Ibn al-QayyimAl‑Fatihah · 1:7

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Fatihah 1:7, continued

وَإنْ كانُوا الأكْثَرِينَ عَدَدًا، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " عَلَيْكَ بِطَرِيقِ الحَقِّ، ولا تَسْتَوْحِشْ لِقِلَّةِ السّالِكِينَ، وإيّاكَ وطَرِيقَ الباطِلِ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهالِكِينَ "، وكُلَّما اسْتَوْحَشْتَ في تَفَرُّدِكَ فانْظُرْ إلى الرَّفِيقِ السّابِقِ، واحْرِصْ عَلى اللَّحاقِ بِهِمْ، وغُضَّ الطَّرْفَ عَمَّنْ سِواهُمْ، فَإنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وإذا صاحُوا بِكَ في طَرِيقِ سَيْرِكَ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ، فَإنَّكَ مَتى التَفَتَّ إلَيْهِمْ أخَذُوكَ وعاقُوكَ.

وَقَدْ ضَرَبْتُ لِذَلِكَ مَثَلَيْنِ، فَلْيَكُونا مِنكَ عَلى بالٍ:

المَثَلُ الأوَّلُ: رَجُلٌ خَرَجَ مِن بَيْتِهِ إلى الصَّلاةِ، لا يُرِيدُ غَيْرَها، فَعَرَضَ لَهُ في طَرِيقِهِ شَيْطانٌ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَألْقى عَلَيْهِ كَلامًا يُؤْذِيهِ، فَوَقَفَ ورَدَّ عَلَيْهِ، وتَماسَكا، فَرُبَّما كانَ شَيْطانُ الإنْسِ أقْوى مِنهُ، فَقَهَرَهُ، ومَنَعَهُ عَنِ الوُصُولِ إلى المَسْجِدِ، حَتّى فاتَتْهُ الصَّلاةُ، ورُبَّما كانَ الرَّجُلُ أقْوى مِن شَيْطانِ الإنْسِ، ولَكِنِ اشْتَغَلَ بِمُهاوَشَتِهِ عَنِ الصَّفِّ الأوَّلِ، وكَمالِ إدْراكِ الجَماعَةِ، فَإنِ التَفَتَ إلَيْهِ أطْمَعَهُ في نَفْسِهِ، ورُبَّما فَتَرَتْ عَزِيمَتُهُ، فَإنْ كانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ وعِلْمٌ زادَ في السَّعْيِ والجَمْزِ بِقَدْرِ التِفاتِهِ أوْ أكْثَرَ، فَإنْ أعْرَضَ عَنْهُ واشْتَغَلَ لِما هو بِصَدَدِهِ، وخافَ فَوْتَ الصَّلاةِ أوِ الوَقْتِ لَمْ يَبْلُغْ عَدُوُّهُ مِنهُ ما شاءَ.

المَثَلُ الثّانِي: الظَّبْيُ أشَدُّ سَعْيًا مِنَ الكَلْبِ، ولَكِنَّهُ إذا أحَسَّ بِهِ التَفَتَ إلَيْهِ فَيَضْعُفُ سَعْيُهُ، فَيُدْرِكُهُ الكَلْبُ فَيَأْخُذُهُ.

والقَصْدُ: أنَّ في ذِكْرِ هَذا الرَّفِيقِ ما يُزِيلُ وحْشَةَ التَّفَرُّدِ، ويَحُثُّ عَلى السَّيْرِ والتَّشْمِيرِ لِلَّحاقِ بِهِمْ.

وَهَذِهِ إحْدى الفَوائِدِ في دُعاءِ القُنُوتِ " «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَن هَدَيْتَ» " أيْ أدْخِلْنِي في هَذِهِ الزُّمْرَةِ، واجْعَلْنِي رَفِيقًا لَهم ومَعَهم.

والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِنِعَمِهِ وإحْسانِهِ إلى مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالهِدايَةِ أيْ قَدْ أنْعَمْتَ بِالهِدايَةِ عَلى مَن هَدَيْتَ، وكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً مِنكَ، فاجْعَلْ لِي نَصِيبًا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ، واجْعَلْنِي واحِدًا مِن هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، فَهو تَوَسُّلٌ إلى اللَّهِ بِإحْسانِهِ.

والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كَما يَقُولُ السّائِلُ لِلْكَرِيمِ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ في جُمْلَةِ مَن تَصَدَّقْتَ عَلَيْهِمْ، وعَلِّمْنِي في جُمْلَةِ مَن عَلَّمْتَهُ، وأحْسِنْ إلَيَّ في جُمْلَةِ مَن شَمِلْتَهُ بِإحْسانِكَ.

[فصل: صِحَّةُ الفَهْمِ نِعْمَةٌ]

صِحَّةُ الفَهْمِ وحُسْنُ القَصْدِ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى عَبْدِهِ، بَلْ ما أُعْطِيَ عَبْدٌ عَطاءً بَعْدَ الإسْلامِ أفْضَلُ ولا أجَلُّ مِنهُما، بَلْ هُما ساقا الإسْلامِ، وقِيامُهُ عَلَيْهِما، وبِهِما يَأْمَنُ العَبْدُ طَرِيقَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ فَسَدَ قَصْدُهم وطَرِيقُ الضّالِّينَ الَّذِينَ فَسَدَتْ فُهُومُهُمْ، ويَصِيرُ مِن المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ حَسُنَتْ أفْهامُهم وقُصُودُهُمْ، وهم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِينَ أُمِرْنا أنْ نَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَنا صِراطَهم في كُلِّ صَلاةٍ، وصِحَّةُ الفَهْمِ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ العَبْدِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ، والحَقِّ والباطِلِ، والهُدى والضَّلالِ، والغَيِّ والرَّشادِ، ويَمُدُّهُ حُسْنَ القَصْدِ، وتَحَرِّي الحَقَّ، وتَقْوى الرَّبِّ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ويَقْطَعُ مادَّتُهُ اتِّباعَ الهَوى، وإيثارَ الدُّنْيا، وطَلَبَ مَحْمَدَةِ الخَلْقِ، وتَرْكَ التَّقْوى.

[فَصْلٌ: في بَيانِ تَضَمُّنِ الفاتحة لِلرَّدِّ عَلى الرّافِضَةِ]

وَذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخِرِها.

وَوَجْهُ تَضَمُّنِهِ إبْطالَ قَوْلِهِمْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قَسَّمَ النّاسَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ واتَّبَعُوهُ، ومَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ

وَهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ ورَفَضُوهُ، وضالُّونَ وهُمُ الَّذِينَ جَهِلُوهُ فَأخْطَئُوهُ.

فَكُلُّ مَن كانَ أعْرَفَ لِلْحَقِّ، وأتْبَعَ لَهُ كانَ أوْلى بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.

وَلا رَيْبَ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم هم أوْلى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الرَّوافِضِ، فَإنَّهُ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهم جَهِلُوا الحَقَّ وعَرَفَهُ الرَّوافِضُ، أوْ رَفَضُوهُ وتَمَسَّكَ بِهِ الرَّوافِضُ.

ثُمَّ إنّا رَأيْنا آثارَ الفَرِيقَيْنِ تَدُلُّ عَلى أهْلِ الحَقِّ مِنهُما، فَرَأيْنا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَحُوا بِلادَ الكُفْرِ، وقَلَبُوها بِلادَ إسْلامٍ، وفَتَحُوا القُلُوبَ بِالقُرْآنِ والعِلْمِ والهُدى، فَآثارُهم تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ورَأيْنا الرّافِضَةَ بِالعَكْسِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، فَإنَّهُ قَطٌّ ما قامَ لِلْمُسْلِمِينَ عَدُوٌّ مِن غَيْرِهِمْ إلّا كانُوا أعْوانَهم عَلى الإسْلامِ، وكَمْ جَرُّوا عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ مِن بَلِيَّةٍ؟ وهَلْ عاثَتْ سُيُوفُ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ مِن عَسْكَرِ هُولاكُو وذَوِيهِ مِنَ التَّتارِ إلّا مِن تَحْتِ رُءُوسِهِمْ؟ وهَلْ عُطِّلَتِ المَساجِدُ، وحُرِّقَتِ المَصاحِفُ، وقُتِلَ سَرَواتُ المُسْلِمِينَ وعُلَماؤُهم وعُبّادُهم وخَلِيفَتُهُمْ، إلّا بِسَبَبِهِمْ ومِن جَرّائِهِمْ؟ ومُظاهَرَتُهم لِلْمُشْرِكِينَ والنَّصارى مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وآثارُهم في الدِّينِ مَعْلُومَةٌ.

فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؟ وأيُّهم أحَقُّ بِالغَضَبِ والضَّلالِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ ولِهَذا فَسَّرَ السَّلَفُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وأهْلَهُ: بِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وهو كَما فَسَّرُوهُ، فَإنَّهُ صِراطُهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وهو عَيْنُ صِراطِ نَبِيِّهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وغَضِبَ عَلى أعْدائِهِمْ، وحُكِمَ لِأعْدائِهِمْ بِالضَّلالِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ الرِّياحِيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وهُما مِن أجَلِّ التّابِعِينَ

" الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصاحِباهُ "

وَقالَ أبُو العالِيَةِ أيْضًا في قَوْلِهِ " ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هم آلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ "

وَهَذا حَقٌّ، فَإنَّ آلَهُ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، ولا خِلافَ بَيْنَهُمْ، ومُوالاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وثَناؤُهم عَلَيْهِما، ومُحارَبَةُ مَن حارَبا، ومُسالَمَةُ مَن سالَما مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الأُمَّةِ خاصِّها وعامِّها، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ.

وَلا رَيْبَ أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ هم أتْباعُهُ، والمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، وأتْبَعُ الأُمَّةِ لَهُ وأطْوَعَهم أصْحابُهُ وأهْلُ بَيْتِهِ، وأتْبَعُ الصَّحابَةِ لَهُ السَّمْعُ والبَصَرُ، أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وأشَدُّ الأُمَّةِ مُخالَفَةً لَهُ هُمُ الرّافِضَةُ، فَخِلافُهم لَهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ فِرَقِ الأُمَّةِ، ولِهَذا يُبْغِضُونَ السُّنَّةَ وأهْلَها، ويُعادُونَها ويُعادُونَ أهْلَها، فَهم أعْداءُ سُنَّتِهِ ﷺ، وأهْلِ بَيْتِهِ وأتْباعُهُ مِن بَنِيهِمْ أكْمَلُ مِيراثًا؟ بَلْ هم ورَثَتُهُ حَقًّا.

فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ طَرِيقُ أصْحابِهِ وأتْباعِهِ، وطَرِيقُ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ طَرِيقُ الرّافِضَةِ.

وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ بِعَيْنِها يُرَدُّ عَلى الخَوارِجِ، فَإنَّ مُعاداتَهُمُ الصَّحابَةَ مَعْرُوفَةٌ.

(فصل نفيس)

حكى الأستاذ أبو القاسم الرماني رواية عن يونس: أنه حكى الإعمال في ﴿لكنْ﴾ مع تخفيفها وكان يستغرب هذه الرواية.

واعلم أن ﴿لكنْ﴾ لا تكون حرف عطف مع دخول الواو عليها لأنه لا يجتمع حرفان من حروف العطف فمتى رأيت حرفا من حروف العطف مع الواو فالواو هي العاطفة دونه، فمن ذلك (إما) إذا قلت: إما زيد وإما عمرو، وكذلك (لا) إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو ودخلت ﴿لا﴾ لتوكيد النفي ولئلا يتوهم أن الواو جامعة وأنك نفيت قيامهما في وقت واحد ولا تكون ﴿لا﴾ عاطفة إلا بعد إيجاب وشرط آخر وهو أن يكون الكلام قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفي الفعل عما بعدها كقولك: جاءني رجل لا امرأة، ورجل عالم لا رجل جاهل.

ولو قلت مررت برجل لا زيد. لم يجز وكذلك: مررت برجل لا عاقل. لأنه ليس في مفهوم الكلام ما ينفي الفعل عن الثاني وهي لا تدخل إلا لتوكيد نفي فإن أردت ذلك المعنى جئت بلفظ (غير) فتقول مررت برجل غير زيد ورجل غير عالم.

ولا تقول برجل غير امرأة، ولا بطويل غير قصير لأن في مفهوم الخطاب ما يغنيك عن مفهوم النفي الذي في غير، وذلك المعنى الذي دل عليه المفهوم حتى قلت بطويل لا قصير.

وأما إذا كانا اسمين معرفين نحو مررت بزيد لا عمرو فجائز هنا دخول غير لجمود الاسم العلم فإنه ليس له مفهوم خطاب عند الأصوليين بخلاف الأسماء المشتقة وما جرى مجراها كرجل فإنه بمنزلة قولك ذَكَر.

ولذلك دل بمفهومه على انتقال الخبر عن المرأة ويجوز أيضا مررت بزيد لا عمرو لأنه اسم مخصوص بشخص وكأنه حين خصصته بالذكر نفيت المرور عن عمرو ثم أكدت ذلك النفي بـ لا وأما الكلام المنفي فلا يعطف عليه بـ لا لأن نفيك الفعل عن زيد إذا قلت ما قام زيد لا يفهم منه نفيه عن عمرو فيؤكد بـ لا.

فإن قلت أكد بها النفي المتقدم قيل لك وأي شيء يكون حينئذ إعراب عمرو وهو اسم مفرد ولم يدخل عليه عاطف يعطف على ما قبله فهذا لا يجوز إلا أن تجعله مبتدأ وتأتي بخبر فتقول ما قام زيد ولا عمرو وهو القائم.

أما إن أردت تشريكهما في النفي فلا بد من الواو إما وحدها وإما مع ﴿لا﴾ فلا تكون الواو عاطفة ومعها ﴿لا﴾

وأما قوله: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ فإن معنى النفي موجود في غير.

فإن قيل: فهلا قال: ﴿لا المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾؟

قيل في ذكر غير بيان للفضلة للذين أنعم عليهم وتحصيله لنفي صفة الضلال والغضب عنهم وأنهم الذين أنعم عليهم بالنبوة والهدى دون غيرهم ولو قال لا المغضوب عليهم ولا الضالين لم يكن في ذلك إلا تأكيد نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم كما تقول هذا غلام زيد لا عمرو أكدت نفي الإضافة عن عمرو بخلاف قولك هذا غلام الفقيه غير الفاسق ولا الخبيث وكأنك جمعت بين إضافة الغلام إلى الفقيه دون غيره وهي نفي الصفة المذمومة عن الفقيه فافهمه.

فإن قيل: وأي شيء أكدت ﴿لا﴾ حتى أدخلت عليها الواو وقد قلت إنها لا تؤكد المنفي المتقدم وإنما تؤكد نصبا يدل عليه اختصاص الفعل الواجب بوصف ما كقولك جاءني رجل عالم لا جاهل؟

فالجواب أنك حين قلت ما جاءني زيد لم يدل الكلام على نفي المجيء عن عمرو كما تقدم فلما عطفت بالواو دل الكلام على انتفاء الفعل عن عمرو كما انتفى عن الأول لقيام الواو مقام تكرار حرف النفي فدخلت ﴿لا﴾ لتوكيد النفي عن الثاني.

(فائدة بديعة)

قوله تعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾

فيها عشرون مسألة:

أحدها: ما فائدة البدل في الدعاء والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان والبدل القصد به بيان الاسم الأول

الثانية: ما فائدة تعريف ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ باللام وهلا أخبر عنه بمجرد اللفظ دونها كما قال: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟

الثالثة: ما معنى ﴿الصِّراطَ﴾ ومن أي شيء اشتقاقه ولم جاء على وزن فعال ولم ذكر في أكثر المواضع في القرآن الكريم بهذا اللفظ، وفي سورة الأحقاف ذكر بلفظ الطريق فقال: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟

الرابعة: ما الحكمة في إضافته إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بهذا اللفظ ولم يذكرهم بخصوصهم فيقول صراط النبيين والصديقين فلم عدل إلى لفظ المبهم دون المفسر؟

الخامسة: ما الحكمة في التعبير عنهم بلفظ الذي مع صلتها دون أن يقال المنعم عليهم وهو أخصر كما قال: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وما الفرق؟

السادسة: لم فرق بين المنعم عليهم والمغضوب عليهم فقال في أهل النعمة الذين أنعمت وفي أهل الغضب المغضوب بحذف الفاعل؟

السابعة: لم قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ فعدى الفعل بنفسه ولم يعده بـ ﴿إلى﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ الثامنة: أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يقتضي أن نعمته مختصة بالأولين دون المغضوب عليهم ولا الضالين وهذا حجة لمن ذهب إلى أنه لا نعمة له على كافر فهل هذا استدلال صحيح أم لا؟

التاسعة: أن يقال لم وصفهم بلفظ غير وهلا قال تعالى لا المغضوب عليهم كما قال والضالين وهذا كما تقول مررت بزيد لا عمرو وبالعاقل لا الأحمق؟

العاشرة: كيف جرت غير صفة على الموصوف وهي لا تتعرف بالإضافة وليس المحل محل عطف بيان إذ بابه الإعلام ولا محل لذلك إذ المقصود في باب البدل هو الثاني والأول توطئة وفي باب الصفات المقصود الأول والثاني بيان وهذا شأن هذا الموضع فإن المقصود ذكر المنعم عليهم ووصفهم بمغايرتهم معنى الغضب والضلال؟

الحادية عشرة: إذا ثبت ذلك في البدل فالصراط المستقيم مقصود الإخبار عنه بذلك وليس في نية الطرح فكيف جاء صراط الذين أنعمت عليهم بدلا منه وما فائدة البدل هنا؟

الثانية عشرة: أنه قد ثبت في الحديث الذي رواه الترمذي والإمام أحمد وابن أبي حاتم: "تفسير المغضوب عليهم بأنهم اليهود والنصارى بأنهم الضالون" حسن فما وجه هذا التقسيم والاختصاص وكل من الطائفتين ضال مغضوب عليه؟ الثالثة عشرة: لم قدم المغضوب عليهم في اللفظ على الضالين؟

الرابعة عشرة: لم أتى في أهل الغضب بصيغة مفعول المأخوذة من فعل ولم يأت في أهل الضلال بذلك فيقال المضلين بل أتى فيهم بصيغة فاعل المأخوذة من فعل؟

الخامسة عشرة: ما فائدة العطف بـ ﴿لا﴾ هنا ولو قيل: المغضوب عليهم والضالين لم يختل الكلام وكان أوجز؟

السادسة عشرة: إذ قد عطف بها فيأتي العطف بها مع الواو للمنفى نحو ما قام زيد ولا عمرو وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وأما بدون الواو فبابها الإيجاب نحو مررت بزيد لا عمرو؟

السابعة عشرة: هل الهداية هنا هداية التعريف والبيان أو هداية التوفيق والإلهام؟

الثامنة عشرة: كل مؤمن مأمور بهذا الدعاء أمرا لازما لا يقوم غيره مقامه ولا بد منه وهذا إنما نسأله في الصلاة بعد هدايته فما وجه السؤال لأمر حاصل وكيف يطلب تحصيل الحاصل؟

التاسعة عشرة: ما فائدة الإتيان بضمير الجمع في (اهدنا) والداعي يسأل ربه لنفسه في الصلاة وخارجها ولا يليق به ضمير الجمع ولهذا يقول: "رب اغفر لي وارحمني وتب عليَّ"؟

العشرون: ما حقيقة ﴿الصراط المستقيم﴾ الذي يتصوره العبد وقت سؤاله؟

فهذه أربع مسائل حقها أن تقدم أولا ولكن جر الكلام إليها بعد ترتيب المسائل الست عشرة.

الجواب بعون الله وتعليمه: أنه لا علم لأحد من عباده إلا ما علمه ولا قوة له إلا بإعانته.

(فائدة البدل في الدعاء)

لقد وردت الآية في معرض التعليم للعباد والدعاء حق الداعي أن يستشعر عند دعائها ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به إذ الدعاء مخ العبادة والمخ لا يكون إلا في عظم والعظم في لحم ودم فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء وجب أن يكون الطلب ممزوجا بالثناء فمن ثم جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها مشوبا بالخير تصريحا من الداعي بمعتقده وتوسلا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه فكأنه متوسل إليه بإيمانه واعتقاده أن صراط الحق هو الصراط المستقيم وأنه صراط الذين اختصهم بنعمته وحباهم بكرامته فإذا قال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا والداعي يجب عليهم اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه فلذلك أبدل وبين لهم ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان ففي ضمن هذا الدعاء المهم الإخبار بفائدتين جليلتين إحداهما فائدة الخبر والفائدة الثانية فائدة لازم الخبر فأما فائدة الخبر فهي الإخبار عنه بالاستقامة وأنه الصراط المستقيم الذي نصبه لأهل نعمته وكرامته.

وأما فائدة لازم الخبر فإقرار الداعي بذلك وتصديقه وتوسله بهذا الإقرار إلى ربه فهذه أربع فوائد الدعاء بالهداية إليه والخبر عنه بذلك والإقرار والتصديق لشأنه والتوسل إلى المدعو إليه بهذا التصديق وفيه فائدة خامسة وهي أن الداعي إنما أمر بذلك لحاجته إليه وأن سعادته وفلاحه لا تتم إلا به فهو مأمور بتدبير ما يطلب وتصور معناه فذكر له من أوصافه ما إذا تصور في خلده وقام بقلبه كان أشد طلبا له وأعظم رغبة فيه وأحرص على دوام الطلب والسؤال له فتأمل هذه النكت البديعة.

(فصل)

وأما المسألة الثانية وهي تعريف (الصراط) باللام.

اعلم أن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره ألا ترى أن قولك جالس فقيها أو عالما ليس كقولك جالس الفقيه أو العالم ولا قولك أكلت طيبا كقولك أكلت الطيب ألا ترى إلى قوله ﷺ: "أنت الحق ووعدك الحق

وقولك الحق" ثم قال: ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق " رواه البخاري ومسلم فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة وأدخلها على اسم الرب تعالى ووعده وكلامه فإذا عرفت هذا فلو قال اهدنا صراطا مستقيما لكان الداعي إنما يطلب الهداية إلى صراط ما مستقيم على الإطلاق وليس المراد ذلك بل المراد الهداية إلى الصراط المعين الذي نصبه الله تعالى لأهل نعمته وجعله طريقا إلى رضوانه وجنته وهو دينه الذي لا دين له سواه فالمطلوب أمر معين في الخارج والذهن لا شيء مطلق منكر واللام هنا للعهد العلمي الذهني وهو أنه طلب الهداية إلى سر معهود قد قام في القلوب معرفته والتصديق به وتميزه عن سائر طرق الضلال فلم يكن بد من التعريف.

فإن قيل: لم جاء منكرا في قوله لنبيه ﷺ: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟

فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم وهداية رسوله إليه ولم يكن للمخاطبين عهد به ولم يكن معروفا لهم فلم يجئ معرفا بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكر لفظي وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع فالتنكير هو الأصل وهذا بخلاف قوله اهدنا الصراط المستقيم فإنه لما تقرر عند المخاطبين أن لله صراطا مستقيما هدي إليه أنبياءه ورسله وكان المخاطب سبحانه المسئول من هدايته عالما به دخلت اللام عليه فقال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وقال السهيلي: إن قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله ﷺ أعلم فأنزل الله على رسوله ﷺ هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما

في الدين وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظا من الإستقامة إذ الألف واللام تنبيء أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصلة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر أو ما قرب به في الوهم ولا يكون أحق به إلا أن يكون في الآخر طرف منه وغير خاف ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن

أما قوله أن المراد بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾

في الحرب والمكيدة فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسول ﷺ وأخبر النبي ﷺ أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطا مستقيما وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك؟ بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم فسره بقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونصب (دينا) هنا على البدل من الجار والمجرور أي هداني دينا قيما أفتراه يمكنه هاهنا أن يقول إن الحرب والمكيدة فهذا جواب فاسد جدا.

وتأمل: ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها: الفتح المبين

والثاني: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر

والثالث: هدايته الصراط المستقيم

والرابع: إتمام نعمته عليه

والخامس: إعطاء النصر العزيز، وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح فإن الهدى هو العلم بالله تعالى ودينه والعمل بمرضاته وطاعته فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر القلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد وهو سبحانه كثيرا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾

في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فهذا الهدى

ثم قال: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر

وقال تعالى: ﴿ألم اللَّهُ لا إلَهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾

فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم ومن هذا قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين﴾ فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية ولم يصب من قال: إن الواو زائدة وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في "الأمالي المكية" فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر وأنه لا يصح فيها غير ذلك ألبتة.

وأما جوابه الثاني عن قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بأنه لو عرف لجعل للكفر والضلال حظا من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم أفترى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة وما ثم غيره إلا طرق الضلال وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله تعالى إليه أنبياءه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال إنه يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة؟

بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة فإن فإن التعريف في قوة الحصر فكأنه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة فتأمله. هنا وفي نظائره.

(فصل)

وأما المسألة الثالثة: وهي اشتقاق الصراط

فالمشهور أنه من صرطت الشيء أصرطه إذا بلعته بلعا سهلا فسمي الطريق صراطا لأنه يسترط المارة فيه والصراط ما جمع خمسة أوصاف أن يكون طريقا مستقيما سهلا مسلوكا واسعا موصلا إلى المقصود فلا تسمي العرب الطريق المعوج صراطا ولا الصعب المشتق ولا المسدود غير الموصول ومن تأمل موارد الصراط في لسانهم واستعمالهم تبين له ذلك قال جرير:

؎أمير المؤمنين على صراط ∗∗∗ إذا أعوج الموارد مستقيم

وبنوا الصراط على زنة فعال لأنه مشتمل على سالكه اشتمال الحلق على الشيء المسروط وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء والغطاء والفراش والكتاب إلى سائر الباب يأتي لثلاثة معان أحدها: المصدر كالقتال والضراب والثاني: المفعول نحو الكتاب والبناء والغراس والثالث: أنه يقصد به قصد الآلة التي يحصل بها الفعل ويقع بها كالخمار والغطاء والسداد لما يخمر به ويغطى ويسد به فهذا آلة محضة والمفعول هو الشيء المخمر والمغطى والمسدود ومن هذا القسم الثالث إله بمعنى مألوه وأما ذكره له بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وتعبيرهم عنه هاهنا بالطريق فيه نكتة بديعة وهي أنهم قدموا قبله ذكر موسى وأن الكتاب الذي سمعوه مصدقا لما بين يديه من كتاب موسى وغيره فكان فيه كالنبأ عن رسول الله ﷺ في قوله لقومه: ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لم أكن أول رسول بعث إلى أهل الأرض بل قد تقدمت رسل من الله إلى الأمم وإنما بعثت مصدقا لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان فقال مؤمنوا الجن: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله وإنه ليس بدع كما قال في أول السورة نفسها فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ الطريق لأنه فعيل بمعنى مفعول أي مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل فحقيق على من صدق رسل الله وآمن بهم أن يؤمن به ويصدقه فذكر الطريق هاهنا إذا أولى لأنه أدخل في باب الدعوة والتنبيه على تعين أتباعه والله أعلم ثم رأيت هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي فوافق فيه الخاطر الخاطر.

(فصل)

وأما المسألة الرابعة: وهي إضافته إلى الموصول المبهم دون أن يقول صراط النبيين والمرسلين

ففيه ثلاث فوائد: إحداها: إحضار العلم وإشعار الذهن عند سماع هذا فإن استحقاق كونهم من المنعم عليهم هو بهدايتهم إلى هذا الصراط فبه صاروا من أهل النعمة وهذا كما يعلق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد لما فيه من الإنعام باستحقاق ما علق عليها من الحكم بها وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا الباب مطرد فالإتيان بالاسم موصولا على هذا المعنى من ذكر الاسم الخاص الفائدة الثانية: إشارة إلى أن نفي التقليد عن القلب واستشعار العلم بأن من هدى إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه فالسائل مستشعر سؤاله الهداية وطلب الإنعام من الله عليه والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يتضمن الإخبار بأن أهل النعمة هم أهل الهداية إليه والثاني يتضمن الطلب والإرادة وأن تكون منه الفائدة الثالثة: أن الآية عامة في جميع طبقات المنعم عليهم ولو أتى باسم خاص لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم فكان في الإتيان بالاسم العام من الفائدة أن المسئول الهدى إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذا أجل مطلوب وأعظم مسئول ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هجيرا وقرنه بأنفاسه فإنه لم يدع شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمنه ولما كان بهذه المثابة فرضه الله على جميع عباده فرضا متكررا في اليوم والليلة لا يقوم غيره مقامه ومن ثم يعلم تعين الفاتحة في الصلاة وأنها ليس منها عوض يقوم مقامها.

(فصل)

وأما المسألة الخامسة وهي أنه قال: ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل المنعم عليهم كما قال المغضوب عليهم فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد وفيه فوائد عديدة إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبني الفعل معها للمفعول فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبني الفعل معها للمفعول أدبا في الخطاب وإضافته إلى الله تعالى أشرف قسمي أفعاله فمنه هذه الآية فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها ولما ذكر الغضب حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول فقال: ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وقال في الإحسان ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ ونظيره قول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى ولما جاء إلى ذكر المرض قال وإذا مرضت ولم يقل أمرضني وقال فهو يشفين ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول ومنه قول الخضر عليه الصلاة والسلام في السفينة: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ فأضاف العيب إلى نفسه وقال في الغلامين: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل ومنه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ إلى آخرها ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكُمْ﴾ إلى آخرها ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ وتأمل قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ كيف صرح بفاعل التحريم في هذا الموضع وقال في حق المؤمنين: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾

الفائدة الثانية: أن الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها وأصل الشكر ذكر المنعم والعمل بطاعته وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر وكان في قوله: ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من ذكره وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском