Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Falaq 113:5, continued
هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلهم معه على خصمه. فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير، وهو مسيء إليه.
وجد قلبه وداءه وهمته مع المحسن على المسيء. وذلك أمر فطري، فطر الله عليه عباده. فهو بهذا الإحسان، قد استخدم عسكرا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعا ولا خبزا.
هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملكه بإحسانه، فيستعبده وينقاد له، ويذل له، ويبقى الناس إليه. وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره، إن أقام على إساءته إليه. فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة. والله هو الموفق والمعين. بيده الخير كله، لا إله غيره، وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه.
وفي الجملة: ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد عاجلة وآجلة. سنذكرها في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها، وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه. فهو الذي يحسن عبده بها.
وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه. قال تعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما
«واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك».
فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمنا بالله فالله يدافع عنه ولا بد. وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه.
فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج، مزج له. وإن كان مرة الله عليه جملة. ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.
فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء. ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.
هذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى الله وإقباله عليه، وتوكله عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه. ولا يرجو إلا إياه. ومتى علّق قلبه بغيره ورجاه وخافه: وكل إليه وخذل من جهته، فمن خاف شيئا غير الله سلّط عليه. ومن رجا شيئا سوى الله خذل من جهته وحرم خيره. هذه سنة الله في خلقه. ولن تجد لسنة الله تبديلا.
(فصل)
فقد عرفت بعض ما اشتملت عليه هذه السورة من القواعد النافعة المهمة التي لا غنى للعبد عنها في دينه ودنياه، ودلت على أن نفوس الحاسدين وأعينهم لها تأثير، وعلى أن الأرواح الشيطانية لها تأثير بواسطة السحر والنّفث في العقد.
وقد افترق العالم في هذا المقام أربع فرق.
ففرقة: أنكرت تأثير هذا وهذا. وهم فرقتان.
فرقة: اعترفت بوجود النفوس الناطقة والجن، وأنكرت تأثيرهما ألبتة.
وهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقوى والتأثيرات.
وفرقة أنكرت وجودهما بالكلية. وقالت: لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل المحسوس، وصفاته وأعراضه فقط. ولا وجود للجن والشياطين سوى أعراض قائمة به. وهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى الإسلام. وهو قول شذاذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف، وشهدوا عليهم بالبدعة والضلالة.
الفرقة الثانية: أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن، وأقرت بوجود الجن والشياطين، وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم.
الفرقة الثالثة: بالعكس، أقرت وجود النفس الناطقة المفارقة البدن، وأنكرت وجود الجن والشياطين. وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها. وهذا قول كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم.
وهؤلاء يقولون إن ما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة فهو من تأثيرات النفس، ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس وحدها، بغير واسطة شيطان منفصل، وابن سينا وأتباعه على هذا القول، حتى إنهم يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب.
ويقولون إنما هي من تأثيرات النفس في هيولى العالم.
وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل. ليسوا من أتباع الرسل جملة.
الفرقة الرابعة: وهم أتباع الرسل، وأهل الحق: أقروا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن، وأقروا بوجود الجن والشياطين، وأثبتوا ما أثبته الله تعالى من صفاتهما، وشرهما، واستعاذوا بالله منه. وعلموا أنه لا يعيذهم منه، ولا يجيرهم إلّا الله.
فهؤلاء أهل الحق. ومن عداهم مفرط في الباطل، أو معه باطل وحق. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فهذا ما يسر الله من الكلام على سورة الفلق.
[فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ المُصابِ بِالعَيْنِ]
فَصْلٌ
فُصُولٌ في هَدْيِهِ ﷺ في العِلاجِ بِالأدْوِيَةِ الرُّوحانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ المُفْرَدَةِ، والمُرَكَّبَةِ مِنها، ومِنَ الأدْوِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ المُصابِ بِالعَيْنِ
رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ».
وَفِي " صَحِيحِهِ " أيْضًا عَنْ أنس، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «رَخَّصَ في الرُّقْيَةِ مِنَ الحُمَةِ والعَيْنِ والنَّمْلَةِ»
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «العَيْنُ حَقٌّ».
وَفِي سُنَنِ أبي داود " عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «كانَ يُؤْمَرُ العائِنُ فَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنهُ المَعِينُ».
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عائشة قالَتْ: «أمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ، أوْ أمَرَ أنْ نَسْتَرْقِيَ مِنَ العَيْنِ».
وَذَكَرَ الترمذي، مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عروة بن عامر، عَنْ عبيد بن رفاعة الزرقي «أنَّ أسماء بنت عميس، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بَنِي جَعْفَرٍ تُصِيبُهُمُ العَيْنُ أفَأسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقالَ: " نَعَمْ فَلَوْ كانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ القَضاءَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ» قالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: «رَأى عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ، فَقالَ: واللَّهِ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ولا جِلْدَ مُخَبَّأةٍ، قالَ: فَلُبِطَ سهل، فَأتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامرا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وقالَ: " عَلامَ يَقْتُلُ أحَدُكم أخاهُ ألا بَرَّكْتَ اغْتَسِلْ لَهُ "، فَغَسَلَ لَهُ عامر: وجْهَهُ ويَدَيْهِ، ومِرْفَقَيْهِ، ورُكْبَتَيْهِ، وأطْرافَ رِجْلَيْهِ، وداخِلَةَ إزارِهِ في قَدَحٍ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ، فَراحَ مَعَ النّاسِ».
وَرَوى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - أيْضًا عَنْ محمد بن أبي أمامة بن سهل، عَنْ أبِيهِ هَذا الحَدِيثَ وقالَ فِيهِ: " «إنَّ العَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأْ لَهُ "فَتَوَضَّأ لَهُ».
وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنِ ابن طاووس، عَنْ أبِيهِ مَرْفُوعًا: «العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ، لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذا اسْتُغْسِلَ أحَدُكم فَلْيَغْتَسِلْ»
وَوَصْلُهُ صَحِيحٌ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: يُؤْمَرُ الرَّجُلُ العائِنُ بِقَدَحٍ، فَيُدْخِلُ كَفَّهُ فِيهِ، فَيَتَمَضْمَضُ، ثُمَّ يَمُجُّهُ في القَدَحِ، ويَغْسِلُ وجْهَهُ في القَدَحِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُسْرى فَيَصُبُّ عَلى رُكْبَتِهِ اليُمْنى في القَدَحِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنى فَيَصُبُّ عَلى رُكْبَتِهِ اليُسْرى، ثُمَّ يَغْسِلُ داخِلَةَ إزارِهِ، ولا يُوضَعُ القَدَحُ في الأرْضِ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ الَّذِي تُصِيبُهُ العَيْنُ مِن خَلْفِهِ صَبَّةً واحِدَةً.
والعَيْنُ عَيْنانِ عَيْنٌ إنْسِيَّةٌ، وعَيْنٌ جِنِّيَّةٌ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أم سلمة، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في بَيْتِها جارِيَةً في وجْهِها سَفْعَةٌ، فَقالَ: «اسْتَرْقُوا لَها، فَإنَّ بِها النَّظْرَةَ».
قالَ الحسين بن مسعود الفراء: وقَوْلُهُ " سَفْعَةٌ " أيْ نَظْرَةٌ يَعْنِي: مِنَ الجِنِّ، يَقُولُ بِها عَيْنٌ أصابَتْها مِن نَظَرِ الجِنِّ أنْفَذُ مِن أسِنَّةِ الرِّماحِ.
وَيُذْكَرُ عَنْ جابر يَرْفَعُهُ «إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ».
وَعَنْ أبي سعيد، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «كانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الجانِّ، ومِن عَيْنِ الإنْسانِ».
فَأبْطَلَتْ طائِفَةٌ مِمَّنْ قَلَّ نَصِيبُهم مِنَ السَّمْعِ والعَقْلِ أمْرَ العَيْنِ، وقالُوا: إنَّما ذَلِكَ أوْهامٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهَؤُلاءِ مِن أجْهَلِ النّاسِ بِالسَّمْعِ والعَقْلِ، ومِن أغْلَظِهِمْ حِجابًا، وأكْثَفِهِمْ طِباعًا، وأبْعَدِهِمْ مَعْرِفَةً عَنِ الأرْواحِ والنُّفُوسِ. وصِفاتِها وأفْعالِها وتَأْثِيراتِها، وعُقَلاءُ الأُمَمِ عَلى اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ ونِحَلِهِمْ لا تَدْفَعُ أمْرَ العَيْنِ، ولا تُنْكِرُهُ، وإنِ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ وجِهَةِ تَأْثِيرِ العَيْنِ.
فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ العائِنَ إذا تَكَيَّفَتْ نَفْسُهُ بِالكَيْفِيَّةِ الرَّدِيئَةِ انْبَعَثَ مِن عَيْنِهِ قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالمَعِينِ، فَيَتَضَرَّرُ. قالُوا: ولا يُسْتَنْكَرُ هَذا، كَما لا يُسْتَنْكَرُ انْبِعاثُ قُوَّةٍ سُمِّيَّةٍ مِنَ الأفْعى تَتَّصِلُ بِالإنْسانِ، فَيَهْلَكُ، وهَذا أمْرٌ قَدِ اشْتُهِرَ عَنْ نَوْعٍ مِنَ الأفاعِي أنَّها إذا وقَعَ بَصَرُها عَلى الإنْسانِ هَلَكَ، فَكَذَلِكَ العائِنُ.
وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: لا يُسْتَبْعَدُ أنْ يَنْبَعِثَ مِن عَيْنِ بَعْضِ النّاسِ جَواهِرُ لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، فَتَتَّصِلُ بِالمَعِينِ، وتَتَخَلَّلُ مَسامَّ جِسْمِهِ، فَيَحْصُلُ لَهُ الضَّرَرُ.
وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: قَدْ أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِخَلْقِ ما يَشاءُ مِنَ الضَّرَرِ عِنْدَ مُقابَلَةِ عَيْنِ العائِنِ لِمَن يَعِينُهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنهُ قُوَّةٌ، ولا سَبَبٌ، ولا تَأْثِيرٌ أصْلًا، وهَذا مَذْهَبُ مُنْكِرِي الأسْبابِ والقُوى والتَّأْثِيراتِ في العالَمِ، وهَؤُلاءِ قَدْ سَدُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بابَ العِلَلِ والتَّأْثِيراتِ، والأسْبابِ وخالَفُوا العُقَلاءَ أجْمَعِينَ.
وَلا رَيْبَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ في الأجْسامِ والأرْواحِ قُوًى وطَبائِعَ مُخْتَلِفَةً، وجَعَلَ في كَثِيرٍ مِنها خَواصَّ وكَيْفِيّاتٍ مُؤَثِّرَةً ولا يُمْكِنُ لِعاقِلٍ إنْكارُ تَأْثِيرِ الأرْواحِ في الأجْسامِ، فَإنَّهُ أمْرٌ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ.
وَأنْتَ تَرى الوَجْهَ كَيْفَ يَحْمَرُّ حُمْرَةً شَدِيدَةً، إذا نَظَرَ إلَيْهِ مِن يَحْتَشِمُهُ ويَسْتَحِي مِنهُ، ويَصْفَرُّ صُفْرَةً شَدِيدَةً عِنْدَ نَظَرِ مَن يَخافُهُ إلَيْهِ، وقَدْ شاهَدَ النّاسُ مَن يَسْقَمُ مِنَ النَّظَرِ وتَضْعُفُ قُواهُ، وهَذا كُلُّهُ بِواسِطَةِ تَأْثِيرِ الأرْواحِ، ولِشِدَّةِ ارْتِباطِها بِالعَيْنِ يُنْسَبُ الفِعْلُ إلَيْها، ولَيْسَتْ هي الفاعِلَةَ، وإنَّما التَّأْثِيرُ لِلرُّوحِ، والأرْواحُ مُخْتَلِفَةٌ في طَبائِعِها وقُواها وكَيْفِيّاتِها وخَواصِّها، فَرُوحُ الحاسِدِ مُؤْذِيَةٌ لِلْمَحْسُودِ أذًى بَيِّنًا.
وَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ أنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِن شَرِّهِ، وتَأْثِيرُ الحاسِدِ في أذى المَحْسُودِ أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن هو خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإنْسانِيَّةِ، وهو أصْلُ الإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَإنَّ النَّفْسَ الخَبِيثَةَ الحاسِدَةَ تَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ خَبِيثَةٍ، وتُقابِلُ المَحْسُودَ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ بِتِلْكَ الخاصِّيَّةِ، وأشْبَهُ الأشْياءِ بِهَذا الأفْعى، فَإنَّ السُّمَّ كامِنٌ فِيها بِالقُوَّةِ، فَإذا قابَلَتْ عَدُوَّها انْبَعَثَتْ مِنها قُوَّةٌ غَضَبِيَّةٌ، وتَكَيَّفَتْ بِكَيْفِيَّةٍ خَبِيثَةٍ مُؤْذِيَةٍ.
فَمِنها: ما تَشْتَدُّ كَيْفِيَّتُها وتَقْوى حَتّى تُؤَثِّرَ في إسْقاطِ الجَنِينِ.
وَمِنها: ما تُؤَثِّرُ في طَمْسِ البَصَرِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الأبْتَرِ وذِي الطُّفْيَتَيْنِ مِنَ الحَيّاتِ: «إنَّهُما يَلْتَمِسانِ البَصَرَ، ويُسْقِطانِ الحَبَلَ».
وَمِنها: ما تُؤَثِّرُ في الإنْسانِ كَيْفِيَّتُها بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ مِن غَيْرِ اتِّصالٍ بِهِ، لِشِدَّةِ خُبْثِ تِلْكَ النَّفْسِ، وكَيْفِيَّتِها الخَبِيثَةِ المُؤَثِّرَةِ، والتَّأْثِيرُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلى الِاتِّصالاتِ الجِسْمِيَّةِ، كَما يَظُنُّهُ مَن قَلَّ عِلْمُهُ ومَعْرِفَتُهُ بِالطَّبِيعَةِ والشَّرِيعَةِ، بَلِ التَّأْثِيرُ يَكُونُ تارَةً بِالِاتِّصالِ، وتارَةً بِالمُقابَلَةِ، وتارَةً بِالرُّؤْيَةِ، وتارَةً بِتَوَجُّهِ الرُّوحِ نَحْوَ مَن يُؤَثِّرُ فِيهِ، وتارَةً بِالأدْعِيَةِ، والرُّقى، والتَّعَوُّذاتِ، وتارَةً بِالوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، ونَفْسُ العائِنِ لا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُها عَلى الرُّؤْيَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أعْمى، فَيُوصَفُ لَهُ الشَّيْءُ فَتُؤَثِّرُ نَفْسُهُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَرَهُ، وكَثِيرٌ مِنَ العائِنِينَ يُؤَثِّرُ في المَعِينِ بِالوَصْفِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وقَدْ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم:٥١].
وَقالَ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ - مِن شَرِّ ما خَلَقَ - ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ - ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ - ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١-٥].
فَكُلُّ عائِنٍ حاسِدٌ، ولَيْسَ كُلُّ حاسِدٍ عائِنًا، فَلَمّا كانَ الحاسِدُ أعَمَّ مِنَ العائِنِ، كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ مِنهُ اسْتِعاذَةً مِنَ العائِنِ، وهي سِهامٌ تَخْرُجُ مِن نَفْسِ الحاسِدِ والعائِنِ نَحْوَ المَحْسُودِ والمَعِينِ تُصِيبُهُ تارَةً، وتُخْطِئُهُ تارَةً، فَإنْ صادَفَتْهُ مَكْشُوفًا لا وِقايَةَ عَلَيْهِ، أثَّرَتْ فِيهِ، ولا بُدَّ وإنْ صادَفَتْهُ حَذِرًا شاكِيَ السِّلاحِ لا مَنفَذَ فِيهِ لِلسِّهامِ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ، ورُبَّما رُدَّتِ السِّهامُ عَلى صاحِبِها، وهَذا بِمَثابَةِ الرَّمْيِ الحِسِّيِّ سَواءً، فَهَذا مِنَ النُّفُوسِ والأرْواحِ وذاكَ مِنَ الأجْسامِ والأشْباحِ.
وَأصْلُهُ مِن إعْجابِ العائِنِ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ تَتْبَعُهُ كَيْفِيَّةُ نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ، ثُمَّ تَسْتَعِينُ عَلى تَنْفِيذِ سُمِّها بِنَظْرَةٍ إلى المَعِينِ، وقَدْ يَعِينُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ، وقَدْ يَعِينُ بِغَيْرِ إرادَتِهِ، بَلْ بِطَبْعِهِ، وهَذا أرْدَأُ ما يَكُونُ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وقَدْ قالَ أصْحابُنا وغَيْرُهم مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّ مَن عُرِفَ بِذَلِكَ، حَبَسَهُ الإمامُ، وأجْرى لَهُ ما يُنْفِقُ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ، وهَذا هو الصَّوابُ قَطْعًا.
[فَصْلٌ: عِلاجُ المَعْيُونِ بِالتَّعَوُّذاتِ والرُّقى]
فَصْلٌ
والمَقْصُودُ: العِلاجُ النَّبَوِيُّ لِهَذِهِ العِلَّةِ، وهو أنْواعٌ، وقَدْ رَوى أبو داود في " سُنَنِهِ " عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: «مَرَرْنا بِسَيْلٍ، فَدَخَلْتُ، فاغْتَسَلْتُ فِيهِ، فَخَرَجْتُ مَحْمُومًا، فَنُمِيَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: " مُرُوا أبا ثابت يَتَعَوَّذُ " قالَ: فَقُلْتُ: يا سَيِّدِي! والرُّقى صالِحَةٌ؟ فَقالَ: لا رُقْيَةَ إلّا في نَفْسٍ أوْ حُمَةٍ أوْ لَدْغَةٍ».
والنَّفْسُ: العَيْنُ، يُقالُ: أصابَتْ فُلانًا نَفْسٌ، أيْ: عَيْنٌ.
والنّافِسُ: العائِنُ. واللَّدْغَةُ - بِدالٍ مُهْمَلَةٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ - وهي ضَرْبَةُ العَقْرَبِ ونَحْوَها.
فَمِنَ التَّعَوُّذاتِ والرُّقى الإكْثارُ مِن قِراءَةِ المُعَوِّذَتَيْنِ، وفاتِحَةِ الكِتابِ، وآيَةِ الكُرْسِيِّ، ومِنها التَّعَوُّذاتُ النَّبَوِيَّةُ.
نَحْوَ: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ».
وَنَحْوَ: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ».
وَنَحْوَ: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامّاتِ الَّتِي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجِرٌ، مِن شَرِّ ما خَلَقَ وذَرَأ وبَرَأ، ومِن شَرِّ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِن شَرِّ ما يَعْرُجُ فِيها، ومِن شَرِّ ما ذَرَأ في الأرْضِ، ومِن شَرِّ ما يَخْرُجُ مِنها، ومِن شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ومِن شَرِّ طَوارِقِ اللَّيْلِ إلّا طارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يا رَحْمَنُ».
وَمِنها: «أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ، ومِن شَرِّ عِبادِهِ، ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونِ».
وَمِنها: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، وكَلِماتِكَ التّامّاتِ مِن شَرِّ ما أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أنْتَ تَكْشِفُ المَأْثَمَ والمَغْرَمَ، اللَّهُمَّ إنَّهُ لا يُهْزَمُ جُنْدُكَ، ولا يُخْلَفُ وعْدُكُ، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ».
وَمِنها: «أعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ العَظِيمِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ، وبِكَلِماتِهِ التّامّاتِ الَّتِي لا يُجاوِزُهُنَّ بَرٌّ ولا فاجِرٌ، وأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى ما عَلِمْتُ مِنها، وما لَمْ أعْلَمْ، مِن شَرِّ ما خَلَقَ، وذَرَأ، وبَرَأ، ومِن شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ لا أُطِيقُ شَرَّهُ، ومِن شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِهِ، إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».
وَمِنها: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وأنْتَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ نَفْسِي، وشَرِّ الشَّيْطانِ وشِرْكِهِ، ومِن شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ أنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».
وَإنْ شاءَ قالَ: «تَحَصَّنْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، إلَهِي وإلَهِ كُلِّ شَيْءٍ، واعْتَصَمْتُ بِرَبِّي ورَبِّ كُلِّ شَيْءٍ، وتَوَكَّلْتُ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، واسْتَدْفَعْتُ الشَّرَّ بِلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ العِبادِ، حَسَبِيَ الخالِقُ مِنَ المَخْلُوقِ، حَسَبِيَ الرّازِقُ مِنَ المَرْزُوقِ، حَسْبِيَ الَّذِي هو حَسْبِي، حَسْبِيَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، حَسْبِيَ اللَّهُ وكَفى، سَمِعَ اللَّهُ لِمَن دَعا، لَيْسَ وراءَ اللَّهِ مَرْمى، حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ».
وَمَن جَرَّبَ هَذِهِ الدَّعَواتِ والعُوَذَ؛ عَرَفَ مِقْدارَ مَنفَعَتِها، وشِدَّةَ الحاجَةِ إلَيْها وهي تَمْنَعُ وُصُولَ أثَرِ العائِنِ، وتَدْفَعُهُ بَعْدَ وُصُولِهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ إيمانِ قائِلِها، وقُوَّةِ نَفْسِهِ، واسْتِعْدادِهِ، وقُوَّةِ تَوَكُّلِهِ، وثَباتِ قَلْبِهِ، فَإنَّها سِلاحٌ والسِّلاحُ بِضارِبِهِ.
[فَصْلٌ: ما يَقُولُهُ العائِنُ خَشْيَةً مِن ضَرَرِ عَيْنِهِ]
فَصْلٌ
وَإذا كانَ العائِنُ يَخْشى ضَرَرَ عَيْنِهِ وإصابَتَها لِلْمَعِينِ، فَلْيَدْفَعْ شَرَّها بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ بارِكْ عَلَيْهِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، لَمّا عانَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: " ألا بَرَّكْتَ " أيْ: قُلْتَ اللَّهُمَّ بارِكْ عَلَيْهِ.
وَمِمّا يُدْفَعُ بِهِ إصابَةُ العَيْنِ قَوْلُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ كانَ إذا رَأى شَيْئًا يُعْجِبُهُ، أوْ دَخَلَ حائِطًا مِن حِيطانِهِ، قالَ: ما شاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.
وَمِنها: رُقْيَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَواها مسلم في " صَحِيحِهِ "
«بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِن شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أوْ عَيْنِ حاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ».
وَرَأى جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ أنْ تُكْتَبَ لَهُ الآياتُ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ يَشْرَبَها.
قالَ مجاهد: لا بَأْسَ أنْ يَكْتُبَ القُرْآنَ، ويَغْسِلَهُ، ويَسْقِيَهُ المَرِيضَ، ومِثْلُهُ عَنْ أبي قلابة.
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّهُ أمَرَ أنْ يُكْتَبَ لِامْرَأةٍ تَعَسَّرَ عَلَيْها وِلادُها أثَرٌ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ وتُسْقى»
وَقالَ أيوب: «رَأيْتُ أبا قلابة كَتَبَ كِتابًا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِماءٍ وسَقاهُ رَجُلًا كانَ بِهِ وجَعٌ».
[فَصْلٌ: اسْتِغْسالُ العائِنِ لِلْمَعِينِ والرَّدُّ عَلى مَن أنْكَرَهُ مِنَ الأطِبّاءِ]
فَصْلٌ
وَمِنها: أنْ يُؤْمَرَ العائِنُ بِغَسْلِ مَغابِنِهِ وأطْرافِهِ وداخِلَةِ إزارِهِ، وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ فَرْجُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ طَرَفُ إزارِهِ الدّاخِلِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلى رَأْسِ المَعِينِ مِن خَلْفِهِ بَغْتَةً، وهَذا مِمّا لا يَنالُهُ عِلاجُ الأطِبّاءِ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ مَن أنْكَرَهُ، أوْ سَخِرَ مِنهُ، أوْ شَكَّ فِيهِ، أوْ فَعَلَهُ مُجَرِّبًا لا يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ.
وَإذا كانَ في الطَّبِيعَةِ خَواصُّ لا تَعْرِفُ الأطِبّاءُ عِلَلَها ألْبَتَّةَ، بَلْ هي عِنْدَهم خارِجَةٌ عَنْ قِياسِ الطَّبِيعَةِ تَفْعَلُ بِالخاصِّيَّةِ، فَما الَّذِي يُنْكِرُهُ زَنادِقَتُهم وجَهَلَتُهم مِنَ الخَواصِّ الشَّرْعِيَّةِ، هَذا مَعَ أنَّ في المُعالَجَةِ بِهَذا الِاسْتِغْسالِ ما تَشْهَدُ لَهُ العُقُولُ الصَّحِيحَةُ، وتُقِرُّ لِمُناسَبَتِهِ، فاعْلَمْ أنَّ تِرْياقَ سُمِّ الحَيَّةِ في لَحْمِها، وأنَّ عِلاجَ تَأْثِيرِ النَّفْسِ الغَضَبِيَّةِ في تَسْكِينِ غَضَبِها، وإطْفاءِ نارِهِ بِوَضْعِ يَدِكَ عَلَيْهِ، والمَسْحِ عَلَيْهِ، وتَسْكِينِ غَضَبِهِ، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِن نارٍ، وقَدْ أرادَ أنْ يَقْذِفَكَ بِها، فَصَبَبْتَ عَلَيْها الماءَ، وهي في يَدِهِ حَتّى طُفِئَتْ، ولِذَلِكَ أُمِرَ العائِنُ أنْ يَقُولَ:
«اللَّهُمَّ بارِكْ عَلَيْهِ»؛ لِيَدْفَعَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ الخَبِيثَةَ بِالدُّعاءِ الَّذِي هو إحْسانٌ إلى المَعِينِ، فَإنَّ دَواءَ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ الخَبِيثَةُ تَظْهَرُ في المَواضِعِ الرَّقِيقَةِ مِنَ الجَسَدِ؛ لِأنَّها تَطْلُبُ النُّفُوذَ، فَلا تَجِدُ أرَقَّ مِنَ المَغابِنِ وداخِلَةِ الإزارِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ كِنايَةً عَنِ الفَرَجِ، فَإذا غُسِلَتْ بِالماءِ، بَطَلَ تَأْثِيرُها وعَمَلُها، وأيْضًا فَهَذِهِ المَواضِعُ لِلْأرْواحِ الشَّيْطانِيَّةِ بِها اخْتِصاصٌ.
والمَقْصُودُ: أنَّ غَسْلَها بِالماءِ يُطْفِئُ تِلْكَ النّارِيَّةِ، ويَذْهَبُ بِتِلْكَ السُّمِّيَّةِ.
وَفِيهِ أمْرٌ آخَرُ، وهو وُصُولُ أثَرِ الغَسْلِ إلى القَلْبِ مِن أرَقِّ المَواضِعِ وأسْرَعِها تَنْفِيذًا، فَيُطْفِئُ تِلْكَ النّارِيَّةَ والسُّمِّيَّةَ بِالماءِ، فَيُشْفى المَعِينُ، وهَذا كَما أنَّ ذَواتِ السُّمُومِ إذا قُتِلَتْ بَعْدَ لَسْعِها، خَفَّ أثَرُ اللَّسْعَةِ عَنِ المَلْسُوعِ، ووَجَدَ راحَةً، فَإنَّ أنْفُسَها تَمُدُّ أذاها بَعْدَ لَسْعِها، وتُوَصِّلُهُ إلى المَلْسُوعِ. فَإذا قُتِلَتْ خَفَّ الألَمُ، وهَذا مُشاهَدٌ. وإنْ كانَ مِن أسْبابِهِ فَرَحُ المَلْسُوعِ، واشْتِفاءُ نَفْسِهِ بِقَتْلِ عَدُوِّهِ، فَتَقْوى الطَّبِيعَةُ عَلى الألَمِ فَتَدْفَعُهُ.
وَبِالجُمْلَةِ غَسْلُ العائِنِ يُذْهِبُ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنهُ، وإنَّما يَنْفَعُ غَسْلُهُ عِنْدَ تَكَيُّفِ نَفْسِهِ بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ظَهَرَتْ مُناسَبَةُ الغَسْلِ فَما مُناسَبَةُ صَبِّ ذَلِكَ الماءِ عَلى المَعِينِ؟ قِيلَ هو في غايَةِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ الماءَ ماءٌ طُفِئَ بِهِ تِلْكَ النّارِيَّةُ، وأبْطَلَ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ الرَّدِيئَةَ مِنَ الفاعِلِ، فَكَما طُفِئَتْ بِهِ النّارِيَّةُ القائِمَةُ بِالفاعِلِ طُفِئَتْ بِهِ، وأُبْطِلَتْ عَنِ المَحَلِّ المُتَأثِّرِ، بَعْدَ مُلابَسَتِهِ لِلْمُؤَثِّرِ العائِنِ، والماءُ الَّذِي يُطْفَأُ بِهِ الحَدِيدُ، يَدْخُلُ في أدْوِيَةٍ عِدَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ ذَكَرَها الأطِبّاءُ، فَهَذا الَّذِي طُفِئَ بِهِ نارِيَّةُ العائِنِ، لا يُسْتَنْكَرُ أنْ يَدْخُلَ في دَواءٍ يُناسِبُ هَذا الدّاءَ. وبِالجُمْلَةِ: فَطِبُّ الطَّبائِعِيَّةِ، وعِلاجُهم بِالنِّسْبَةِ إلى العِلاجِ النَّبَوِيِّ، كَطِبِّ الطُّرُقِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى طِبِّهِمْ، بَلْ أقَلُّ، فَإنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ أعْظَمُ، وأعْظَمُ مِنَ التَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ الطُّرُقِيَّةِ بِما لا يُدْرِكُ الإنْسانُ مِقْدارَهُ، فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ عَقْدُ الإخاءِ الَّذِي بَيْنَ الحِكْمَةِ والشَّرْعِ، وعَدَمُ مُناقَضَةِ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الصَّوابِ، ويَفْتَحُ لِمَن أدامَ قَرْعَ بابِ التَّوْفِيقِ مِنهُ كُلَّ بابٍ، ولَهُ النِّعْمَةُ السّابِغَةُ، والحُجَّةُ البالِغَةُ.
[فَصْلٌ: لِلِاحْتِرازِ مِنَ الإصابَةِ بِالعَيْنِ سَتْرُ مَحاسِنِ مَن يُخافُ عَلَيْهِ العَيْنُ]
فَصْلٌ
وَمِن عِلاجِ ذَلِكَ أيْضًا والِاحْتِرازِ مِنهُ سَتْرُ مَحاسِنِ مَن يُخافُ عَلَيْهِ العَيْنُ بِما يَرُدُّها عَنْهُ، كَما ذَكَرَ البغوي في كِتابِ " شَرْحِ السُّنَّةِ ": أنَّ عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأى صَبِيًّا مَلِيحًا فَقالَ: «دَسِّمُوا نُونَتَهُ؛ لِئَلّا تُصِيبَهُ العَيْنُ» ثُمَّ قالَ في تَفْسِيرِهِ ومَعْنى: دَسِّمُوا نُونَتَهُ أيْ: سَوِّدُوا نُونَتَهُ، والنُّونَةُ: النُّقْرَةُ الَّتِي تَكُونُ في ذَقَنِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ.
وَقالَ الخطابي في " غَرِيبِ الحَدِيثِ " لَهُ عَنْ عثمان: إنَّهُ رَأى صَبِيًّا تَأْخُذُهُ العَيْنُ فَقالَ: «دَسِّمُوا نُونَتَهُ» فَقالَ أبو عمرو: سَألْتُ أحْمَدَ بْنَ يَحْيى عَنْهُ فَقالَ: أرادَ بِالنُّونَةِ النُّقْرَةَ الَّتِي في ذَقَنِهِ. والتَّدْسِيمُ: التَّسْوِيدُ. أرادَ: سَوِّدُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ مِن ذَقَنِهِ لِيَرُدَّ العَيْنَ. قالَ: ومِن هَذا حَدِيثُ عائشة أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «خَطَبَ ذاتَ يَوْمٍ وعَلى رَأْسِهِ عِمامَةٌ دَسْماءُ» أيْ: سَوْداءُ. أرادَ الِاسْتِشْهادَ عَلى اللَّفْظَةِ ومِن هَذا أخَذَ الشّاعِرُ قَوْلَهُ:
؎ما كانَ أحْوَجَ ذا الكَمالِ إلى ∗∗∗ عَيْبٍ يُوَقِّيهِ مِنَ العَيْنِ
[فَصْلٌ: ذِكْرُ رُقْيَةٍ تَرُدُّ العَيْنَ]
فَصْلٌ
وَمِنَ الرُّقى الَّتِي تَرُدُّ العَيْنَ ما ذُكِرَ عَنْ أبي عبد الله الساجي أنَّهُ كانَ في بَعْضِ أسْفارِهِ لِلْحَجِّ أوِ الغَزْوِ عَلى ناقَةٍ فارِهَةٍ، وكانَ في الرُّفْقَةِ رَجُلٌ عائِنٌ، قَلَّما نَظَرَ إلى شَيْءٍ إلّا أتْلَفَهُ، فَقِيلَ لأبي عبد الله: احْفَظْ ناقَتَكَ مِنَ العائِنِ، فَقالَ: لَيْسَ لَهُ إلى ناقَتِي سَبِيلٌ، فَأُخْبِرَ العائِنُ بِقَوْلِهِ؛ فَتَحَيَّنَ غَيْبَةَ أبي عبد الله، فَجاءَ إلى رَحْلِهِ، فَنَظَرَ إلى النّاقَةِ فاضْطَرَبَتْ، وسَقَطَتْ؛ فَجاءَ أبو عبد الله فَأُخْبِرَ أنَّ العائِنَ قَدْ عانَها وهي كَما تَرى، فَقالَ: دِلُّونِي عَلَيْهِ فَدُلَّ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ حَبْسٌ حابِسٌ، وحَجَرٌ يابِسٌ، وشِهابٌ قابِسٌ، رَدَدْتُ عَيْنَ العائِنِ عَلَيْهِ وعَلى أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ - ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣،: ٤] فَخَرَجَتْ حَدَقَتا العائِنِ، وقامَتِ النّاقَةُ لا بَأْسَ بِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences