Ibn al-QayyimAl‑Fatihah · 1:6

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Fatihah 1:6

1:6Page 1

ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦

Guide us to the straight path -

ثم تأمَّلَ ضرورته وفاقته إلى قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ الذي مضمونه معرفة الحق وقصده وإرادته والعمل به والثبات عليه والدعوة إليه والصبر على أذى المدعو، فباستكمال هذه المراتب الخمس تستكمل الهداية، وما نقص منها نقص من هدايته.

ولما كان العبد مفتقرًا إلى هذه الهداية في ظاهره وباطنه في جميع ما يأتيه ويذره:

من أمورٍ قد فعلها على غير الهداية علمًا وعملًا وإرادةً، فهو محتاج إلى التوبة منها، وتوبته منها هي الهداية.

وأمور قد هُدي إلى أصلها دون تفصيلها، فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها.

وأمورٍ قد هُدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، ليتمَّ له الهداية ويُزاد هدى إلى هداه.

وأمور يحتاج فيها إلى أن يحصل له من الهداية في مستقبلها مثل ما حصل له في ماضيها.

وأمور يعتقد فيها بخلاف ما هي عليه، فهو محتاج إلى هداية تنسخ من قلبه ذلك الاعتقاد، وتُثبِت فيه ضدَّه.

وأمور من الهداية هو قادر عليها، ولكن لم يخلق له إرادة فعلها، فهو محتاج في تمام الهداية إلى خلق إرادة يفعلها بها.

وأمور منها هو غير قادر على فعلها مع كونه مريدًا، فهو محتاج في هدايته إلى إقداره عليها.

وأمور منها هو غير قادر عليها ولا مريد لها فهو محتاج إلى خلق القدرة والإرادة له لتتم له الهداية.

وأمور هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادًا وإرادة وعملًا، فهو محتاج إلى الثبات عليها واستدامتها.

كانت حاجته إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات، وفاقته إليها أشد الفاقات، فرضَ عليه الرب الرحيم هذا السؤال كل يوم وليلة في أفضل أحواله وهي الصلوات الخمس مراتٍ متعددة، لشدة ضرورته وفاقته إلى هذا المطلوب.

(فصل)

قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده إن شاء أعطاها عبده وإن شاء منعه إياها والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم يجعله الله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي قال سبحانه فيها: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهي التي قال تعالى فيها: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُون﴾ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم.

(فصل)

والهِدايَة هي العلم بِالحَقِّ مَعَ قَصده وإيثاره على غَيره، فالمهتدي هو العامِل بِالحَقِّ المريد لَهُ وهِي أعظم نعْمَة لله على العَبْد ولِهَذا أمرنا سُبْحانَهُ أن نَسْألهُ هِدايَة الصِّراط المُسْتَقيم كل يَوْم ولَيْلَة في صلواتنا الخمس فَإن العَبْد مُحْتاج إلى معرفَة الحق الَّذِي يرضي الله في كل حَرَكَة ظاهرة وباطنة، فَإذا عرفها فَهو مُحْتاج إلى من يلهمه قصد الحق فَيجْعَل إرادَته في قلبه ثمَّ إلى من يقدره على فعله، ومَعْلُوم أن ما يجهله العَبْد أضعاف أضعاف ما يُعلمهُ، وإن كل ما يعلم أنه حق لا تطاوعه نَفسه على إرادته ولَو أراده لعجز عَن كثير مِنهُ، فَهو مُضْطَر كل وقت إلى هِدايَة تتَعَلَّق بالماضي وبالحال والمستقبل.

أما الماضِي فَهو مُحْتاج إلى محاسبة نَفسه عَلَيْهِ، وهل وقع على السداد فيشكر الله عَلَيْهِ ويستديمه، أم خرج فِيهِ عَن الحق فيتوب إلى الله تَعالى مِنهُ ويتسغفره، ويعزم على أن لا يعود.

وَأما الهِدايَة في الحال فَهي مَطْلُوبَة مِنهُ، فَإنَّهُ ابْن وقته فَيحْتاج أن يعلم حكم ما هو متلبس بِهِ من الأفعال هَل هو صَواب أم خطأ.

وَأما المُسْتَقْبل فحاجته في الهِدايَة أظهر ليَكُون سيره على الطَّرِيق، وإذا كانَ هَذا شَأْن الهِدايَة علم أن العَبْد أشد شَيْء اضطرارا إليها، وأن ما يُورِدهُ بعض النّاس من السُّؤال الفاسِد وهِي أنا إذا كُنّا مهتدين فَأي حاجَة بِنا أن نسْأل الله أن يهدينا؟

وَهل هَذا إلا تَحْصِيل الحاصِل؟

أفسد سُؤال وأبعده عَن الصَّواب وهو دَلِيل على أن صاحبه لم يحصل معنى الهِدايَة ولا أحاط علما بحقيقتها ومسماها فَلذَلِك تكلّف من تكلّف الجَواب عَنهُ بأن المَعْنى ثبتنا على الهِدايَة وأدمها لنا.

وَمن أحاط علما بحقية الهِدايَة وحاجة العَبْد إليها علم أن الَّذِي لم يحصل لَهُ مِنها أضعاف ما حصل لَهُ أنه كل وقت مُحْتاج إلى هِدايَة متجددة لا سيما والله تَعالى خالق أفعال القُلُوب والجوارح فَهو كل وقت مُحْتاج أن يخلق الله لَهُ هِدايَة خاصَّة، ثمَّ إن لم يصرف عَنهُ المَوانِع والصوارف الَّتِي تمنع مُوجب الهِدايَة وتصرفها لم ينْتَفع بالهداية ولم يتم مقصودها لَهُ، فَإن الحكم لا يَكْفِي فِيهِ وجود مقتضيه بل لا بُد مَعَ ذَلِك من عدم مانعه ومنافيه.

وَمَعْلُوم أن وساوس العَبْد وخواطره وشهوات الغي في قلبه كل مِنها مانع وُصُول أثر الهِدايَة إليه فَإن لم يصرفها الله عَنهُ لم يهتد هدى تاما، فحاجاته إلى هِدايَة الله لَهُ مقرونة بأنفاسه وهِي أعظم حاجَة للْعَبد.

[فَصْلٌ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤالِهِ الهِدايَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ]

وَلَمّا كانَ سُؤالُ اللَّهِ الهِدايَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أجَلَّ المَطالِبِ، ونَيْلُهُ أشْرَفَ المَواهِبِ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤالِهِ، وأمَرَهم أنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَمْدَهُ والثَّناءَ عَلَيْهِ، وتَمْجِيدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عُبُودِيَّتَهم وتَوْحِيدَهُمْ، فَهاتانِ وسِيلَتانِ إلى مَطْلُوبِهِمْ، تَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ، وهاتانِ الوَسِيلَتانِ لا يَكادُ يُرَدُّ مَعَهُما الدُّعاءُ، ويُؤَيِّدُهُما الوَسِيلَتانِ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثَيِ الِاسْمِ الأعْظَمِ اللَّذَيْنِ رَواهُما ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ.

أحَدُهُما: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أحَدٌ، فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ، الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

فَهَذا تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ، وشَهادَةِ الدّاعِي لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ، وثُبُوتِ صِفاتِهِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِاسْمِ الصَّمَدِ وهو كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " العالِمُ الَّذِي كَمُلَ عِلْمُهُ، القادِرُ الَّذِي كَمُلَتْ قُدْرَتُهُ "، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِ السُّؤْدُدِ "، وقالَ أبُو وائِلٍ: " هو السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهى سُؤْدَدُهُ "، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وبِنَفْيِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ "

وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، والتَّوَسُّلُ بِالإيمانِ بِذَلِكَ، والشَّهادَةُ بِهِ هو الِاسْمُ الأعْظَمُ.

والثّانِي: حَدِيثُ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، المَنّانُ، بَدِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ، ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فَقالَ: لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ» فَهَذا تَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ.

وَقَدْ جَمَعَتِ الفاتِحَةُ الوَسِيلَتَيْنِ، وهُما التَّوَسُّلُ بِالحَمْدِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ وتَمْجِيدِهِ، والتَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ وتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ جاءَ سُؤالُ أهَمِّ المَطالِبِ، وأنْجَحِ الرَّغائِبِ وهو الهِدايَةُ بَعْدَ الوَسِيلَتَيْنِ، فالدّاعِي بِهِ حَقِيقٌ بِالإجابَةِ.

وَنَظِيرُ هَذا دُعاءُ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِي كانَ يَدْعُو بِهِ إذا قامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ قَيُّومُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ الحَقُّ، ووَعْدُكَ الحَقُّ، ولِقاؤُكُ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنّارُ حَقٌّ، والنَّبِيُّونَ حَقٌّ، والسّاعَةُ حَقٌّ، ومُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، ولَكَ خاصَمْتُ، وإلَيْكَ حاكَمْتُ، فاغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنْتَ إلَهِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ» فَذَكَرَ التَّوَسُّلَ إلَيْهِ بِحَمْدِهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ وبِعُبُودِيَّتِهِ لَهُ، ثُمَّ سَألَهُ المَغْفِرَةَ.

[فصل: في مراتب الهداية]

ثُمَّ يَشْهَدُ مِن " اهْدِنا " عَشْرَ مَراتِبَ، إذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ.

المَرْتَبَةُ الأُولى: هِدايَةُ العِلْمِ والبَيانِ، فَيَجْعَلُهُ عالِمًا بِالحَقِّ مُدْرِكًا لَهُ.

الثّانِيَةُ: أنْ يُقْدِرَهُ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو غَيْرُ قادِرٍ بِنَفْسِهِ.

الثّالِثَةُ: أنْ يَجْعَلَهُ مُرِيدًا لَهُ.

الرّابِعَةُ: أنْ يَجْعَلَهُ فاعِلًا لَهُ.

الخامِسَةُ: أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى ذَلِكَ، ويَسْتَمِرَّ بِهِ عَلَيْهِ.

السّادِسَةُ: أنْ يَصْرِفَ عَنْهُ المَوانِعَ والعَوارِضَ المُضادَّةَ لَهُ.

السّابِعَةُ: أنْ يَهْدِيَهُ في الطَّرِيقِ نَفْسِها هِدايَةً خاصَّةً، أخَصَّ مِنَ الأُولى، فَإنَّ الأُولى هِدايَةٌ إلى الطَّرِيقِ إجْمالًا، وهَذِهِ هِدايَةٌ فِيها وفي مَنازِلِها تَفْصِيلًا.

الثّامِنَةُ: أنْ يُشْهِدَهُ المَقْصُودَ في الطَّرِيقِ، ويُنَبِّهَهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ مُطالِعًا لَهُ في سَيْرِهِ، مُلْتَفِتًا إلَيْهِ، غَيْرَ مُحْتَجَبٍ بِالوَسِيلَةِ عَنْهُ.

التّاسِعَةُ: أنَّ يُشْهِدَهُ فَقْرَهُ وضَرُورَتَهُ إلى هَذِهِ الهِدايَةِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ.

العاشِرَةُ: أنْ يُشْهِدَهُ الطَّرِيقَيْنِ المُنْحَرِفَيْنِ عَنْ طَرِيقِها، وهُما طَرِيقُ أهْلِ الغَضَبِ، الَّذِينَ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ قَصْدًا وعِنادًا، وطَرِيقُ أهْلِ الضَّلالِ الَّذِينَ عَدَلُوا عَنْها جَهْلًا وضَلالًا، ثُمَّ يَشْهَدُ جَمْعَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في طَرِيقٍ واحِدٍ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْبِياءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وأتْباعِهِمْ مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ.

فَهَذا هو الجَمْعُ الَّذِي عَلَيْهِ رُسُلُ اللَّهِ وأتْباعُهُمْ، فَمَن حَصَلَ لَهُ هَذا الجَمْعُ، فَقَدَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

(فصل)

المَوْضِعُ السّادِسُ: مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فالهِدايَةُ: هي البَيانُ والدَّلالَةُ، ثُمَّ التَّوْفِيقُ والإلْهامُ، وهو بَعْدَ البَيانِ والدَّلالَةِ، ولا سَبِيلَ إلى البَيانِ والدَّلالَةِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ، فَإذا حَصَلَ البَيانُ والدَّلالَةُ والَتَّعْرِيفُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ هِدايَةُ التَّوْفِيقِ، وجَعْلُ الإيمانِ في القَلْبِ، وتَحْبِيبُهُ إلَيْهِ، وتَزْيِينُهُ في القَلْبِ، وجَعْلُهُ مُؤْثِرًا لَهُ، راضِيًا بِهِ، راغِبًا فِيهِ.

وَهُما هِدايَتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، لا يَحْصُلُ الفَلاحُ إلّا بِهِما، وهُما مُتَضَمِّنَتانِ تَعْرِيفَ ما لَمْ نَعْلَمْهُ مِنَ الحَقِّ تَفْصِيلًا وإجْمالًا، وإلْهامَنا لَهُ، وجَعْلَنا مُرِيدِينَ لِاتِّباعِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ خَلْقُ القُدْرَةِ لَنا عَلى القِيامِ بِمُوجَبِ الهُدى بِالقَوْلِ والعَمَلِ والعَزْمِ، ثُمَّ إدامَةُ ذَلِكَ لَنا وتَثْبِيتُنا عَلَيْهِ إلى الوَفاةِ.

وَمِن هُنا يُعْلَمُ اضْطِرارُ العَبْدِ إلى سُؤالِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إذا كُنّا مُهْتَدِينَ، فَكَيْفَ نَسْألُ الهِدايَةَ؟ فَإنَّ المَجْهُولَ لَنا مِنَ الحَقِّ أضْعافُ المَعْلُومِ، وما لا نُرِيدُ فِعْلَهُ تَهاوُنًا وكَسَلًا مِثْلُ ما نُرِيدُهُ أوْ أكْثَرُ مِنهُ أوْ دُونَهُ، وما لا نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِمّا نُرِيدُهُ كَذَلِكَ، وما نَعْرِفُ جُمْلَتَهُ ولا نَهْتَدِي لِتَفاصِيلِهِ فَأمْرٌ يَفُوتُ الحَصْرَ، ونَحْنُ مُحْتاجُونَ إلى الهِدايَةِ التّامَّةِ، فَمَن كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمُورُ كانَ سُؤالُ الهِدايَةِ لَهُ سُؤالَ التَّثْبِيتِ والوِئامِ.

وَلِلْهِدايَةِ مَرْتَبَةٌ أُخْرى وهي آخِرُ مَراتِبِها وهي الهِدايَةُ يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وهو الصِّراطُ المُوَصِّلُ إلَيْها، فَمَن هُدِيَ في هَذِهِ الدّارِ إلى صِراطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِي أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، هُدِيَ هُناكَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، المُوَصِّلِ إلى جَنَّتِهِ ودارِ ثَوابِهِ، وعَلى قَدْرِ ثُبُوتِ قَدَمِ العَبْدِ عَلى هَذا الصِّراطِ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في هَذِهِ الدّارِ يَكُونُ ثُبُوتُ قَدَمِهِ عَلى الصِّراطِ المَنصُوبِ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وعَلى قَدْرِ سَيْرِهِ عَلى هَذِهِ الصِّراطِ يَكُونُ سَيْرُهُ عَلى ذاكَ الصِّراطِ، فَمِنهم مَن يَمُرُّ كالبَرْقِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كالطَّرْفِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَشَدِّ الرِّكابِ، ومِنهم مَن يَسْعى سَعْيًا، ومِنهم مَن يَمْشِي مَشْيًا، ومِنهم مَن يَحْبُو حَبْوًا، ومِنهُمُ المَخْدُوشُ المُسَلَّمُ، ومِنهُمُ المُكَرْدَسُ في النّارِ، فَلْيَنْظُرِ العَبْدُ سَيْرَهُ عَلى ذَلِكَ الصِّراطِ مِن سَيْرِهِ عَلى هَذا، حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، جَزاءً وِفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠].

وَلْيَنْظُرِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ الَّتِي تَعُوقُهُ عَنْ سَيْرِهِ عَلى هَذا الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّها الكَلالِيبُ الَّتِي بِجَنَبَتَيْ ذاكَ الصِّراطِ، تَخْطَفُهُ وتَعُوقُهُ عَنِ المُرُورِ عَلَيْهِ، فَإنْ كَثُرَتْ هُنا وقَوِيَتْ فَكَذَلِكَ هي هُناكَ ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].

فَسُؤالُ الهِدايَةِ مُتَضَمِّنٌ لِحُصُولِ كُلِّ خَيْرٍ، والسَّلامَةِ مِن كُلِّ شَرٍّ.

[فَصْلٌ: مَراتِبُ الهِدايَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ]

[المَرْتَبَةُ الأُولى تَكْلِيمُ اللَّهِ]

فَصْلٌ: في مَراتِبِ الهِدايَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وهي عَشْرُ مَراتِبَ:

المَرْتَبَةُ الأُولى: مَرْتَبَةُ تَكْلِيمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِعَبْدِهِ يَقَظَةً بِلا واسِطَةٍ، بَلْ مِنهُ إلَيْهِ، وهَذِهِ أعْلى مَراتِبِها، كَما كَلَّمَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ وحْيَهُ إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ كَلَّمَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْلِيمَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الوَحْيِ الَّذِي ذُكِرَ في أوَّلِ الآيَةِ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ كَلَّمَ وهو التَّكْلِيمُ رَفْعًا لِما يَتَوَهَّمُهُ المُعَطِّلَةُ والجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ وغَيْرُهم مِن أنَّهُ إلْهامٌ، أوْ إشارَةٌ، أوْ تَعْرِيفٌ لِلْمَعْنى النَّفْسِيِّ بِشَيْءٍ غَيْرِ التَّكْلِيمِ، فَأكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ المُفِيدِ تَحْقِيقَ النِّسْبَةِ ورَفْعَ تَوَهُّمِ المَجازِ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي ما يُوصَلُ إلى الإنْسانِ كَلامًا بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ، ولَكِنْ لا تُحَقِّقُهُ بِالمَصْدَرِ، فَإذا حَقَّقَتْهُ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ، كالإرادَةِ، يُقالُ: فُلانٌ أرادَ إرادَةً، يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الإرادَةِ، ويُقالُ: أرادَ الجِدارُ، ولا يُقالُ: إرادَةً، لِأنَّهُ مَجازٌ غَيْرُ حَقِيقَةٍ، هَذا كَلامُهُ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهَذا التَّكْلِيمُ غَيْرُ التَّكْلِيمِ الأوَّلِ الَّذِي أرْسَلَهُ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، وفي هَذا التَّكْلِيمِ الثّانِي سَألَ النَّظَرَ لا في الأوَّلِ، وفِيهِ أُعْطِيَ الألْواحَ، وكانَ عَنْ مُواعَدَةٍ مِنَ اللَّهِ لَهُ، والتَّكْلِيمُ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ عَنْ مُواعَدَةٍ، وفِيهِ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أيْ بِتَكْلِيمِي لَكَ بِإجْماعِ السَّلَفِ.

وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ أنَّهُ ناداهُ وناجاهُ، فالنِّداءُ مِن بُعْدٍ، والنِّجاءُ مِن قُرْبٍ، تَقُولُ العَرَبُ: إذا كَبُرَتِ الحَلْقَةُ فَهو نِداءٌ، أوْ نِجاءٌ، وقالَ لَهُ أبُوهُ آدَمُ في مُحاجَّتِهِ: «أنْتَ مُوسى الَّذِي اصْطَفاكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وخَطَّ لَكَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ؟»، وكَذَلِكَ يَقُولُ لَهُ أهْلُ

المَوْقِفِ إذا طَلَبُوا مِنهُ الشَّفاعَةَ إلى رَبِّهِ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ الإسْراءِ في رُؤْيَةِ مُوسى في السَّماءِ السّادِسَةِ أوِ السّابِعَةِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَةِ، قالَ: وذَلِكَ بِتَفْضِيلِهِ بِكَلامِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ التَّكْلِيمُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِن جِنْسِ ما حَصَلَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ لَهُ في هَذِهِ الأحادِيثِ مَعْنًى، ولا كانَ يُسَمّى كِلِيمَ الرَّحْمَنِ وقالَ تَعالى ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] فَفَرَّقَ بَيْنَ تَكْلِيمِ الوَحْيِ، والتَّكْلِيمِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، والتَّكْلِيمِ مِن وراءِ حِجابٍ.

[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ مَرْتَبَةُ الوَحْيِ المُخْتَصِّ بِالأنْبِياءِ]

قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] وقالَ ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، فَجَعَلَ الوَحْيَ في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمًا مِن أقْسامِ التَّكْلِيمِ، وجَعَلَهُ في آيَةِ النِّساءِ قَسِيمًا لِلتَّكْلِيمِ، وذَلِكَ باعْتِبارَيْنِ، فَإنَّهُ قَسِيمُ التَّكْلِيمِ الخاصِّ الَّذِي هو بِلا واسِطَةٍ، وقِسْمٌ مِنَ التَّكْلِيمِ العامِّ الَّذِي هو إيصالُ المَعْنى بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

والوَحْيُ في اللُّغَةِ هو الإعْلامُ السَّرِيعُ الخَفِيُّ، ويُقالُ في فِعْلِهِ: وحى، وأوْحى،

قالَ رُؤْبَةُ:

وَحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ

. وهو أقْسامٌ، كَما سَنَذْكُرُهُ.

[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: إرْسالُ الرَّسُولِ المَلَكِيِّ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ]

فَيُوحى إلَيْهِ عَنِ اللَّهِ ما أمَرَهُ أنْ يُوَصِّلَهُ إلَيْهِ.

فَهَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثُ خاصَّةٌ بِالأنْبِياءِ لا تَكُونُ لِغَيْرِهِمْ.

ثُمَّ هَذا الرَّسُولُ المَلَكِيُّ قَدْ يَتَمَثَّلُ لِلرَّسُولِ البَشَرِيِّ رَجُلًا، يَراهُ عِيانًا ويُخاطِبُهُ، وقَدْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، وقَدْ يَدْخُلُ فِيهِ المَلَكُ، ويُوحِي إلَيْهِ ما يُوحِيهِ، ثُمَّ يَفْصِمُ عَنْهُ، أيْ يُقْلِعُ، والثَّلاثَةُ حَصَلَتْ لِنَبِيِّنا ﷺ.

[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: مَرْتَبَةُ التَّحْدِيثِ]

وَهَذِهِ دُونَ مَرْتَبَةِ الوَحْيِ الخاصِّ، وتَكُونُ دُونَ مَرْتَبَةِ الصِّدِّيقِينَ، كَما كانَتْ لِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّهُ كانَ في الأُمَمِ قَبْلَكم مُحَدَّثُونَ، فَإنْ يَكُنْ في هَذِهِ الأُمَّةِ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ».

وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: جَزَمَ بِأنَّهم كائِنُونَ في الأُمَمِ قَبْلَنا، وعَلَّقَ وُجُودَهم في هَذِهِ الأُمَّةِ بِ " إنْ " الشَّرْطِيَّةِ، مَعَ أنَّها أفْضَلُ الأُمَمِ، لِاحْتِياجِ الأُمَمِ قَبْلَنا إلَيْهِمْ، واسْتِغْناءِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْهم بِكَمالِ نَبِيِّها ورِسالَتِهِ، فَلَمْ يُحْوِجِ اللَّهُ الأُمَّةَ بَعْدَهُ إلى مُحَدَّثٍ ولا مُلْهَمٍ، ولا صاحِبِ كَشْفٍ ولا مَنامٍ، فَهَذا التَّعْلِيقُ لِكَمالِ الأُمَّةِ واسْتِغْنائِها لا لِنَقْصِها.

والمُحَدَّثُ: هو الَّذِي يُحَدِّثُ في سِرِّهِ وقَلْبِهِ بِالشَّيْءِ، فَيَكُونُ كَما يُحَدِّثُ بِهِ.

قالَ شَيْخُنا: والصِّدِّيقُ أكْمَلُ مِنَ المُحَدَّثِ، لِأنَّهُ اسْتَغْنى بِكَمالِ صَدِّيقِيَّتِهِ ومُتابَعَتِهِ عَنِ التَّحْدِيثِ والإلْهامِ والكَشْفِ، فَإنَّهُ قَدْ سَلَّمَ قَلْبَهُ كُلَّهُ وسِرَّهُ وظاهِرَهُ وباطِنَهُ لِلرَّسُولِ، فاسْتَغْنى بِهِ عَمّا مِنهُ.

قالَ: وكانَ هَذا المُحَدَّثُ يَعْرِضُ ما يُحَدِّثُ بِهِ عَلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإنْ وافَقَهُ قَبِلَهُ، وإلّا رَدَّهُ، فَعُلِمَ أنَّ مَرْتَبَةَ الصِّدِّيقِيَّةِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ التَّحْدِيثِ.

قالَ: وأمّا ما يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِ الخَيالاتِ والجَهالاتِ: حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي، فَصَحِيحٌ أنَّ قَلْبَهُ حَدَّثَهُ، ولَكِنْ عَمَّنْ؟ عَنْ شَيْطانِهِ، أوْ عَنْ رَبِّهِ؟ فَإذا قالَ: حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي، كانَ مُسْنِدًا الحَدِيثَ إلى مَن لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ، وذَلِكَ كَذِبٌ، قالَ: ومُحَدَّثُ الأُمَّةِ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ ذَلِكَ، ولا تَفَوَّهَ بِهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ كَتَبَ كاتِبُهُ يَوْمًا: هَذا ما أرى اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ: لا، امْحُهُ واكْتُبْ: هَذا ما رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، فَإنْ كانَ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خَطَأً فَمِن عُمَرَ واللَّهُ ورَسُولُهُ مِنهُ بَرِيءٌ، وقالَ في الكَلالَةِ: أقُولُ فِيها بِرَأْيِي، فَإنْ يَكُنْ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطانِ، فَهَذا قَوْلُ المُحَدَّثِ بِشَهادَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وأنْتَ تَرى الِاتِّحادِيَّ والحُلُولِيَّ والإباحِيَّ الشَطّاحَ، والسَّماعِيَّ مُجاهِرًا بِالقِحَةِ والفِرْيَةِ، يَقُولُ: " حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي ".

فانْظُرْ إلى ما بَيْنَ القائِلَيْنِ والمَرْتَبَتَيْنِ والقَوْلَيْنِ والحالَيْنِ، وأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ولا تَجْعَلِ الزَّغَلَ والخالِصَ شَيْئًا واحِدًا.

[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ مَرْتَبَةُ الإفْهامِ]

قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨] فَذَكَرَ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ، وأثْنى عَلَيْهِما بِالعِلْمِ والحُكْمِ، وخَصَّ سُلَيْمانَ بِالفَهْمِ في هَذِهِ الواقِعَةِ المُعَيَّنَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وقَدْ سُئِلَ " هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ " فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ، وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وكانَ فِيها العَقْلُ، وهو الدِّياتُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ "، وفي كِتابِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أُدْلِيَ إلَيْكَ، فالفَهْمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، ونُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ، يَعْرِفُ بِهِ، ويُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ ولا يَعْرِفُهُ، فَيَفْهَمُ مِنَ النَّصِّ ما لا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، مَعَ اسْتِوائِهِما في حِفْظِهِ، وفَهْمِ أصْلِ مَعْناهُ.

فالفَهْمُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عُنْوانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، ومَنشُورُ الوِلايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وفِيهِ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ العُلَماءِ، حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدٍ، فانْظُرْ إلى فَهْمِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ سَألَهُ عُمَرُ، ومَن حَضَرَ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وما خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ مِن فَهْمِهِ مِنها أنَّها نَعْيُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ إلى نَفْسِهِ وإعْلامُهُ بِحُضُورِ أجَلِهِ، ومُوافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وخَفائِهِ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ وابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذاكَ أحْدَثُهم سِنًّا، وأيْنَ تَجِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإعْلامَ بِأجَلِهِ، لَوْلا الفَهْمُ الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هَذا حَتّى يَصِلَ إلى مَراتِبَ تَتَقاصَرُ عَنْها أفْهامُ أكْثَرِ النّاسِ، فَيُحْتاجُ مَعَ النَّصِّ إلى غَيْرِهِ، ولا يَقَعُ الِاسْتِغْناءُ بِالنُّصُوصِ في حَقِّهِ، وأمّا في حَقِّ صاحِبِ الفَهْمِ فَلا يُحْتاجُ مَعَ النُّصُوصِ إلى غَيْرِها.

[فَصْلٌ: المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ مَرْتَبَةُ البَيانِ العامِّ]

وَهُوَ تَبْيِينُ الحَقِّ وتَمْيِيزُهُ مِنَ الباطِلِ بِأدِلَّتِهِ وشَواهِدِهِ وأعْلامِهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ مَشْهُودًا لِلْقَلْبِ، كَشُهُودِ العَيْنِ لِلْمَرْئِيّاتِ.

وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، الَّتِي لا يُعَذِّبُ أحَدًا ولا يُضِلُّهُ إلّا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] فَهَذا الإضْلالُ عُقُوبَةٌ مِنهُ لَهُمْ، حِينَ بَيَّنَ لَهم فَلَمْ يَقْبَلُوا ما بَيَّنَهُ لَهُمْ، ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَعاقَبَهم بِأنْ أضَلَّهم عَنِ الهُدى، وما أضَلَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَدًا قَطُّ إلّا بَعْدَ هَذا البَيانِ.

وَإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ سِرَّ القَدَرِ، وزالَتْ عَنْكَ شُكُوكٌ كَثِيرَةٌ، وشُبَهاتٌ في هَذا البابِ، وعَلِمْتَ حِكْمَةَ اللَّهِ في إضْلالِهِ مَن يُضِلُّهُ مِن عِبادِهِ، والقُرْآنُ يُصَرِّحُ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] فالأوَّلُ: كُفْرُ عِنادٍ، والثّانِي: كُفْرُ طَبْعٍ، وقَوْلِهِ ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَعاقَبَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ حِينَ تَيَقَّنُوهُ وتَحَقَّقُوهُ، بِأنْ قَلَّبَ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم فَلَمْ يَهْتَدُوا لَهُ.

فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ مَوْضِعٌ عَظِيمٌ.

وَقالَ تَعالى ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فَهَذا هُدًى بَعْدَ البَيانِ والدِّلالَةِ، وهو شَرْطٌ لا مُوجِبٌ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ هُدًى آخَرُ بَعْدَهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ كَمالُ الِاهْتِداءِ، وهو هُدى التَّوْفِيقِ والإلْهامِ.

وَهَذا البَيانُ نَوْعانِ: بَيانٌ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ المَتْلُوَّةِ، وبَيانٌ بِالآياتِ المَشْهُودَةِ المَرْئِيَّةِ، وكِلاهُما أدِلَّةٌ وآياتٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وكَمالِهِ، وصِدْقِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ، ولِهَذا يَدْعُو عِبادَهُ بِآياتِهِ المَتْلُوَّةِ إلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ويَحُضُّهم عَلى التَّفْكِيرِ في هَذِهِ وهَذِهِ، وهَذا البَيانُ هو الَّذِي بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وجُعِلَ إلَيْهِمْ وإلى العُلَماءِ بَعْدَهُمْ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] فالرُّسُلُ تُبَيِّنُ، واللَّهُ هو الَّذِي يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ.

[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ البَيانُ الخاصُّ]

وَهُوَ البَيانُ المُسْتَلْزِمُ لِلْهِدايَةِ الخاصَّةِ، وهو بَيانٌ تُقارِنُهُ العِنايَةُ والتَّوْفِيقُ والِاجْتِباءُ، وقَطْعُ أسْبابِ الخِذْلانِ ومَوادِّها عَنِ القَلْبِ، فَلا تَتَخَلَّفُ عَنْهُ الهِدايَةُ ألْبَتَّةَ، قالَ تَعالى في هَذِهِ المَرْتَبَةِ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وقالَ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فالبَيانُ الأوَّلُ شَرْطٌ، وهَذا مُوجِبٌ.

[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ مَرْتَبَةُ الإسْماعِ]

قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وقَدْ قالَ تَعالى ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩] وهَذا الإسْماعُ أخَصُّ مِن إسْماعِ الحُجَّةِ والتَّبْلِيغِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لَهُمْ، وبِهِ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ ذاكَ إسْماعُ الآذانِ، وهَذا إسْماعُ القُلُوبِ، فَإنَّ الكَلامَ لَهُ لَفْظٌ ومَعْنًى، ولَهُ نِسْبَةٌ إلى الأُذُنِ والقَلْبِ وتَعَلُّقٌ بِهِما، فَسَماعُ لَفْظِهِ حَظُّ الأُذُنِ، وسَماعُ حَقِيقَةِ مَعْناهُ ومَقْصُودِهِ حَظُّ القَلْبِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ نَفى عَنِ الكُفّارِ سَماعَ المَقْصُودِ والمُرادِ الَّذِي هو حَظُّ القَلْبِ، وأثْبَتَ لَهم سَماعَ الألْفاظِ الَّذِي هو حَظُّ الأُذُنِ في قَوْلِهِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢] وهَذا السَّماعُ لا يُفِيدُ السّامِعَ إلّا قِيامَ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تُمَكِّنُهُ مِنها، وأمّا مَقْصُودُ السَّماعِ وثَمَرَتُهُ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَلا يَحْصُلُ مَعَ لَهْوِ القَلْبِ وغَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ، بَلْ يَخْرُجُ السّامِعُ قائِلًا لِلْحاضِرِ مَعَهُ ﴿ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].

والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ ومَرْتَبَةِ الإفْهامِ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ إنَّما تَحْصُلُ بِواسِطَةِ الأُذُنِ،

وَمَرْتَبَةُ الإفْهامِ أعَمُّ، فَهي أخَصُّ مِن مَرْتَبَةِ الفَهْمِ مِن هَذا الوَجْهِ، ومَرْتَبَةُ الفَهْمِ أخَصُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّها تَتَعَلَّقُ بِالمَعْنى المُرادِ ولَوازِمِهِ ومُتَعَلَّقاتِهِ وإشاراتِهِ، ومَرْتَبَةُ السَّماعِ مَدارُها عَلى إيصالِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ إلى القَلْبِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا السَّماعِ سَماعُ القَبُولِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском