Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Fajr 89:25–30
89:25–30Page 594
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥
So on that Day, none will punish [as severely] as His punishment,
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦
And none will bind [as severely] as His binding [of the evildoers].
يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧
[To the righteous it will be said], "O reassured soul,
ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨
Return to your Lord, well-pleased and pleasing [to Him],
فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩
And enter among My [righteous] servants
وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي ٣٠
And enter My Paradise."
ثم ختم السورة بمدح النفس المطمئنة وهي الخاشعة المتواضعة لربها وما تؤول إليه من كرامته ورحمته كما ذكر قبلها حال النفس الأمارة وما تؤول إليه من شدة عذابه ووثاقه.
(فصل)
قال ابن عباس: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾
يقول: المصدقة.
وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"
وقال الحسن: "المطمئنة بما قال الله. والمصدقة بما قال"
وقال مجاهد: "هى المنيبة المخبتة التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه".
وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضا به ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسْبِه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك أمرها كله، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين.
وإذا كانت بضد ذلك فهي أمارة بالسوء تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغي، واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه.
وقد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء، ولم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة، إلا من رحمه الله، والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها.
فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة.
فإذا أراد الله سبحانه بها خيرا جعل فيها ما تزكو به وتصلح: من الإرادات والتصورات، وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالها التي خلقت عليها من الجهل والظلم.
(فائدة)
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾
دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلّا إذا كانَتْ مُطْمَئِنَّةً. فَهُناكَ تَرْجِعُ إلَيْهِ. وتَدْخُلُ في عِبادِهِ. وتَدْخُلُ جَنَّتَهُ.
وَكانَ مِن دُعاءِ بَعْضِ السَّلَفِ اللَّهُمَّ هَبْ لِي نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً إلَيْكَ.
(لطيفة)
أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ «أنَّ نَسَمَةَ المُؤْمِنِ طائِرٌ يَعْلَقُ في شَجَرِ الجَنَّةِ»
وَهَذا هو الطّائِرُ الَّذِي رُئِيَ داخِلًا في قَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا دُفِنَ، وسُمِعَ قارِئٌ يَقْرَأُ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾
وَعَلى حَسَبِ بَياضِ هَذا الطّائِرِ وسَوادِهِ وحُسْنِهِ وقُبْحِهِ تَكُونُ الرُّوحُ، ولِهَذا كانَتْ أرْواحُ آلِ فِرْعَوْنَ في صُورَةِ طُيُورٍ سُودٍ تَرِدُ النّارَ بُكْرَةً وعَشِيَّةً.
(فصل)
وَأمّا الرِّضا عَنْهُ: فَهو رِضا العَبْدِ بِما يَفْعَلُهُ بِهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ إلّا في الثَّوابِ والجَزاءِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] فَهَذا بِرِضاها عَنْهُ لِما حَصَلَ لَها مِن كَرامَتِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨].
والرِّضا بِهِ: أصْلُ الرِّضا عَنْهُ، والرِّضا عَنْهُ: ثَمَرَةُ الرِّضا بِهِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرِّضا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ. والرِّضا عَنْهُ: مُتَعَلِّقٌ بِثَوابِهِ وجَزائِهِ.
وَأيْضًا: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ ذَوْقَ طَعْمِ الإيمانِ بِمَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا. ولَمْ يُعَلِّقْهُ بِمَن رَضِيَ عَنْهُ، كَما قالَ ﷺ «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا.». فَجَعَلَ الرِّضا بِهِ قَرِينَ الرِّضا بِدِينِهِ ونَبِيِّهِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ الإسْلامِ، الَّتِي لا يَقُومُ إلّا بِها وعَلَيْها.
وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، والإنابَةَ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وخَوْفَهُ ورَجاءَهُ ومَحَبَّتَهُ، والصَّبْرَ لَهُ وبِهِ. والشُّكْرُ عَلى نِعَمِهِ: يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ كُلِّ ما مِنهُ نِعْمَةً وإحْسانًا، وإنْ ساءَ عَبْدُهُ. فالرِّضا بِهِ يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والرِّضا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ والرِّضا بِالإسْلامِ دِينًا: يَتَضَمَّنُ التِزامَ عُبُودِيَّتِهِ، وطاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ. فَجَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ الدِّينَ كُلَّهُ.
(فصل آخر)
اعلمْ أنَّ الرِّضا بِالقَضاءِ أشَقُّ شَيْءٍ عَلى النَّفْسِ. بَلْ هو ذَبْحُها في الحَقِيقَةِ. فَإنَّهُ مُخالَفَةُ هَواها وطَبْعِها وإرادَتِها.
وَلا تَصِيرُ مُطَمَئِنَّةً قَطُّ حَتّى تَرْضى بِالقَضاءِ. فَحِينَئِذٍ تَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَها: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧].
واعلمْ أنَّ الرّاضِيَ مُتَلَقٍّ أوامِرَ رَبِّهِ - الدِّينِيَّةَ والقَدَرِيَّةَ - بِالِانْشِراحِ والتَّسْلِيمِ، وطِيبِ النَّفْسِ، والِاسْتِسْلامِ.
والسّاخِطُ يَتَلَقّاها بِضِدِّ ذَلِكَ إلّا ما وافَقَ طَبْعَهُ. وإرادَتَهُ مِنها.
وَقَدْ بَيَّنّا أنَّ الرِّضا بِذَلِكَ لا يَنْفَعُهُ ولا يُثابُ عَلَيْهِ. فَإنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ لِكَوْنِ اللَّهِ قَدَّرَهُ وقَضاهُ وأمَرَ بِهِ. وإنَّما رَضِيَ بِهِ لِمُوافَقَتِهِ هَواهُ وطَبْعَهُ. فَهو إنَّما رَضِيَ لِنَفْسِهِ وعَنْ نَفْسِهِ. لا بِرَبِّهِ، ولا عَنْ رَبِّهِ.
واعلمْ أنَّ المُخالَفاتِ كُلَّها أصْلُها مِن عَدَمِ الرِّضا.
والطّاعاتِ كُلَّها أصْلُها مِنَ الرِّضا.
وَهَذا إنَّما يَعْرِفُهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ مَن عَرَفَ صِفاتِ نَفْسِهِ، وما يَتَوَلَّدُ عَنْها مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي.
(فائدة)
قوله تعالى ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فادْخُلِي في عِبادِي (٢٩) وادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾
أي ادخلي في جملتهم كوني معهم.
وهذا يقال للروح عند الموت.
وقال أيضا في (الروح)
وقد اختلف السلف: متى يقال لها ذلك؟
فقالت طائفة: يقال لها عند الموت، وظاهر اللفظ مع هؤلاء، فإنه خطاب للنفس التي تجردت عن البدن وخرجت منه، وقد فسر ذلك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بقوله في حديث البراء وغيره: فيقال لها اخرجي راضية مرضيا عنك.
وقوله تعالى ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ مطابق لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اللهم الرفيق الأعلى».
وقال أيضا في (الروح)
وقد قال غير واحد من الصحابة والتابعين أن هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا يبشرها الملك بذلك، ولا ينافي ذلك قول من قال: إن هذا يقال لها في الآخرة فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث وهذه من البشرى التي قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾».
وهذا التنزل يكون عند الموت ويكون في القبر ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت.
وقد تقدم في حديث البراء بن عازب أن الملك يقول لها عند قبضها:
أبشري بروح وريحان، وهذا من ريحان الجنة.
واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه «١».
[فَصْلٌ: الدُّخُولُ في الرِّضا شَرْطٌ في رُجُوعِ النَّفْسِ إلى رَبِّها]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾
لَمْ يَدَعْ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْمُتَسَخِّطِ إلَيْهِ سَبِيلًا. وشَرْطُ القاصِدِ الدُّخُولُ في الرِّضا. والرِّضا اسْمٌ لِلْوُقُوفِ الصّادِقِ، حَيْثُما وقَفَ العَبْدُ. لا يَلْتَمِسُ مُتَقَدَّمًا ولا مُتَأخَّرًا، ولا يَسْتَزِيدُ مَزِيدًا. ولا يَسْتَبْدِلُ حالًا. وهو مِن أوائِلِ مَسالِكِ أهْلِ الخُصُوصِ. وأشَقِّها عَلى العامَّةِ.
أمّا قَوْلُهُ: لَمْ يَدَعْ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْمُتَسَخِّطِ إلَيْهِ سَبِيلًا فَلِأنَّهُ قَيَّدَ رُجُوعَها إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِحالٍ. وهو وصْفُ الرِّضا. فَلا سَبِيلَ إلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ مَعَ سَلْبِ ذَلِكَ الوَصْفِ عَنْها. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
فَإنَّما أوْجَبَ لَهم هَذا السَّلامَ مِنَ المَلائِكَةِ والبِشارَةَ بِقَيْدٍ، وهو وفاتُهم طَيِّبِينَ. فَلَمْ تُبْقِ الآيَةُ لِغَيْرِ الطَّيِّبِ سَبِيلًا إلى هَذِهِ البِشارَةِ.
والحاصِلُ: أنْ الدُّخُولَ في الرِّضا شَرْطٌ في رُجُوعِ النَّفْسِ إلى رَبِّها. فَلا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلّا إذا كانَتْ راضِيَةً.
قُلْتُ: هَذا تَعَلُّقٌ بِإشارَةِ الآيَةِ، لا بِالمُرادِ مِنها. فَإنَّ المُرادَ مِنها: رِضاها بِما حَصَلَ لَها مِن كَرامَتِهِ. وبِما نالَتْهُ مِنها عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ. فَحَصَلَ لَها رِضاها، والرِّضا عَنْها. وهَذا يُقالُ لَها عِنْدَ خُرُوجِها مِن دارِ الدُّنْيا، وقُدُومِها عَلى اللَّهِ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إذا تُوُفِّيَ العَبْدُ المُؤْمِنُ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ. وأرْسَلَ إلَيْهِ بِتُحْفَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَيُقالُ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ، اخْرُجِي إلى رُوحٍ ورَيْحانٍ، ورَبٍّ عَنْكِ راضٍ.
وَفِي وقْتِ هَذِهِ المَقالَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ لِلسَّلَفِ.
أحَدُها: أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ. وهو الأشْهَرُ.
قالَ الحَسَنُ: إذا أرادَ قَبْضَها اطْمَأنَّتْ إلى رَبِّها. ورَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ، فَيَرْضى اللَّهُ عَنْها.
وَقالَ آخَرُونَ: إنَّما يُقالُ لَها ذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ.
هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ وجَماعَةٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: الكَلِمَةُ الأُولى وهي ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨]
تُقالُ لَها عِنْدَ المَوْتِ.
والكَلِمَةُ الثّانِيَةُ - وهي ﴿فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٩]
تُقالُ لَها يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ أبُو صالِحٍ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ هَذا عِنْدَ خُرُوجِها مِنَ الدُّنْيا.
فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ لَها ﴿فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٩]
والصَّوابُ: أنَّ هَذا القَوْلَ يُقالُ لَها عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيا، ويَوْمَ القِيامَةِ.
فَإنَّ أوَّلَ بَعْثِها عِنْدَ مُفارَقَتِها الدُّنْيا، وحِينَئِذٍ فَهي في الرَّفِيقِ الأعْلى، إنْ كانَتْ مُطْمَئِنَّةً إلى اللَّهِ، وفي جَنَّتِهِ. كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ. فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قِيلَ لَها ذَلِكَ. وحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَمامُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ ودُخُولُ الجَنَّةِ.
فَأوَّلُ ذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ. وتَمامُهُ ونِهايَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا اخْتِلافَ في الحَقِيقَةِ.
وَلَكِنَّ الشَّيْخَ أخَذَ مِن إشارَةِ الآيَةِ: أنَّ رُجُوعَها إلى اللَّهِ مِنَ الخَلْقِ في هَذا العالَمِ إنَّما يَحْصُلُ بِرِضاها. ولَكِنْ لَوِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ في مَقامِ الطُّمَأْنِينَةِ لَكانَ أوْلى، فَإنَّ هَذا الرُّجُوعَ الَّذِي حَصَلَ لَها فِيهِ رِضاها والرِّضا عَنْها: إنَّما نالَتْهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ. وهو حَظُّ الكَسْبِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ومَوْضِعُ التَّنْبِيهِ عَلى مَوْقِعِ الطُّمَأْنِينَةِ، وما يَحْصُلُ لِصاحِبِها. فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ.
قَوْلُهُ: الرِّضا هو الوُقُوفُ الصّادِقُ. يُرِيدُ بِهِ الوُقُوفَ مَعَ مُرادِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى الدِّينِيَّ حَقِيقَةً، مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ في ذَلِكَ ولا مُعارَضَةٍ. وهَذا مَطْلُوبُ القَوْمِ السّابِقِينَ. وهو الوُقُوفُ الصّادِقُ مَعَ مَحابِّ الرَّبِّ تَعالى، مِن غَيْرِ أنْ يَشُوبَ ذَلِكَ تُرَدُّدٌ، ولا يُزاحِمَهُ مُرادٌ.
قَوْلُهُ: حَيْثُما وقَفَ العَبْدُ. يَصِحُّ أنْ يَكُونَ العَبْدُ فاعِلًا. أيْ حَيْثُ ما وقَفَ بِإذْنِ رَبِّهِ لا يَلْتَمِسُ تَقَدُّمًا ولا تَأخُّرًا. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا، وهو أظْهَرُ.
أيْ حَيْثُما وقَفَ اللَّهُ العَبْدَ - فَإنَّ وقَفَ يُسْتَعْمَلُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا - أيْ حَيْثُما وقَفَهُ رَبُّهُ. لا يَطْلُبُ تَقَدُّمًا ولا تَأخُّرًا. وهَذا إنَّما يَكُونُ فِيما يَقِفُهُ فِيهِ مِن مُرادِهِ الكَوْنِيِّ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ. وأمّا إذا وقَفَهُ في مُرادٍ دِينِيٍّ، فَكَمالُهُ بِطَلَبِ التَّقَدُّمِ فِيهِ دائِمًا.
فَإنَّهُ إنْ لَمْ تَكُنْ هِمَّتُهُ التَّقَدُّمَ إلى اللَّهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ: رَجَعَ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي.
فَلا وُقُوفَ في الطَّرِيقِ ألْبَتَّةَ، ولَكِنْ إذا وقَفَ في مَقامٍ - مِنَ الغِنى والفَقْرِ، والرّاحَةِ والتَّعَبِ، والعافِيَةِ والسَّقَمِ، والِاسْتِيطانِ ومُفارَقَةِ الأوْطانِ - يَقِفُ حَيْثُ وقَفَهُ. لا يَطْلُبُ غَيْرَ تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي أقامَهُ اللَّهُ فِيها. وهَذا لِتَصْحِيحِ رِضاهُ بِاخْتِيارِ اللَّهِ لَهُ، والفِناءِ بِهِ عَنِ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لا يَسْتَزِيدُ مَزِيدًا، ولا يَسْتَبْدِلُ حالًا.
هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فَرْدٌ مِن أفْرادِ الرِّضا، وهو الرِّضا بِالأقْسامِ والأحْكامِ الكَوْنِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُؤْمَرُ بِمُدافَعَتِها.
وَقَوْلُهُ: وهو مِن أوائِلِ مَسالِكِ أهْلِ الخُصُوصِ يَعْنِي أنَّ سُلُوكَ أهْلِ الخُصُوصِ: هو بِالخُرُوجِ عَنِ النَّفْسِ، والخُرُوجُ عَنِ الإرادَةِ: هو مَبْدَأُ الخُرُوجِ عَنِ النَّفْسِ. فَإذا الرِّضا - بِهَذا الِاعْتِبارِ - مِن أوائِلِ مَسالِكِ الخاصَّةِ.
وَهَذا عَلى أصْلِهِ في كَوْنِ الفَناءِ غايَةً مَطْلُوبَةً فَوْقَ الرِّضا.
والصَّوابُ: أنَّ الرِّضا أجَلُّ مِنهُ وأعْلى. وهو غايَةٌ لا بِدايَةٌ.
نَعَمْ فَوْقَهُ مَقامُ الشُّكْرِ فَهو مَنزِلَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَنزِلَةِ الصَّبْرِ.
وَقَوْلُهُ: وأشَقِّها عَلى العامَّةِ وذَلِكَ لِمَشَقَّةِ الخُرُوجِ عَنِ الحُظُوظِ عَلى العامَّةِ، والرِّضا أوَّلُ ما فِيهِ: الخُرُوجُ عَنِ الحُظُوظِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
[فصل: فرحة المؤمن عند مفارقته الدنيا إلى اللّه]
وهاهنا فرحة أعظم من هذا كله وهي فرحته عند مفارقته الدنيا إلى اللّه إذا أرسل إليه فبشروه بلقائه، وقال له ملك الموت: أخرجي أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان أخرجي راضية مرضيا عنك: يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي}
فلو لم يكن بين يدي التائب إلا هذه الفرحة وحدها لكان العقل يأمر بإيثارها فكيف ومن بعدها أنواع من الفرح منها صلاة الملائكة الذين بين السماء والأرض على روحه.
ومنها: فتح أبواب السماء لها وصلاة ملائكة السماء عليها وتشييع مقربيها لها إلى السماء الثانية فتفتح ويصلي عليها أهلها ويشيعها مقربوها هكذا إلى السماء السابعة فكيف يقدر فرحها.
وقد استؤذن لها على ربها ووليها وحبيبها فوقفت بين يديه وأذن لها بالسجود فسجدت ثم سمعته سبحانه يقول اكتبوا كتابه في عليين ثم يذهب به فيرى الجنة ومقعده فيها وما أعد اللّه له ويلقى أصحابه وأهله فيستبشرون به ويفرحون به ويفرح بهم فرح الغائب يقدم على أهله فيجدهم على أحسن حال ويقدم عليهم بخير ما قدم به مسافر هذا كله قبل الفرح الأكبر يوم حشر الأجساد بجلوسه في ظل العرش وشربه من الحوض وأخذه كتابه بيمينه وثقل ميزانه وبياض وجهه وإعطائه النور التام والناس في الظلمة وقطعة جسر جهنم بلا تعويق وانتهائه إلى باب الجنة وقد أزلفت له في الموقف وتلقي خزنتها له بالترحيب والسلام والبشارة وقدومه على منازله وقصوره وأواجه وسراريه.
وبعد ذلك فرح آخر لا يقدر قدره. ولا يعبر عنه تلاشي هذه الأفراح كلها عنده، وإنما يكون هذا لأهل السنّة المصدقين برؤية وجه ربهم تبارك وتعالى من فوقهم وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ومحاضراته لهم.
؎وليست هذه الفرحات إلا ∗∗∗ لذي الترحات في دار الرزايا
؎فشمر ما استطعت الساق واجهد ∗∗∗ لعلك أن تفوز بذي العطايا
؎وصم عن لذة حشيت بلاء ∗∗∗ للذات خلصن من البلايا
؎ودع أمنية إن لم تنلها ∗∗∗ تعذب أو تنل كانت منايا
؎ولا تستبط وعدا من رسول ∗∗∗ أتى بالحق من رب البرايا
؎فهذا الوعد أدنى من نعيم ∗∗∗ مضى بالأمس لو وفقت رايا
(فصل: في حقيقة النفس)
وهي: ما حقيقة النفس: هل هي جزء من أجزاء البدن، أو عرض من أعراضه، أو جسم مساكن له مودع فيه، أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟
وهل الأمّارة واللوّامة والمطمئنة نفس واحدة لها هذه الصفات، أم هي ثلاث أنفس.
فالجواب: أن هذه مسائل قد تكلم الناس فيها من سائر الطوائف، واضطربت أقوالهم فيها وكثر فيها خطؤهم، وهدى اللّه أتباع الرسول وأهل سنته لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فنذكر أقوال الناس وما لهم وما عليهم في تلك الأقوال، ونذكر الصواب بحمد اللّه وعونه:
قال أبو الحسن الأشعري في مقالاته: «اختلف الناس في الروح والحياة هل الروح هي الحياة أو غيرها؟
وهل الروح جسم أم لا؟
فقال النظام: الروح هي جسم وهي النفس، وزعم أن الروح حي بنفسه، وأنكر أن تكون الحياة والقوة معنى غير الحي القوي. وقال آخرون: الروح عرض.
وقال قائلون منهم جعفر بن حرب: لا ندري الروح جوهر أو عرض، واعتلوا في ذلك بقوله تعالى: ﴿ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ ولم يخبر عنها ما هي؟ لا أنها جوهر ولا عرض - قال:- وأظن جعفرا أثبت أن الحياة غير الروح وأثبت أن الحياة عرضا.
وكان الجبائي يذهب إلى أن الروح جسم وأنها غير الحياة، والحياة عرض، ويعتل بقول أهل اللغة: خرجت روح الإنسان، وزعم أن الروح لا تجوز عليها الأعراض.
وقال قائلون: ليس الروح شيئا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع، ولم يرجعوا عن قولهم إلا إلى المعتدل، ولم يثبتوا في الدنيا شيئا إلا الطبائع الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.
وقال قائلون: إن للروح مغنى خامس غير الطبائع الأربع، وأنه ليس في الدنيا إلا الطبائع الأربع واختلفوا في الروح فثبتها بعضهم طباعا وثبتها بعضهم اختيارا.
وقال قائلون: الروح الدم الصافي الخالص من الكدر والعفونات، وكذلك قالوا في القوة.
وقال قائلون: الحياة هي الحرارة الغريزية، وكل هؤلاء الذين حكينا أقوالهم في الروح من أصحاب الطبائع يثبتون أن الحياة هي الروح.
وكان الأصم لا يثبت للحياة والروح شيئا غير الجسد، ويقول: ليس أعقل إلا الجسد الطويل العريض العميق الذي أراه وأشاهده، وكان يقول النفس هي هذا البدن بعينه لا غير، وإنما جرى عليها هذا الذكر على جهة البيان والتأكيد بحقيقة الشيء لا على أنها معنى غير البدن.
وذكر عن أرسطاطاليس «١»: أن النفس معنى مرتفع عن الوقوع تحت النسق واللون وأنها جوهر بسيط مثبت في العالم كله من الحيوان على جهة الأعمال له والتدبير، وأنه لا تجوز عليه صفة قلة ولا كثرة، قال وهي على ما وصفت من انبساطها في هذا العالم غير منقسمة الذات والبنية وأنها في كل حيوان العالم بمعنى واحد لا غير «٢».
وقال آخرون: بل النفس معنى موجود ذات حدود وأركان وطول وعرض وعمق وأنها غير مفارقة في هذا العالم لغيرها مما يجري عليه حكم الطول والعرض والعمق، وكل واحد منهما يجمعهما صفة الحد والنهاية (وهذا قول طائفة من الثنوية} «١» يقال لهم المثانية).
وقالت طائفة: إن النفس موصوفة بما وصفها هؤلاء الذين قدمنا ذكرهم من معنى الحدود والنهايات، إلا أنها غير مفارقة لغيرها مما لا يجوز أن يكون موصوفا بصفة الحيوان (وهؤلاء الديصانية)} «٢»
وحكى الحريري عن جعفر بن مبشر أن النفس جوهر ليس هو هذا الجسم وليس بجسم لكنه معنى بين الجوهر والجسم.
وقال آخرون: النفس معنى غير الروح، والروح غير الحياة، والحياة عنده عرض (وهو أبو الهذيل)، وزعم أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوب النفس والروح دون الحياة، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾.
وقال جعفر بن حرب: النفس عرض من الأعراض يوجد في هذا الجسم، وهو أحد الآلات التي يستعين بها الإنسان على الفعل كالصحة والسلامة وما أشبههما، وأنها غير موصوفة بشيء من صفات الجواهر والأجسام، هذا ما حكاه الأشعري.
وقالت طائفة: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس، قالوا: والروح عرض وهو الحياة فقط، وهو غير النفس، وهذا قول القاضي أبي بكر بن الباقلاني ومن أتبعه من الأشعرية.
وقالت طائفة: ليست النفس جسما ولا عرضا، وليست النفس في مكان، ولا لها طول ولا عرض ولا عمق ولا لون ولا بعض، ولا هي في العالم ولا خارجه، ولا بجانبه ولا مباينة له.
وهذا قول المشائين، وهو الذي حكاه الأشعري عن أرسطاطاليس، وزعموا أن تعلقها بالبدن لا بالحلول فيه ولا بالمجاوزة ولا بالمساكنة ولا بالتصاق ولا بالمقابلة، وإنما هو التدبير له فقط، واختار هذا المذهب البوسنجي، ومحمد بن النعمان الملقب بالمفيد، ومعمر بن عباد الغزالي وهو قول ابن سينا وأتباعه، وهو أردأ المذاهب وأبطلها وأبعدها من الصواب.
قال أبو محمد بن حزم: وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقرة بالمعاد إلى أن النفس جسم طويل عريض عميق ذات مكان، جثة متحيزة مصرفة للجسد، قال: وبهذا نقول، قال: والنفس والروح اسمان مترادفان لمعنى واحد ومعناهما واحد.
وقد ضبط أبو عبد اللّه بن الخطيب مذاهب الناس في النفس فقال: ما يشير إليه كل إنسان بقوله: أنا، إما أن يكون جسما أو عرضا ساريا في الجسم أو لا جسما ولا عارضا ساريا فيه، أما القسم الأول: وهو أنه جسم، فذلك الجسم إما أن يكون هذا البدن وإما أن يكون جسما مشاركا لهذا البدن، وإما أن يكون خارجا عنه
أما القسم الثاني: وهو أن الإنسان عبارة عن جسم مخصوص موجود في داخل هذا البدن،
أما القسم الثالث: وهو أن نفس الإنسان عبارة عن جسم خارج عن هذا البدن فهذا لم يقله أحد، وأما القسم الأول وهو أن الإنسان عبارة عن هذا البدن والهيكل المخصوص فهو قول جمهور الخلق وهو المختار عند أكثر المتكلمين.
قلت: هو قول جمهور الخلق الذين عرف الرازي أقوالهم من أهل البدع وغيرهم من المضلين، وأما أقوال الصحابة والتابعين وأهل الحديث فلم يكن له بها شعور البتة، ولا أعتقد أن لهم في ذلك قولا على عادته في حكاية المذاهب الباطلة في المسألة، والمذهب الحق الذي دل عليه القرآن والسنّة وأقوال الصحابة لم يعرفه ولم يذكره، وهو الذي نسبه إلى جمهور الخلق من أن الإنسان: هو هذا البدن المخصوص فقط، وليس وراءه شيء هو أبطل من الأقوال في المسألة، بل هو أبطل من قول ابن سينا وأتباعه، بل الذي عليه جمهور العقلاء أن الإنسان هو البدن والروح معا، وقد يطلق اسمه على أحدهما دون الآخر بقرينة.
فالناس لهم أربعة أقوال في مسمى الإنسان.
هل هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما.
وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه هل هو اللفظ فقط، أو المعنى فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما.
فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه.
قال الرازي: وأما القسم الثاني وهو أن الإنسان عبارة عن جسم مخصوص موجود في داخل هذا البدن، فالقائلون بهذا القول اختلفوا في تعيين ذلك الجسم على وجوه:
الأول: أنه عبارة عن الأخلاط الأربعة التي منها يتولد هذا البدن.
والثاني: أنه الدم.
والثالث: أنه الروح اللطيف الذي يتولد في الجانب الأيسر من القلب وينفذ في الشريانات إلى سائر الأعضاء.
الرابع: أنه الروح الذي يصعد في القلب إلى الدماغ، ويتكيف بالكيفية الصالحة لقبول قوة الحفظ والفكرة والذكر.
الخامس: أنه جزء لا يتجزأ في القلب.
السادس: أنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكا لهذه الأعضاء، وإفادتها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية.
وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح والبدن وانفصل إلى عالم الأرواح.
وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دل الكتاب والسنّة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة، ونحن نسوق الأدلة عليه على نسق واحد.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ففي الآية ثلاثة أدلة الإخبار بتوفيها وإمساكها وإرسالها.
الرابع: قوله تعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وفيها أربعة أدلة:
أحدها: بسط الملائكة أيديهم لتناولها.
الثاني: وصفها بالإخراج والخروج.
الثالث: الإخبار عن عذابها في ذلك اليوم.
الرابع: الإخبار عن مجيئها إلى ربها، فهذه سبعة أدلة.
الثامن: قوله تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم إلى قوله تعالى: {حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾
وفيها ثلاثة أدلة:
أحدها: الإخبار بتوفي الأنفس بالليل.
الثاني: بعثها إلى أجسادها بالنهار.
الثالث: توفي الملائكة له عند الموت فهذه عشرة أدلة:
الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾
وفيها ثلاثة أدلة: أحدها: وصفها بالرجوع.
الثاني: وصفها بالدخول.
الثالث: وصفها بالرضا.
واختلف السلف: هل يقال لها ذلك عند الموت أو عند البعث أو في الموضعين؟ على ثلاثة أقوال، وقد روي في حديث مرفوع أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لأبي بكر الصديق: «إما أن الملك سيقولها لك عند الموت».
قال زيد بن أسلم: بشرت بالجنة عند الموت ويوم الجمع وعند البعث. وقال أبو صالح: ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً}
هذا عند الموت فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي}
قال: هذا يوم القيامة.
فهذه أربعة عشر دليلا.
الخامس عشر: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر». ففيه دليلان:
أحدهما: وصفه بأنه يقبض.
والثاني: أن البصر يراه.
السابع عشر: ما رواه النسائي: حدثنا أبو داود عن عفان بن حماد عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة أن أباه قال: رأيت في المنام كأني أسجد على جبهة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك، فقال: «إن الروح ليلقى الروح» فأقنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم هكذا. قال عفان برأسه إلى حلقه. فوضع جبهته على جبهة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأخبر أن الأرواح تتلاقى في المنام، وقد تقدم قول ابن عباس: تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك اللّه أرواح الموتى.
الثامن عشر: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في حديث بلال: «إن اللّه قبض أرواحكم وردها إليكم حين شاء».
ففيه دليلان وصفها بالقبض والرد.
العشرون: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة» وفيه دليلان: أحدهما: كونها طائرا.
الثاني: تعلقها في شجر الجنة وأكلها على اختلاف التفسيرين.
الثاني والعشرون: قوله: «أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فاطلع إليهم ربك اطلاعة فقال أي شيء تريدون»؟ الحديث وقد تقدم فيه ستة أدلة:
أحدها: كونها مودعة في جوف طير.
الثاني: أنها تسرح في الجنة.
الثالث: أنها تأكل من ثمارها وتشرب من أنهارها.
الرابع: أنها تأوي إلى تلك القناديل أي تسكن إليها.
الخامس: أن الرب تعالى خاطبها واستنطقها فأجابته وخاطبته.
السادس: أنها طلبت الرجوع إلى الدنيا فعلم أنها مما يقبل الرجوع.
فإن قيل: هذا كله صفة الطير لا صفة الروح. قيل: بل الروح مودعة في الطير قصدا، وعلى الرواية التي رجحها أبو عمر، وهي قوله: «أرواح الشهداء كطير» ينفي السؤال بالكلية.
التاسع والعشرون: قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في حديث طلحة بن عبيد اللّه: أردت مالي بالغابة فأدركني الليل، فأويت إلى قبر عبد اللّه بن عمرو بن حرام، فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ذاك عبد اللّه، ألم تعلم أن اللّه قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت ثم علقها وسط الجنة، فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم، فلا تزال كذلك حتى طلع الفجر ردت أرواحهم إلى مكانها التي كانت». وفيه أربعة أدلة سوى ما تقدم:
أحدها: جعلها في القناديل.
الثاني: انتقالها من حيز إلى حيز.
الثالث: تكلمها وقراءتها في القبر.
الرابع: وصفها بأنها في مكان.
الثالث والثلاثون: حديث البراء بن عازب وقد تقدم سياقه وفيه عشرون دليلا:
أحدها: قول ملك الموت لنفسه: يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً}
وهذا الخطاب لمن يفهم ويعقل.
الثاني: قوله: اخرجي إلى مغفرة من اللّه ورضوان.
الثالث: قوله: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء.
الرابع: قوله: فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه.
الخامس: قوله: حتى يكفنوها في ذلك الكفن ويحنطوها بذلك الحنوط، فأخبر أنها تكفن وتحنط.
السادس: ثم يصعد بروحه إلى السماء.
السابع: قوله: ويوجد منها كأطيب نفحة مسك وجدت.
الثامن: قوله: فتفتح له أبواب السماء.
التاسع: قوله ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهي إلى الرب تعالى.
العاشر: قوله فيقول تعالى ردوا عبدي إلى الأرض.
الحادي عشر: قوله فترد روحه إلى جسده.
الثاني عشر: قوله في روح الكافر فتفرق في جسده فيجذبها فتنقطع منها العروق والعصب.
الثالث عشر: قوله ويوجد لروحه كأنتن ريح وجدت على وجه الأرض.
الرابع عشر: قوله فيقذف بروحه عن السماء وتطرح طرحا فتهوي إلى الأرض.
الخامس عشر: قوله فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب؟ وما هذا الروح الخبيث؟ السادس عشر: قوله فيجلسان ويقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فإن كان هذا للروح فظاهر، وإن كان للبدن فهو بعد رجوع الروح إليه من السماء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences