Ibn al-QayyimAl‑Fatihah · 1:2

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Fatihah 1:2, continued

وَإمّا أنْ يَقُولَ: ما ثَمَّ رَبٌّ يَكُونُ مُبايِنًا ولا مُحايِثًا، ولا داخِلًا ولا خارِجًا، كَما قالَتْهُ الدَّهْرِيَّةُ المُعَطِّلَةُ لِلصّانِعِ.

وَأمّا هَذا القَوْلُ الثّالِثُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ: إثْباتِ رَبٍّ مُغايِرٍ لِلْعالَمِ مَعَ نَفْيِ مُبايَنَتِهِ لِلْعالَمِ، وإثْباتِ خالِقٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، لا في العالَمِ ولا خارِجَ العالَمِ، ولا فَوْقَ العالَمِ ولا تَحْتَهُ، ولا خَلْفَهُ ولا أمامَهُ، ولا يَمْنَتَهُ ولا يَسْرَتَهُ فَقَوْلٌ لَهُ خَبِيءٌ، والعُقُولُ لا تَتَصَوَّرُهُ حَتّى تُصَدِّقَ بِهِ، فَإذا اسْتَحالَ في العَقْلِ تَصَوُّرُهُ، فاسْتِحالَةُ التَّصْدِيقِ بِهِ أظْهَرُ وأظْهَرُ، وهو مُنْطَبِقٌ عَلى العَدَمِ المَحْضِ، والنَّفْيِ الصِّرْفِ، وصِدْقُهُ عَلَيْهِ أظْهَرُ عِنْدَ العُقُولِ والفِطَرِ مِن صِدْقِهِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ.

فَضَعْ هَذا النَّفْيَ وهَذِهِ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ عَلى العَدَمِ المُسْتَحِيلِ، ثُمَّ ضَعْها عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ القائِمَةِ بِنَفْسِها، الَّتِي لَمْ تَحِلَّ في العالَمِ، ولا حَلَّ العالَمُ فِيها، ثُمَّ انْظُرْ أيَّ المَعْلُومِينَ أوْلى بِهِ؟

واسْتَيْقِظْ لِنَفْسِكَ، وقُمْ لِلَّهِ قَوْمَةَ مُفَكِّرٍ في نَفْسِهِ في الخَلْوَةِ في هَذا الأمْرِ، مُتَجَرِّدٍ عَنِ المَقالاتِ وأرْبابِها، وعَنِ الهَوى والحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ، صادِقًا في طَلَبِ الهِدايَةِ مِنَ اللَّهِ، فالَلَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُخَيِّبَ عَبْدًا هَذا شَأْنُهُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لا تَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن إثْباتِ رَبٍّ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، مُبايِنٍ لِخَلْقِهِ، بَلْ هَذا نَفْسُ تَرْجَمَتِها.

[فَصْلٌ: المُثْبِتُونَ لِلْخالِقِ تَعالى]

ثُمَّ المُثْبِتُونَ لِلْخالِقِ تَعالى نَوْعانِ:

أهْلُ تَوْحِيدٍ، وأهْلُ إشْراكٍ، وأهْلُ الإشْراكِ نَوْعانِ:

أحَدُهُما: أهْلُ الإشْراكِ بِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ، كالمَجُوسِ ومَن ضاهاهم مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَإنَّهم يُثْبِتُونَ مَعَ اللَّهِ خالِقًا آخَرَ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ مُكافِئٌ لَهُ، والقَدَرِيَّةُ المَجُوسِيَّةُ تُثْبِتُ مَعَ اللَّهِ خالِقِينَ لِلْأفْعالِ، لَيْسَتْ أفْعالُهم مَقْدُورَةً لِلَّهِ، ولا مَخْلُوقَةً لَهُمْ، وهي صادِرَةٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْها، ولا هو الَّذِي جَعَلَ أرْبابَها فاعِلِينَ لَها، بَلْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا أنْفُسَهم شائِينَ مُرِيدِينَ فاعِلِينَ.

فَرُبُوبِيَّةُ العالَمِ الكامِلَةُ المُطْلَقَةُ الشّامِلَةُ تُبْطِلُ أقْوالَ هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ، لِأنَّها تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ والحَرَكاتِ والأفْعالِ.

وَحَقِيقَةُ قَوْلِ القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ: أنَّهُ تَعالى لَيْسَ رَبًّا لِأفْعالِ الحَيَوانِ، ولا تَناوَلَتْها رُبُوبِيَّتُهُ، وكَيْفَ تَتَناوَلُ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وخَلْقِهِ؟ مَعَ أنَّ في عُمُومِ حَمْدِهِ ما يَقْتَضِي حَمْدَهُ عَلى طاعاتِ خَلْقِهُ، إذْ هو المُعِينُ عَلَيْها والمُوَفِّقُ لَها، وهو الَّذِي شاءَها مِنهم كَما قالَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فَهو مَحْمُودٌ عَلى أنْ شاءَها لَهُمْ، وجَعَلَهم فاعِلِيها بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَهو المَحْمُودُ عَلَيْها في الحَقِيقَةِ، وعِنْدَهم أنَّهم هُمُ المَحْمُودُونَ عَلَيْها، ولَهُمُ الحَمْدُ عَلى فِعْلِها، ولَيْسَ لِلَّهِ حَمْدٌ عَلى نَفْسِ فاعِلِيَّتِها عِنْدَهُمْ، ولا عَلى ثَوابِهِ وجَزائِهِ عَلَيْها.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ فاعِلِيَّتَها بِهِمْ لا بِهِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الجَزاءَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ اسْتِحْقاقَ الأُجْرَةِ عَلى المُسْتَأْجِرِ، فَهو مَحْضُ حَقِّهِمْ، الَّذِي عاوَضُوهُ عَلَيْهِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ رَدٌّ ظاهِرٌ عَلَيْهِمْ، إذِ اسْتِعانَتُهم بِهِ إنَّما تَكُونُ عَنْ شَيْءٍ هو بِيَدِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعِينُ مَن بِيَدِهِ الفِعْلُ وهو مُوجِدُهُ، إنْ شاءَ أوْجَدَهُ وإنْ شاءَ لَمْ يُوجِدْهُ بِمَن لَيْسَ ذَلِكَ الفِعْلُ بِيَدِهِ، ولا هو داخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ولا مَشِيئَتِهِ؟

وَفِي قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْضًا رَدٌّ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ الهِدايَةَ المُطْلَقَةَ التّامَّةَ هي المُسْتَلْزِمَةُ لِحُصُولِ الِاهْتِداءِ، ولَوْلا أنَّها بِيَدِهِ تَعالى دُونَهم لَما سَألُوهُ إيّاها، وهي المُتَضَمِّنَةُ لِلْإرْشادِ والبَيانِ، والتَّوْفِيقِ والإقْدارِ، وجَعْلِهِمْ مُهْتَدِينَ، ولَيْسَ مَطْلُوبُهم مُجَرَّدَ البَيانِ والدِّلالَةِ كَما ظَنَّتْهُ القَدَرِيَّةُ، لِأنَّ هَذا القَدَرَ وحْدَهُ لا يُوجِبُ الهُدى، ولا يُنْجِي مِنَ الرَّدى، وهو حاصِلٌ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى، واشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى.

(فَصْلٌ)

النَّوْعُ الثّانِي: أهْلُ الإشْراكِ بِهِ في إلَهِيَّتِهِ، وهُمُ المُقِرُّونَ بِأنَّهُ وحْدَهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، ومَلِيكُهُ وخالِقُهُ، وأنَّهُ رَبُّهم ورَبُّ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ، ورَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، وهم مَعَ هَذا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، ويَعْدِلُونَ بِهِ سِواهُ في المَحَبَّةِ والطّاعَةِ والتَّعْظِيمِ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يُوَفُّوا " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ " حَقَّهُ، وإنْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِن " نَعْبُدُكَ " لَكِنْ لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِن إيّاكَ نَعْبُدُ المُتَضَمِّنِ مَعْنى: لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ حُبًّا وخَوْفًا ورَجاءً وطاعَةً وتَعْظِيمًا، فَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ " تَحْقِيقٌ لِهَذا التَّوْحِيدِ، وإبْطالٌ لِلشِّرْكِ في الإلَهِيَّةِ، كَما أنَّ " إيّاكَ نَسْتَعِينُ " تَحْقِيقٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإبْطالٌ لِلشِّرْكِ بِهِ فِيها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾

فَإنَّهم أهْلُ التَّوْحِيدِ، وهم أهْلُ تَحْقِيقِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " وأهْلُ الإشْراكِ هم أهْلُ الغَضَبِ والضَّلالِ.

(فصل)

تأمل أسرار كلام الرب تعالى وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة بأنه كلام رب العالمين والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق، وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى وهو معنى كونه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، ولم يخلق ذلك باطلا بل خلقه خلقا صادرا عن الحق آيلا إلى الحق مشتملا على الحق فالحق سابق لخلقها مقارن له غاية له، ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية فالحق السابق صدور ذلك عن علمه وحكمته فمصدر خلقه تعالى وأمره عن كمال علمه وحكمته، وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف بهما حكمه كله ومصلحة وحقا ولهذا قال تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته وما كان كذلك كان صدقا وعدلا وهدى وإرشادا.

وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت: أألد وأنا عجوز عقيم

﴿قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾

وهذا راجع إلى قوله وخلقه وهو خلق الولد لها على الكبر.

وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات فهو ما اشتملت من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد على الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسله وأن لقاءه حق لا ريب فيه ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة بذلك بل شهادتها أتم من شهادة الخبر المجرد لأنها شهادة حال لا يقبل كذبا فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله إلا وجده دالا على فاطره وبارئه وعلى وحدانيته وعلى كمال صفاته وأسمائه وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع وعلى التوحيد والمعاد والنبوات فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقة وبما لو تأملوه لرأوه مركوزا في فطرهم مستقرا في عقولهم وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه من أسمائه وصفاته وتوحيده ولقائه ووجود ملائكته وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار.

وقد بينت في موضع آخر أن كل حركة تشاهد على اختلاف أنواعها فهي دالة على التوحيد والنبوات والمعاد بطريق سهلة واضحة برهانية وكذلك ذكرت في رسالة إلى بعض الأصحاب بدليل واضح أن الروح مركوز في أصل فطرتها وخلقتها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الإنسان لو استقصى التفتيش لوجد ذلك مركوزا في نفس روحه وذاته وفطرته فلو تأمل العاقل الروح وحركتها فقط لاستخرج منها الإيمان بالله تعالى وصفاته والشهادة بأنه لا إله إلا هو والإيمان برسله وملائكته ولقائه، وإنما يصدق بهذا من أشرقت شمس الهداية على أفق قلبه وانجابت عنه سحائب غيبه وانكشف عن قلبه حجاب ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ فهنالك يبدو له سر طال عنه اكتتامه ويلوح له صباح هو ليله وظلامه فقف الآن عند كل كلمة من قوله تعالى: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وفي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ... وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

ثم تأمل وجه كونها آية وعلى ماذا جعلت آية أعلى مطلوب واحد أم مطالب متعددة وكذلك سائر ما في القرآن الكريم من هذا النمط كآخر سورة آل عمران وقوله في سورة الروم: ﴿وَمِن آياتِه﴾ إلى آخرها وقوله في سورة النمل: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ إلى آخر الآيات وأضعاف ذلك في القرآن الكريم وكقوله في سورة الذاريات ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ فهذا كله من الحق الذي خلقه به السماوات والأرض وما بينهما وهو حق لوجود هذه المخلوقات مسطور في صفحاتها يقرؤه كل موفق كاتب وغير كاتب كما قيل:

؎تأمل سطور الكائنات فإنها ∗∗∗ من الملأ الأعلى إليك رسائل

؎وقد خط فيها لو تأملت خطها ∗∗∗ ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وأما الحق الذي هو غاية خلقها فهو غاية تراد من العباد وغاية تراد بهم فالتي تراد منهم أن يعرفوا الله تعالى وصفات كماله عز وجل وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئا فيكون هو وحده إلههم ومعبودهم ومطاعهم ومحبوبهم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾

فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده

وقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾

فهذه الغاية هي المرادة من العباد وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده.

وأما الغاية المرادة بهم فهي الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾

وقال تعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾

وقال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾

وقال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلاّ مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

فتأمل الآن كيف اشتمل خلق السماوات والأرض وما بينهما على الحق أولا وآخرا ووسطا وأنها خلقت بالحق، وللحق، وشاهدة بالحق.

وقد أنكر تعالى على من زعم خلاف ذلك فقال: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ثم نزه نفسه عن هذا الحسبان المضاد لحكمته وعلمه وحمده فقال ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ وتأمل ما في هذين الاسمين وهما الملك الحق من إبطال هذا الحسبان الذي ظنه أعداؤه إذ هو مناف لكمال ملكه ولكونه الحق إذ الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي فيتصرف في خلقه بقوله وأمره وهذا هو الفرق بين الملك والمالك إذ المالك هو المتصرف بفعله والملك هو المتصرف بفعله وأمره والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره فمن ظن أنه خلق خلقه عبثا لم يأمرهم ولم ينههم فقد طعن في ملكه ولم يقدره حق قدره كما قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدره وكذلك كونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها فكما أن ذاته الحق فقوله الحق ووعده الحق وأمره الحق وأفعاله كلها حق وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق فمن أنكر شيئا من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار فكونه حقا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثا وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم كما قال تعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾

قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى "

وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب وهو الأمر والنهي والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾

فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خلق له.

فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه، فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها.

وتأمل كيف لما زعم أعداؤه الكافرون أنه لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله وأنه لا يبعثهم للثواب والعقاب كيف كان هذا الزعم منهم قولا بأن خلق السماوات والأرض باطل فقال تعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾

فلما ظن أعداؤه أنه لم يرسل إليهم رسولا ولم يجعل لهم أجلا للقائه كان ذلك ظنا منهم أنه خلق خلقه باطلا ولهذا أثنى تعالى على عباده المتفكرين في مخلوقاته بأن أوصلهم فكرهم فيها إلى شهادتهم بأنه تعالى لم يخلقها باطلا وأنهم لما علموا ذلك وشهدوا به علموا أن خلقها يستلزم أمره ونهيه وثوابه وعقابه فذكروا في دعائهم هذين الأمرين فقالوا ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾

فلما علموا أن خلق السماوات والأرض يستلزم الثواب والعقاب تعوذوا بالله من عقابه، ثم ذكروا الإيمان الذي أوقعهم عليه فكرهم في خلق السماوات والأرض فقالوا ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ فكانت ثمرة فكرهم في خلق السماوات والأرض الإقرار به تعالى وبوحدانيته وبدينه وبرسله وبثوابه وعقابه فتوسلوا إليه بإيمانهم الذي هو من أعظم فضله عليهم إلى مغفرة ذنوبهم وتكفير سيئاتهم وإدخالهم مع الإبرار إلى جنته التي وعدهموها وذلك تمام نعمته عليهم فتوسلوا بإنعامه عليهم أولا إلى إنعامه عليهم آخرا وتلك وسيلة بطاعته إلى كرامته وهو إحدى الوسائل إليه وهي الوسيلة التي أمرهم بها في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ وأخبر عن خاصة عبادهم أنهم يبتغون الوسيلة إليه إذ يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾

على أن في هاتين الآيتين أسرارا بديعة ذكرتها في كتاب (التحفة المكية في بيان الملة الإبراهيمية)

فأثمر لهم فكرهم الصحيح في خلق السماوات والأرض أنه لم يخلقها باطلا وأثمر لهم الإيمان بالله ورسوله ودينه وشرعه وثوابه وعقابه والتوسل إليه بطاعته والإيمان به.

وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل قطرة من بحر لا ساحل له فلا تستطله فإنه كنز من كنوز العلم لا يلائم كل نفس، ولا يقبله كل محروم، والله يختص برحمته من يشاء.

(فصل: في بيان تنازع الناس في الأفضل من الصبر والشكر)

حكى أبو الفرج ابن الجوزي في ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها أن الصبر أفضل.

والثاني أن الشكر أفضل.

والثالث أنهما سواء، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه

"لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت"

ونحن نذكر ما احتجت به كل فرقة وما لها وعليها في احتجاجها بعون الله وتوفيقه.

فصل: قال الصابرون قد أثنى الله سبحانه على الصبر وأهله ومدحه وأمر به وعلق عليه خير الدنيا والآخرة وقد ذكره الله في كتابه في نحو تسعين موضعا وقد تقدم من النصوص والأحاديث فيه وفي فضله ما يدل على أنه أفضل من الشكر ويكفي في فضله قوله "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" فذكر ذلك في معرض تفضيل الصبر ورفع درجته على الشكر فإنه ألحق الشاكر بالصابر وشبهه به ورتبة المشبه به أعلى من رتبة المشبه وهذا كقوله:

"مدمن الخمر كعابد وثن " ونظائر ذلك قالوا وإذا وازنا بين النصوص الواردة في الصبر والواردة في الشكر وجدنا نصوص الصبر أضعافها ولهذا لما كانت الصلاة والجهاد أفضل الأعمال كانت الأحاديث فيهما في سائر الابواب فلا تجد الأحاديث النبوية في باب أكثر منها في باب الصلاة والجهاد قالوا وأيضا فالصبر يدخل في كل باب بل في كل مسئلة من مسائل الدين ولهذا كان من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد قالوا وأيضا فالله سبحانه وتعالى علق على الشكر الزيادة فقال ﴿وإذ تأذن ربكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ وعلق على الصبر الجزاء بغير حساب وأيضا فإنه سبحانه أطلق جزاء الشاكرين فقال وسيجزى الله الشاكرين وقيد جزاء الصابرين بالإحسان فقال ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ قالوا وقد صح عن النبي أنه قال: يقول الله تعالى:

" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به ".

وفي لفظ:

" كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وما ذاك إلا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها كما في الحديث نفسه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ولهذا قال النبي لمن سأله عن أفضل الأعمال:

" عليك بالصوم فإنه لا عدل له"

ولما كان الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فإنه حبس النفس عن إجابة داعي شهوة الطعام والشراب والجماع فسر الصبر في قوله تعالى ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ أنه الصوم وسمى رمضان شهر الصبر.

وقال بعض السلف الصوم نصف الصبر وذلك أن الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب فإن النفس تشتهى الشيء لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن إجابة داعي الأمرين وقد أشار إلى ذلك النبي في الحديث الصحيح وهو قوله:

"إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل إني صائم " فأرشد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن الصائم ينبغي له أن يحتمى من إفسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره كما قال في الحديث الآخر:

"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ".

قالوا ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى والله مع الصابرين لا شيء يعدل معيته لعبده، كما قال بعض العارفين ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة، لأنهم نالوا معية الله.

وقال تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا)

وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصبر لحكمه

وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وما عليها وهي صلواته تعالى عليهم ورحمته لهم وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولى العزم من الرسل وقد تقدم ذكر ذلك

قالوا وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر والاستكثار منها حال الشاكر قالوا وقد سئل المسيح صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ولم يلتفت إليه وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة الله تعالى أيهما أفضل فقال الذي لم يلتفت إليه وأعرض عنه أفضل عند الله

قالوا ويدل على صحة هذا أن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ولو أخذها لأنفقها في مرضاة الله وطاعته، فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها.

قالوا وقد علم أن الكمال الإنساني في ثلاثة أمور علوم يعرفها وأعمال يعمل بها، وأحوال ترتب له على علومه وأعماله.

وأفضل العلم والعمل والحال العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الآخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها، وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة وإلا فهو في الدنيا وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملا للمعارضات التي عليه والمحن التي امتحن بها وإلا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك، وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها بحسب إفضائها إلى هذه المعرفة وبعدها فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذي خلق له فهو أشرف مما دونه وكذلك الأعمال فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب إفضائها إلى المقصود وهكذا يجب أن يكون فإن كل ما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها فالعمل المعد للقلب المهيئ له لمعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته وخوفه ورجائه أفضل مما ليس كذلك وإذا أشتركت عدة أعمال في هذا الافضاء فأفضلها أقربها إلى هذا المفضى ولهذا اشتركت الطاعات في هذا الإفضاء فكانت مطلوبة لله واشتركت المعاصي في حجب القلب وقطعه عن هذه الغاية فكانت منهيا عنها وتأثير الطاعات والمعاصي بحسب درجاتها

وها هنا أمر ينبغي التفطن له وهو أنه قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره فالغنى الذي بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح وولى الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وانصاف المظلوم من الظالم واقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه له أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته وتأمل تولية النبي لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر بل قال له:

"إني أراك ضعيفا وانى أحب لك ما أحب لنفسي لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" وأمره وغيره بالصيام وقال:

"عليك بالصوم فانه لا عدل له" وأمر آخر بأن لا يغضب وأمر ثالثا بأن لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله ومتى أراد الله بالعبد كمالا وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له قابل له قد هيئ له فإذا استفرغ وسعه على غيره وفاق الناس فيه كما قيل

؎ما زال يسبق حتى قال حاسده ∗∗∗ هذا طريق إلى العلياء مختصر

وهذا كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلا إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه فالشح المطاع مثلا من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها وكذلك داء اتباع الهوى والاعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم والذكر والزهد وإنما يزيله اخراجه من القلب بضده ولو قيل ايما أفضل الخبز أو الماء لكان الجواب أن هذا في موضعه أفضل وهذا في موضعه أفضل

وإذا عرفت هذه القاعدة فالشكر ببذل المال عمل صالح يحصل به للقلب حال فهو دواء للداء الذي في القلب يمنعه من المقصود وأما الفقير الزاهد فقد استراح من هذا الداء والدواء وتوفرت قوته على استفراغ الوسع في حصول المقصود

ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا فقالوا فإن قيل فقد حث الشرع على الأعمال وانفصلوا عنه بأن قالوا الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدل على أن الدواء يراد لعينه ولا أنه أفضل من الشفاء الحأصل به ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا فوقع الحث على العمل المقصود وهو شفاء القلب فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك الدم المهلك

قالوا وإذا عرف هذا عرف أن حال الصابر حال المحافظ على الصحة والقوة وحال الشاكر حال المتداوي بأنواع الأدوية لإزالة مواد السقم فصل قال الشاكرون لقد تعديتم طوركم وفضلتم مقاما غيره أفضل منه وقدمتم الوسيلة على الغاية والمطلوب لغيره على المطلوب لنفسه والعمل الكامل على الأكمل والفاضل على الأفضل ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفيتموه مرتبته وقد قرن تعالى ذكره الذي هو المراد من الخلق بذكره وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر والصبر خادم لهما ووسيلة إليهما وعونا عليهما قال تعالى (اذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)

وقرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به فقال ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ أي أن وفيتم ما خلقتم له وهو الشكر والإيمان فما أصنع بعذابكم.

هذا وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنته عليهم من بين عباده فقال {وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ} وقسم الناس إلى شكور وكفور فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله قال تعالى في الإنسان ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾

وقال نبيه سليمان ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال تعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾

وهذا كثير في القرآن يقابل سبحانه بين الشكر والكفر فهو ضده قال تعالى ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الإيمان فلم ينقلبوا على أعقابهم وعلق سبحانه المزيد بالشكر والمزيد منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره وقد وقف سبحانه كثيرا من الجزاء على المشيئة كقوله ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ وقوله في الإجابة ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ وقوله في الرزق ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ وفي المغفرة ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ والتوبة ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وأطلق جزاء الشكر إطلاقا حيث ذكر كقوله وسنجزى الشاكرين وسيجزى الله الشاكرين ولما عرف عدو الله ابليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ووصف الله سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾.

وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول: اللهم اجعلني من الأقلين. فقال ما هذا؟

فقال يا أمير المؤمنين إن الله قال ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾، وقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقال ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾

فقال عمر صدقت.

وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا﴾

وفي تخصيص نوح هاهنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني فإن الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلا إلا من ذريته كما قال تعالى ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر فإنه كان عبدا شكورا

وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾

وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين﴾

وأول وصية وصى الله بها الإنسان بعد ماعقل عنه بالشكر له وللوالدين فقال ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلى المصير﴾

وأخبر أن رضاه في شكره فقال تعالى ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾

وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه فقال ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾

فأخبر عنه سبحانه بأنه أمة أي قدوة يؤتم به في الخير وإنه قانتا لله والقانت هو المطيع المقيم على طاعته والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه ثم ختم له بهذه الصفات بأنه شاكر لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله.

وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة لعلكم تشكرون

فهذه غاية الخلق وغاية الأمر فقال ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском