Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
الإنشقاق
Al-Inshiqaq
The Sundering · Meccan · 25 ayahs
No commentary for this ayah
84:2Page 589
وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٢
And has listened [i.e., responded]1 to its Lord and was obligated [to do so]
بِمَعْنى سَمِعَتْ لِرَبِّها وحُقَّ لَها ذَلِكَ، كَما قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
إنَّ هَمِّي في سَماعٍ وأُذُنٍ
بِمَعْنى، في سَماعٍ واسْتِماعٍ.
(فائدة)
يُكْتَبُ في إناءٍ نَظِيفٍ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ - وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ - وإذا الأرْضُ مُدَّتْ - وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾
وَتَشْرَبُ مِنهُ الحامِلُ، ويُرَشُّ عَلى بَطْنِها.
No commentary for this ayah
84:4Page 589
وَأَلۡقَتۡ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتۡ ٤
And has cast out that within it1 and relinquished [it]
No commentary for this ayah
84:5Page 589
وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ ٥
And has listened [i.e., responded] to its Lord and was obligated [to do so] –
No commentary for this ayah
84:6Page 589
يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ ٦
O mankind, indeed you are laboring toward your Lord with [great] exertion1 and will meet it.2
إن عاد الضمير على العمل فهو رؤيته في الكتاب مسطورا مثبتا.
وإن عاد على الرب سبحانه وتعالى فهو لقاؤه الذي وعد به.
84:7–8Page 589
فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧
Then as for he who is given his record in his right hand,
فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا ٨
He will be judged with an easy account
ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من نوقش الحساب عذب"
فقالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨)﴾
فقال: "بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب"
فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]
حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد.
No commentary for this ayah
84:10Page 589
وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ ١٠
But as for he who is given his record behind his back,
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
84:13Page 589
إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا ١٣
Indeed, he had [once] been among his people in happiness;
No commentary for this ayah
84:14Page 589
إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ١٤
Indeed, he had thought he would never return [to Allāh].
No commentary for this ayah
84:15Page 589
بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا ١٥
But yes! Indeed, his Lord was ever, of him, Seeing.
No commentary for this ayah
84:16–18Page 589
فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلشَّفَقِ ١٦
So I swear by the twilight glow
وَٱلَّيۡلِ وَمَا وَسَقَ ١٧
And [by] the night and what it envelops
وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ ١٨
And [by] the moon when it becomes full
(فصل)
ومن ذلك إقسامه بـ ﴿الشَّفَقِ واللَّيْلِ وما وسَقَ والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾
فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل أحدها الشفق وهو في اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع
قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم: الشفق الحمرة في السماء وأصل موضوع الحرف لرقة الشيء، ومنه شيء شفق لا تماسك له لرقته ومنه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رق له
وأهل اللغة يقولون الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها، ولهذا كان الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة.
فإن الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدًا لوقت المغرب فإذا ذهبت الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء.
وأما البياض فإنه يمتد وقته بطول لبثه ويكون حاصلًا مع بعد الشمس عن الأفق، ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: الشفق الحمرة، والعرب تقول ثوب مصبوغ كأنه الشفق إذا كان أحمر حكاه الفراء.
وكذلك قال الكلبي الشفق الحمرة التي تكون في المغرب، وكذلك قال مقاتل هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة.
وقال عكرمة هو بقية النهار وهذا يحتمل أن يريد به أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية النهار
وقال مجاهد هو النهار كله.
وهذا ضعيف جدًا وكأنه لما رآه قابله بالليل وما وسق، ظن أنه النهار وهذا ليس بلازم.
الثاني قسمه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل وما ضمه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى
والشفق يتضمن إدبار النهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النهار آية وإقبال الليل آية، وتعقب أحدهما الآخر آية، والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل آية، وما حواه آية، والهلال آية، وتزايده كل ليلة آية، واتساقه وهو امتلاؤه نورًا آية، ثم أخذه في النقص آية.
وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله، ولهذا شرع عند إقبال الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب.
وفي الحديث
"اللَّهُمَّ إنَّ هَذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نَهارِكَ، وأصْواتُ دُعاتِكَ، فاغْفِرْ لِي، وحضور صلواتك اغفر لي"
كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار، ولهذا يقسم سبحانه بهذين الوقتين كقوله ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ وهو يقابل إقسامه بالشفق.
ونظيره إقسامه ب ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾
ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنهار وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينهما من التضاد والاختلاف وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي مشهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم في مبدأ ومعاد ﴿أولم يروا كيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير﴾.
84:19–21Page 589
لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٖ ١٩
[That] you will surely embark upon [i.e., experience] state after state.1
فَمَا لَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠
So what is [the matter] with them [that] they do not believe,
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقُرۡءَانُ لَا يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢١
And when the Qur’ān is recited to them, they do not prostrate [to Allāh]?
أي حالا بعد حال.
فأول أطباقه: كونه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم جنينا، ثم مولودا، ثم رضيعا، ثم فطيما، ثم صحيحا أو مريضا، غنيا أو فقيرا، معافى أو مبتلى - إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت، ثم يبعث، ثم يوقف بين يدي الله، ثم يصير إلى الجنة أو النار.
فالمعنى: لتركبن حالا بعد حال، ومنزلا بعد منزل، وأمرا بعد أمر.
قال سعيد بن جبير وابن زيد: لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرنّ أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى.
وقال عطاء: شدة بعد شدة.
والطبق والطبقة: الحال. ولهذا يقال: كان فلان على طبقات شتّى.
قال عمرو بن العاص: «لقد كنت على طبقات ثلاث» أي أحوال.
قال ابن الأعرابي: الطبق الحال على اختلافها.
وقال في (التبيان)
وقوله ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الظاهر أنه جواب القسم ويجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف
وقرئ ولتركبن بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للإنسان أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي خاصة وقيل ليست التاء للخطاب ولكنها للغيبة أي لتركبن السماء طبقًا عن طبق ومن ضمها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال المعنى لتركبن السماء حالًا بعد حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونها كالمهل مرة وكالدهان مرة ومورانها وتفتحها وغير ذلك من حالاتها
وهذا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسمًا على المعاد وتغيير العالم
ومن قال الخطاب للنبي فله ثلاث معان لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله
هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد
وقول مسروق والشعبي قالوا والسماء طبق.
ولهذا يقال للسماوات السبع الطباق.
والمعنى الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى.
الثالث لتركبن حالًا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل الله فيها رسوله من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه.
ومن قال الخطاب للإنسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان حالا بعد حال من حين كونه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان.
وأقوال المفسرين كلها تدور على هذا.
قال ابن عباس رضي الله عنهما لتصيرن الأمور حالًا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالًا بعد حال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى كونه حيًا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقًا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الأحوال أطباقًا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالًا بعد حال إلى دار القرار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد ثم يفعل الله سبحانه بعد ذلك ما يشاء
واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال المعنى بالناس أشبه منه بالنبي فإنه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها قوله ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
فذكر كونهم طبقًا بعد طبق قال الواحدي وهذا قول أكثر المفسرين قالوا لتركبن حالًا بعد حال ومنزلًا بعد منزل وأمرًا بعد أمر
قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى
وقال عطاء شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل.
وأنت إذا تأملت هذا المقسم به والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة على الربوبية وتغيير الله سبحانه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من حال إلى حال.
وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولا حي ولا مريد ولا حكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء.
فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ إنكارًا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام وأنكر عليهم عدم خصوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينها وأجزلها وأوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة غاية الحق بغاية البيان والفصاحة.
84:22–25Page 589
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ ٢٢
But those who have disbelieved deny,
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣
And Allāh is most knowing of what they keep within themselves.
فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤
So give them tidings of a painful punishment,
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونِۭ ٢٥
Except for those who believe and do righteous deeds. For them is a reward uninterrupted.
﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ ولا يصدقون بالحق جحودًا وعنادًا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من أعمالهم وما يجمعونه فيجازيهم عليه بعلمه وعدله ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
فهذا يبعد تقدير دخوله [المستثنى] فيما تقدم قبله جدا، وإنما هو إخبار عما للفريقين، فلما بشر الكافرين بالعذاب بشر المؤمنين بالأجر غير الممنون.
فهذا من باب المثاني الذي يذكر فيه الشيء وضده كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾
فليس هناك مقدر يخرج منه هذا المستثنى. والله أعلم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences