Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
الرعد
Ar-Ra'd
The Thunder · Medinan · 43 ayahs
13:1Page 249
الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١
Alif, Lām, Meem, Rā.1 These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.
No commentary for this ayah
13:2Page 249
ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢
It is Allāh who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne1 and made subject2 the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.
No commentary for this ayah
13:3Page 249
وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٣
And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.
No commentary for this ayah
13:4Page 249
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٤
And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise,1 watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.
No commentary for this ayah
13:5Page 249
۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٥
And if you are astonished,1 [O Muḥammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles2 upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
وَفي الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: إنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ " ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
" فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ! كَيْفَ يُنْكِرُونَ هَذا، وقَدْ خُلِقُوا مِن تُرابٍ، ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا.
والثّانِي: إنْ تَعْجَبْ مِن شِرْكِهِمْ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وعَدَمِ انْقِيادِهِمْ لِتَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإنْكارُهم لِلْبَعْثِ، وقَوْلُهم " ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] " أعْجَبُ.
وَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: فَإنْكارُ المَعادِ عَجَبٌ مِنَ الإنْسانِ، وهو مَحْضُ إنْكارِ الرَّبِّ والكُفْرِ بِهِ، والجَحْدِ لِإلَهِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ، وحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ وسُلْطانِهِ.
(فائدة)
التعجب كما يدل على محبة الله لفعل نحو "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" "
ويعجب ربك من رجل ثار من فراشه ووطائه إلى الصلاة"
ونحو ذلك.
وقد يدل على بعض الفعل نحو قوله: ﴿وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾
وقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ وقد يدل على امتناع الحكم وعدم حسنه نحو: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ وقد يدل على حسن المنع منه وأنه لا يليق به فعله نحو: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ ...
13:6Page 250
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٦
They impatiently urge you to bring about evil before good,1 while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is the possessor of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.
[فَصْلٌ: الَّذِينَ اعْتَمَدُوا عَلى عَفْوِ اللَّهِ فَضَيَّعُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ]
وَكَثِيرٌ مِنَ الجُهّالِ اعْتَمَدُوا عَلى رَحْمَةِ اللَّهِ وعَفْوِهِ وكَرَمِهِ، وضَيَّعُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ، ونَسُوا أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، وأنَّهُ لا يُرَدُّ بِأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ، ومَنِ اعْتَمَدَ عَلى العَفْوِ مَعَ الإصْرارِ عَلى الذَّنْبِ فَهو كالمُعانِدِ.
قالَ مَعْرُوفٌ: رَجاؤُكَ لِرَحْمَةِ مَن لا تُطِيعُهُ مِنَ الخِذْلانِ والحُمْقِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَن قَطَعَ عُضْوًا مِنكَ في الدُّنْيا بِسَرِقَةِ ثَلاثَةِ دَراهِمَ، لا تَأْمَنُ أنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُ في الآخِرَةِ عَلى نَحْوِ هَذا.
وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: نَراكَ طَوِيلَ البُكاءِ، فَقالَ: أخافُ أنْ يَطْرَحَنِي في النّارِ ولا يُبالِي.
وَكانَ يَقُولُ: إنَّ قَوْمًا ألْهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، يَقُولُ أحَدُهُمْ: لِأنِّي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي، وكَذَبَ، لَوْ أحْسَنَ الظَّنَّ لَأحْسَنَ العَمَلَ.
وَسَألَ رَجُلٌ الحَسَنَ فَقالَ: يا أبا سَعِيدٍ كَيْفَ نَصْنَعُ بِمُجالَسَةِ أقْوامٍ يُخَوِّفُونا حَتّى تَكادَ قُلُوبُنا تَطِيرُ؟ فَقالَ: واللَّهِ لَأنْ تَصْحَبَ أقْوامًا يُخَوِّفُونَكَ حَتّى تُدْرِكَ أمْنًا خَيْرٌ لَكَ مِن أنْ تَصْحَبَ أقْوامًا يُؤَمِّنُونَكَ حَتّى تَلْحَقَكَ المَخاوِفُ.
وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُجاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُلْقى في النّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ في النّارِ كَما يَدُورُ الحِمارُ بِرَحاهُ، فَيَطُوفُ بِهِ أهْلُ النّارِ، فَيَقُولُونَ: يا فُلانُ: ما أصابَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنا بِالمَعْرُوفِ وتَنْهانا عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ كُنْتُ آمُرُكم بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ، وأنْهاكم عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ».
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي رافِعٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالبَقِيعِ فَقالَ: أُفٍّ لَكَ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُرِيدُنِي، قالَ: لا، ولَكِنَّ هَذا قَبْرُ فُلانٍ، بَعَثْتُهُ ساعِيًا إلى آلِ فُلانٍ، فَغَلَّ نَمِرَةً فَدُرِّعَ الآنَ مِثْلَها مِن نارٍ».
وَفِي مُسْنَدِهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفاهُهم بِمَقارِيضَ مِن نارٍ، فَقُلْتُ: مَن هَؤُلاءِ، قالُوا: خُطَباءُ مِن أُمَّتِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ ويَنْسَوْنَ أنْفُسَهُمْ».
وَفِيهِ أيْضًا مِن حَدِيثِهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهم أظْفارٌ مِن نُحاسٍ يَخْمِشُونَ بِها وُجُوهَهُمْ، وصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَن هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، ويَقَعُونَ في أعْراضِهِمْ».
وَفِيهِ أيْضًا عَنْهُ، قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: «يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصارِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ آمَنّا بِكَ وبِما جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخافُ عَلَيْنا؟ قالَ: نَعَمْ، إنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُها كَيْفَ شاءَ».
وَفِيهِ أيْضًا عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِجِبْرِيلَ: «ما لِي لَمْ أرَ مِيكائِيلَ ضاحِكًا قَطُّ؟ قالَ: ما ضَحِكَ مُنْذُ خُلِقَتِ النّارُ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتى بِأنْعَمِ أهْلِ الدُّنْيا مِن أهْلِ النّارِ، فَيُصْبَغُ في النّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقالُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا واللَّهِ يا رَبِّ، ويُؤْتى بِأشَدِّ النّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ في الجَنَّةِ صَبْغَةً، فَيُقالُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لا واللَّهِ يا رَبِّ، ما مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأيْتُ شِدَّةً قَطُّ».
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن كانَتْ عِنْدَهُ لِأخِيهِ مَظْلَمَةٌ في مالٍ أوْ عِرْضٍ فَلْيَأْتِهِ، فَلْيَسْتَحِلَّها مِنهُ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ ولَيْسَ عِنْدَهُ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، فَإنْ كانَتْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن حَسَناتِهِ فَأُعْطِيها هَذا، وإلّا أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ هَذا فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ في النّارِ».
وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى سَبْعِ أرَضِينَ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «نارُكم هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نارِ جَهَنَّمَ، قالُوا: واللَّهِ إنْ كانَتْ لَكافِيَةٌ، قالَ: فَإنَّها قَدْ فُضِّلَتْ عَلَيْها بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّها».
وَفِي المُسْنَدِ عَنْ مُعاذٍ قالَ: أوْصانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، وإنْ قُتِلْتَ أوْ حُرِّقْتَ، ولا تَعُقَّنَّ والِدَيْكَ وإنْ أمَراكَ أنْ تَخْرُجَ مِن أهْلِكَ ومالِكَ، ولا تَتْرُكَنَّ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَإنَّ مَن تَرَكَ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، ولا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا، فَإنَّهُ رَأسُ كُلِّ فاحِشَةٍ، وإيّاكَ والمَعْصِيَةَ، فَإنَّ المَعْصِيَةَ تُحِلُّ سَخَطَ اللَّهِ».
والأحادِيثُ في هَذا البابِ أضْعافُ أضْعافِ ما ذَكَرْنا، فَلا يَنْبَغِي لِمَن نَصَحَ نَفْسَهُ أنْ يَتَعامى عَنْها، ويُرْسِلَ نَفْسَهُ في المَعاصِي، ويَتَعَلَّقَ بِحُسْنِ الرَّجاءِ وحُسْنِ الظَّنِّ.
قالَ أبُو الوَفاءِ بْنُ عَقِيلٍ: احْذَرْهُ ولا تَغْتَرَّ بِهِ، فَإنَّهُ قَطَعَ اليَدَ في ثَلاثَةِ دَراهِمَ، وجَلَدَ الحَدَّ في مِثْلِ رَأْسِ الإبْرَةِ مِنَ الخَمْرِ، وقَدْ دَخَلَتِ المَرْأةُ النّارَ في هِرَّةٍ، واشْتَعَلَتِ الشَّمْلَةُ نارًا عَلى مَن غَلَّها وقَدْ قُتِلَ شَهِيدًا.
(فصل)
القُرْآن كَلام الله وقد تجلى الله فِيهِ لِعِبادِهِ وصِفاته فَتارَة يتجلى في جِلْباب الهيبة والعَظَمَة والجلال فتخضع الأعْناق وتنكسر النُّفُوس وتخشع الأصْوات، ويذوب الكبر كَما يذوب الملح في الماء، وتارَة يتجلى في صِفات الجمال والكمال وهو كَمال الأسْماء وجمال الصِّفات، وجمال الأفْعال الدّال على كَمال الذّات فيستنفد حبه من قلب العَبْد قُوَّة الحبّ كلها بحب ما عرفه من صِفات جماله ونعوت كَماله، فَيُصْبِح فؤاد عَبده فارغًا إلّا من محبته فَإذا أرادَ مِنهُ الغيران يعلق تِلْكَ المحبَّة بِهِ أبى قلبه وأحشاؤه ذَلِك كل الإباء كَما قيل
؎يُراد من القلب نسيانكم ∗∗∗ وتأبى الطباع على النّاقِل
فَتبقى المحبَّة لَهُ طبعا لا تكلفا وإذا تجلى بِصِفات الرَّحْمَة والبر واللطف والإحْسان انبعثت قُوَّة الرَّجاء من العَبْد وانبسط أمله وقَوي طمعه وسار إلى ربه وحادى الرَّجاء يَحْدُو ركاب سيره وكلما قوي الرَّجاء جد في العَمَل كَما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر وإذا ضعف رجاؤه قصر في البذر، وإذا تجلى بِصِفات العدْل والانتقام والغَضَب والسخط والعقوبة انقمعت النَّفس الأمارة، وبَطلَت أو ضعفت قواها من الشَّهْوَة والغَضَب واللَّهْو واللعب والحرص على المُحرمات وانقبضت أعِنَّة رعوناتها فأحضرت المطية حظها من الخَوْف والخشية والحذر، وإذا تجلى بِصِفات الأمر والنَّهْي والعهد والوَصِيَّة، وإرسال الرُّسُل وإنزال الكتب شرع الشَّرائِع انبعثت مِنها قُوَّة الِامْتِثال والتنفيذ لأوامره والتبليغ لَها والتواصي بها وذكرها وتذكرها، والتصديق بالخبر والامتثال للطلب والاجتناب للنَّهْي وإذا تجلى بِصفة السّمع والبَصَر والعلم انْبَعَثَ من العَبْد قُوَّة الحياء فيستحي ربه أن يراهُ على ما يكره أو يسمع مِنهُ ما يكره أو يخفي في سَرِيرَته ما يمقته عَلَيْهِ، فَتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشَّرْع غير مُهْملَة ولا مُرْسلَة تَحت حكم الطبيعة والهوى، وإذا تجلى بِصِفات الكِفايَة والحسب والقِيام بمصالح العباد وسوق أرْزاقهم إلَيْهِم ودفع المصائب عَنْهُم ونَصره لأوليائه وحمايته لَهُم ومعيته الخاصَّة لَهُم انبعثت من العَبْد قُوَّة التَّوَكُّل عَلَيْهِ والتفويض إلَيْهِ والرِّضا بِهِ، وما في كل ما يجريه على عَبده ويقيمه مِمّا يرضى بِهِ هو سُبْحانَهُ والتوكل معنى يلتئم من علم العَبْد بكفاية الله وحسن اخْتِياره لعَبْدِهِ وثقته بِهِ ورضاهُ بِما يَفْعَله بِهِ ويختاره لَهُ، وإذا تجلى بِصِفات العِزّ والكبرياء أعْطَتْ نَفسه المطمئنة ما وصلت إلَيْهِ من الذل لعظمته والانكسار لعزته والخضوع لكبريائه وخشوع القلب والجوارح لَهُ فتعلوه السكينَة والوَقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته ويذْهب طيشه وقوته وحدته.
وجماع ذَلِك أنه سُبْحانَهُ يتعرف إلى العَبْد بِصِفات إلهيته تارّة وبصفات ربوبيته تارَة فَيُوجب لَهُ شُهُود صِفات الإلهية المحبَّة الخاصَّة والشوق إلى لِقائِه والأنس والفرح بِهِ والسُّرُور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد إلَيْهِ بِطاعَتِهِ واللهج بِذكرِهِ والفرار من الخلق إلَيْهِ ويصير هو وحده همه دون ما سواهُ ويُوجب لَهُ شُهُود صِفات الربوبية التَّوَكُّل عَلَيْهِ والافتقار إلَيْهِ والاستعانة بِهِ والذل والخضوع والانكسار لَهُ وكَمال ذَلِك أن يشْهد ربوبيته في إلهيته وإلهيته في ربوبيته وحمده في ملكه وعزه في عَفوه وحكمته في قَضائِهِ وقدره ونعمته في بلائه وعطاءه في مَنعه وبره ولطفه وإحسانه ورَحمته في قيوميته وعذله في انتقامه وجوده وكَرمه في مغفرته وستره وتجاوزه ويشْهد حكمته ونعمته في أمره ونَهْيه وعزه في رِضاهُ وغضبه وحلمه في إمهاله وكَرمه في إقباله وغناه في إعراضه.
وَأنت إذا تدبرت القُرْآن وأجرته من التحريف وأن تقضي عَلَيْهِ بآراء المُتَكَلِّمين وأفكار المتكلفين أشهدك ملكا قيوما فَوق سماواته على عَرْشه يدبر أمر عباده يَأْمر ويُنْهِي ويُرْسل الرُّسُل وينزل الكتب ويرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ويُعْطِي ويمْنَع ويعز ويذل ويخفض ويرْفَع يرى من فَوق سبع ويسمع ويعلم السِّرّ والعَلانِيَة فعّال لما يُرِيد مَوْصُوف بِكُل كَمال منزه عَن كل عيب لا تتحرك ذرّة فَما فَوْقها إلّا بِإذْنِهِ ولا تسْقط ورقة إلّا بِعِلْمِهِ ولا يشفع زهد عِنْده إلّا بِإذْنِهِ لَيْسَ لِعِبادِهِ من دونه ولي ولا شَفِيع.
13:7Page 250
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ ٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.
والهادِي: هو الدَّلِيلُ الَّذِي يَدُلُّ بِهِمْ في الطَّرِيقِ إلى اللَّهِ، والدّارِ الآخِرَةِ، ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقَوْلَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨]
فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَكَلَّمَ بِهَذا وهَذا، فَرُسُلُهُ الهُداةُ هِدايَةَ الدَّلالَةِ والبَيانِ، وهو الهادِي هِدايَةَ التَّوْفِيقِ والإلْهامِ، فالرُّسُلُ هُمُ الأدِلَّةُ حَقًّا، واللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُوَفِّقُ المُلْهِمُ، الخالِقُ لِلْهُدى في القُلُوبِ.
13:8Page 250
ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨
Allāh knows what every female carries1 and what the wombs lose [prematurely] or exceed.2 And everything with Him is by due measure.
قالَ ابْن عَبّاس - رضي الله عنهما - ﴿وَما تغيض الأرْحام﴾ ما تنقص عَن تِسْعَة أشهر ﴿وَما تزداد﴾ وما تزيد عَلَيْها
وَوافَقَهُ على هَذا أصْحابه كمجاهد وسَعِيد ابْن جُبَير.
وَقالَ مُجاهِد أيْضا إذا حاضَت المَرْأة على ولَدها كانَ ذَلِك نُقْصانا من الوَلَد ﴿وَما تزداد﴾ قالَ إذا زادَت على تِسْعَة أشهر كانَ ذَلِك تَمامًا لما نقص من ولَدها.
وَقالَ أيْضا (الغيض) ما رَأتْ الحامِل من الدَّم في حملها وهو نُقْصان من الوَلَد، (والزِّيادَة) ما زاد على التسمة أشهر وهو تَمام النُّقْصان.
وَقالَ الحسن ﴿ما تغيض الأرْحام﴾ ما كانَ من سقط ﴿وَما تزداد﴾ المَرْأة تَلد لعشرة أشهر.
وَقالَ عِكْرِمَة ﴿تغيض الأرْحام﴾ الحيض بعد الحمل، فَكل يَوْم رَأتْ فِيهِ الدَّم حامِلا ازْدادَ بِهِ في الأيّام طاهِرا فَما حاضَت يَوْمًا إلّا ازدادت في الحمل يَوْمًا.
وَقالَ قَتادَة الغيض السقط ﴿وَما تزداد﴾ فَوق التِّسْعَة أشهر.
وَقالَ سعيد بن جُبَير إذا رَأتْ المَرْأة الدَّم على الحمل فَهو الغيض للْوَلَد فَهو نُقْصان في غذاء الوَلَد، وزِيادَة في الحمل.
(تغيض وتزداد) فعلان متعديان مفعولهما مَحْذُوف وهو العائِد على (ما) الموصولة والغيض النُّقْصان ومِنه ﴿وغيض الماء﴾
وضده الزيادة.
والتَّحْقِيق في معنى الآيَة أنه يعلم مُدَّة الحمل وما يعرض فِيها من الزِّيادَة والنُّقْصان، فَهو العالم بذلك دونكم كَما هو العالم بِما تحمل كل أُنْثى هَل هو ذكر أو أُنْثى.
وَهَذا أحد أنْواع الغَيْب الَّتِي لا يعلمها إلّا الله كَما في الصَّحِيح عَنهُ ﷺ
"مَفاتِيح الغَيْب خمس لا يعلمهُنَّ إلّا الله لا يعلم مَتى تَجِيء السّاعَة إلّا الله ولا يعلم ما في غَد إلّا الله ولا يعلم مَتى يَجِيء الغَيْث إلّا الله ولا يعلم ما في الأرْحام إلّا الله ولا تَدْرِي نفس بِأيّ أرض تَمُوت إلّا الله"
فَهُوَ سُبْحانَهُ المُنْفَرد بِعلم ما في الرَّحِم، وعلم وقت إقامَته فِيهِ، وما يزِيد من بدنه وما ينقص.
وَما عدا هَذا القَوْل فَهو من توابعه ولوازمه كالسقط والتام ورؤية الدَّم وانقطاعه.
والمَقْصُود ذكر مُدَّة إقامَة الحمل في البَطن وما يتَّصل بها من زِيادَة ونقصان.
13:9Page 250
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.
No commentary for this ayah
13:10Page 250
سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠
It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.
No commentary for this ayah
13:11Page 250
لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١
For him [i.e., each one] are successive [angels]1 before and behind him who protect him by the decree of Allāh.2 Indeed, Allāh will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allāh intends for a people ill,3 there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.
(فصل)
وَلَمْ يُسَلِّطْ سُبْحانَهُ هَذا العَدُوَّ المَعاصِي عَلى عَبْدِهِ المُؤْمِنِ الَّذِي هو أحَبُّ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ، إلّا لِأنَّ الجِهادَ أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وأهْلَهُ أرْفَعُ الخَلْقِ عِنْدَهُ دَرَجاتٍ، وأقْرَبُهم إلَيْهِ وسِيلَةً، فَعَقَدَ سُبْحانَهُ لِواءَ هَذِهِ الحَرْبِ لِخُلاصَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وهو القَلْبُ الَّذِي مَحَلُّ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وعُبُودِيَّتِهِ والإخْلاصِ لَهُ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، فَوَلّاهُ أمْرَ هَذِهِ الحَرْبِ، وأيَّدَهُ بِجُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُفارِقُونَهُ ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
يَعْقُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، كُلَّما ذَهَبَ بَدَلٌ جاءَ بَدَلٌ آخَرُ يُثَبِّتُونَهُ ويَأْمُرُونَهُ بِالخَيْرِ ويَحُضُّونَهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُونَهُ بِكَرامَةِ اللَّهِ ويُصَبِّرُونَهُ، ويَقُولُونَ: إنَّما هو صَبْرُ ساعَةٍ وقَدِ اسْتَرَحْتَ راحَةَ الأبَدِ.
ثُمَّ أمَدَّهُ سُبْحانَهُ بِجُنْدٍ آخَرَ مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ وأنْزَلَ إلَيْهِ كِتابَهُ، فازْدادَ قُوَّةً إلى قُوتِهِ، ومَدَدًا إلى مَدَدِهِ، وعُدَّةً إلى عُدَّتِهِ، وأمَدَّهُ مَعَ ذَلِكَ بِالعَقْلِ وزِيرًا لَهُ ومُدَبِّرًا، وبِالمَعْرِفَةِ مُشِيرَةً عَلَيْهِ ناصِحَةً لَهُ، وبِالإيمانِ مُثَبِّتًا لَهُ ومُؤَيِّدًا وناصِرًا، وبِاليَقِينِ كاشِفًا لَهُ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ، حَتّى كَأنَّهُ يُعايِنُ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ عَلى جِهادِ أعْدائِهِ، فالعَقْلُ يُدَبِّرُ أمْرَ جَيْشِهِ، والمَعْرِفَةُ تَصْنَعُ لَهُ أُمُورَ الحَرْبِ وأسْبابَها ومَواضِعَها اللّائِقَةَ بِها، والإيمانُ يُثَبِّتُهُ ويُقَوِّيهِ ويُصَبِّرُهُ، واليَقِينُ يُقْدِمُ بِهِ ويَحْمِلُ بِهِ الحَمَلاتِ الصّادِقَةَ.
ثُمَّ أمَدَّ سُبْحانَهُ القائِمَ بِهَذِهِ الحَرْبِ بِالقُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَجَعَلَ العَيْنَ طَلِيعَتَهُ، والأُذُنَ صاحِبَ خَبَرِهِ، واللِّسانَ تُرْجُمانَهُ، واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ أعْوانَهُ، وأقامَ مَلائِكَتَهُ وحَمَلَةَ عَرْشِهِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ويَسْألُونَ لَهُ أنْ يَقِيَهُ السَّيِّئاتِ ويُدْخِلَهُ الجَنّاتِ، وتَوَلّى سُبْحانَهُ الدَّفْعَ
والدِّفاعَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ وقالَ: هَؤُلاءِ حِزْبِي، وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وَهَؤُلاءِ جُنْدِي ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
وَعَلَّمَ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الحَرْبِ والجِهادِ، فَجَمَعَها لَهم في أرْبَعِ كَلِماتٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وَلا يَتِمُّ أمْرُ هَذا الجِهادِ إلّا بِهَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، فَلا يَتِمُّ الصَّبْرُ إلّا بِمُصابَرَةِ العَدُوِّ، وهو مُقاوَمَتُهُ ومُنازَلَتُهُ، فَإذا صابَرَ عَدُوَّهُ احْتاجَ إلى أمْرٍ آخَرَ وهي المُرابَطَةُ، وهي لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ وحِراسَتُهُ لِئَلّا يَدْخُلَ مِنهُ العَدُوُّ، ولُزُومُ ثَغْرِ العَيْنِ والأُذُنِ واللِّسانِ والبَطْنِ واليَدِ والرِّجْلِ، فَهَذِهِ الثُّغُورُ يَدْخُلُ مِنها العَدُوُّ فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُفْسِدُ ما قَدَرَ عَلَيْهِ، فالمُرابَطَةُ لُزُومُ هَذِهِ الثُّغُورِ، ولا يُخَلِّي مَكانَها فَيُصادِفَ العَدُوُّ الثَّغْرَ خالِيًا فَيَدْخُلَ مِنهُ.
فَهَؤُلاءِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، وأعْظَمُهم حِمايَةً وحِراسَةً مِنَ الشَّيْطانِ، وقَدْ أخْلَوُا المَكانَ الَّذِي أُمِرُوا بِلُزُومِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَدَخَلَ مِنهُ العَدُوُّ، فَكانَ ما كانَ.
وَجِماعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ وعَمُودُها الَّذِي تَقُومُ بِهِ هو تَقْوى اللَّهِ تَعالى، فَلا يَنْفَعُ الصَّبْرُ ولا المُصابَرَةُ ولا المُرابَطَةُ إلّا بِالتَّقْوى، ولا تَقُومُ التَّقْوى إلّا عَلى ساقِ الصَّبْرِ.
13:12Page 250
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢
It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.
No commentary for this ayah
13:13Page 250
وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ ١٣
And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.
No commentary for this ayah
13:14Page 251
لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤
To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
التَّبَتُّلُ الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ بِالكُلِّيَّةِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أيِ التَّجْرِيدِ المَحْضِ.
وَمُرادُهُ بِالتَّجْرِيدِ المَحْضِ التَّبَتُّلُ عَنْ مُلاحَظَةِ الأعْواضِ. بِحَيْثُ لا يَكُونُ المُتَبَتِّلُ كالأجِيرِ الَّذِي لا يَخْدِمُ إلّا لِأجْلِ الأُجْرَةِ. فَإذا أخَذَها انْصَرَفَ عَنْ بابِ المُسْتَأْجِرِ، بِخِلافِ العَبْدِ. فَإنَّهُ يَخْدِمُ بِمُقْتَضى عُبُودِيَّتِهِ، لا لِلْأُجْرَةِ. فَهو لا يَنْصَرِفُ عَنْ بابِ سَيِّدِهِ إلّا إذا كانَ آبِقًا.
والآبِقُ قَدْ خَرَجَ مِن شَرَفِ العُبُودِيَّةِ. ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ إطْلاقُ الحُرِّيَّةِ. فَصارَ بِذَلِكَ مَرْكُوسًا عِنْدَ سَيِّدِهِ وعِنْدَ عَبِيدِهِ.
وَغايَةُ شَرَفِ النَّفْسِ دُخُولُها تَحْتَ رِقِّ العُبُودِيَّةِ طَوْعًا واخْتِيارًا ومَحَبَّةً، لا كَرْهًا وقَهْرًا. كَما قِيلَ:
؎شَرَفُ النُّفُوسِ دُخُولُها في رِقِّهِمْ ∗∗∗ والعَبْدُ يَحْوِي الفَخْرَ بِالتَّمْلِيكِ
والَّذِي حَسُنَ اسْتِشْهادُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ في هَذا المَوْضِعِ: إرادَةُ هَذا المَعْنى. وأنَّهُ تَعالى صاحِبُ دَعْوَةِ الحَقِّ لِذاتِهِ وصِفاتِهِ. وإنْ لَمْ يُوجِبْ لِداعِيهِ بِها ثَوابًا. فَإنَّهُ يَسْتَحِقُّها لِذاتِهِ. فَهو أهْلٌ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ويُدْعى وحْدَهُ، ويُقْصَدَ ويُشْكَرَ ويُحْمَدَ، ويُحَبَّ ويُرْجى ويُخافَ، ويُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، ويُسْتَعانَ بِهِ، ويُسْتَجارَ بِهِ، ويُلْجَأ إلَيْهِ، ويُصْمَدَ إلَيْهِ. فَتَكُونُ الدَّعْوَةُ الإلَهِيَّةُ الحَقُّ لَهُ وحْدَهُ.
وَمَن قامَ بِقَلْبِهِ هَذا - مَعْرِفَةً وذَوْقًا وحالًا - صَحَّ لَهُ مَقامُ التَّبَتُّلِ، والتَّجْرِيدِ المَحْضِ.
وَقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ دَعْوَةَ الحَقِّ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ فِيهِ والصِّدْقِ. ومُرادُهم هَذا المَعْنى.
فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْوَةُ الحَقِّ التَّوْحِيدُ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وَقِيلَ: الدُّعاءُ بِالإخْلاصِ. والدُّعاءُ الخالِصُ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ.
وَدَعْوَةُ الحَقِّ دَعْوَةُ الإلَهِيَّةِ وحُقُوقُها وتَجْرِيدُها وإخْلاصُها.
13:15Page 251
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥
And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.
No commentary for this ayah
13:16Page 251
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦
Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2
No commentary for this ayah
13:17Page 251
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧
He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ المَثَلَيْنِ المائِيَّ والنّارِيَّ في سُورَةِ الرَّعْدِ، ولَكِنْ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾
شَبَّهَ الوَحْيَ الَّذِي أنْزَلَهُ لِحَياةِ القُلُوبِ والأسْماعِ والأبْصارِ بِالماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ لِحَياةِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، وشَبَّهَ القُلُوبَ بِالأوْدِيَةِ، فَقَلْبٌ كَبِيرٌ يَسَعُ عِلْمًا عَظِيمًا كَوادٍ كَبِيرٍ يَسَعُ ماءً كَثِيرًا وقَلْبٌ صَغِيرٌ إنّما يَسَعُ يَحْسِبُهُ كالوادِي الصَّغِيرِ، فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها، واحْتَمَلَتْ قُلُوبٌ مِن الهُدى والعَمَلِ بِقَدَرِها؛ وكَما أنَّ السَّيْلَ إذا خالَطَ الأرْضَ ومَرَّ عَلَيْها احْتَمَلَ غُثاءً وزَبَدًا فَكَذَلِكَ الهُدى والعِلْمُ إذا خالَطَ القُلُوبَ أثارَ ما فِيها مِن الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ لِيُقْلِعَها ويُذْهِبَها كَما يُثِيرُ الدَّواءُ وقْتَ شُرْبِهِ مِن البَدَنِ أخْلاطَهُ فَيَتَكَدَّرُ بِها شارِبُهُ، وهي مِن تَمامِ نَفْعِ الدَّواءِ، فَإنَّهُ أثارَها لِيُذْهِبَ بِها، فَإنَّهُ لا يُجامِعُها ولا يُشارِكُها؛ وهَكَذا يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ.
ثُمَّ ذَكَرَ المَثَلَ النّارِيَّ فَقالَ: ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ وهو الخَبَثُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ سَبْكِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والنُّحاسِ والحَدِيدِ فَتُخْرِجُهُ النّارُ وتُمَيِّزُهُ وتَفْصِلُهُ عَنْ الجَوْهَرِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ فَيُرْمى ويُطْرَحُ ويَذْهَبُ جُفاءً؛ فَكَذَلِكَ الشَّهَواتُ والشُّبُهاتُ يَرْمِيها قَلْبُ المُؤْمِنِ ويَطْرَحُها ويَجْفُوها كَما يَطْرَحُ السَّيْلُ والنّارُ ذَلِكَ الزَّبَدَ والغُثاءَ والخَبَثَ، ويَسْتَقِرُّ في قَرارِ الوادِي الماءُ الصّافِي الَّذِي يَسْتَقِي مِنهُ النّاسُ ويَزْرَعُونَ ويَسْقُونَ أنْعامَهُمْ، كَذَلِكَ يَسْتَقِرُّ في قَرارِ القَلْبِ وجَذْرِهِ الإيمانُ الخالِصُ الصّافِي الَّذِي يَنْفَعُ صاحِبَهُ ويَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ؛ ومَن لَمْ يَفْقَهْ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ ولَمْ يَتَدَبَّرْهُما ويَعْرِفْ ما يُرادُ مِنهُما فَلَيْسَ مِن أهْلِهِما، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
وقال في مفتاح دار السعادة: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾.
هذا هو المثل المائي. شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء. وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل، فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا، وقلب صغير كواد صغير يسع علما قليلا، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها.
ولما كانت الأودية مجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل، فيحتمله السيل، فيطفو على وجه الماء زبدا عاليا يمر عليه متراكما، ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى ذلك منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب والغثاء يذهب جفاء يجفى ويطرح على شفير الوادي، فكذلك العلم والإيمان، الذي أنزله في القلوب، فاحتملته، فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الباطلة. فيطفو في أعلاها. واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلوب. فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئا فشيئا حتى يزول كله. ويبقى العلم النافع، والإيمان الخالص في هذا القلب، يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences