Ibn al-QayyimAl‑Fatihah · 1:7

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Fatihah 1:7, continued

وهدى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومن الأبنية ثم تسلك سبل ربها مذللة لها لا تستعصي عليها ثم تأوي إلى بيوتها وهداها إلى طاعة يعسوبها واتباعه والائتمام به أين توجه بها ثم هداها إلى بناء البيوت العجيبة الصنعة المحكمة البناء ومن تأمل بعض هدايته المثبوتة في العالم شهد له بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم وانتقل من معرفة هذه الهداية إلى إثبات النبوة بأيسر نظر وأول وهلة وأحسن طريق وأخصرها وأبعدها من كل شبهة فإنه لم يهمل هذه الحيوانات سدى ولم يتركها معطلة بل هداها إلى هذه الهداية التي تعجز عقول العقلاء عنها كيف يليق به أن يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملا وسدى معطلا لا يهديه إلى أقصى كمالاته وأفضل غاياته بل يتركه معطلا لا يأمره ولا ينهاه ولا يثبه ولا يعاقبه وهل هذا إلا مناف لحكمته ونسبته له مما لا يليق بجلاله ولهذا أنكر ذلك على من زعمه ونزه نفسه عنه وبين أنه يستحيل نسبة ذلك إليه وأنه يتعالى عنه فقال تعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ فنزه نفسه عن هذا الحسبان فدل على أنه مستقر بطلانه في الفطر السليمة والعقول المستقيمة وهذا أحد ما يدل على إثبات المعاد بالعقل وأنه مما تظاهر عليه العقل والشرع وكما هو أصح الطريقين في ذلك ومن فهم هذا فهم سر اقتران قوله تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة وأن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه بل جعلها أمما وهداها إلى غاياتها ومصالحها وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها.

النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا ومنها قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وفي قوله: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾

وفي قول النبي ﷺ: "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له "

رواه مسلم وأحمد والبيهقي.

وفي قوله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

النوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾

وقال أهل الجنة فيها: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ وقال تعالى عن أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾

إذا عرف هذا فالهداية المسئولة في قوله: ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام طلب التعريف والبيان والتوفيق.

فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له وكذلك الإلهام والتوفيق؟

قلنا: لقد أجيب عنها بأن المراد التثبيت ودوام الهداية.

واعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور هو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها الأمر الأول معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبا للرب تعالى مرضيا له فيؤثره وكونه مغضوبا له مسخوطا عليه فيجتنبه فإن نقص من هذا العلم والمعرفة شيء نقص من الهداية التامة بحسبه الأمر الثاني: أن يكون مريد الجميع ما يحب الله منه أن يفعله عازما عليه ومريدا لترك جميع ما نهى الله عازما على تركه بعد خطوره بالبال مفصلا وعازما على تركه من حيث الجملة مجملا فإن نقص من إرادته لذلك شيء نقص من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة الأمر الثالث أن يكون قائما به فعلا وتركا فإن نقص من فعله شيء نقص من هداه بحسبه فهذه ثلاثة هي أصول في الهداية ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها

أحدها: أمور هدي إليها جملة ولم يهتد إلى تفاصيلها فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها

الثاني: أمرو هدي إليها من وجه دون وجه فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها لتكمل له هدايتها

الثالث: الأمور التي هدي إليها تفصيلا من جميع وجوهها فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها فهذه أصول تتعلق بما يعزم على فعله وتركه الأمر السابع يتعلق بالماضي وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها وإذا كان كذلك فإنما يقال كيف يسأل الهداية وهي موجودة له ثم يجاب عن ذلك بأن المراد التثبيت والدوام عليها إذا كانت هذه المراتب حاصلة له بالفعل فحينئذ يكون سؤاله الهداية سؤال تثبيت ودوام فأما إذا كان ما يجهله أضعاف ما يعلمه وما لا يريده من رشده أكثر مما يريده ولا سبيل له إلى فعله إلا بأن يخلق الله فاعليه فيه فالمسئول هو أصل الهداية على الدوام تعليما وتوفيقا وخلقا للإرادة فيه وإقدارا له وخلقا للفاعلية وتثبيتا له على ذلك فعلم أنه ليس أعظم ضرورة منه إلى سؤال الهداية أصلها وتفصيلها علما وعملا والتثبيت عليها والدوام إلى الممات وسر ذلك أن العبد مفتقر إلى الهداية في كل نفس في جميع ما يأتيه ويذره أصلا وتفصيلا وتثبيتا ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج من سؤال الهداية فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يثبت قلوبنا على دينه.

(فصل)

أما المسألة التاسعة عشرة: وهي الإتيان بالضمير في قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ ضمير جمع

فقد قال بعض الناس في جوابه: إن كل عضو من أعضاء العبد وكل حاسة ظاهرة وباطنة مفتقرة إلى هداية خاصة به فأتى بصيغة الجمع تنزيلا لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه وعرضت هذا الجواب على شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه فاستضعفه جدا وهو كما قال: "فإن الإنسان اسم للجملة لا لكل جزء من أجزائه وعضو من أعضائه" والقائل إذا قال: "اغفر لي وارحمني واجبرني وأصلحني واهدني" سائل من الله ما يحصل لجملته ظاهره وباطنه فلا يحتاج أن يستشعر لكل عضو مسألة تخصه يفرد لها لفظه فالصواب أن يقال هذا مطابق لقوله: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك فيكون هذا أحسن وأعظم موقعا عند الملك من أن يقول أنا عبدك ومملوكك ولهذا لو قال أنا وحدي مملوكك استدعى مقته فإذا قال أنا وكل من في البلد مماليكك وعبيدك وجند لك كان أعظم وأفخم لأن ذلك يتضمن أن عبيدك كثير جدا وأنا واحد منهم وكلنا مشتركون في عبوديتك والاستعانة بك وطلب الهداية منك فقد تضمن ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد فتأمله.

وإذا تأملت أدعية القرآن رأيت عامتها على هذا النمط نحو: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ونحو دعاء آخر البقرة وآخر آل عمران وأولها وهو أكثر أدعية القرآن الكريم.

(فصل)

المسألة العشرون: وهي ما هو (الصراط المستقيم)؟

فنذكر فيه قولا وجيزا فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه ولا طريق لهم إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة فلا يشرك به أحدا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدا في طاعته فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول وهذا معنى قول بعض العارفين: "إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبته وحسن معاملته" وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته الأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهادي ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل له وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها وهي معنى قول من قال علوم وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مشكاة النبوة ومعنى قول من قال: متابعة رسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا علما وعملا ومعنى قول من قال: الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره وأما ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس وقول من قال: حب أبي بكر وعمر وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمس التي بني عليها فكل هذه الأقوال تمثيل وتنويع لا تفسير مطابق له بل هي جزء من أجزائه وحقيقته الجامعة ما تقدم.

والله أعلم.

[الجَهْرِ بِـ (آمِينَ) في الصَّلاةِ]

تَرْكُ السُّنَّةِ المُحْكَمَةِ الصَّحِيحَةِ في الجَهْرِ بِآمِينَ في الصَّلاةِ كَقَوْلِهِ في الصَّحِيحَيْنِ: «إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا فَإنَّهُ مَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»

وَلَوْلا جَهْرُهُ بِالتَّأْمِينِ لَما أمْكَنَ المَأْمُومُ أنْ يُؤَمِّنَ مَعَهُ ويُوافِقَهُ في التَّأْمِينِ.

وَأصْرَحُ مِن هَذا حَدِيثُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ حُجْرٌ بْنِ عَنْبَسٍ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٌ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قالَ ولا الضّالِّينَ قالَ آمِينَ، ورَفَعَ بِها صَوْتَهُ».

وَفِي لَفْظٍ: «وَطَوَّلَ بِها»

رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.

وَقَدْ خالَفَ شُعْبَةُ سُفْيانَ في هَذا الحَدِيثِ فَقالَ: «وَخَفَضَ بِها صَوْتَهُ»

وَحُكْمُ أئِمَّةِ الحَدِيثِ وحُفّاظِهِ في هَذا لِسُفْيانَ فَقالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ يَقُولُ: حَدِيثُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ في هَذا البابِ أصَحُّ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ، أخْطَأ شُعْبَةُ في هَذا الحَدِيثِ في مَواضِعَ، فَقالَ: " عَنْ حُجْرٌ أبِي العَنْبَسِ "

وَإنَّما كُنْيَتُهُ أبُو السَّكَنِ، وزادَ فِيهِ عَلْقَمَةُ بْنُ وائِلٍ، وإنَّما هو حُجْرٌ بْنُ عَنْبَسٍ عَنْ وائِلِ بْنِ حُجْرٌ، لَيْسَ فِيهِ عَلْقَمَةُ، وقالَ: «وَخَفَضَ بِها صَوْتَهُ»

والصَّحِيحُ أنَّهُ جَهَرَ بِها.

قالَ التِّرْمِذِيُّ: وسَألْت أبا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثِ سُفْيانَ وشُعْبَةَ هَذا، فَقالَ: حَدِيثُ سُفْيانَ أصَحُّ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ، وقَدْ رَوى العَلاءُ بْنُ صالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ نَحْوَ رِوايَةِ سُفْيانَ، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: كَذا قالَ شُعْبَةُ: «وَأخْفى بِها صَوْتَهُ» ويُقالُ: إنّهُ وهَمَ فِيهِ؛ لِأنَّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ ومُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وغَيْرَهُما رَوَوْهُ عَنْ سَلَمَةَ فَقالُوا: «وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ»

وَهُوَ الصَّوابُ.

وَقالَ البَيْهَقِيُّ: لا أعْلَمُ اخْتِلافًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ أنَّ سُفْيانَ وشُعْبَةَ إذا اخْتَلَفا فالقَوْلُ قَوْلُ سُفْيانَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: لَيْسَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِن شُعْبَةَ، ولا يَعْدِلُهُ عِنْدِي أحَدٌ، وإذا خالَفَهُ سُفْيانُ أخَذْت بِقَوْلِ سُفْيانَ، وقالَ شُعْبَةُ: سُفْيانُ أحْفَظُ مِنِّي؛ فَهَذا تَرْجِيحٌ لِرِوايَةِ سُفْيانَ، وتَرْجِيحٌ ثانٍ: وهو مُتابَعَةُ العَلاءِ بْنِ صالِحٍ ومُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ لَهُ، وتَرْجِيحٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ أبا الوَلِيدِ الطَّيالِسِيَّ - وحَسْبُك بِهِ رَواهُ عَنْ شُعْبَةَ بِوِفاقِ الثَّوْرِيِّ في مَتْنِهِ، فَقَدْ اخْتُلِفَ عَلى شُعْبَةَ كَما تَرى.

قالَ البَيْهَقِيُّ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فَعادَ إلى الصَّوابِ في مَتْنِهِ، وتَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ في إسْنادِهِ، وتَرْجِيحٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الرِّوايَتَيْنِ لَوْ تَقاوَمَتا لَكانَتْ رِوايَةُ الرَّفْعِ مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةٍ وكانَتْ أوْلى بِالقَبُولِ، وتَرْجِيحٌ خامِسٌ: وهو مُوافَقَتُها وتَفْسِيرُها لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «وَإذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا، فَإنَّ الإمامَ يَقُولُ آمِينَ والمَلائِكَةُ تَقُولُ: آمِينَ، فَمَن وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ». وتَرْجِيحٌ سادِسٌ: وهو ما رَواهُ الحاكِمُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ أُمِّ القُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ» ولِأبِي داوُد بِمَعْناهُ، وزادَ بَيانًا فَقالَ: «قالَ آمِينَ حَتّى يَسْمَعَ مَن يَلِيه مِن الصَّفِّ الأوَّلِ» وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قالَ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: آمِينَ يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ، ويَأْمُرُ بِذَلِكَ».

وَذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهِهِ قالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ إذا قَرَأ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾»

وَعَنْهُ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ إذا قَرَأ ولا الضّالِّينَ رَفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ»

وَعِنْدَ أبِي داوُد عَنْ «بِلالٍ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ».

قالَ الرَّبِيعُ: سُئِلَ الشّافِعِيُّ عَنْ الإمامِ: هَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِآمِينَ؟ قالَ: نَعَمْ، ويَرْفَعُ بِها مَن خَلْفَهُ أصْواتَهُمْ، فَقُلْت: وما الحُجَّةُ؟ فَقالَ: أنْبَأنا مالِكٌ، وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ، ثُمَّ قالَ: فَفي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا» دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ أمَرَ الإمامَ أنْ يَجْهَرَ بِآمِينَ؛ لِأنَّ مَن خَلْفَهُ لا يَعْرِفُونَ وقْتَ تَأْمِينِهِ إلّا بِأنْ يَسْمَعَ تَأْمِينَهُ، ثُمَّ بَيَّنَهُ ابْنُ شِهابٍ فَقالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ»، فَقُلْت لِلشّافِعِيِّ: فَإنّا نَكْرَهُ لِلْإمامِ أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِآمِينَ، فَقالَ: هَذا خِلافُ ما رَوى صاحِبُنا وصاحِبُكم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا وعِنْدَهم عِلْمٌ إلّا هَذا الحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْ مالِكٍ فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَدِلَّ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْهَرُ بِآمِينَ، وأنَّهُ أمَرَ الإمامَ أنْ يَجْهَرَ بِها، فَكَيْفَ ولَمْ يَزَلْ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ؟ ورَوى وائِلُ بْنُ حُجْرٌ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: كانَ يَقُولُ آمِينَ يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ» ويَحْكِي مَدَّهُ إيّاها.

وَكانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِلْإمامِ: لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ، وكانَ يُؤَذِّنُ لَهُ، أنْبَأنا مُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: كُنْت أسْمَعُ الأئِمَّةَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ومَن بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ ومَن خَلَفَهم آمِينَ، حَتّى إنّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً.

وَقَوْلُهُ: «كانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِلْإمامِ لا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» يُرِيدُ ما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي رافِعٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، فاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أنْ لا يَسْبِقَهُ بِالضّالِّينَ، حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلى الصَّفِّ، فَكانَ مَرْوانُ إذا قالَ: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: (آمِينَ) يَمُدُّ بِها صَوْتَهُ، وقالَ: إذا وافَقَ تَأْمِينُ أهْلِ الأرْضِ تَأْمِينَ أهْلِ السَّماءِ غُفِرَ لَهم. وقالَ عَطاءٌ: أدْرَكْت مِائَتَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذا المَسْجِدِ إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] سَمِعْت لَهم رَجَّةً بِآمِينَ. فَرُدَّ هَذا كُلُّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] واَلَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ هو الَّذِي رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّأْمِينِ، واَلَّذِينَ أُمِرُوا بِها رَفَعُوا بِهِ أصْواتَهُمْ، ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ الآيَةِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ ما.

((الجزء الثاني))

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском