح وخرج فأما إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفا للخبائث والنجاسات.
قالوا والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أن النبي ﷺ علم أن الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم ولم يأمرهم فيه يوما ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب ألبتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه.
قالوا: ونساء النبي ﷺ أعلم الأمة بحكم هذه المسألة وقد ثبت عن عائشة أنها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها وقالت: "إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بإصبعي" ذكره ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال نزل بعائشة ضيف فذكره وقال أيضا حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فأحته عنه" تعنى المني وهذا قول عائشة وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عباس قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجناية من ثوبه" ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه" حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: "امسحه بإذخرة" ثنا هشيم انبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنما هو كالنخامة أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرة".
قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلى فيه" وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلا ألبتة.
قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد ابن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
" سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ فقال: "إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة"
قالوا: هذا إسناد صحيح فإن إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول.
قال المنجس: صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أمر بغسله.
قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال:
"إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثرا فليغسله وإن لم ير فيه أثرا فلينضحه"
ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: "إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوب" كله ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت "أن عمر بن الخطاب غسل ما رأى ونضح ما لم ير وأعاد بعدما أضحى متمكنا" ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: "يغسله كله"
ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود "كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه"
ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال: سأل رجل عمر ابن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة؟ فقال: "إن كان رطبا فاغسله وإن كان يابسا فاحككه وإن خفي عليك فارششه".
قالوا: وقد ثبت تسمية المني أذى كما سمي دم الحيض أذى والأذى هو النجس فقال الطحاوي ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق ابن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم إذا لم يصبه أذى "
وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: "كان رسول الله يصلي في لحف نسائه".
قالوا وأما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بأذخرة وفركه فإنما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة، قالوا وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك.
قالوا: وإنما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي ﷺ ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئا مما روى في ذلك عن النبي ﷺ.
قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث لأنه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط والبول خروجهما حدث وهما نجسان في أنفسهما وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضا أنه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه.
قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أما كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله فلا ريب أن الثوب يغسل من القذر والوسخ والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة وتمسحه أخرى وتفركه أحيانا ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها واختلافها، وأما أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنه قال: "إنما هو بمنزله المخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة" وأمره بغسله للاستقذار والنظافة ولو قدر أنه للنجاسة عنده وأن الرواية اختلفت عنه فتكون مسألة خلاف عنه بين الصحابة والحجة تفضل بين المتنازعين على أنا لا نعلم عن صحابي ولا أحد أنه قال إنه نجس ألبته بل غاية ما يروونه عن الصحابة غسله فعلا وأمرا وهذا لا يستلزم النجاسة ولو أخذتم بمجموع الآثار عنهم لدلت على جواز الأمرين غسله للاستقذار والاجتزاء بمسحه رطبا وفركه يابسا كالمخاط وأما قولكم ثبت تسمية المني أذى فلم يثبت ذلك وقول أم حبيبة: "ما لم ير فيه أذى " لا يدل على أن مرادها بالأذى المني لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فإنها إنما أخبرت بأنه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه ما لم يصبه أذى ولم تزد.
فلو قال قائل: المراد بالأذى دم الطمث لكان أسعد تفسيره منكم وكذلك تركه الصلاة في لحف نسائه لا يدل على نجاسة المني ألبتة فإن لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها وهي لا تشعر وقد يكون الترك تنزها عنه وطلب الصلاة على ما هو أطيب منه وأنظف فأين دليل التنجيس.
وأما حملكم الآثار الدالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دون ثياب الطهارة فنصره المذاهب توجب مثل هذا فلو أعطيتهم الأحاديث حقها وتأملتم سياقها وأسبابها لجزمتم بأنها إنما سيقت لاحتجاج الصحابة بها على الطهارة وإنكارهم على من نجس المني قالت عائشة رضي الله عنها: "كنت أفركه من ثوب رسول الله فيصلي فيه " وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعا وموقوفا: "إنما هو كالمخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة " وبالجملة فمن المحال أن يكون نجسا والنبي ﷺ شدة ابتلاء الأمة به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يوما من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه.
وأما قولكم إن الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن في المروى عن النبي ﷺ بيان حكم المني فاعتبرتم ذلك من طريق النظر فيقال الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها وقد تقدم أن الغسل تارة والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف ألبتة ولم يكن رسول الله ﷺ ليكل أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه ولقد بينت السنة هذه المسألة بيانا شافيا ولله الحمد.
وأما ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلا ولا شرعا ولا حسا وإنما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجي منها ولا يغسل الإزار والثوب منها فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجسا ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضا فقد ثبت عن الصحابة أنهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا وهم محدثون فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته والآثار تدل على طهارته وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع، وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة والله أعلم ..
77:23Page 581
فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ٢٣
And We determined [it], and excellent [are We] to determine.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
77:27Page 581
وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰتٖ وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا ٢٧
And We placed therein lofty, firmly set mountains and have given you to drink sweet water.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences