Ibn al-QayyimAl‑Fatihah · 1:5

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Fatihah 1:5

1:5Page 1

إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥

It is You we worship and You we ask for help.

فإذا قال: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظرَ جواب ربه له: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وتأمل عبوديةَ هاتين الكلمتين وحقوقهما، وميَّز الكلمة التي لله والكلمة التي للعبد، وفَقِهَ سرّ كون إحداهما لله والأخرى للعبد، وميَّزَ بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نعبد" والتوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نستعين"، وفَقِهَ سر كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما والدعاء بعدهما، وفَقِهَ تقديم "إياك نعبد" على "إياك نستعين"، وتقديم المعمول على الفعل مع الإتيان به مؤخرًا أوجز وأخصر، وسر إعادة الضمير مرة بعد مرة، وعلمَ ما تدفع كل واحدة من الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية، وكيف تُدخِله الكلمتان في صريح العبودية، وعَلِمَ كيف يدور القرآن من أوله إلى آخره على هاتين الكلمتين، بل كيف يدور عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، وكيف تضمنتا لأجلِّ الغايات وأكمل الوسائل، وكيف جيء بهما بضمير الخطاب والحضور دون ضمير الغائب.

وهذا موضع يستدعي كتابًا كبيرًا، ولولا الخروج عما نحن بصدده لأوضحناه وبسطنا القول فيه، فمن أراد الوقوف عليه فقد ذكرناه في كتاب "مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، وفي كتاب "الرسالة المصرية".

[فائدة]

والعَبْدُ إذا عَزَمَ عَلى فِعْلِ أمْرٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَ أوَّلًا هَلْ هو طاعَةٌ لِلَّهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ طاعَةٌ فَلا يَفْعَلُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مُباحًا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى الطّاعَةِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ طاعَةً، فَإذا بانَ لَهُ أنَّهُ طاعَةٌ فَلا يُقْدِمُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْظُرَ هَلْ هو مُعانٌ عَلَيْهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعانًا عَلَيْهِ فَلا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فَيُذِلَّ نَفْسَهُ، وإنْ كانَ مُعانًا عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ نَظَرٌ آخَرُ، وهو أنْ يَأْتِيَهُ مِن بابِهِ؛ فَإنْ أتاهُ مِن غَيْرِ بابِهِ أضاعَهُ أوْ فَرَّطَ فِيهِ أوْ أفْسَدَ مِنهُ شَيْئًا؛ فَهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ أصْلُ سَعادَةِ العَبْدِ وفَلاحِهِ، وهي مَعْنى قَوْلِ العَبْدِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾

فَأسْعَدُ الخَلْقِ أهْلُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ والهِدايَةِ إلى المَطْلُوبِ، وأشْقاهم مَن عُدِمَ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونَصِيبُهُ مِن ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَعْدُومٌ أوْ ضَعِيفٌ؛ فَهَذا مَخْذُولٌ مُهِينٌ مَحْزُونٌ، ومِنهم مَن يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَوِيًّا ونَصِيبُهُ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ضَعِيفًا أوْ مَفْقُودًا؛ فَهَذا لَهُ نُفُوذٌ وتَسَلُّطٌ وقُوَّةٌ، ولَكِنْ لا عاقِبَةَ لَهُ، بَلْ عاقِبَتُهُ أسْوَأُ عاقِبَةً، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَكِنْ نَصِيبُهُ مِن الهِدايَةِ إلى المَقْصُودِ ضَعِيفٌ جِدًّا، كَحالِ كَثِيرٍ مِن العِبادِ والزُّهّادِ الَّذِينَ قَلَّ عِلْمُهم بِحَقائِقِ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِن الهُدى ودِينِ الحَقِّ.

وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " فَمَن خَلَصَتْ نِيَّتُهُ في الحَقِّ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ " إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكْفِي قِيامُهُ في الحَقِّ لِلَّهِ إذا كانَ عَلى غَيْرِهِ، حَتّى يَكُونَ أوَّلَ قائِمٍ بِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ قِيامُهُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ، وإلّا فَكَيْفَ يُقْبَلُ الحَقُّ مِمَّنْ أهْمَلَ القِيامَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ؟ وخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَوْمًا وعَلَيْهِ ثَوْبانِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ ألا تَسْمَعُونَ؟ فَقالَ سَلْمانُ: لا نَسْمَعُ، فَقالَ عُمَرُ: ولِمَ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ؟ قالَ: إنّك قَسَّمْت عَلَيْنا ثَوْبًا ثَوْبًا وعَلَيْك ثَوْبانِ، فَقالَ: لا تَعْجَلْ. يا عَبْدَ اللَّهِ، يا عَبْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقالَ: لَبَّيْكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: نَشَدْتُك اللَّهَ الثَّوْبُ الَّذِي ائْتَزَرْتُ بِهِ أهْوَ ثَوْبُكَ؟ قالَ: نَعَمْ، اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ سَلْمانُ: أمّا الآنَ فَقُلْ نَسْمَعْ.

[فصلٌ: لِلَّهِ عَلى كُلِّ أحَدٍ عُبُودِيَّةٌ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ]

وَقَوْلُهُ: " فَإنَّ القَضاءَ في مَواطِنِ الحَقِّ مِمّا يُوجِبُ اللَّهُ بِهِ الأجْرَ، ويُحْسِنُ بِهِ الذُّخْرَ "

هَذا عُبُودِيَّةُ الحُكّامِ ووُلاةِ الأمْرِ الَّتِي تُرادُ مِنهُمْ، ولِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ عُبُودِيَّةٌ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ، سِوى العُبُودِيَّةِ العامَّةِ الَّتِي سَوّى بَيْنَ عِبادِهِ فِيها؛ فَعَلى العالِمِ مِن عُبُودِيَّتِهِ نَشْرُ السُّنَّةِ والعِلْمِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ما لَيْسَ عَلى الجاهِلِ، وعَلَيْهِ مِن عُبُودِيَّةِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ ما لَيْسَ عَلى غَيْرِهِ، وعَلى الحاكِمِ مِن عُبُودِيَّةِ إقامَةِ الحَقِّ وتَنْفِيذِهِ وإلْزامِهِ مِمَّنْ هو عَلَيْهِ بِهِ والصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ والجِهادِ عَلَيْهِ ما لَيْسَ عَلى المُفْتِي. وعَلى الغَنِيِّ مِن عُبُودِيَّةِ أداءِ الحُقُوقِ الَّتِي في مالِهِ ما لَيْسَ عَلى الفَقِيرِ، وعَلى القادِرِ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ بِيَدِهِ ولِسانِهِ ما لَيْسَ عَلى العاجِزِ عَنْهُما.

وَتَكَلَّمَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيّ يَوْمًا في الجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: هَذا واجِبٌ قَدْ وُضِعَ عَنّا، فَقالَ: هَبِي أنَّهُ قَدْ وُضِعَ عَنْكُنَّ سِلاحُ اليَدِ واللِّسانِ، فَلَمْ يُوضَعْ عَنْكُنَّ سِلاحُ القَلْبِ، فَقالَتْ: صَدَقْت جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا.

وَقَدْ غَرَّ إبْلِيسُ أكْثَرَ الخَلْقِ بِأنْ حَسَّنَ لَهم القِيامَ بِنَوْعٍ مِن الذِّكْرِ والقِراءَةِ والصَّلاةِ والصِّيامِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا والِانْقِطاعِ، وعَطَّلُوا هَذِهِ العُبُودِيّاتِ، فَلَمْ يُحَدِّثُوا قُلُوبَهم بِالقِيامِ بِها، وهَؤُلاءِ عِنْدَ ورَثَةِ الأنْبِياءِ مِن أقَلِّ النّاسِ دِينًا؛ فَإنَّ الدِّينَ هو القِيامُ لِلَّهِ بِما أمَرَ بِهِ، فَتارِكُ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ أسْوَأُ حالًا عِنْدَ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن مُرْتَكِبِ المَعاصِي؛ فَإنَّ تَرْكَ الأمْرِ أعْظَمُ مِن ارْتِكابِ النَّهْيِ مِن أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ وجْهًا ذَكَرَها شَيْخُنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في بَعْضِ تَصانِيفِهِ؛ ومَن لَهُ خِبْرَةٌ بِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وبِما كانَ عَلَيْهِ هو وأصْحابُهُ رَأْيٌ أنَّ أكْثَرَ مَن يُشارُ إلَيْهِمْ بِالدِّينِ هم أقَلُّ النّاسِ دِينًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وأيُّ دِينٍ وأيُّ خَيْرٍ فِيمَن يَرى مَحارِمَ اللَّهِ تُنْتَهَكُ وحُدُودَهُ تُضاعُ ودِينَهُ يُتْرَكُ وسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرْغَبُ عَنْها وهو بارِدُ القَلْبِ ساكِتُ اللِّسانِ؟ شَيْطانٌ أخْرَسُ، كَما أنَّ المُتَكَلِّمَ بِالباطِلِ شَيْطانٌ ناطِقٌ، وهَلْ بَلِيَّةُ الدِّينِ إلّا مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا سَلَّمْت لَهم مَآكِلَهم ورِياساتِهِمْ فَلا مُبالاةَ بِما جَرى عَلى الدِّينِ؟، وخِيارُهم المُتَحَزِّنُ المُتَلَمِّظُ، ولَوْ نُوزِعَ في بَعْضِ ما فِيهِ غَضاضَةٌ عَلَيْهِ في جاهِهِ أوْ مالِهِ بَذَلَ وتَبَذَّلَ وجَدَّ واجْتَهَدَ، واسْتَعْمَلَ مَراتِبَ الإنْكارِ الثَّلاثَةِ بِحَسَبِ وُسْعِهِ. وهَؤُلاءِ - مَعَ سُقُوطِهِمْ مِن عَيْنِ اللَّهِ ومَقْتِ اللَّهِ لَهم - قَدْ بُلُوا في الدُّنْيا بِأعْظَمَ بَلِيَّةٍ تَكُونُ وهم لا يَشْعُرُونَ، وهو مَوْتُ القُلُوبِ؛ فَإنَّهُ القَلْبُ كُلَّما كانَتْ حَياتُهُ أتَمَّ كانَ غَضَبُهُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ أقْوى، وانْتِصارُهُ لِلدِّينِ أكْمَلُ.

وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ أثَرًا «أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى مَلِكٍ مِن المَلائِكَةِ أنْ اخْسِفْ بِقَرْيَةِ كَذا وكَذا، فَقالَ: يا رَبِّ كَيْفَ وفِيهِمْ فُلانُ العابِدُ؟ فَقالَ: بِهِ فابْدَأْ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ في يَوْمًا قَطُّ».

وَذَكَرَ أبُو عُمَرَ في كِتابِ التَّمْهِيدِ «أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ أنْ قُلْ لِفُلانٍ الزّاهِدِ: أمّا زُهْدُك في الدُّنْيا فَقَدْ تَعَجَّلْت بِهِ الرّاحَةَ، وأمّا انْقِطاعُك إلَيَّ فَقَدْ اكْتَسَبْت بِهِ العِزَّ، ولَكِنْ ماذا عَمِلَتْ فِيما لِي عَلَيْك؟ فَقالَ: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ لَك عَلَيَّ؟ قالَ: هَلْ والَيْت في ولِيًّا أوْ عادَيْت في عَدُوًّا»؟

[فَصْلٌ: سِرُّ الخَلْقِ والأمْرِ والشَّرائِعِ]

وَسِرُّ الخَلْقِ والأمْرِ، والكُتُبِ والشَّرائِعِ، والثَّوابِ والعِقابِ انْتَهى إلى هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ، وعَلَيْهِما مَدارُ العُبُودِيَّةِ والتَّوْحِيدِ، حَتّى قِيلَ: أنْزَلَ اللَّهُ مِائَةَ كِتابٍ وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، جَمَعَ مَعانِيَها في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ، وجَمَعَ مَعانِيَ هَذِهِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ في القُرْآنِ، وجَمَعَ مَعانِيَ القُرْآنِ في المُفَصَّلِ، وجَمَعَ مَعانِيَ المُفَصَّلِ في الفاتِحَةِ، ومَعانِيَ الفاتِحَةِ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].

وَهُما الكَلِمَتانِ المَقْسُومَتانِ بَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَ عَبْدِهِ نِصْفَيْنِ، فَنَصِفُهُما لَهُ تَعالى، وهو " إيّاكَ نَعْبُدُ " ونِصْفُهُما لِعَبْدِهِ وهو " إيّاكَ نَسْتَعِينُ ".

وَسَيَأْتِي سِرُّ هَذا ومَعْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في مَوْضِعِهِ.

والعِبادَةُ تَجْمَعُ أصْلَيْنِ: غايَةُ الحُبِّ بِغايَةِ الذُّلِّ والخُضُوعِ، والعَرَبُ تَقُولُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، والتَّعَبُّدُ: التَّذَلُّلُ والخُضُوعُ، فَمَن أحْبَبْتَهُ ولَمْ تَكُنْ خاضِعًا لَهُ، لَمْ تَكُنْ عابِدًا لَهُ، ومَن خَضَعْتَ لَهُ بِلا مَحَبَّةٍ لَمْ تَكُنْ عابِدًا لَهُ حَتّى تَكُونَ مُحِبًّا خاضِعًا، ومِن هاهُنا كانَ المُنْكِرُونَ مَحَبَّةَ العِبادِ لِرَبِّهِمْ مُنْكِرِينَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، والمُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِ مَحْبُوبًا لَهُمْ، بَلْ هو غايَةُ مَطْلُوبِهِمْ، ووَجْهُهُ الأعْلى نِهايَةُ بُغْيَتِهِمْ مُنْكِرِينَ لِكَوْنِهِ إلَهًا، وإنْ أقَرُّوا بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ وخالِقًا لَهُمْ، فَهَذا غايَةُ تَوْحِيدِهِمْ، وهو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، ولَمْ يَخْرُجُوا بِهِ عَنِ الشِّرْكِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقالَ تَعالى ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ [المؤمنون: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] ولِهَذا يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِهِ عَلى تَوْحِيدِ إلَهِيَّتِهِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ، كَما أنَّهُ لا خالِقَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ.

والِاسْتِعانَةُ تَجْمَعُ أصْلَيْنِ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ، والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ، فَإنَّ العَبْدَ قَدْ يَثِقُ بِالواحِدِ مِنَ النّاسِ، ولا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ مَعَ ثِقَتِهِ بِهِ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْهُ، وقَدْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ، ولِعَدَمِ مَن يَقُومُ مَقامَهَ، فَيَحْتاجُ إلى اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ غَيْرُ واثِقٍ بِهِ.

والتَّوَكُّلُ مَعْنًى يَلْتَئِمُ مِن أصْلَيْنِ: مِنَ الثِّقَةِ، والِاعْتِمادِ، وهو حَقِيقَةُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " وهَذانَ الأصْلانِ وهُما التَّوَكُّلُ، والعِبادَةُ قَدْ ذُكِرا في القُرْآنِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، قَرَنَ بَيْنَهُما فِيها، هَذا أحَدُها.

الثّانِي: قَوْلُ شُعَيْبٍ ﴿وَما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].

الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤].

الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٨].

السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠].

فَهَذِهِ سِتَّةُ مَواضِعَ يُجْمَعُ فِيها بَيْنَ الأصْلَيْنِ، وهُما " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".

وَتَقْدِيمُ " العِبادَةِ " عَلى " الِاسْتِعانَةِ " في الفاتِحَةِ مِن بابِ تَقْدِيمِ الغاياتِ عَلى الوَسائِلِ، إذِ " العِبادَةُ " غايَةُ العِبادِ الَّتِي خُلِقُوا لَها، و" الِاسْتِعانَةُ " وسِيلَةٌ إلَيْها، ولِأنَّ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ واسْمِهِ " اللَّهِ " " ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ واسْمِهِ " الرَّبِّ " فَقَدَّمَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " عَلى " إيّاكَ نَسْتَعِينُ " كَما قَدَّمَ اسْمَ " اللَّهِ " عَلى " الرَّبِّ " في أوَّلِ السُورَةِ، ولِأنَّ " إيّاكَ نَعْبُدُ " قَسْمُ " الرَّبِّ "، فَكانَ مِنَ الشَّطْرِ الأوَّلِ، الَّذِي هو ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، لِكَوْنِهِ أوْلى بِهِ، و" إيّاكَ نَسْتَعِينُ " قَسْمُ العَبْدِ، فَكانَ مِنَ الشَّطْرِ الَّذِي لَهُ، وهو " ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " إلى آخِرِ السُّورَةِ.

وَلِأنَّ " العِبادَةَ " المُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ " الِاسْتِعانَةُ " مِن غَيْرِ عَكْسٍ، فَكُلُّ عابِدٍ لِلَّهِ عُبُودِيَّةً تامَّةً مُسْتَعِينٌ بِهِ ولا يَنْعَكِسُ، لِأنَّ صاحِبَ الأغْراضِ والشَّهَواتِ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى شَهَواتِهِ، فَكانَتِ العِبادَةُ أكْمَلَ وأتَمَّ، ولِهَذا كانَتْ قَسْمَ الرَّبِّ.

وَلِأنَّ " الِاسْتِعانَةَ " جُزْءٌ مِنِ " العِبادَةِ " مِن غَيْرٍ عَكْسٍ، ولِأنَّ " الِاسْتِعانَةَ " طَلَبٌ مِنهُ، و" العِبادَةَ " طَلَبٌ لَهُ.

وَلِأنَّ " العِبادَةَ " لا تَكُونُ إلّا مِن مُخْلِصٍ، و" الِاسْتِعانَةَ " تَكُونُ مِن مُخْلِصٍ ومِن غَيْرِ مُخْلِصٍ.

وَلِأنَّ " العِبادَةَ " حَقُّهُ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكَ، و" الِاسْتِعانَةُ " طَلَبُ العَوْنِ عَلى " العِبادَةِ "، وهو بَيانُ صَدَقَتِهِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِها عَلَيْكَ، وأداءُ حَقِّهِ أهَمُّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِصَدَقَتِهِ.

وَلِأنَّ " العِبادَةَ " شُكْرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، واللَّهُ يُحِبُّ أنْ يَشْكُرَ، والإعانَةُ فِعْلُهُ بِكَ وتَوْفِيقُهُ لَكَ، فَإذا التَزَمْتَ عُبُودِيَّتَهُ، ودَخَلْتَ تَحْتَ رِقِّها أعانَكَ عَلَيْها، فَكانَ التِزامُها والدُّخُولُ تَحْتَ رِقِّها سَبَبًا لِنَيْلِ الإعانَةِ، وكُلَّما كانَ العَبْدُ أتَمَّ عُبُودِيَّةً كانَتِ الإعانَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُ أعْظَمَ.

والعُبُودِيَّةُ مَحْفُوفَةٌ بِإعانَتَيْنِ: إعانَةٍ قَبْلَها عَلى التِزامِها والقِيامِ بِها، وإعانَةٍ بَعْدَها عَلى عُبُودِيَّةٍ أُخْرى، وهَكَذا أبَدًا، حَتّى يَقْضِيَ العَبْدُ نَحْبَهُ.

وَلِأنَّ " إيّاكَ نَعْبُدُ " لَهُ، و" إيّاكَ نَسْتَعِينُ " بِهِ، وما لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى ما بِهِ، لِأنَّ ما لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحَبَّتِهِ ورِضاهُ، وما بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، وما تَعَلَّقَ بِمَحَبَّتِهِ أكْمَلُ مِمّا تَعَلَّقَ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ، فَإنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، والمَلائِكَةُ والشَّياطِينُ والمُؤْمِنُونَ والكُفّارُ، والطّاعاتُ والمَعاصِي، والمُتَعَلِّقُ بِمَحَبَّتِهِ: طاعَتُهم وإيمانُهُمْ، فالكُفّارُ أهْلُ مَشِيئَتِهِ، والمُؤْمِنُونَ أهْلُ مَحَبَّتِهِ، ولِهَذا لا يَسْتَقِرُّ في النّارِ شَيْءٌ لِلَّهِ أبَدًا، وكُلُّ ما فِيها فَإنَّهُ بِهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ.

فَهَذِهِ الأسْرارُ يَتَبَيَّنُ بِها حِكْمَةُ تَقْدِيمِ " إيّاكَ نَعْبُدُ " عَلى " إيّاكَ نَسْتَعِينُ ".

وَأمّا تَقْدِيمُ المَعْبُودِ والمُسْتَعانِ عَلى الفِعْلَيْنِ، فَفِيهِ: أدَبُهم مَعَ اللَّهِ بِتَقْدِيمِ اسْمِهِ عَلى فِعْلِهِمْ، وفِيهِ الِاهْتِمامُ وشِدَّةُ العِنايَةِ بِهِ، وفِيهِ الإيذانُ بِالِاخْتِصاصِ، المُسَمّى بِالحَصْرِ، فَهو في قُوَّةٍ: لا نَعْبُدُ إلّا إيّاكَ، ولا نَسْتَعِينُ إلّا بِكَ، والحاكِمُ في ذَلِكَ ذَوْقُ العَرَبِيَّةِ والفِقْهُ فِيها، واسْتِقْراءُ مَوارِدِ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ مُقَدَّمًا، وسِيبَوَيْهِ نَصَّ عَلى الِاهْتِمامِ، ولَمْ يَنْفِ غَيْرَهُ.

وَلِأنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ القائِلِ أنْ يُعْتِقَ عَشَرَةَ أعْبُدٍ مَثَلًا، ثُمَّ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: إيّاكَ أعْتَقْتُ، ومَن سَمِعَهُ أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وقالَ: وغَيْرَهُ أيْضًا أعْتَقْتَ، ولَوْلا فَهْمُ الِاخْتِصاصِ لَما قُبِّحَ هَذا الكَلامُ، ولا حَسُنَ إنْكارُهُ.

وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿وَإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] كَيْفَ تَجِدُهُ في قُوَّةِ: لا تَرْهَبُوا غَيْرِي، ولا تَتَّقُوا سِوايَ، وكَذَلِكَ " إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ " هو في قُوَّةِ: لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، ولا نَسْتَعِينُ بِسِواكَ، وكُلُّ ذِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ يَفْهَمُ هَذا الِاخْتِصاصَ مِن عِلَّةِ السِّياقِ.

وَلا عِبْرَةَ بِجَدَلِ مَن قَلَّ فَهْمُهُ، وفُتِحَ عَلَيْهِ بابُ الشَّكِّ والتَّشْكِيكِ، فَهَؤُلاءِ هم آفَةُ العُلُومِ، وبَلِيَّةُ الأذْهانِ والفُهُومِ، مَعَ أنَّ في ضَمِيرِ " إيّاكَ " مِنَ الإشارَةِ إلى نَفْسِ الذّاتِ والحَقِيقَةِ ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، فَفِي: إيّاكَ قَصَدْتُ وأحْبَبْتُ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى مَعْنى حَقِيقَتِكَ وذاتِكَ قَصْدِي، ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: قَصَدْتُكَ وأحْبَبْتُكَ، وإيّاكَ أعْنِي فِيهِ مَعْنى: نَفْسَكَ وذاتَكَ وحَقِيقَتَكَ أعْنِي.

وَمِن هاهُنا قالَ مَن قالَ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ " إيّا " اسْمٌ ظاهِرٌ مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، ولَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بِرَدٍّ شافٍ.

وَلَوْلا أنّا في شَأْنٍ وراءَ هَذا لَأشْبَعْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وذَكَرْنا مَذاهِبَ النُّحاةِ فِيها، ونَصَرْنا الرّاجِحَ، ولَعَلَّنا أنْ نَعْطِفَ عَلى ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ.

وَفِي إعادَةِ " إيّاكَ " مَرَّةً أُخْرى دَلالَةٌ عَلى تَعَلُّقِ هَذِهِ الأُمُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ، فَفي إعادَةِ الضَّمِيرِ مِن قُوَّةِ الِاقْتِضاءِ لِذَلِكَ ما لَيْسَ في حَذْفِهِ، فَإذا قُلْتَ لِمَلِكٍ مَثَلًا: إيّاكَ أُحِبُّ، وإيّاكَ أخافُ، كانَ فِيهِ مِنَ اخْتِصاصِ الحُبِّ والخَوْفِ بِذاتِهِ والِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ، ما لَيْسَ في قَوْلِكِ: إيّاكَ أُحِبُّ وأخافُ.

[فَصْلٌ: أقْسامُ النّاسِ في العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ]

إذا عَرَفْتَ هَذا، فالنّاسُ في هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وهُما العِبادَةُ والِاسْتِعانَةُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ:

أجَلُّها وأفْضَلُها: أهْلُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ بِالَلَّهِ عَلَيْها، فَعِبادَةُ اللَّهِ غايَةُ مُرادِهِمْ، وطَلَبُهم مِنهُ أنْ يُعِينَهم عَلَيْها، ويُوَفِّقَهم لِلْقِيامِ بِها، ولِهَذا كانَ مِن أفْضَلِ ما يُسْألُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى الإعانَةُ عَلى مَرْضاتِهِ، وهو الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِحِبِّهِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ «يا مُعاذُ، واللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلا تَنْسَ أنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ».

فَأنْفَعُ الدُّعاءِ طَلَبُ العَوْنِ عَلى مَرْضاتِهِ، وأفْضَلُ المَواهِبِ إسْعافُهُ بِهَذا المَطْلُوبِ، وجَمِيعُ الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ مَدارُها عَلى هَذا، وعَلى دَفْعِ ما يُضادُّهُ، وعَلى تَكْمِيلِهِ وتَيْسِيرِ أسْبابِهِ، فَتَأمَّلْها.

وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: تَأمَّلْتُ أنْفَعَ الدُّعاءِ فَإذا هو سُؤالُ العَوْنِ عَلى مَرْضاتِهِ، ثُمَّ رَأيْتُهُ في الفاتِحَةِ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].

وَمُقابِلُ هَؤُلاءِ القِسْمُ الثّانِي، وهُمُ المُعْرِضُونَ عَنْ عِبادَتِهِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ، فَلا عِبادَةَ ولا اسْتِعانَةَ، بَلْ إنْ سَألَهُ أحَدُهم واسْتَعانَ بِهِ فَعَلى حُظُوظِهِ وشَهَواتِهِ، لا عَلى مَرْضاةِ رَبِّهِ وحُقُوقِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ يَسْألُهُ أوْلِياؤُهُ وأعْداؤُهُ ويَمُدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، وأبْغَضُ خَلْقِهِ عَدُّوُهُ إبْلِيسُ ومَعَ هَذا فَقَدَ سَألَهُ حاجَةً فَأعْطاهُ إيّاها، ومَتَّعَهُ بِها، ولَكِنْ لَمّا لَمْ تَكُنْ عَوْنًا لَهُ عَلى مَرْضاتِهِ، كانَتْ زِيادَةً لَهُ في شِقْوَتِهِ، وبُعْدِهِ عَنِ اللَّهِ وطَرْدِهِ عَنْهُ، وهَكَذا كُلُّ مَنِ اسْتَعانَ بِهِ عَلى أمْرٍ وسَألَهُ إيّاهُ، ولَمْ يَكُنْ عَوْنًا عَلى طاعَتِهِ كانَ مُبْعِدًا لَهُ عَنْ مَرْضاتِهِ، قاطِعًا لَهُ عَنْهُ ولا بُدَّ.

وَلْيَتَأمَّلِ العاقِلُ هَذا في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، ولْيَعْلَمْ أنَّ إجابَةَ اللَّهِ لِسائِلِيهِ لَيْسَتْ لِكَرامَةِ السّائِلِ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْألُهُ عَبْدُهُ الحاجَةَ فَيَقْضِيها لَهُ، وفِيها هَلاكُهُ وشِقْوَتُهُ، ويَكُونُ قَضاؤُهُ لَهُ مِن هَوانِهِ عَلَيْهِ، وسُقُوطِهِ مِن عَيْنِهِ، ويَكُونُ مَنعُهُ مِنها لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ ومَحَبَّتِهِ لَهُ، فَيَمْنَعُهُ حِمايَةً وصِيانَةً وحِفْظًا لا بُخْلًا، وهَذا إنَّما يَفْعَلُهُ بِعَبْدِهِ الَّذِي يُرِيدُ كَرامَتَهُ ومَحَبَّتَهُ، ويُعامِلُهُ بِلُطْفِهِ، فَيَظُنُّ بِجَهْلِهِ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهُ ولا يُكْرِمُهُ، ويَراهُ يَقْضِي حَوائِجَ غَيْرِهِ، فَيُسِيءُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، وهَذا حَشْوُ قَلْبِهِ ولا يَشْعُرُ بِهِ، والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، والإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وعَلامَةُ هَذا حَمْلُهُ عَلى الأقْدارِ وعِتابُهُ الباطِنُ لَها، كَما قِيلَ:

؎وَعاجِزُ الرَّأْيِ مِضْياعٌ لِفُرْصَتِهِ ∗∗∗ حَتّى إذا فاتَ أمْرٌ عاتَبَ القَدَرا

فَواللَّهِ لَوْ كَشَفَ عَنْ حاصِلِهِ وسِرِّهِ لَرَأى هُناكَ مُعاتَبَةَ القَدَرِ واتِّهامَهُ، وأنَّهُ قَدْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا وكَذا، ولَكِنْ ما حِيلَتِي، والأمْرُ لَيْسَ إلَيَّ؟ والعاقِلُ خَصْمُ نَفْسِهِ، والجاهِلُ خَصْمُ أقْدارِ رَبِّهِ.

فاحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ أنْ تَسْألَهُ شَيْئًا مُعَيَّنًا خِيرَتُهُ وعاقِبَتُهُ مُغَيَّبَةٌ عَنْكَ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِن سُؤالِهِ بُدًّا، فَعَلِّقْهُ عَلى شَرْطِ عِلْمِهِ تَعالى فِيهِ الخِيَرَةَ، وقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ سُؤالِكَ الِاسْتِخارَةَ، ولا تَكُنِ اسْتِخارَةٌ بِاللِّسانِ بِلا مَعْرِفَةٍ، بَلِ اسْتِخارَةُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِمَصالِحِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْها، ولا اهْتِداءَ لَهُ إلى تَفاصِيلِها، ولا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضُرًّا ولا نَفْعًا، بَلْ إنْ وُكِّلَّ إلى نَفْسِهِ هَلَكَ كُلَّ الهَلاكِ، وانْفَرَطَ عَلَيْهِ أمْرُهُ.

وَإذا أعْطاكَ ما أعْطاكَ بِلا سُؤالٍ تَسْألُهُ أنْ يَجْعَلَهُ عَوْنًا لَكَ عَلى طاعَتِهِ وبَلاغًا إلى مَرْضاتِهِ، ولا يَجْعَلَهُ قاطِعًا لَكَ عَنْهُ، ولا مُبْعِدًا عَنْ مَرْضاتِهِ، ولا تَظُنُّ أنَّ عَطاءَهُ كُلَّ ما أعْطى لِكَرامَةِ عَبْدِهِ عَلَيْهِ، ولا مَنعَهُ كُلَّ ما يَمْنَعُهُ لِهَوانِ عَبْدِهِ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ عَطاءَهُ ومَنعَهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، يَمْتَحِنُ بِهِما عِبادَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ - كَلّا﴾ [الفجر: ١٥-١٧] أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن أعْطَيْتُهُ ونَعَّمْتُهُ وخَوَّلْتُهُ فَقَدْ أكْرَمْتُهُ، وما ذاكَ لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ مِنِّي، وامْتِحانٌ لَهُ أيَشْكُرُنِي فَأُعْطِيَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، أمْ يَكْفُرُنِي فَأسْلُبَهُ إيّاهُ، وأُخَوِّلَ فِيهِ غَيْرَهُ؟ ولَيْسَ كُلُّ مَنِ ابْتَلَيْتُهُ فَضَيَّقْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وجَعَلْتُهُ بِقَدَرٍ لا يُفَضَّلُ عَنْهُ، فَذَلِكَ مِن هَوانِهِ عَلَيَّ، ولَكِنَّهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ مِنِّي لَهُ أيَصْبِرُ فَأُعْطِيَهُ أضْعافَ أضْعافِ ما فاتَهُ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ، أمْ يَتَسَخَّطُ فَيَكُونَ حَظُّهُ السُّخْطَ؟

فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى مَن ظَنَّ أنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ إكْرامٌ، وأنَّ الفَقْرَ إهانَةٌ، فَقالَ: لَمْ أبْتَلِ عَبْدِي بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ، ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ، فَأخْبَرَ أنَّ الإكْرامَ والإهانَةَ لا يَدُورانِ عَلى المالِ وسَعَةِ الرِّزْقِ وتَقْدِيرِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُوَسِّعُ عَلى الكافِرِ لا لِكَرامَتِهِ، ويُقَتِّرُ عَلى المُؤْمِنِ لا لِإهانَتِهِ، إنَّما يُكْرِمُ مَن يُكْرِمُهُ بِمَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، ويُهِينُ مَن يُهِينُهُ بِالإعْراضِ عَنْهُ ومَعْصِيَتِهِ، فَلَهُ الحَمْدُ عَلى هَذا وعَلى هَذا، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ.

فَعادَتْ سَعادَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].

القِسْمُ الثّالِثُ: مَن لَهُ نَوْعُ عِبادَةٍ بِلا اسْتِعانَةٍ، وهَؤُلاءِ نَوْعانِ:

أحَدُهُما: القَدَرِيَّةُ القائِلُونَ بِأنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِالعَبْدِ جَمِيعَ مَقْدُورِهِ مِنَ الألْطافِ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في مَقْدُورِهِ إعانَةٌ لَهُ عَلى الفِعْلِ، فَإنَّهُ قَدْ أعانَهُ بِخَلْقِ الآلاتِ وسَلامَتِها، وتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وتَمْكِينِهِ مِنَ الفِعْلِ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا إعانَةٌ مَقْدُورَةٌ يَسْألُهُ إيّاها، بَلْ قَدْ ساوى بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ في الإعانَةِ، فَأعانَ هَؤُلاءِ كَما أعانَ هَؤُلاءِ، ولَكِنَّ أوْلِياءَهُ اخْتارُوا لِنُفُوسِهِمُ الإيمانَ، وأعْداءَهُ اخْتارُوا لِنُفُوسِهِمُ الكُفْرَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وفَّقَ هَؤُلاءِ بِتَوْفِيقٍ زائِدٍ أوْجَبَ لَهُمُ الإيمانَ، وخَذَلَ هَؤُلاءِ بِأمْرٍ آخَرَ أوْجَبَ لَهُمُ الكُفْرَ، فَهَؤُلاءِ لَهم نَصِيبٌ مَنقُوصٌ مِنَ العِبادَةِ، لا اسْتِعانَةَ مَعَهُ، فَهم مَوْكُولُونَ إلى أنْفُسِهِمْ، مَسْدُودٌ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الِاسْتِعانَةِ والتَّوْحِيدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الإيمانُ بِالقَدَرِ نِظامُ التَّوْحِيدِ، فَمَن آمَنَ بِاللَّهِ وكَذَّبَ بِقَدَرِهِ نَقَضَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ.

النَّوْعُ الثّانِي: مَن لَهم عِباداتٌ وأوْرادٌ، ولَكِنَّ حَظَّهم ناقِصٌ مِنَ التَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ، لَمْ تَتَّسِعْ قُلُوبُهم لِارْتِباطِ الأسْبابِ بِالقَدَرِ، وتَلاشِيها في ضِمْنِهِ، وقِيامِها بِهِ، وأنَّها بِدُونِ القَدَرِ كالمَواتِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ لَهُ، بَلْ كالعَدَمِ الَّذِي لا وُجُودَ لَهُ، وأنَّ القَدَرَ كالرُّوحِ المُحَرِّكِ لَها، والمُعَوَّلُ عَلى المُحَرِّكِ الأوَّلِ.

فَلَمْ تَنْفُذْ قُوى بَصائِرِهِمْ مِنَ المُتَحَرِّكِ إلى المُحَرِّكِ، ومِنَ السَّبَبِ إلى المُسَبَّبِ، ومِنَ الآلَةِ إلى الفاعِلِ، فَضَعُفَتْ عَزائِمُهم وقَصُرَتْ هِمَمُهُمْ، فَقَلَّ نَصِيبُهم مِن " ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " ولَمْ يَجِدُوا ذَوْقَ التَّعَبُّدِ بِالتَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ، وإنْ وجَدُوا ذَوْقَهُ بِالأوْرادِ والوَظائِفِ.

فَهَؤُلاءِ لَهم نَصِيبٌ مِنَ التَّوْفِيقِ والنُّفُوذِ والتَّأْثِيرِ، بِحَسَبِ اسْتِعانَتِهِمْ وتَوَكُّلِهِمْ، ولَهم مِنَ الخُذْلانِ والضَّعْفِ والمَهانَةِ والعَجْزِ بِحَسَبِ قِلَّةِ اسْتِعانَتِهِمْ وتَوَكُّلِهِمْ، ولَوْ تَوَكَّلَ العَبْدُ عَلى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ في إزالَةِ جَبَلٍ عَنْ مَكانِهِ وكانَ مَأْمُورًا بِإزالَتِهِ لَأزالَهُ.

فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى التَّوَكُّلِ والِاسْتِعانَةِ؟

قُلْتُ: هو حالٌ لِلْقَلْبِ يَنْشَأُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، والإيمانِ بِتَفَرُّدِهِ بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ والضُّرِّ والنَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ وإنْ لَمْ يَشَأِ النّاسُ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وإنْ شاءَهُ النّاسُ، فَيُوجِبُ لَهُ هَذا اعْتِمادًا عَلَيْهِ، وتَفْوِيضًا إلَيْهِ، وطُمَأْنِينَةً بِهِ، وثِقَةً بِهِ، ويَقِينًا بِكِفايَتِهِ لِما تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ، وأنَّهُ مَلِيٌّ بِهِ، ولا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، شاءَهُ النّاسُ أمْ أبَوْهُ.

فَتُشْبِهُ حالَتُهُ حالَةَ الطِّفْلِ مَعَ أبَوَيْهِ فِيما يَنْوِيهِ مِن رَغْبَةٍ ورَهْبَةٍ هُما مَلِيّانِ بِهِما، فانْظُرْ في تَجَرُّدِ قَلْبِهِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ أبَوَيْهِ، وحَبْسِ هَمِّهِ عَلى إنْزالِ ما يَنْوِيهِ بِهِما، فَهَذِهِ حالُ المُتَوَكِّلِ، ومَن كانَ هَكَذا مَعَ اللَّهِ فاللَّهُ كافِيهِ ولا بُدَّ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أيْ كافِيهِ، والحَسْبُ الكافِي، فَإنْ كانَ مَعَ هَذا مِن أهْلِ التَّقْوى كانَتْ لَهُ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ التَّقْوى فَهو.

القِسْمُ الرّابِعُ: وهو مَن شَهِدَ تَفَرُّدَ اللَّهِ بِالنَّفْعِ والضُّرِّ، وأنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولَمْ يَدْرِ مَعَ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، فَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، واسْتَعانَ بِهِ عَلى حُظُوظِهِ وشَهَواتِهِ وأغْراضِهِ، وطَلَبَها مِنهُ، وأنْزَلَها بِهِ، فَقُضِيَتْ لَهُ، وأُسْعِفَ بِها، سَواءٌ كانَتْ أمْوالًا أوْ رِياسَةً أوْ جاهًا عِنْدَ الخَلْقِ، أوْ أحْوالًا مِن كَشْفٍ وتَأْثِيرٍ وقُوَّةٍ وتَمْكِينٍ، ولَكِنْ لا عاقِبَةَ لَهُ، فَإنَّها مِن جِنْسِ المُلْكِ الظّاهِرِ، والأمْوالُ لا تَسْتَلْزِمُ الإسْلامَ، فَضْلًا عَنِ الوِلايَةِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ المُلْكَ والجاهَ والمالَ والحالَ مُعْطاةٌ لِلْبَرِّ والفاجِرِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِمَن آتاهُ إيّاهُ ورِضاهُ عَنْهُ، وأنَّهُ مِن أوْلِيائِهِ المُقَرَّبِينَ، فَهو مِن أجْهَلِ الجاهِلِينَ، وأبْعَدِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ دِينِهِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، ويَكْرَهُهُ ويُسْخِطُهُ، فالحالُ مِنَ الدُّنْيا، فَهو كالمُلْكِ والمالِ إنْ أعانَ صاحِبَهُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ، وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ ألْحَقَهُ بِالمُلُوكِ العادِلِينَ البَرَرَةِ، وإلّا فَهو وبالٌ عَلى صاحِبِهِ، ومُبْعِدٌ لَهُ عَنِ اللَّهِ، ومُلْحِقٌ لَهُ بِالمُلُوكِ الظَّلَمَةِ، والأغْنِياءِ الفَجَرَةِ.

[فَصْلٌ: لا يَكُونُ العَبْدُ مُتَحَقِّقًا بِـ (إيّاكَ نَعْبُدُ) إلّا بِمُتابَعَةِ الرَّسُولِ والإخْلاصِ وأقْسامُ النّاسِ في ذَلِكَ]

إذا عُرِفَ هَذا فَلا يَكُونُ العَبْدُ مُتَحَقِّقًا بِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " إلّا بِأصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ:

أحَدُهُما: مُتابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском