Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:75–99, continued
والتَّوَسُّمُ مَعْناهُ تَفَعُّلٌ مِنَ السِّيما، وهي العَلامَةُ، فَسُمِّيَ المُتَفَرِّسُ مُتَوَسِّمًا، لِأنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِما يَشْهَدُ عَلى ما غابَ، فَيَسْتَدِلُّ بِالعِيانِ عَلى الإيمانِ، ولِهَذا خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِالآياتِ والِانْتِفاعِ بِها هَؤُلاءِ، لِأنَّهم يَسْتَدِلُّونَ بِما يُشاهِدُونَ مِنها عَلى حَقِيقَةِ ما أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والثَّوابِ والعِقابِ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ ذَلِكَ لِآدَمَ، وعَلَّمَهُ إيّاهُ حِينَ عَلَّمَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ، وبَنُوهُ هم نُسْخَتُهُ وخُلَفاؤُهُ، فَكُلُّ قَلْبٍ فَهو قابِلٌ لِذَلِكَ، وهو فِيهِ بِالقُوَّةِ، وبِهِ تَقُومُ الحُجَّةُ، وتَحْصُلُ العِبْرَةُ، وتَصِحُّ الدِّلالَةُ، وبَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ مُذَكِّرِينَ ومُنَبِّهِينَ، ومُكَمِّلِينَ لِهَذا الِاسْتِعْدادِ، بِنُورِ الوَحْيِ والإيمانِ، فَيَنْضافُ ذَلِكَ إلى نُورِ الفِراسَةِ والِاسْتِعْدادِ، فَيَصِيرُ نُورًا عَلى نُورٍ، فَتَقْوى البَصِيرَةُ، ويَعْظُمُ النُّورُ ويَدُومُ، بِزِيادَةِ مادَّتِهِ ودَوامِها، ولا يَزالُ في تَزايُدٍ حَتّى يُرى عَلى الوَجْهِ والجَوارِحِ، والكَلامِ والأعْمالِ، ومَن لَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ ولَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا دَخَلَ قَلْبُهُ في الغُلافِ والأكِنَّةِ، فَأظْلَمَ، وعَمِيَ عَنِ البَصِيرَةِ، فَحُجِبَتْ عَنْهُ حَقائِقُ الإيمانِ، فَيَرى الحَقَّ باطِلًا، والباطِلَ حَقًّا، والرُّشْدَ غَيًّا، والغَيَّ رُشْدًا، قالَ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] " والرَّيْنُ " " والرّانُّ " هو الحِجابُ الكَثِيفُ المانِعُ لِلْقَلْبِ مِن رُؤْيَةِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ.
وَعَلى حَسَبِ قُوَّةِ البَصِيرَةِ وضَعْفِها تَكُونُ الفِراسَةُ، وهي نَوْعانِ:
فِراسَةٌ عُلْوِيَّةٌ شَرِيفَةٌ، مُخْتَصَّةٌ بِأهْلِ الإيمانِ، وفِراسَةٌ سُفْلِيَّةٌ دَنِيئَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وهي فِراسَةُ أهْلِ الرِّياضَةِ والجُوعِ والسَّهَرِ والخُلْوَةِ، وتَجْرِيدِ البَواطِنِ مِن أنْواعِ الشَّواغِلِ، فَهَؤُلاءِ لَهم فِراسَةُ كَشْفِ الصُّوَرِ، والإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ السُّفْلِيَّةِ الَّتِي لا يَتَضَمَّنُ كَشْفُها والإخْبارُ بِها كَمالًا لِلنَّفْسِ، ولا زَكاةً ولا إيمانًا ولا مَعْرِفَةً، وهَؤُلاءِ لا تَتَعَدّى فِراسَتُهم هَذِهِ السُفْلِيّاتِ، لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ عَنِ الحَقِّ تَعالى، فَلا تَصْعَدُ فِراسَتُهم إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ، وطَرِيقِ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ.
وَأمّا فِراسَةُ الصّادِقِينَ، العارِفِينَ بِاللَّهِ وأمْرِهِ فَإنَّ هِمَّتَهم لَمّا تَعَلَّقَتْ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ عَلى بَصِيرَةٍ، كانَتْ فِراسَتُهم مُتَّصِلَةً بِاللَّهِ، مُتَعَلِّقَةً بِنُورِ الوَحْيِ مَعَ نُورِ الإيمانِ، فَمَيَّزَتْ بَيْنَ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ وما يُبْغِضُهُ مِنَ الأعْيانِ والأقْوالِ والأعْمالِ، ومَيَّزَتْ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ، والصّادِقِ والكاذِبِ، وعَرَفَتْ مَقادِيرَ اسْتِعْدادِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ، فَحَمَلَتْ كُلَّ إنْسانٍ عَلى قَدْرِ اسْتِعْدادِهِ، عِلْمًا وإرادَةً وعَمَلًا.
فَفِراسَةُ هَؤُلاءِ دائِمًا حائِمَةٌ حَوْلَ كَشْفِ طَرِيقِ الرَّسُولِ وتَعَرُّفِها، وتَخْلِيصِها مِن بَيْنِ سائِرِ الطُّرُقِ، وبَيْنَ كَشْفِ عُيُوبِ النَّفْسِ، وآفاتِ الأعْمالِ العائِقَةِ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ المُرْسَلِينَ، فَهَذا أشْرَفُ أنْواعِ البَصِيرَةِ والفِراسَةِ، وأنْفَعُها لِلْعَبْدِ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ.
15:76Page 266
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦
And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.
No commentary for this ayah
15:77Page 266
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
Indeed in that is a sign for the believers.
No commentary for this ayah
15:78Page 266
وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨
And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,
No commentary for this ayah
15:79Page 266
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩
So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.
No commentary for this ayah
15:80Page 266
وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠
And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.
No commentary for this ayah
15:81Page 266
وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١
And We gave them Our signs, but from them they were turning away.
No commentary for this ayah
15:82Page 266
وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢
And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
15:84Page 266
فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤
So nothing availed them [from] what they used to earn.
No commentary for this ayah
15:85Page 266
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥
And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.
No commentary for this ayah
15:86Page 266
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦
Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.
No commentary for this ayah
15:87Page 266
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧
And We have certainly given you, [O Muḥammad], seven of the often repeated [verses]1 and the great Qur’ān.
No commentary for this ayah
15:88Page 266
لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of them [i.e., the disbelievers], and do not grieve over them. And lower your wing [i.e., show kindness] to the believers.
[فصل: الفرق بين التواضع والمهانة]
والفرق بين التواضع والمهانة أن التواضع يتولد من بين العلم باللّه سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عمله وآفاتها، من بين ذلك كله خلق هو التواضع وهو انكسار القلب للّه وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له على أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه اللّه عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه.
وأما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها كتواضع السفل في نيل شهواتهم وتواضع المفعول به للفاعل وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه فهذا كله ضعة لا تواضع واللّه سبحانه يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة: وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأوحى إلى تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد والتواضع المحمود على نوعين:
النوع الأول: تواضع العبد عند أمر اللّه امتثالا وعند نهيه اجتنابا فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره فيبدو منها أنواع إباء وشراد هربا من العبودية وتثبت عند نهيه طلبا للظفر بما منع منه فإذا وضع العبد نفسه لأمر اللّه نهيه فقد تواضع للعبودية.
والنوع الثاني: تواضعه لعظمة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه، فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعت إليه نفسه، وانكسر لعظمة اللّه قلبه، واطمأن لهيبته وأخبت لسلطانه، فهذا غاية التواضع وهو يستلزم الأول من غير عكس.
والمتواضع حقيقة من رزق الأمرين. واللّه المستعان.
15:89Page 266
وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩
And say, "Indeed, I am the clear warner" -
No commentary for this ayah
15:90Page 266
كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠
Just as We had revealed [scriptures] to the separators1
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
15:92–93Page 267
فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢
So by your Lord, We will surely question them all
عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣
About what they used to do.
قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله"، وهذا حق.
فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها، قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟
فالسؤال عمّاذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عمّاذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها.
وأمر هذا شأْنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة.
والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
15:94Page 267
فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٤
Then declare what you are commanded1 and turn away from the polytheists.2
(لطيفة)
سمع بعض الأعراب قارئا يقرأ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فسجد فقيل له ليست بآية سجود!
فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام.
[فَصْلٌ: أكْمَلُ الخَلْقِ مَن كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ]
وَأكْمَلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَن كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ كُلَّها، والخَلْقُ مُتَفاوِتُونَ في مَنازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَفاوُتُهم في مَراتِبِ الجِهادِ، ولِهَذا كانَ أكْمَلُ الخَلْقِ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ خاتِمَ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَإنَّهُ كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ، وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، وشَرَعَ في الجِهادِ مِن حِينَ بُعِثَ إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١-٤] شَمَّرَ عَنْ ساقِ الدَّعْوَةِ، وقامَ في ذاتِ اللَّهِ أتَمَّ قِيامٍ، ودَعا إلى اللَّهِ لَيْلًا ونَهارًا، وسِرًّا وجِهارًا، ولَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فَصَدَعَ بِأمْرِ اللَّهِ لا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، فَدَعا إلى اللَّهِ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ والحُرَّ والعَبْدَ والذَّكَرَ والأُنْثى والأحْمَرَ والأسْوَدَ والجِنَّ والإنْسَ.
وَلَمّا صَدَعَ بِأمْرِ اللَّهِ وصَرَّحَ لِقَوْمِهِ بِالدَّعْوَةِ، وناداهم بِسَبِّ آلِهَتِهِمْ، وعَيْبِ دِينِهِمْ، اشْتَدَّ أذاهم لَهُ، ولِمَنِ اسْتَجابَ لَهُ مِن أصْحابِهِ، ونالُوهُ ونالُوهم بِأنْواعِ الأذى، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] وقالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ - أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢-٥٣].
فَعَزّى سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ، وأنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وعَزّى أتْباعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
15:95Page 267
إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ ٩٥
Indeed, We are sufficient for you against the mockers
No commentary for this ayah
15:96Page 267
ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٩٦
Who make [equal] with Allāh another deity. But they are going to know.
No commentary for this ayah
15:97Page 267
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧
And We already know that your breast is constrained by what they say.
No commentary for this ayah
15:98Page 267
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨
So exalt [Allāh] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].
No commentary for this ayah
15:99Page 267
وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩
And worship your Lord until there comes to you the certainty [i.e., death].
الصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور لقصده، بل قصده أتم وطلبه أكمل ونيته. قال تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيكَ اليَقِينْ﴾
واليقين هنا الموت باتفاق أهل الإسلام، فجاء ﷺ إذ جاءه وإرادته وقصده ونيته في الذروة العليا ونهاية كمالها وتمامها، فأين العلة في هذه الإرادة؟
ولكن العلة والنقص في الإرادة التي يكون مصدرها النفس والهوى، وغايتها نيل حظ المريد من محبوبه، وإن كان المحبوب يريد ذلك لكن غيره أحب إليه منه، وهو أن يكون مراده محض حق محبوبه وحصول مرضاته، فانيًا عن حظه هو من محبوبه، بل قد صار حظه منه نفس حقه ومراده، فهذه هي الإرادة والمحبة التي لا عِلَّة فيها ولا نقص.
نسأل الله تعالى أن يمن علينا ويحيينا ولو بنفس منها، كما منّ بتعليمها ومعرفتها إنه جواد كريم.
(فصل)
قال ابن القيم - بعد كلام طويل عن منزلة الفناء -:
وَيَقُولُ قائِلُهُمْ: مَن شَهِدَ الحَقِيقَةَ سَقَطَ عَنْهُ الأمْرُ، ويَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] ويُفَسِّرُونَ اليَقِينَ بِشُهُودِ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ، وهي الحَقِيقَةُ عِنْدَهم.
وَلا رَيْبَ أنَّ العامَّةَ خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ وأصَحُّ إيمانًا، فَإنَّ هَذا زَنْدَقَةٌ ونِفاقٌ، وكَذِبٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ ونَبِيِّهِمْ وإلَهِهِمْ.
أمّا كَذِبُهم عَلى أنْفُسِهِمْ فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يُفَرِّقُوا قَطْعًا، فَرَغِبُوا عَنِ الفَرْقِ النَّبَوِيِّ والقُرْآنِيِّ، ووَقَعُوا في الفَرْقِ النَّفْسِيِّ الطَّبْعِيِّ، مِثْلَ حالِ إبْلِيسَ، تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، ورَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالقِيادَةِ لِفُسّاقِ ذُرِّيَّتِهِ، ومِثْلَ المُشْرِكِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ الحَيِّ القَيُّومِ،
وَرَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِعِبادَةِ الأحْجارِ والأشْجارِ والمَوْتى والأوْثانِ، ومِثْلَ أهْلِ البِدَعِ تَكَبَّرُوا عَنْ تَقْلِيدِ النُّصُوصِ، وتَلَقِّي الهُدى مِن مِشْكاتِها، ورَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِتَقْلِيدِ أقْوالٍ مُخالِفَةٍ لِلْفِطْرَةِ والعَقْلِ والشَّرْعِ، وظَنُّوها قَواطِعَ عَقْلِيَّةً، وقَدَّمُوها عَلى نُصُوصِ الأنْبِياءِ، وهي في الحَقِيقَةِ شُبُهاتٌ مُخالِفَةٌ لِلسَّمْعِ والعَقْلِ.
وَمِثْلَ الجَهْمِيَّةِ نَزَّهُوا الرَّبَّ عَنْ عَرْشِهِ، وجَعَلُوهُ في أجْوافِ البُيُوتِ والحَوانِيتِ والحَمّاماتِ، وقالُوا: هو في كُلِّ مَكانٍ بِذاتِهِ، ونَزَّهُوهُ عَنْ صِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ حَذَرًا - بِزَعْمِهِمْ - مِنَ التَّشْبِيهِ فَشَبَّهُوهُ بِالجامِداتِ النّاقِصَةِ الخَسِيسَةِ الَّتِي لا تَتَكَلَّمُ، ولا سَمْعَ لَها ولا بَصَرَ، ولا عِلْمَ ولا حَياةَ، بَلْ شَبَّهُوهُ بِالمَعْدُوماتِ المُمْتَنِعِ وُجُودُها.
وَمِثْلَ المُعَطَّلَةِ الَّذِينَ قالُوا: ما فَوْقَ العَرْشِ إلّا العَدَمُ، ولَيْسَ فَوْقَ العَرْشِ رَبٌّ يُعْبَدُ، ولا إلَهٌ يُصَلّى لَهُ ويُسْجَدُ، ولا تَرْتَفِعُ الأيْدِي إلَيْهِ، ولا رَفَعَ المَسِيحُ إلَيْهِ، ولا تَعَرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، ولا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ، ولا دُنِّيَ مِنهُ حَتّى كانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، ولا يَنْزِلُ مِن عِنْدِهِ شَيْءٌ، ولا يَصْعَدُ إلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ مِن فَوْقِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، واسْتِواؤُهُ عَلى عَرْشِهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ عَلى المَجازِ الَّذِي يَصِحُّ نَفْيُهُ، وعُلُوُّهُ فَوْقَ خَلْقِهِ بِالرُّتْبَةِ والشَّرَفِ لا بِالذّاتِ، وكَذَلِكَ فَوَقِيَّتُهُ فَوْقِيَّةُ قَهْرٍ، لا فَوْقِيَّةَ ذاتٍ، فَنَزَّهُوهُ عَنْ كَمالِ عُلُوِّهِ وفَوْقِيَّتِهِ، ووَصَفُوهُ بِما ساوَوْا بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَدَمِ والمُسْتَحِيلِ، فَقالُوا: لا هو داخِلَ العالَمِ، ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِهِ، ولا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، ولا مُحايِثٌ لَهُ، ولا مُبايِنٌ لَهُ، ولا هو فِينا، ولا خارِجٌ عَنّا.
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِأحَدِهِمْ: صِفْ لَنا العَدَمَ، لَوَصَفَهُ بِهَذا بِعَيْنِهِ.
وانْطِباقُ هَذا السَّلْبِ عَلى العَدَمِ المَحْضِ أقْرَبُ إلى العُقُولِ والفِطَرِ مِنِ انْطِباقِهِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي لَيْسَ في مَخْلُوقاتِهِ شَيْءٌ مِن ذاتِهِ، ولا في ذاتِهِ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، بَلْ هو بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ، عالٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ.
والقَصْدُ أنَّ كُلَّ مَن أعْرَضَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الحَقِّ وجَحَدَهُ، وقَعَ في باطِلٍ مُقابِلٍ لِما أعْرَضَ عَنْهُ مِنَ الحَقِّ وجَحَدَهُ ولا بُدَّ، حَتّى في الأعْمالِ مَن رَغِبَ عَنِ العَمَلِ لِوَجْهِ اللَّهِ وحْدَهُ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالعَمَلِ لِوُجُوهِ الخَلْقِ، فَرَغِبَ عَنِ العَمَلِ لِمَن ضَرُّهُ ونَفْعُهُ ومَوْتُهُ وحَياتُهُ وسَعادَتُهُ بِيَدِهِ، فابْتُلِيَ بِالعَمَلِ لِمَن لا يَمْلِكُ لَهُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَن رَغِبَ عَنْ إنْفاقِ مالِهِ في طاعَةِ اللَّهِ ابْتُلِيَ بِإنْفاقِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وهو راغِمٌ.
وَكَذَلِكَ مَن رَغِبَ عَنِ التَّعَبِ لِلَّهِ ابْتُلِيَ بِالتَّعَبِ في خِدْمَةِ الخَلْقِ ولا بُدَّ.
وَكَذَلِكَ مَن رَغِبَ عَنِ الهَدْيِ بِالوَحْيِ، ابْتُلِيَ بِكُناسَةِ الآراءِ وزِبالَةِ الأذْهانِ، ووَسَخِ الأفْكارِ.
فَلْيَتَأمَّلْ مَن يُرِيدُ نُصْحَ نَفْسِهِ وسَعادَتَها وفَلاحَها هَذا المَوْضِعَ في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ.
وَلا رَيْبَ أنَّ العامَّةَ - مَعَ غَفْلَتِهِمْ وشَهَواتِهِمْ - أصَحُّ إيمانًا مِن هَؤُلاءِ إذا لَمْ يُعَطِّلُوا الأمْرَ والنَّهْيَ، فَإنَّ إيمانًا مَعَ تَفْرِقَةٍ وغَفْلَةٍ، خَيْرٌ مِن شُهُودٍ وجَمْعِيَّةٍ يَصْحَبُها فَسادُ الإيمانِ والِانْسِلاخُ مِنهُ.
وَأمّا كَذِبُهم عَلى نَبِيِّهِمْ فاعْتِقادُهم أنَّهُ إنَّما كانَ قِيامُهُ بِالأوْرادِ والعِباداتِ لِأجْلِ التَّشْرِيعِ، لا لِأنَّها فَرْضٌ عَلَيْهِ، إذْ قَدْ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْهُ بِشُهُودِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ اليَقِينِ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَهُ وأمَرَ سائِرَ رُسُلِهِ بِعِبادَتِهِ إلى حِينِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، فَقالَ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وهو المَوْتُ بِالإجْماعِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى عَنِ الكُفّارِ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٦] وقالَ ﷺ «أمّا عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ» قالَهُ لَمّا ماتَ عُثْمانُ، وقالَ المَسِيحُ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠]
فَهَذِهِ وصِيَّةُ اللَّهِ لِلْمَسِيحِ، وكَذَلِكَ لِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ، قالَ الحَسَنُ: لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ أجَلًا دُونَ المَوْتِ.
وَإذا جَمَعَ هَؤُلاءِ التَّجَهُّمَ في الأسْماءِ والصِّفاتِ إلى شُهُودِ الحَقِيقَةِ والوُقُوفِ عِنْدَها، فَأعاذَكَ اللَّهُ مِن تَعْطِيلِ الرَّبِّ وشَرْعِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا رَبَّ يُعْبَدُ، ولا شَرْعَ يُتَّبَعُ بِالكُلِّيَّةِ.
وَمَن أرادَ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ ما ذَكَرْنا فَلْيُسَيِّرْ طَرْفَهُ بَيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ، ولْيَقِفْ عَلى تِلْكَ المَعاهِدِ، ولْيَسْألِ الأحْوالَ والرُّسُومَ والشَّواهِدَ، فَإنْ لَمْ تَجُبْهُ حِوارًا، أجابَتْهُ حالًا
واعْتِبارًا، وإنَّما يُصَدِّقُ بِهَذا مَن رافَقَ السّالِكِينَ، وفارَقَ القاعِدِينَ وتَبَوَّأ الإيمانَ، وفارَقَ عَوائِدَ أهْلِ الزَّمانِ، ولَمْ يَرْضَ بِقَوْلِ القائِلِ:
؎دَعِ المَعالِي لا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences