Ibn al-QayyimIbrahim · 14:27–52

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:27–52

14:27Page 259

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧

Allāh keeps firm those who believe, with the firm word,1 in worldly life and in the Hereafter.2 And Allāh sends astray the wrongdoers. And Allāh does what He wills.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ في الفَرِيقَيْنِ أصْحابِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والكَلِمِ الخَبِيثِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ يُثَبِّتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِإيمانِهِمْ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّهُ يُضِلُّ الظّالِمِينَ وهم المُشْرِكُونَ عَنْ القَوْلِ الثّابِتِ، فَأضَلَّ هَؤُلاءِ بِعَدْلِهِ لِظُلْمِهِمْ، وثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ بِفَضْلِهِ لِإيمانِهِمْ.

وَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] كَنْزٌ عَظِيمٌ مَن وُفِّقَ لِمَظِنَّتِهِ وأحْسَنَ اسْتِخْراجَهُ واقْتِناءَهُ وأنْفَقَ مِنهُ فَقَدْ غَنِمَ، ومَن حُرِمَهُ فَقَدْ حُرِمَ، وذَلِكَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَغْنِي عَنْ تَثْبِيتِ اللَّهِ لَهُ طُرْفَةَ عَيْنٍ فَإنْ لَمْ يُثَبِّتْهُ وإلّا زالَتْ سَماءُ إيمانِهِ وأرْضِهِ عَنْ مَكانِهِما، وقَدْ قالَ تَعالى لِأكْرَمِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقالَ تَعالى لِأكْرَمِ خَلْقِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ البَجَلِيِّ قالَ: «وَهُوَ يَسْألُهم ويُثَبِّتُهُمْ» وقالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]

فالخَلْقُ كُلُّهم قِسْمانِ: مُوَفَّقٌ بِالتَّثْبِيتِ، ومَخْذُولٌ بِتَرْكِ التَّثْبِيتِ، ومادَّةُ التَّثْبِيتِ أصْلُهُ ومَنشَؤُهُ مِن القَوْلِ الثّابِتِ وفِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ العَبْدُ، فَبِهِما يُثَبِّتُ اللَّهُ عَبْدَهُ، فَكُلُّ مَن كانَ أثْبَتَ قَوْلًا وأحْسَنَ فِعْلًا كانَ أعْظَمَ تَثْبِيتًا، قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] فَأثْبَتُ النّاسِ قَلْبًا أثْبَتُهم قَوْلًا، والقَوْلُ الثّابِتُ هو القَوْلُ الحَقُّ والصِّدْقُ، وهو ضِدُّ القَوْلِ الباطِلِ الكَذِبِ؛ فالقَوْلُ نَوْعانِ: ثابِتٌ لَهُ حَقِيقَةٌ، وباطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأثْبَتُ القَوْلِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ ولَوازِمُها، فَهي أعْظَمُ ما يُثَبِّتُ اللَّهُ بِها عَبْدَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ولِهَذا تَرى الصّادِقَ مِن أثْبَتِ النّاسِ وأشْجَعِهِمْ قَلْبًا، والكاذِبَ مِن أمْهَنِ النّاسِ وأخْبَثِهِمْ وأكْثَرِهِمْ تَلَوُّثًا وأقَلِّهِمْ ثَباتًا، وأهْلُ الفِراسَةِ يَعْرِفُونَ صِدْقَ الصّادِقِ مِن ثَباتِ قَلْبِهِ وقْتَ الإخْبارِ وشَجاعَتِهِ ومَهابَتِهِ، ويَعْرِفُونَ كَذِبَ الكاذِبِ بِضِدِّ ذَلِكَ؛ ولا يَخْفى ذَلِكَ إلّا عَلى ضَعِيفِ البَصِيرَةِ.

وَسُئِلَ بَعْضُهم عَنْ كَلامٍ سَمِعَهُ مِن مُتَكَلِّمٍ بِهِ، فَقالَ: واللَّهِ ما فَهِمْت مِنهُ شَيْئًا، إلّا أنِّي رَأيْت لِكَلامِهِ صَوْلَةً لَيْسَتْ بِصَوْلَةِ مُبْطِلٍ، فَما مُنِحَ العَبْدُ مِنحَةً أفْضَلَ مِن مِنحَةِ القَوْلِ الثّابِتِ، ويَجِدُ أهْلُ القَوْلِ الثّابِتِ ثَمَرَتَهُ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ في قُبُورِهِمْ ويَوْمَ مَعادِهِمْ، كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَذابِ القَبْرِ».

[سُؤالُ القَبْرِ والتَّثْبِيتُ فِيهِ]

وَقَدْ جاءَ هَذا مُبَيَّنًا في أحادِيثَ صِحاحٍ؛ فَمِنها ما في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ داوُد بْنِ أبِي هِنْدَ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلى في قُبُورِها، فَإذا الإنْسانُ دُفِنَ وتَفَرَّقَ عَنْهُ أصْحابُهُ جاءَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْراقٌ فَأقْعَدَهُ فَقالَ: ما تَقُولُ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَإنْ كانَ مُؤْمِنًا قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْت، فَيُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النّارِ فَيُقالُ لَهُ: هَذا

مَنزِلُك لَوْ كَفَرْت بِرَبِّك، فَأمّا إذْ آمَنت فَإنَّ اللَّهَ أبْدَلَك بِهِ هَذا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أنْ يَنْهَضَ لَهُ، فَيُقالُ لَهُ: اسْكُنْ، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ، وأمّا الكافِرُ والمُنافِقُ فَيُقالُ لَهُ: ما تَقُولُ في هَذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أدْرِي، فَيُقالُ لَهُ: لا دَرَيْت ولا اهْتَدَيْت، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا مَنزِلُك لَوْ آمَنَتْ بِرَبِّك، فَأمّا إذْ كَفَرْت فَإنَّ اللَّهَ أبْدَلَك بِهِ هَذا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النّارِ، ثُمَّ يَقْمَعُهُ المَلَكُ بِالمِطْراقِ قَمْعَةً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهم إلّا الثَّقَلَيْنِ، قالَ بَعْضُ أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما مِنّا مِن أحَدٍ يَقُومُ عَلى رَأْسِهِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِطْراقٌ إلّا هُبِلَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]». وفي المُسْنَدِ نَحْوُهُ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.

وَرَوى المِنهالُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زاذانَ عَنْ البَراءِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقالَ: يَأْتِيهِ آتِ، يَعْنِي في قَبْرِهِ، فَيَقُولُ: مَن رَبُّك؟ وما دِينُك؟ ومَن نَبِيُّك؟ فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ، ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، قالَ: فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ: ما رَبُّك؟ وما دِينُك؟ وهي آخَرُ فِتْنَةٍ تَعْرِضُ عَلى المُؤْمِنِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ، ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ، فَيُقالُ لَهُ: صَدَقْت» وهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَقالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قالَ: إذا قِيلَ لَهُ في القَبْرِ: مَن رَبُّك؟ وما دِينُك؟ فَيَقُولُ رَبِّي اللَّهُ، ودِينِي الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ، جاءَنا بِالبَيِّناتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَآمَنت بِهِ وصَدَّقْت، فَيُقالُ لَهُ: صَدَقْت، عَلى هَذا عِشْت، وعَلَيْهِ مِتَّ، وعَلَيْهِ تُبْعَثُ».

وَقالَ الأعْمَشُ عَنْ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو، وعَنْ زاذانَ عَنْ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ، قالَ: فَتَرْجِعُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، ويُبْعَثُ إلَيْهِ مَلَكانِ شَدِيدا الِانْتِهارِ، فَيُجْلِسانِهِ ويَنْتَهِرانِهِ ويَقُولانِ: مَن رَبُّك؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ، وما دِينُك: فَيَقُولُ: الإسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ أوْ النَّبِيُّ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: وما يُدْرِيَك؟ قالَ: فَيَقُولُ: قَرَأْت كِتابَ اللَّهِ فَآمَنت بِهِ وصَدَّقْت، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]».

وَرَواهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والإمامُ أحْمَدُ وفي صَحِيحِهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قالَ: «إنّ المَيِّتَ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ مُدْبِرِينَ، فَإذا كانَ مُؤْمِنًا كانَتْ الصَّلاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، والزَّكاةُ عَنْ يَمِينِهِ، وكانَ الصِّيامُ عَنْ يَسارِهِ، وكانَ فِعْلُ الخَيْراتِ مِن الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والمَعْرُوفِ والإحْسانِ إلى النّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتى مِن عِنْدِ رَأْسِهِ فَتَقُولُ الصَّلاةُ: ما قَبْلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتى عَنْ يَمِينِهِ فَتَقُولُ الزَّكاةُ: ما قَبْلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتى عَنْ يَسارِهِ فَيَقُولُ الصِّيامُ: ما قَبْلِي مَدْخَلٌ، فَيُؤْتى مِن عِنْدِ رِجْلَيْهِ فَيَقُولُ فِعْلُ الخَيْراتِ مِن الصَّدَقَةِ والصِّلَةِ والمَعْرُوفِ والإحْسانِ إلى النّاسِ: ما قَبْلِي مَدْخَلٌ، فَيُقالُ لَهُ: اجْلِسْ، فَيَجْلِسُ قَدْ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ قَدْ دَنَتْ لِلْغُرُوبِ فَيَقُولُ لَهُ: أخْبِرْنا عَنْ ما نَسْألُك عَنْهُ، فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتّى أُصَلِّيَ، فَيُقالُ: إنّك سَتَفْعَلُ، فَأخْبِرْنا عَمّا نَسْألُك، فَيَقُولُ: وعَمَّ تَسْألُونِي؟ فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْت هَذا الرَّجُلَ الَّذِي كانَ فِيكُمْ، ماذا تَقُولُ فِيهِ؟ وماذا تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: أمُحَمَّدٌ ﷺ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّهُ جاءَ بِالبَيِّناتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَصَدَّقْناهُ، فَيُقالُ لَهُ: عَلى ذَلِكَ حَيِيت، وعَلى ذَلِكَ مِتَّ، وعَلى ذَلِكَ تُبْعَثُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، ويُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى الجَنَّةِ، فَيُقالُ لَهُ: انْظُرْ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَك فِيها، فَيَزْدادُ غِبْطَةً وسُرُورًا، ثُمَّ تُجْعَلُ نِسْمَتُهُ في النَّسَمِ الطَّيِّبِ، وهي طَيْرٌ خُضْرٌ تَعَلَّقَ بِشَجَرِ الجَنَّةِ، ويُعادُ الجَسَدُ إلى ما بَدَأ مِنهُ مِن التُّرابِ. وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» ولا تَسْتَطِيلُ هَذا الفَصْلَ المُعْتَرِضَ في المُفْتِي والشّاهِدِ والحاكِمِ، بَلْ وكُلُّ مُسْلِمٍ أشَدُّ ضَرُورَةً إلَيْهِ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ والنَّفَسِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُضْعِفُ العَبْدَ أمامَ نَفْسِهِ]

وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَخُونُ العَبْدَ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى نَفْسِهِ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَنْفَعُهُ وما يَضُرُّهُ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، وأعْلَمُ النّاسِ أعْرَفُهم بِذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ، وأقْواهم وأكْيَسُهم مَن قَوِيَ عَلى نَفْسِهِ وإرادَتِهِ، فاسْتَعْمَلَها فِيما يَنْفَعُهُ وكَفَّها عَمّا يَضُرُّهُ.

وَفِي ذَلِكَ تَتَفاوَتُ مَعارِفُ النّاسِ وهِمَمُهم ومَنازِلُهُمْ، فَأعْرَفُهم مَن كانَ عارِفًا بِأسْبابِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وأرْشَدُهم مَن آثَرَ هَذِهِ عَلى هَذِهِ، كَما أنَّ أسْفَهَهم مَن عَكَسَ الأمْرَ.

والمَعاصِي تَخُونُ العَبْدَ أحْوَجَ ما كانَ إلى نَفْسِهِ في تَحْصِيلِ هَذا العِلْمِ، وإيثارِ الحَظِّ الأشْرَفِ العالِي الدّائِمِ عَلى الحَظِّ الخَسِيسِ الأدْنى المُنْقَطِعِ، فَتَحْجُبُهُ الذُّنُوبُ عَنْ كَمالِ هَذا العِلْمِ، وعَنْ الِاشْتِغالِ بِما هو أوْلى بِهِ، وأنْفَعُ لَهُ في الدّارَيْنِ.

فَإذا وقَعَ مَكْرُوهٌ واحْتاجَ إلى التَّخَلُّصِ مِنهُ، خانَهُ قَلْبُهُ ونَفْسُهُ وجَوارِحُهُ، وكانَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ مَعَهُ سَيْفٌ قَدْ غَشِيَهُ الصَّدَأُ ولَزِمَ قِرابَهُ، بِحَيْثُ لا يَنْجَذِبُ مَعَ صاحِبِهِ إذا جَذَبَهُ، فَعَرَضَ لَهُ عَدُوٌّ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَوَضَعَ يَدِهِ عَلى قائِمِ سَيْفِهِ واجْتَهَدَ لِيُخْرِجَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ، فَدَهَمَهُ العَدُوُّ وظَفِرَ بِهِ.

كَذَلِكَ القَلْبُ يَصْدَأُ بِالذُّنُوبِ ويَصِيرُ مُثْخَنًا بِالمَرَضِ، فَإذا احْتاجَ إلى مُحارَبَةِ العَدُوِّ لَمْ يَجِدْ مَعَهُ مِنهُ شَيْئًا، والعَبْدُ إنَّما يُحارِبُ ويُصاوِلُ ويُقْدِمُ بِقَلْبِهِ، والجَوارِحُ تَبَعٌ لِلْقَلْبِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَلِكِها قُوَّةٌ يَدْفَعُ بِها، فَما الظَّنُّ بِها؟

وَكَذَلِكَ النَّفْسُ فَإنَّها تَخْبُثُ بِالشَّهَواتِ والمَعاصِي وتَضْعُفُ، أعْنِي النَّفْسَ المُطْمَئِنَّةَ، وإنْ كانَتِ الأمّارَةُ تَقْوى وتَتَأسَّدُ، وكُلَّما قَوِيَتْ هَذِهِ ضَعُفَتْ تِلْكَ، فَيَبْقى الحُكْمُ والتَّصَرُّفُ لِلْأمّارَةِ.

وَرُبَّما ماتَتْ نَفْسُهُ المُطْمَئِنَّةُ مَوْتًا لا يُرْتَجى مَعَهُ حَياةٌ يَنْتَفِعُ بِها، بَلْ حَياتُهُ حَياةٌ يُدْرِكُ بِها الألَمَ فَقَطْ.

والمَقْصُودُ أنَّ العَبْدَ إذا وقَعَ في شِدَّةٍ أوْ كُرْبَةٍ أوْ بَلِيَّةٍ خانَهُ قَلْبُهُ ولِسانُهُ وجَوارِحُهُ عَمّا هو أنْفَعُ شَيْءٍ لَهُ، فَلا يَنْجَذِبُ قَلْبُهُ لِلتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى والإنابَةِ إلَيْهِ والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ والتَّضَرُّعِ والتَّذَلُّلِ والِانْكِسارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولا يُطاوِعُهُ لِسانُهُ لِذِكْرِهِ، وإنْ ذَكَرَهُ بِلِسانِهِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ قَلْبِهِ ولِسانِهِ، فَيَنْحَبِسُ القَلْبُ عَلى اللِّسانِ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ الذِّكْرُ، ولا يَنْحَبِسُ القَلْبُ واللِّسانُ عَلى الذِّكْرِ، بَلْ إنْ ذَكَرَ أوْ دَعا ذَكَرَ بِقَلْبٍ لاهٍ ساهٍ غافِلٍ، ولَوْ أرادَ مِن جَوارِحِهِ أنْ تُعِينَهُ بِطاعَةٍ تَدْفَعُ عَنْهُ لَمْ تَنْقَدْ لَهُ ولَمْ تُطاوِعْهُ.

وَهَذا كُلُّهُ أثَرُ الذُّنُوبِ والمَعاصِي كَمَن لَهُ جُنْدٌ يَدْفَعُ عَنْهُ الأعْداءَ، فَأهْمَلَ جُنْدَهُ، وضَيَّعَهُمْ، وأضْعَفَهُمْ، وقَطَعَ أخْبارَهُمْ، ثُمَّ أرادَ مِنهم عِنْدَ هُجُومِ العَدُوِّ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَفْرِغُوا وُسْعَهم في الدَّفْعِ عَنْهُ بِغَيْرِ قُوَّةٍ.

هَذا، وثَمَّ أمْرٌ أخْوَفُ مِن ذَلِكَ وأدْهى مِنهُ وأمَرُّ، وهو أنْ يَخُونَهُ قَلْبُهُ ولِسانُهُ عِنْدَ الِاحْتِضارِ والِانْتِقالِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَرُبَّما تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِالشَّهادَةِ، كَما شاهَدَ النّاسُ كَثِيرًا مِنَ المُحْتَضَرِينَ أصابَهم ذَلِكَ، حَتّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: آهْ آهْ، لا أسْتَطِيعُ أنْ أقُولَها.

وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: شاهْ رُخْ، غَلَبْتُكَ. ثُمَّ قَضى.

وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ:

؎يا رُبَّ قائِلَةٍ يَوْمًا وقَدْ تَعِبَتْ ∗∗∗ أيْنَ الطَّرِيقُ إلى حَمّامِ مِنجابِ

ثُمَّ قَضى.

وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَجَعَلَ يَهْذِي بِالغِناءِ ويَقُولُ: تاتِنا تِنِنْتا. حَتّى قَضى

وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: وما يَنْفَعُنِي ما تَقُولُ ولَمْ أدَعْ مَعْصِيَةً إلّا رَكِبْتُها؟ ثُمَّ قَضى ولَمْ يَقُلْها.

وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: وما يُغْنِي عَنِّي، وما أعْرِفُ أنِّي صَلَّيْتُ لِلَّهِ صَلاةً؟ ثُمَّ قَضى ولَمْ يَقُلْها.

وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: هو كافِرٌ بِما تَقُولُ. وقَضى.

وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقالَ: كُلَّما أرَدْتُ أنْ أقُولَها لِسانِي يُمْسِكُ عَنْها.

وَأخْبَرَنِي مَن حَضَرَ بَعْضَ الشَّحّاذِينَ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: لِلَّهِ، فِلْسٌ لِلَّهِ. حَتّى قَضى.

وَأخْبَرَنِي بَعْضُ التُّجّارِ عَنْ قَرابَةٍ لَهُ أنَّهُ احْتُضِرَ وهو عِنْدَهُ، وجَعَلُوا يُلَقِّنُونَهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو يَقُولُ: هَذِهِ القِطْعَةُ رَخِيصَةٌ، هَذا مُشْتَرٍ جَيِّدٌ، هَذِهِ كَذا. حَتّى قَضى.

وَسُبْحانَ اللَّهِ! كَمْ شاهَدَ النّاسُ مِن هَذا عِبَرًا؟ والَّذِي يَخْفى عَلَيْهِمْ مِن أحْوالِ المُحْتَضِرِينَ أعْظَمُ وأعْظَمُ.

فَإذا كانَ العَبْدُ في حالِ حُضُورِ ذِهْنِهِ وقُوَّتِهِ وكَمالِ إدْراكِهِ قَدْ تَمَكَّنَ مِنهُ الشَّيْطانُ، واسْتَعْمَلَهُ فِيما يُرِيدُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ، وقَدْ أغْفَلَ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَطَّلَ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِهِ وجَوارِحَهُ عَنْ طاعَتِهِ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِهِ عِنْدَ سُقُوطِ قُواهُ واشْتِغالِ قَلْبِهِ ونَفَسِهِ بِما هو فِيهِ مِن ألَمِ النَّزْعِ؟ وجَمَعَ الشَّيْطانُ لَهُ كُلَّ قُوَّتِهِ وهِمَّتِهِ، وحَشَدَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِيَنالَ مِنهُ فُرْصَتَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ آخِرُ العَمَلِ، فَأقْوى ما يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْطانُهُ ذَلِكَ الوَقْتِ، وأضْعَفُ ما يَكُونُ هو في تِلْكَ الحالِ، فَمَن تُرى يَسْلَمُ عَلى ذَلِكَ؟ فَهُناكَ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].

فَكَيْفَ يُوَفَّقُ بِحُسْنِ الخاتِمَةِ مَن أغْفَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِهِ واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا. فَبَعِيدٌ مَن قَلْبُهُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، غافِلٌ عَنْهُ مُتَعَبِّدٌ لِهَواهُ أسِيرٌ لِشَهَواتِهِ، ولِسانُهُ يابِسٌ مِن ذِكْرِهِ، وجَوارِحُهُ مُعَطَّلَةٌ مِن طاعَتِهِ مُشْتَغِلَةٌ بِمَعْصِيَتِهِ - أنْ يُوَفَّقَ لِلْخاتِمَةِ بِالحُسْنى.

وَلَقَدْ قَطَعَ خَوْفُ الخاتِمَةِ ظُهُورَ المُتَّقِينَ، وكَأنَّ المُسِيئِينَ الظّالِمِينَ قَدْ أخَذُوا تَوْقِيعًا بِالأمانِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ - سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٣٩-٤٠]

كَما قِيلَ:

؎يا آمِنًا مِن قَبِيحِ الفِعْلِ مِنهُ أهَلْ ∗∗∗ أتاكَ تَوْقِيعُ أمْنٍ أنْتَ تَمْلِكُهُ

؎جَمَعْتَ شَيْئَيْنِ أمْنًا واتِّباعَ هَوًى ∗∗∗ هَذا وإحْداهُما في المَرْءِ تُهْلِكُهُ

؎والمُحْسِنُونَ عَلى دَرْبِ المَخاوِفِ قَدْ ∗∗∗ سارُوا وذَلِكَ دَرْبٌ لَسْتَ تَسْلُكُهُ

؎فَرَّطْتَ في الزَّرْعِ وقْتَ البَذْرِ مِن سَفَهٍ ∗∗∗ فَكَيْفَ عِنْدَ حَصادِ النّاسِ تُدْرِكُهُ

؎هَذا وأعْجَبُ شَيْءٍ مِنكَ زُهْدُكَ في ∗∗∗ دارِ البَقاءِ بِعَيْشٍ سَوْفَ تَتْرُكُهُ

؎مَنِ السَّفِيهُ إذًا بِاللَّهِ أنْتَ أمِ ال ∗∗∗ مَغْبُونُ في البَيْعِ غَبْنًا سَوْفَ يُدْرِكُهُ

14:28Page 259

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨

Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?

No commentary for this ayah

14:29Page 259

جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

No commentary for this ayah

14:30Page 259

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠

And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

No commentary for this ayah

14:31Page 259

قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١

[O Muḥammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange [i.e., ransom], nor any friendships.

No commentary for this ayah

14:32Page 259

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢

It is Allāh who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you1 the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

No commentary for this ayah

14:33Page 259

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

No commentary for this ayah

14:34Page 260

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤

And He gave you from all you asked of Him.1 And if you should count the favor [i.e., blessings] of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.2

(فصل)

الرب تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره هو المنعم على الحقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه فإيجادهم نعمة منه وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه وإعطائهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه، وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه، وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه، وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه، وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه، وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعايشهم نعمة منه، وذكر نعمه على سبيل التفصيل لا سبيل إليه ولا قدرة للبشر عليه.

ويكفي أن النفس من أدنى نعمه التي لا يكادون يعدونها وهو أربعة وعشرون ألف نفس في كل يوم وليلة، فلله على العبد في النفس خاصة أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة، دع ما عدا ذلك من أصناف نعمه على العبد، ولكل نعمة من هذه النعم حق من الشكر يستدعيه ويقتضيه، فإذا وزعت طاعات العبد كلها على هذه النعم لم يخرج قسط كل نعمة منها إلا جزء يسير جدا لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه.

(فائدة)

وكان بعض الخطباء يقول في خطبته اختط لك الأنف فأقامه وأتمه فأحسن تمامه ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقه وبأشفار معلقه ونقلك من طبقة إلى طبقه وحنن عليك قلب الوالدين برقة ومقة فنعمه عليك مورقة وأياديه بك محدقة

وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾

سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه إلا العلم بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل لحد إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدرك فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكرا، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيمانا علما منه أن العباد لا يتجاوزون ذلك.

وقال عبد الله بن المبارك أخبرنا مثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله يقول:

"خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا شاكرا من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه.

فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله صابرا شاكرا.

(فصل)

وأما شهود النعمة فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلا ولو عمل أعمال الثقلين فإن نعم الله سبحانه أكثر من أعماله، وأدنى نعمه من نعمه تستنفذ عمله فينبغي للعبد ألا يزال ينظر في حق الله عليه.

قال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع فقال: يا رب ارحمه فإني قد رحمته.

فأوحى الله إليه لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه.

فمشاهدة العبد النعمه والواجب لا تدع له حسنة يراها، ولا يزال مزريا على نفسه ذاما لها، وما أقرَّ به من الرحمه إذا أعطى هذين المشهدين حقهما والله المستعان.

14:35–36Page 260

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

وَلَمْ يَقُلْ: فَإنَّكَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِعْطافٍ وتَعْرِيضٍ بِالدُّعاءِ، أيْ إنْ تَغْفِرْ لَهم وتَرْحَمْهُمْ، بِأنْ تُوَفِّقَهم لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ، كَما في الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ».

وَفِي هَذا أظْهَرُ الدِّلالَةِ عَلى أنَّ أسْماءَ الرَّبِّ تَعالى مُشْتَقَّةٌ مِن أوْصافٍ ومَعانٍ قامَتْ بِهِ، وأنَّ كُلَّ اسْمٍ يُناسِبُ ما ذُكِرَ مَعَهُ، واقْتَرَنَ بِهِ، مِن فِعْلِهِ وأمْرِهِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

14:37Page 260

رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

No commentary for this ayah

14:38Page 260

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.

No commentary for this ayah

14:39Page 260

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩

Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

وأما قول إبراهيم الخليل: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ فالمراد بالسمع هنا السمع الخاص وهو سمع الإجابة والقبول لا السمع العام لأنه سميع لكل مسموع وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب وسمع الرب تبارك وتعالى له إثابته على الثناء وإجابته للطلب فهو سميع لهذا وهذا.

﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فالمعنى أنه ملاق جهنم بعد موته فهي من بعده أي بعد مفارقته الدنيا فهي لما كان تبعد حياته كانت وراءه لأن وراء كبعد فكما لا يكون بعد قبل فلا يكون وراء أمام، وأنت لو قلت: "جهنم بعد موت الكافر" لم يكن فيها معنى قبل بوجه.

فوراء هاهنا زمان لا مكان فتأمله - رحمك الله تعالى - فهي خلف زمان حياته وبعده، وهي أمامه ومستقبلته.

فكونها خلفا وأماما باعتبارين، وإنما وقع الاشتباه لأن بعدية الزمان إنما يكون فيما يستقبل أمامك كقولك: بعد غد وورائية المكان فيما تخلف وراء ظهرك فـ (من ورائه جهنم) ورائية زمان لا مكان، وهي إنما تكون في المستقبل الذي هو أمامك، فلما كان معنى الأمام لازم لها ظن من ظن أنها مشتركة ولا اشتراك فيها وكذلك قوله: ﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وكذلك: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾

وأما قوله: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ فإن صحت قراءة وكان أمامهم ملك فلها معنى لا يناقض القراءة العامة وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه فهو وراءهم في ذهابهم وأمامهم في مرجعهم فالقراءتان بالاعتبارين. والله سبحانه وتعالى أعلم.

14:40Page 260

رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

No commentary for this ayah

14:41Page 260

رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

No commentary for this ayah

14:42Page 260

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢

And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].

No commentary for this ayah

14:43Page 261

مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.

No commentary for this ayah

14:44Page 261

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤

And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1

No commentary for this ayah

14:45Page 261

وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

No commentary for this ayah

14:46Page 261

وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦

And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1

No commentary for this ayah

14:47Page 261

فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧

So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1

No commentary for this ayah

14:48Page 261

يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ٤٨

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and they [i.e., all creatures] will come out before Allāh, the One, the Prevailing,

No commentary for this ayah

14:49Page 261

وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٤٩

And you will see the criminals that Day bound together in irons,

No commentary for this ayah

14:50Page 261

سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ٥٠

Their garments of liquid pitch and their faces covered by the Fire

No commentary for this ayah

14:51Page 261

لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٥١

So that Allāh will recompense every soul for what it earned. Indeed, Allāh is swift in account.

No commentary for this ayah

14:52Page 261

هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٢

This [Qur’ān] is notification for the people that they may be warned thereby and that they may know that He is but one God and that those of understanding will be reminded.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском