Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Fatihah 1:5, continued
وَكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المُنْحَرِفَتَيْنِ تَرَكَتْ نَوْعًا مِنَ الحَقِّ، وارْتَكَبَتْ لِأجْلِهِ نَوْعًا مِنَ الباطِلِ، بَلْ أنْواعًا، وهَدى اللَّهُ أهْلَ السُّنَّةِ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
[الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ فائِدَةَ العِبادَةِ رِياضَةُ النُّفُوسِ]
الصِّنْفُ الثّالِثُ: الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ فائِدَةَ العِبادَةِ رِياضَةُ النُّفُوسِ، واسْتِعْدادُها لِفَيْضِ العُلُومِ عَلَيْها، وخُرُوجِ قُواها عَنْ قُوى النُّفُوسِ السَبُعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ، فَلَوْ عُطِّلَتْ عَنِ العِباداتِ لَكانَتْ مِن جِنْسِ نُفُوسِ السِّباعِ والبَهائِمِ، والعِباداتُ تُخْرِجُها عَنْ مَأْلُوفاتِها وعَوائِدِها، وتَنْقِلُها إلى مُشابَهَةِ العُقُولِ المُجَرَّدَةِ، فَتَصِيرُ عالِمَةً قابِلَةً لِانْتِقاشِ صُوَرِ العُلُومِ والمَعارِفِ فِيها، وهَذا يَقُولُهُ طائِفَتانِ:
إحْداهُما: مَن يَقْرُبُ إلى النُّبُوّاتِ والشَّرائِعِ مِنَ الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِقِدَمِ العالَمِ، وعَدَمِ انْشِقاقِ الأفْلاكِ، وعَدَمِ الفاعِلِ المُخْتارِ.
الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: مَن تَفَلْسَفَتْ مِن صُوفِيَّةِ الإسْلامِ، وتَقَرَّبَ إلى الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ العِباداتِ رِياضاتٌ لِاسْتِعْدادِ النُّفُوسِ وتَجَرُّدِها، ومُفارَقَتِها العالَمَ الحِسِّيَّ، ونُزُولِ الوارِداتِ والمَعارِفِ عَلَيْها.
ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن لا يُوجِبُ العِباداتِ إلّا لِهَذا المَعْنى، فَإذا حَصَلَ لَها بَقِيَ مُخَيَّرًا في حِفْظِهِ أوْ رَدِّهِ، أوِ الِاشْتِغالِ بِالوارِدِ عَنْها، ومِنهم مَن يُوجِبُ القِيامَ بِالأوْرادِ والوَظائِفِ، وعَدَمِ الإخْلالِ بِها، وهم صِنْفانِ أيْضًا:
أحَدُهُما: مَن يُوجِبُونَهُ حِفْظًا لِلْقانُونِ، وضَبْطًا لِلنُّفُوسِ.
والآخَرُونَ: الَّذِينَ يُوجِبُونَهُ حِفْظًا لِلْوارِدِ، وخَوْفًا مَن تَدْرُجِ النَّفْسِ بِمُفارَقَتِها لَهُ إلى حالَتِها الأُولى مِنَ البَهِيمِيَّةِ.
فَهَذِهِ نِهايَةُ أقْدامِ المُتَكَلِّمِينَ عَلى طَرِيقِ السُّلُوكِ، وغايَةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِحُكْمِ العِبادَةِ وما شُرِعَتْ لِأجْلِهِ، ولا تَكادُ تَجِدُ في كُتُبِ القَوْمِ غَيْر هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ، عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ، أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ.
[الطّائِفَةُ المُحَمَّدِيَّةُ الإبْراهِيمِيَّةُ]
وَأمّا الصِّنْفُ الرّابِعُ: فَهُمُ الطّائِفَةُ المُحَمَّدِيَّةُ الإبْراهِيمِيَّةُ، أتْباعُ الخَلِيلَيْنِ، العارِفُونَ بِاللَّهِ وحِكْمَتِهِ في أمْرِهِ وشَرْعِهِ وخَلْقِهِ، وأهْلُ البَصائِرِ في عِبادَتِهِ، ومُرادِهِ بِها.
فالطَّوائِفُ الثَّلاثُ مَحْجُوبُونَ عَنْهم بِما عِنْدَهم مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ، والقَواعِدِ الفاسِدَةِ، ما عِنْدَهم وراءَ ذَلِكَ شَيْءٌ، قَدْ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، وقَنَعُوا بِما ألِفُوهُ مِنَ الخَيالِ، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ وراءَهُ ما هو أجَّلُ مِنهُ وأعْظَمُ لَما ارْتَضَوْا بِدُونِهِ، ولَكِنَّ عُقُولَهم قَصُرَتْ عَنْهُ، ولَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِهِ، لِيَجْتَهِدُوا في طَلَبِهِ، ورَأوْا أنَّ ما مَعَهم خَيْرٌ مِنَ الجَهْلِ، ورَأوْا تَناقُضَ ما مَعَ غَيْرِهِمْ وفَسادَهُ.
فَتَرَكَّبَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ إيثارُ ما عِنْدَهم عَلى ما سِواهُ، وهَذِهِ بَلِيَّةُ الطَّوائِفِ، والمُعافى مَن عافاهُ اللَّهُ.
[فَصْلٌ: سِرُّ العُبُودِيَّةِ وغايَتُها وحِكْمَتُها]
فاعْلَمْ أنَّ سِرَّ العُبُودِيَّةِ، وغايَتَها وحِكْمَتَها إنَّما يَطَّلِعُ عَلَيْها مَن عَرَفَ صِفاتِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يُعَطِّلْها، وعَرَفَ مَعْنى الإلَهِيَّةِ وحَقِيقَتَها، ومَعْنى كَوْنِهِ إلَهًا، بَلْ هو الإلَهُ الحَقُّ، وكُلُّ إلَهٍ سِواهُ فَباطِلٌ، بَلْ أبْطَلُ الباطِلِ، وأنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ لا تَنْبَغِي إلّا لَهُ، وأنَّ العِبادَةَ مُوجَبُ إلَهِيَّتِهِ وأثَرُها ومُقْتَضاها، وارْتِباطُها بِها كارْتِباطِ مُتَعَلِّقِ الصِّفاتِ بِالصِّفاتِ، وكارْتِباطِ المَعْلُومِ بِالعِلْمِ، والمَقْدُورِ بِالقُدْرَةِ، والأصْواتِ بِالسَمْعِ، والإحْسانِ بِالرَحْمَةِ، والعَطاءِ بِالجُودِ.
فَمَن أنْكَرَ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ ولَمْ يَعْرِفْها كَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ العِباداتِ وغاياتِها ومَقاصِدِها وما شُرِعَتْ لِأجْلِهِ؟ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ العِلْمُ بِأنَّها هي الغايَةُ المَقْصُودَةُ بِالخَلْقِ، والَّتِي لَها خُلِقُوا، ولَها أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ، وأُنْزِلَتِ الكُتُبُ، ولِأجْلِها خُلِقَتِ الجَنَّةُ والنارُ؟ وأنَّ فَرْضَ تَعْطِيلِ الخَلِيقَةِ عَنْها نِسْبَةٌ لِلَّهِ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، ويَتَعالى عَنْهُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، ولَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا، ولَمْ يَخْلُقِ الإنْسانَ عَبَثًا ولَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى مُهْمَلًا، قالَ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ ولا حِكْمَةٍ، ولا لِعِبادَتِي ومُجازاتِي لَكُمْ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا في قَوْلِهِ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فالعِبادَةُ هي الغايَةُ الَّتِي خَلَقَ لَها الجِنَّ والإنْسَ والخَلائِقَ كُلَّها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أيْ مُهْمَلًا، قالَ الشّافِعِيُّ: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، وقالَ غَيْرُهُ: لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ، والصَحِيحُ الأمْرانِ، فَإنَّ الثَّوابَ والعِقابَ مُتَرَتِّبانِ عَلى الأمْرِ والنَهْيِ، والأمْرُ والنَهْيُ طَلَبُ العِبادَةِ وإرادَتُها، وحَقِيقَةُ العِبادَةِ امْتِثالُهُما، وقالَ تَعالى ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وقالَ ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] وقالَ ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢].
فَأخْبَرَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ المُتَضَمِّنِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وثَوابَهُ وعِقابَهُ.
فَإذا كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما خُلِقَتْ لِهَذا، وهو غايَةُ الخَلْقِ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهُ لا عِلَّةَ لَهُ، ولا حِكْمَةَ مَقْصُودَةٌ هي غايَتُهُ؟ أوْ إنَّ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ اسْتِئْجارِ العِبادِ حَتّى لا يُنَكَّدَ عَلَيْهِمُ الثَّوابُ بِالمِنَّةِ، أوْ لِمُجَرَّدِ اسْتِعْدادِ النُّفُوسِ لِلْمَعارِفِ العَقْلِيَّةِ، وارْتِياضِها بِمُخالَفَةِ العَوائِدِ؟
فَلْيَتَأمَّلِ اللَّبِيبُ الفُرْقانَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ، وبَيْنَ ما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الوَحْيِ يَجِدْ أنَّ أصْحابَ هَذِهِ الأقْوالِ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ.
فاللَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ، الجامِعَةِ لِكَمالِ مَحَبَّتِهِ، مَعَ الخُضُوعِ لَهُ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ.
فَأصْلُ العِبادَةِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ، بَلْ إفْرادُهُ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ يَكُونَ الحُبُّ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَلا يُحِبُّ مَعَهُ سِواهُ، وإنَّما يُحِبُّ لِأجْلِهِ وفِيهِ، كَما يُحِبُّ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ ومَلائِكَتَهُ وأوْلِياءَهُ، فَمَحَبَّتُنا لَهم مِن تَمامِ مَحَبَّتِهِ، ولَيْسَتْ مَحَبَّةً مَعَهُ، كَمَحَبَّةِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّهِ.
وَإذا كانَتِ المَحَبَّةُ لَهُ هي حَقِيقَةَ عُبُودِيَّتِهِ وسِرَّها، فَهي إنَّما تَتَحَقَّقُ بِاتِّباعِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، فَعِنْدَ اتِّباعِ الأمْرِ واجْتِنابِ النَّهْيِ تَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ، ولِهَذا جَعَلَ تَعالى اتِّباعَ رَسُولِهِ عَلَمًا عَلَيْها، وشاهِدًا لِمَنِ ادَّعاها، فَقالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَجَعَلَ اتِّباعَ رَسُولِهِ مَشْرُوطًا بِمَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وشَرْطًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، ووُجُودُ المَشْرُوطِ مُمْتَنِعٌ بِدُونِ وُجُودِ شَرْطِهِ وتَحَقُّقُهُ بِتَحَقُّقِهِ فَعُلِمَ انْتِفاءُ المَحَبَّةِ عِنْدَ انْتِفاءِ المُتابَعَةِ، فانْتِفاءُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ لازِمٌ لِانْتِفاءِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ، وانْتِفاءُ المُتابَعَةِ مَلْزُومٌ لِانْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، فَيَسْتَحِيلُ إذًا ثُبُوتُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وثُبُوتُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهم بِدُونِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ.
وَدَلَّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ ﷺ هي حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وطاعَةُ أمْرِهِ، ولا يَكْفِي ذَلِكَ في العُبُودِيَّةِ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلى العَبْدِ مِمّا سِواهُما، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَتى كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنهُما فَهَذا هو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِصاحِبِهِ ألْبَتَّةَ، ولا يَهْدِيهِ اللَّهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
فَكُلُّ مَن قَدَّمَ طاعَةَ أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ قَوْلَ أحَدٍ مِنهم عَلى قَوْلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مَرْضاةَ أحَدٍ مِنهم عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ خَوْفَ أحَدٍ مِنهم ورَجاءَهُ والتَوَكُّلَ عَلَيْهِ عَلى خَوْفِ اللَّهِ ورَجائِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْ مُعامَلَةَ أحَدِهِمْ عَلى مُعامَلَةِ اللَّهِ فَهو مِمَّنْ لَيْسَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وإنْ قالَهُ بِلِسانِهِ فَهو كَذِبٌ مِنهُ، وإخْبارٌ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَنَّ قَدَّمَ حُكْمَ أحَدٍ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَذَلِكَ المُقَدَّمُ عِنْدَهُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلى مَن يُقَدِّمُ قَوْلَ أحَدٍ أوْ حُكْمَهُ، أوْ طاعَتَهُ أوْ مَرْضاتَهُ، ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَحْكُمُ ولا يَقُولُ إلّا ما قالَهُ الرَّسُولُ، فَيُطِيعُهُ، ويُحاكِمُ إلَيْهِ، ويَتَلَقّى أقْوالَهُ كَذَلِكَ، فَهَذا مَعْذُورٌ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا إذا قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى الرَّسُولِ، وعَرَفَ أنَّ غَيْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ هو أوْلى بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى الرَّسُولِ ولا إلى مَن هو أوْلى بِهِ، فَهَذا الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ، وهو داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَإنِ اسْتَحَلَّ عُقُوبَةَ مَن خالَفَهُ وأذَلَّهُ، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى اتِّباعِ شَيْخِهِ، فَهو مِنَ الظَّلَمَةِ المُعْتَدِينَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.
[فَصْلٌ: بِناءُ إيّاكَ نَعْبُدُ عَلى أرْبَعِ قَواعِدَ]
وَبَنى " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " عَلى أرْبَعِ قَواعِدَ: التَّحَقُّقُ بِما يُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ويَرْضاهُ، مِن قَوْلِ اللِّسانِ والقَلْبِ، وعَمَلِ القَلْبِ والجَوارِحِ.
فالعُبُودِيَّةُ: اسْمٌ جامِعٌ لِهَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعِ، فَأصْحابُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقًّا هم أصْحابُها.
فَقَوْلُ القَلْبِ: هو اعْتِقادُ ما أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ ومَلائِكَتِهِ ولِقائِهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ.
وَقَوْلُ اللِّسانِ: الإخْبارُ عَنْهُ بِذَلِكَ، والدَعْوَةُ إلَيْهِ، والذَبُّ عَنْهُ، وتَبْيِينُ بُطْلانِ البِدَعِ المُخالِفَةِ لَهُ، والقِيامُ بِذِكْرِهِ، وتَبْلِيغُ أوامِرِهِ.
وَعَمَلُ القَلْبِ: كالمَحَبَّةِ لَهُ، والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والخَوْفِ مِنهُ والرَجاءِ لَهُ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ، والصَبْرِ عَلى أوامِرِهِ، وعَنْ نَواهِيهِ، وعَلى أقْدارِهِ، والرِضى بِهِ وعَنْهُ، والمُوالاةِ فِيهِ، والمُعاداةِ فِيهِ، والذُلِّ لَهُ والخُضُوعِ، والإخْباتِ إلَيْهِ، والطُمَأْنِينَةِ بِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِ القُلُوبِ الَّتِي فَرْضُها أفْرَضُ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، ومُسْتَحِبُّها أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن مُسْتَحِبِّها، وعَمَلُ الجَوارِحِ بِدُونِها إمّا عَدِيمُ المَنفَعَةِ أوْ قَلِيلُ المَنفَعَةِ.
وَأعْمالُ الجَوارِحِ: كالصَلاةِ والجِهادِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجُمْعَةِ والجَماعاتِ، ومُساعَدَةِ العاجِزِ، والإحْسانِ إلى الخَلْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
فَ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " التِزامٌ لِأحْكامِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وإقْرارٌ بِها، " ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " طَلَبٌ لِلْإعانَةِ عَلَيْها والتَّوْفِيقِ لَها، و" ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] " مُتَضَمِّنٌ لِلتَّعْرِيفِ بِالأمْرَيْنِ عَلى التَّفْصِيلِ، وإلْهامِ القِيامِ بِهِما، وسُلُوكِ طَرِيقِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ بِها.
[فَصْلٌ: دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ إلى (إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ)]
وَجَمِيعُ الرُّسُلِ إنَّما دَعَوْا إلى " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " فَإنَّهم كُلَّهم دَعَوْا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وإخْلاصِ عِبادَتِهِ، مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] وكَذَلِكَ قالَ هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقالَ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١-٥٢].
[فَصْلٌ: اللَّهُ تَعالى جَعَلَ العُبُودِيَّةَ وصْفَ أكْمَلِ خَلْقِهِ]
واللَّهُ تَعالى جَعَلَ العُبُودِيَّةَ وصْفَ أكْمَلِ خَلْقِهِ، وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ، فَقالَ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهَذا يُبَيِّنُ أنَّ الوَقْفَ التّامَّ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ١٩] هاهُنا، ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] فَهُما جُمْلَتانِ تامَّتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، أيْ إنَّ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ عَبِيدًا ومِلْكًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً أُخْرى فَقالَ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يَعْنِي لا يَأْنَفُونَ عَنْها، ولا يَتَعاظَمُونَ ولا يَسْتَحْسِرُونَ، فَيَعْيَوْنَ ويَنْقَطِعُونَ يُقالُ: حَسِرَ واسْتَحْسَرَ، إذا تَعِبَ وأعْيا بَلْ عِبادَتُهم وتَسْبِيحُهم كالنَّفَسِ لِبَنِي آدَمَ، فالأوَّلُ وصْفٌ لِعَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ، والثّانِي وصْفٌ لِعَبِيدِ إلَهِيَّتِهِ، وقالَ تَعالى ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقالَ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] وقالَ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ [ص: ١٧] وقالَ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] وقالَ ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] وقالَ عَنْ سُلَيْمانَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] وقالَ عَنِ المَسِيحِ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] فَجَعَلَ غايَتَهُ العُبُودِيَّةَ لا الإلَهِيَّةَ، كَما يَقُولُ أعْداؤُهُ النَّصارى، ووَصَفَ أكْرَمَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وأعْلاهم عِنْدَهُ مَنزِلَةً بِالعُبُودِيَّةِ في أشْرَفِ مَقاماتِهِ، فَقالَ تَعالى ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] وقالَ تَبارَكَ وتَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] وقالَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ، وفي مَقامِ التَّحَدِّي بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وقالَ ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وقالَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] فَذَكَرَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في مَقامِ الإسْراءِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى» المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَإنَّما أنا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وفي الحَدِيثِ «أنا عَبْدٌ، آكُلُ كَما يَأْكُلُ العَبْدُ، وأجْلِسُ كَما يَجْلِسُ العَبْدُ» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُهُ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا صَخّابٍ بِالأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ.
وَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ البِشارَةَ المُطْلَقَةَ لِعِبادِهِ، فَقالَ تَعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وجَعَلَ الأمْنَ المُطْلَقَ لَهُمْ، فَقالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨-٦٩] وعَزَلَ الشَّيْطانَ عَنْ سُلْطانِهِ عَلَيْهِمْ خاصَّةً، وجَعَلَ سُلْطانَهُ عَلى مَن تَوَلّاهُ وأشْرَكَ بِهِ، فَقالَ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]
وَقالَ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩-١٠٠].
وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إحْسانَ العُبُودِيَّةِ أعْلى مَراتِبِ الدِّينِ وهو الإحْسانُ فَقالَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ وقَدْ سَألَهُ عَنِ الإحْسانِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ».
[فَصْلٌ: في لُزُومِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) لِكُلِّ عَبْدٍ إلى المَوْتِ]
قالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وقالَ أهْلُ النّارِ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦] واليَقِينُ هاهُنا هو المَوْتُ بِإجْماعِ أهْلِ التَّفْسِيرِ، وفي الصَّحِيحِ «فِي قِصَّةِ مَوْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ أمّا عُثْمانُ فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ أيِ المَوْتُ وما فِيهِ»، فَلا يَنْفَكُّ العَبْدُ مِنَ العُبُودِيَّةِ ما دامَ في دارِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلَيْهِ في البَرْزَخِ عُبُودِيَّةٌ أُخْرى لَمّا يَسْألُهُ المَلَكانِ مَن كانَ يَعْبُدُ؟ وما يَقُولُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ ويَلْتَمِسانِ مِنهُ الجَوابَ، وعَلَيْهِ عُبُودِيَّةٌ أُخْرى يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ يَدْعُو اللَّهُ الخَلْقَ كُلَّهم إلى السُّجُودِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُونَ، ويَبْقى الكُفّارُ والمُنافِقُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ، فَإذا دَخَلُوا دارَ الثَّوابِ والعِقابِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ هُناكَ، وصارَتْ عُبُودِيَّةُ أهْلِ الثَّوابِ تَسْبِيحًا مَقْرُونًا بِأنْفاسِهِمْ لا يَجِدُونَ لَهُ تَعَبًا ولا نَصْبًا.
وَمَن زَعَمَ أنَّهُ يَصِلُ إلى مَقامٍ يَسْقُطُ عَنْهُ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فَهو زِنْدِيقٌ كافِرٌ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وإنَّما وصَلَ إلى مَقامِ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والِانْسِلاخِ مِن دِينِهِ، بَلْ كُلَّما تَمَكَّنَ العَبْدُ في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ كانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أعْظَمَ، والواجِبُ عَلَيْهِ مِنها أكْبَرَ وأكْثَرَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُ، ولِهَذا كانَ الواجِبُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ عَلى جَمِيعِ الرُّسُلِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى أُمَمِهِمْ، والواجِبُ عَلى أُولِي العَزْمِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُمْ، والواجِبُ عَلى أُولِي العِلْمِ أعْظَمَ مِنَ الواجِبِ عَلى مَن دُونَهُمْ، وكُلُّ أحَدٍ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ.
[فَصْلٌ: في انْقِسامِ العُبُودِيَّةِ إلى عامَّةٍ وخاصَّةٍ]
فالعُبُودِيَّةُ العامَّةُ عُبُودِيَّةُ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كُلِّهِمْ لِلَّهِ، بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، فَهَذِهِ عُبُودِيَّةُ القَهْرِ والمُلْكِ، قالَ تَعالى ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا - تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا - أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا - وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا - إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨-٩٣] فَهَذا يَدْخُلُ فِيهِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم.
وَقالَ تَعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] فَسَمّاهم عِبادَهُ مَعَ ضَلالِهِمْ، لَكِنْ تَسْمِيَةً مُقَيَّدَةً بِالإشارَةِ، وأمّا المُطْلَقَةُ فَلَمْ تَجِئْ إلّا لِأهْلِ النَّوْعِ الثّانِي، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقالَ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] وقالَ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] وقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨] فَهَذا يَتَناوَلُ العُبُودِيَّةَ الخاصَّةَ والعامَّةَ.
وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَعُبُودِيَّةُ الطّاعَةِ والمَحَبَّةِ، واتِّباعِ الأوامِرِ، قالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] وقالَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وقالَ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقالَ تَعالى عَنْ إبْلِيسَ ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] فَقالَ تَعالى عَنْهم ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
فالخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ، وأهْلُ طاعَتِهِ ووِلايَتِهِ هم عَبِيدُ إلَهِيَّتِهِ.
وَلا يَجِيءُ في القُرْآنِ إضافَةُ العِبادِ إلَيْهِ مُطْلَقًا إلّا لِهَؤُلاءِ.
وَأمّا وصْفُ عَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ بِالعُبُودِيَّةِ فَلا يَأْتِي إلّا عَلى أحَدِ خَمْسَةِ أوْجُهٍ: إمّا مُنْكِرًا، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والثّانِي مُعَرَّفًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨].
الثّالِثُ: مُقَيَّدًا بِالإشارَةِ أوْ نَحْوِها، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
الرّابِعُ: أنْ يُذْكَرُوا في عُمُومِ عِبادِهِ، فَيَنْدَرِجُوا مَعَ أهْلِ طاعَتِهِ في الذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ ﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
الخامِسُ: أنْ يُذْكَرُوا مَوْصُوفِينَ بِفِعْلِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
وَقَدْ يُقالُ: إنَّما سَمّاهم عِبادَهُ إذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنابُوا إلَيْهِ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِن عَبِيدِ الإلَهِيَّةِ والطّاعَةِ.
وَإنَّما انْقَسَمَتِ العُبُودِيَّةُ إلى خاصَّةٍ وعامَّةٍ، لِأنَّ أصْلَ مَعْنى اللَّفْظَةِ الذُّلُّ والخُضُوعُ، يُقالُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إذا كانَ مُذَلَّلًا بِوَطْءِ الأقْدامِ، وفُلانٌ عَبَّدَهُ الحُبُّ إذا ذَلَّلَهُ، لَكِنْ أوْلِياؤُهُ خَضَعُوا لَهُ وذَلُّوا طَوْعًا واخْتِيارًا، وانْقِيادًا لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وأعْداؤُهُ خَضَعُوا لَهُ قَهْرًا ورَغْمًا.
وَنَظِيرُ انْقِسامِ العُبُودِيَّةِ إلى خاصَّةٍ وعامَّةٍ انْقِسامُ القُنُوتِ إلى خاصٍّ وعامٍّ، والُسُجُودُ كَذَلِكَ، قالَ تَعالى في القُنُوتِ الخاصِّ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وقالَ في حَقِّ مَرْيَمَ ﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
وَقالَ في القُنُوتِ العامِّ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] أيْ خاضِعُونَ أذِلّاءُ.
وَقالَ في السُّجُودِ الخاصِّ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقالَ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
وَقالَ في السُّجُودِ العامِّ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥].
وَلِهَذا كانَ هَذا السُّجُودُ الكُرْهُ غَيْرَ السُّجُودِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ١٨] فَخَصَّ بِالسُّجُودِ هُنا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ وعَمَّهم بِالسُّجُودِ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٤٩] وهو سُجُودُ الذُّلِّ والقَهْرِ والخُضُوعِ، فَكُلُّ أحَدٍ خاضِعٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، ذَلِيلٌ لِعِزَّتِهِ، مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ تَعالى.
[فَصْلٌ: في مَراتِبِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) عِلْمًا وعَمَلًا]
لِلْعُبُودِيَّةِ مَراتِبُ، بِحَسَبِ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأمّا مَراتِبُها العِلْمِيَّةُ فَمَرْتَبَتانِ:
إحْداهُما: العِلْمُ بِاللَّهِ، والثّانِيَةُ: العِلْمُ بِدِينِهِ.
فَأمّا العِلْمُ بِهِ سُبْحانَهُ، فَخَمْسُ مَراتِبَ: العِلْمُ بِذاتِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وأسْمائِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
والعِلْمُ بِدِينِهِ مَرْتَبَتانِ، إحْداهُما: دِينُهُ الأمْرِيُّ الشَّرْعِيُّ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ المُوصِلُ إلَيْهِ.
والثّانِيَةُ: دِينُهُ الجَزائِيُّ، المُتَضَمِّنُ ثَوابَهُ وعِقابَهُ، وقَدْ دَخَلَ في هَذا العِلْمِ العِلْمُ بِمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ.
وَأمّا مَراتِبُها العِلْمِيَّةُ، فَمَرْتَبَتانِ: مَرْتَبَةٌ لِأصْحابِ اليَمِينِ، ومَرْتَبَةٌ لِلسّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ.
فَأمّا مَرْتَبَةُ أصْحابِ اليَمِينِ: فَأداءُ الواجِباتِ، وتَرْكُ المُحَرَّماتِ، مَعَ ارْتِكابِ المُباحاتِ، وبَعْضِ المَكْرُوهاتِ، وتَرْكِ بَعْضِ المُسْتَحَبّاتِ.
وَأمّا رُتْبَةُ المُقَرَّبِينَ: فالقِيامُ بِالواجِباتِ والمَندُوباتِ، وتَرْكُ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ، زاهِدِينَ فِيما لا يَنْفَعُهم في مَعادِهِمْ، مُتَوَرِّعِينَ عَمّا يَخافُونَ ضَرَرَهُ.
وَخاصَّتُهم قَدِ انْقَلَبَتِ المُباحاتُ في حَقِّهِمْ طاعاتٍ وقُرُباتٍ بِالنِّيَّةِ فَلَيْسَ في حَقِّهِمْ مُباحٌ مُتَساوِي الطَّرَفَيْنِ، بَلْ كُلُّ أعْمالِهِمْ راجِحَةٌ، ومَن دُونَهم يَتْرُكُ المُباحاتِ مُشْتَغِلًا عَنْها بِالعِباداتِ، وهَؤُلاءِ يَأْتُونَها طاعاتٍ وقُرُباتٍ، ولِأهْلِ هاتَيْنِ المَرْتَبَتَيْنِ دَرَجاتٌ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ.
[فَصْلٌ: مَراتِبُ العُبُودِيَّةِ وهي خَمْسَ عَشْرَةَ مَرْتَبَةً]
[عِبادَةُ القَلْبِ]
وَرَحى العُبُودِيَّةِ تَدُورُ عَلى خَمْسَ عَشْرَةَ قاعِدَةً، مَن كَمَّلَها كَمَّلَ مَراتِبَ العُبُودِيَّةِ.
وَبَيانُها أنَّ العُبُودِيَّةَ مُنْقَسِمَةٌ عَلى القَلْبِ، واللِّسانِ، والجَوارِحِ، وعَلى كُلٍّ مِنها عُبُودِيَّةٌ تَخُصُّهُ.
والأحْكامُ الَّتِي لِلْعُبُودِيَّةِ خَمْسَةٌ: واجِبٌ، ومُسْتَحَبٌّ، وحَرامٌ، ومَكْرُوهٌ، ومُباحٌ، وهي لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَلْبِ، واللِّسانِ، والجَوارِحِ.
فَواجِبُ القَلْبِ مِنهُ مُتَّفَقٌ عَلى وُجُوبِهِ، ومُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فالمُتَّفَقُ عَلى وُجُوبِهِ كالإخْلاصِ، والتَّوَكُّلِ، والمَحَبَّةِ، والبِرِّ، والإنابَةِ، والخَوْفِ، والرَّجاءِ، والتَّصْدِيقِ الجازِمِ، والنِّيَّةِ في العِبادَةِ، وهَذِهِ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى الإخْلاصِ، فَإنَّ الإخْلاصَ هو إفْرادُ المَعْبُودِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَنِيَّةُ العِبادَةِ لَها مَرْتَبَتانِ:
إحْداهُما: تَمْيِيزُ العِبادَةِ عَنِ العادَةِ.
والثّانِيَةُ: تَمْيِيزُ مَراتِبِ العِباداتِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ.
والأقْسامُ الثَّلاثَةُ واجِبَةٌ.
وَكَذَلِكَ الصِّدْقُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإخْلاصِ أنَّ لِلْعَبْدِ مَطْلُوبًا وطَلَبًا، فالإخْلاصُ تَوْحِيدُ مَطْلُوبِهِ، والصِّدْقُ تَوْحِيدُ طَلَبِهِ.
فالإخْلاصُ: أنْ لا يَكُونَ المَطْلُوبُ مُنْقَسِمًا، والصِّدْقُ: أنْ لا يَكُونَ الطَّلَبُ مُنْقَسِمًا، فالصِّدْقُ بَذْلُ الجُهْدِ، والإخْلاصُ إفْرادُ المَطْلُوبِ.
واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى وُجُوبِ هَذِهِ الأعْمالِ عَلى القَلْبِ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ.
وَكَذَلِكَ النُّصْحُ في العُبُودِيَّةِ، ومَدارُ الدِّينِ عَلَيْهِ، وهو بَذْلُ الجُهْدِ في إيقاعِ العُبُودِيَّةِ عَلى الوَجْهِ المَحْبُوبِ لِلرَّبِّ المَرْضِيِّ لَهُ، وأصْلُ هَذا واجِبٌ، وكَمالُهُ مَرْتَبَةُ المُقَرَّبِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences