Ibn al-QayyimAn‑Nahl · 16:126–127

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:126–127

16:126–127Page 281

وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦

And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.

وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧

And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.

فإن قيل أي الصبرين أحب إلى الله؟

صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر عن محارمه؟

قيل هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة الصبر عن المخالفات أفضل، لأنه أشق وأصعب فإن أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون.

قالوا: ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس، وهو أشق شيء وأفضله.

قالوا ولأن ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب إليه من نفسه وهواه، بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك.

قالوا وأيضا فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر.

قال الإمام أحمد: "الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى"

فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر قالوا وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب للنفوس الفاضلة الزكية، بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب للنفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها.

قالوا: ولأن المناهي لها أربعة دواع تدعو إليها:

نفس الإنسان، وشيطانه، وهواه، ودنياه.

فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة، وذلك أشق شيء على النفوس وأمره قالوا فالمناهي من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه.

قالو أو لذلك كان باب قربان النهي مسدودا كله وباب الأمر إنما يفعل منه المستطاع كما قال النبي ﷺ:

"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه "

فدل على أن باب المنهيات أضيق من باب المأمورات، وأنه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر.

قالوا ولهذا كانت عامة العقوبات من الحدود وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم يرتب عليه حدا معينا فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على تاركها حد أم لا؟

فهذا بعض ما احتجت به الطائفة.

(فصل)

وقالت طائفة أخرى بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور، لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه

أحدها: أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد، فإن معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق وثبت بها الأمر وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات إنما نهى عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوتة لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذي وضعه الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذي به يعرف الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلى له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه إنما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله.

الثاني أن المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ومحبته والتوكل عليه والإنابة إليه فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ومتعلق المنهيات ذوات الأشياء المنهي عنها والفرق من أعظم ما يكون.

الثالث: أن ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك المحظور فإنه ليس إلى شيء أحوج واشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده وإخلاص العمل له وافراده بالعبودية والمحبة والطاعة وضرورته إلى ذلك أعظم من ضرورته إلى نفسه ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذي به قوام بدنه بل هذا لقلبه وروحه كالحياه والغذاء لبدنه وهو إنما هو إنسان بروحه وقلبه لا ببدنه وقالبه كما قيل:

؎يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ∗∗∗ فأنت بالقلب لا بالجسم إنسان

وترك المنهي إنما شرع له تحصيلا لهذا الأمر الذي هو ضرورى له وما أحوجه وأفقره إليه.

الرابع: أن ترك المنهي من باب الحمية وفعل المأمور من باب حفظ القوة والغذاء الذي لاتقوم البنية بدونه ولا تحصل الحياة إلا به فقد يعيش الإنسان مع تركه الحميه وإن كان بدنه عليلا أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة والغذاء الذي يحفظها فهذا مثل المأمورات والمنهيات.

الخامس: أن الذنوب كلها ترجع إلى هذين الأصلين ترك المأمور وفعل المحظور، ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى آخره حتى أتى من مأمور الإيمان بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار.

ولو ترك كل محظور ولم يأت بمأمور الإيمان لكان مخلدا في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه تخرج من النار إلى شيء وزن الجبال منه أضعافا مضاعفة لا تقتضي الخلود في النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شيء منه.

السادس: أن جميع المحظورات من أولها إلى آخرها تسقط بمأمور التوبة ولا تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة إلا بالشرك أو الوفاة عليه ولا خلاف بين الأمة أن كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه.

السابع: أن ذنب الأب كان يفعل المحظور فكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وذنب إبليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة.

الثامن أن المأمور محبوب إلى الرب والمنهي مكروه له، وهو سبحانه إنما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى.

أما مَن عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والانكسار وغير ذلك.

وأما من نفسه فبالمغفرة والتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه، وغير ذلك مما هو أحب إليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه، وإذا كان إنما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه علم أن محبوبه هو الغاية ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادا له إرادة الوسائل كما كان النهي عنه وكراهته لذلك.

وأما المحبوب فمراده إرادة المقاصد كما تقدم فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره وهو عبادته وحده كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾

وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلا لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها فانه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره كالجهاد الذي هو أحب العمل إليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما ما يكون سببا لحصولها.

التاسع: أن ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور فلو ترك العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الإيمان وكذلك المؤمن لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور ولو افتقر إليه لم يقبل الله طاعة من عصاه أبدا وهذا من أبطل الباطل.

العاشر: أن المنهي عنه مطلوب إعدامه والمأمور مطلوب إيجاده والمراد إيجاد هذا وإعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما فإنه إذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور وإذا وجد المأمور فقد يستعان به على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض.

الحادى عشر: أن باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وباب المحظور السيئة فيه بمثلها وهي بصدد الزوال بالتوبة والاستغفار والحسنة الماحية والمصيبة المكفرة واستغفار الملائكة للمؤمنين واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك وهذا يدل على أنه أحب إلى الله من عدم المنهي.

الثاني عشر: أن باب المنهيات يمحوه الله سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة من فعل العبد وغيره فإنه يبطله بالتوبة النصوح وبالاستغفار وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة وباستغفار الملائكة وبدعاء المؤمنين فهذه ستة في حال حياته وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه فهذا عند مفارقته الدنيا وبهول المطلع وروعة الملكين في القبر وضغطته وعصرته له وشدة الموقف وعنائه وصعوبته وبشفاعة الشافعين فيه وبرحمة أرحم الراحمين له فإن عجزت عنه هذه الأمور فلا بد له من دخول النار ويكون لبثه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه فإن الله حرم الجنة إلا على كل طيب فما دام درنه ووسخه وخبثه فيه فهو في كير التطهير حتى يتصفى من ذلك الوسخ والخبث وأما باب المأمورات فلا يبطله إلا الشرك.

الثالث عشر: أن جزاء المأمورات الثواب وهو من باب الإحسان والفضل والرحمة، وجزاء المنهيات العقوبة وهي من باب الغضب والعدل ورحمته سبحانه تغلب غضبه فما تعلق بالرحمة والفضل أحب إليه مما تعلق بالغضب والعدل وتعطيل ما تعلق بالرحمة أكره إليه من فعل ما تعلق بالغضب.

الرابع عشر: أن باب المنهيات تسقط الآلاف المؤلفة منه الواحدة من المأمورات وباب المأمورات لا يسقط الواحدة منه الآلاف المؤلفة من المنهيات.

الخامس عشر: أن متعلق المأمورات الفعل وهو صفة كمال بل كمال المخلوق من فعاله فإنه فعل فكمل ومتعلق النهي الترك والترك عدم ومن حيث هو كذلك لا يكون كمالا فإن العدم المحض ليس بكمال وإنما يكون كمالا لما يتضمنه أو يستلزمه من الفعل الوجودي الذي هو سبب الكمال.

وأما أن يكون مجرد الترك الذي هو عدم محض كمالا أو سببا للكمال فلا.

مثال ذلك لو ترك السجود للصنم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يكن يسجد لله وإلا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالا، وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمنا ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وأن المنهي ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئا ولم يكن كمالا، فإن الرجل لو قال للرسول لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا أحاربك ولا أحارب من يحاربك لكان كافرا ولم يكن مؤمنا بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأت بالفعل الوجودي الذي أمر به.

السادس عشر: أن العبد إذا أتى بالمأمور به على وجهه ترك المنهي عنه ولا بد، فالمقصود إنما هو فعل المأمور ومع فعله على وجهه يتعذر فعل المنهي فالمنهي عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد إذا فعل ما أمر به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ترك الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهي عنه في المأمور به ضمنا وتبعا وليس كذلك في عكسه فإن ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه قد يتركهما معا كما تقدم فعلم أن المقصود هو إقامة الأمر على وجهه ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهي ألبتة وأما ترك المنهي عنه فإنه يستلزم إقامة الأمر

السابع عشر: أن الرب تعالى إذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعا كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ومقاومته ولا سيما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر.

ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدوا للملك هو حريص على قتله وشرب مسكرا نهاه عن شربه فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه وأما إذا ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما إذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن شرب مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر فإن الملك لا يهب له جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه وقد فطر الله عباده على هذا فهكذا السادات مع عبيدهم والآباء مع أولادهم والملوك مع جندهم والزوجات مع أزواجهم ليس التارك منهم محبوب الأمر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره ومكروهه.

يوضحه الوجه الثامن عشر: أن فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الإتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ويبغضه من وجه أما إذا ترك المأمور به جملة فإنه لم يقم به ما يحبه الرب عليه فإن مجرد ترك المنهي لا يكون طاعة إلا باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضا للرب تعالى من كل وجه إذ ليس فيه ما يحبه الرب عليه فتأمله.

يوضحه الوجه التاسع عشر: وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودي أمر به إيجابا أو استحبابا ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في موضع واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، ويحب المتقين ويحب الذاكرين، ويحب المتصدقين، فهو سبحانه إنما علق محبته بأوامره إذ هي المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فما خلق الخلق إلا لقيام أوامره وما نهاهم إلا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها.

يوضحه الوجه العشرون: أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها على الوجه الذي أمر الله بها لم يكن للنهي عنها معنى وإنما نهى عنها لمضادتها لأوامره وتعويقها لها وصدها عنها فالنهي عنها من باب التكميل والتتمة للمأمور فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجري في مجاريه غير معوق فالأمر بمنزلة الماء الذي أرسل في نهر لحياة البلاد والعباد والنهي بمنزلة تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والأمر بمنزلة القوة والحياة والنهي بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها

قالوا وإذا تبين أن فعل المأمور أفضل فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر وبه يسهل عليه الصبر عن المحظور، والصبر على المقدور فإن الصبر إلا على يتضمن الصبر الأدنى دون العكس وقد ظهر لك من هذا أن الأنواع الثلاثة متلازمة وكل نوع منها يعين على النوعين الآخرين وإن كان من الناس من قوة صبره على المقدور فإذا جاء الأمر والنهي فقوة صبره هناك ضعيفة ومنهم من هو بالعكس من ذلك، ومنهم من قوة صبره في جانب الأمر أقوى، ومنهم من هو بالعكس والله أعلم.

[فَصْلٌ أنْواعُ الصَّبْرِ]

[الصَّبْرُ بِاللَّهِ ولِلَّهِ ومَعَ اللَّهِ]

وَهُوَ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ: صَبْرٌ بِاللَّهِ. وصَبْرٌ لِلَّهِ. وصَبْرٌ مَعَ اللَّهِ.

فالأوَّلُ: صَبْرُ الِاسْتِعانَةِ بِهِ، ورُؤْيَتُهُ أنَّهُ هو المُصَبِّرُ، وأنَّ صَبْرَ العَبْدِ بِرَبِّهِ لا بِنَفْسِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] يَعْنِي إنْ لَمْ يُصَبِّرْكَ هو لَمْ تَصْبِرْ.

والثّانِي: الصَّبْرُ لِلَّهِ. وهو أنْ يَكُونَ الباعِثُ لَهُ عَلى الصَّبْرِ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وإرادَةَ وجْهِهِ. والتَّقَرُّبَ إلَيْهِ. لا لِإظْهارِهِ قُوَّةَ النَّفْسِ، والِاسْتِحْمادَ إلى الخَلْقِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأعْراضِ.

والثّالِثُ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ. وهو دَوَرانُ العَبْدِ مَعَ مُرادِ اللَّهِ الدِّينِيِّ مِنهُ. ومَعَ أحْكامِهِ الدِّينِيَّةِ. صابِرًا نَفْسَهُ مَعَها، سائِرًا بِسَيْرِها. مُقِيمًا بِإقامَتِها. يَتَوَجَّهُ مَعَها أيْنَ تَوَجَّهَتْ رَكائِبُها. ويَنْزِلُ مَعَها أيْنَ اسْتَقَلَّتْ مَضارِبُها.

فَهَذا مَعْنى كَوْنِهِ صابِرًا مَعَ اللَّهِ؛ أيْ قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ وقْفًا عَلى أوامِرِهِ ومَحابِّهِ. وهو أشَدُّ أنْواعِ الصَّبْرِ وأصْعَبِها. وهو صَبْرُ الصِّدِّيقِينَ.

قالَ الجُنَيْدُ: المَسِيرُ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ سَهْلٌ هَيِّنٌ عَلى المُؤْمِنِ. وهِجْرانُ الخَلْقِ في جَنْبِ اللَّهِ شَدِيدٌ، والمَسِيرُ مِنَ النَّفْسِ إلى اللَّهِ صَعْبٌ شَدِيدٌ. والصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ أشَدُّ.

وَسُئِلَ عَنِ الصَّبْرِ؟ فَقالَ: تَجَرُّعُ المَرارَةِ مِن غَيْرِ تَعَبُّسٍ.

قالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ: الصَّبْرُ: التَّباعُدُ مِنَ المُخالَفاتِ. والسُّكُونُ عِنْدَ تَجَرُّعِ غُصَصِ البَلِيَّةِ. وإظْهارُ الغِنى مَعَ حُلُولِ الفَقْرِ بِساحاتِ المَعِيشَةِ.

وَقِيلَ: الصَّبْرُ: الوُقُوفُ مَعَ البَلاءِ بِحُسْنِ الأدَبِ.

وَقِيلَ: هو الفَناءُ في البَلْوى، بِلا ظُهُورٍ ولا شَكْوى.

وَقِيلَ: تَعْوِيدُ النَّفْسِ الهُجُومَ عَلى المَكارِهِ.

وَقِيلَ: المُقامُ مَعَ البَلاءِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ، كالمُقامِ مَعَ العافِيَةِ.

وَقالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ: هو الثَّباتُ مَعَ اللَّهِ، وتَلَقِّي بَلائِهِ بِالرَّحْبِ والدَّعَةِ.

وَقالَ الخَوّاصُ: هو الثَّباتُ عَلى أحْكامِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: صَبْرُ المُحِبِّينَ أشَدُّ مِن صَبْرِ الزّاهِدِينَ. واعَجَبًا! كَيْفَ يَصْبِرُونَ؟ وأنْشَدَ:

؎والصَّبْرُ يَجْمُلُ في المَواطِنِ كُلِّها ∗∗∗ إلّا عَلَيْكَ فَإنَّهُ لا يَجْمُلُ

وَقِيلَ: الصَّبْرُ هو الِاسْتِعانَةُ بِاللَّهِ.

وَقِيلَ: هو تَرْكُ الشَّكْوى.

وَقِيلَ:

؎الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ، مُرٌّ مَذاقَتُهُ، ∗∗∗ لَكِنَّ عَواقِبَهُ أحْلى مِنَ العَسَلِ

وَقِيلَ: الصَّبْرُ أنْ تَرْضى بِتَلَفِ نَفْسِكَ في رِضا مَن تُحِبُّهُ. كَما قِيلَ:

؎سَأصْبِرُ كَيْ تَرْضى وأتْلَفَ حَسْرَةً ∗∗∗ وحَسَبِي أنْ تَرْضى ويُتْلِفَنِي صَبْرِي

وَقِيلَ: مَراتِبُ الصّابِرِينَ خَمْسَةٌ: صابِرٌ، ومُصْطَبِرٌ، ومُتَصَبِّرٌ، وصَبُورٌ، وصَبّارٌ، فالصّابِرُ: أعَمُّها، والمُصْطَبِرُ: المُكْتَسِبُ الصَّبْرَ المَلِيءُ بِهِ. والمُتَصَبِّرُ: المُتَكَلِّفُ حامِلٌ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. والصَّبُورُ: العَظِيمُ الصَّبْرِ الَّذِي صَبْرُهُ أشَدُّ مِن صَبْرِ غَيْرِهِ. والصَّبّارُ: الكَثِيرُ الصَّبْرِ. فَهَذا في القَدْرِ والكَمِّ. والَّذِي قَبْلَهُ في الوَصْفِ والكَيْفِ.

وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو.

وَقَفَ رَجُلٌ عَلى الشِّبْلِيِّ. فَقالَ: أيُّ صَبْرٍ أشَدُّ عَلى الصّابِرِينَ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ في اللَّهِ. قالَ السّائِلُ: لا. فَقالَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ. فَقالَ: لا. فَقالَ: الصَّبْرُ مَعَ اللَّهِ. فَقالَ: لا. قالَ الشِّبْلِيُّ: فَإيشْ هُوَ؟ قالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللَّهِ. فَصَرَخَ الشِّبْلِيُّ صَرْخَةً كادَتْ رُوحُهُ تَتْلَفَ.

وَقالَ الجَرِيرِيُّ: الصَّبْرُ أنْ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ حالِ النِّعْمَةِ وحالِ المَحَبَّةِ، مَعَ سُكُونِ الخاطِرِ فِيهِما. والتَّصَبُّرُ: هو السُّكُونُ مَعَ البَلاءِ، مَعَ وِجْدانِ أثْقالِ المِحْنَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: فازَ الصّابِرُونَ بِعِزِّ الدّارَيْنِ؛ لِأنَّهم نالُوا مِنَ اللَّهِ مَعِيَّتَهُ. فَإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ.

وَقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. إنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. فالصَّبْرُ دُونَ المُصابَرَةِ. والمُصابَرَةُ دُونَ المُرابَطَةِ والمُرابَطَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وهو الشَّدُّ. وسُمِّي المُرابِطُ مُرابِطًا لِأنَّ المُرابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهم يَنْتَظِرُونَ الفَزَعَ. ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطاعَةٍ يَنْتَظِرُها: مُرابِطٌ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ».

وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها».

وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكم عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وصابِرُوا بِقُلُوبِكم عَلى البَلْوى في اللَّهِ. ورابِطُوا بِأسْرارِكم عَلى الشَّوْقِ إلى اللَّهِ.

وَقِيلَ: اصْبِرُوا في اللَّهِ. وصابِرُوا بِاللَّهِ. ورابِطُوا مَعَ اللَّهِ.

وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلى النَّعْماءِ. وصابِرُوا عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ. ورابِطُوا في دارِ الأعْداءِ. واتَّقَوْا إلَهَ الأرْضِ والسَّماءِ. لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ في دارِ البَقاءِ.

فالصَّبْرُ مَعَ نَفْسِكَ، والمُصابَرَةُ بَيْنَكَ وبَيْنَ عَدُوِّكَ، والمُرابَطَةُ الثَّباتُ وإعْدادُ العُدَّةِ. وكَما أنَّ الرِّباطَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِئَلّا يَهْجُمَ مِنهُ العَدُوُّ. فَكَذَلِكَ الرِّباطُ أيْضًا لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَيَمْلِكَهُ ويُخَرِّبَهُ أوْ يُشَعِّثَهُ.

وَقِيلَ: تَجَرَّعِ الصَّبْرَ، فَإنْ قَتَلَكَ قَتَلَكَ شَهِيدًا. وإنْ أحْياكَ أحْياكَ عَزِيزًا.

وَقِيلَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ غِناءٌ. وبِاللَّهِ تَعالى بَقاءٌ. وفي اللَّهِ بَلاءٌ. ومَعَ اللَّهِ وفاءٌ. وعَنِ اللَّهِ جَفاءٌ. والصَّبْرُ عَلى الطَّلَبِ عُنْوانُ الظَّفَرِ. وفي المِحَنِ عُنْوانُ الفَرَجِ.

وَقِيلَ: حالُ العَبْدِ مَعَ اللَّهِ رِباطُهُ. وما دُونَ اللَّهِ أعْداؤُهُ.

وَفِي كِتابِ الأدَبِ لِلْبُخارِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ، والسَّماحَةُ». ذَكَرَهُ عَنْ مُوسى بْنِ إسْماعِيلَ. قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَهُ.

وَهَذا مِن أجْمَعِ الكَلامِ وأعْظَمِهِ بُرْهانًا، وأوْعَبِهِ لِمَقاماتِ الإيمانِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها.

فَإنَّ النَّفْسَ يُرادُ مِنها شَيْئانِ: بَذْلُ ما أُمِرَتْ بِهِ، وإعْطاؤُهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: السَّماحَةُ. وتَرْكُ ما نُهِيَتْ عَنْهُ، والبُعْدُ مِنهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: الصَّبْرُ.

وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في كِتابِهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ، والصَّفْحِ الجَمِيلِ، والهَجْرِ الجَمِيلِ. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ ولا مَعَهُ. والصَّفْحُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا عِتابَ مَعَهُ. والهَجْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا أذى مَعَهُ.

وَفِي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ: أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ: أنْزَلْتُ بِعَبْدِي بَلائِي، فَدَعانِي. فَماطَلْتُهُ بِالإجابَةِ، فَشَكانِي. فَقُلْتُ: عَبْدِي، كَيْفَ أرْحَمُكَ مِن شَيْءٍ بِهِ أرْحَمُكَ؟

وَقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] قالَ: أخَذُوا بِرَأْسِ الأمْرِ فَجَعَلَهم رُؤَساءَ.

وَقِيلَ: صَبْرُ العابِدِينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا، وصَبْرُ المُحِبِّينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوضًا. كَما قِيلَ:

؎تَبَيَّنَ يَوْمَ البَيْنِ أنَّ اعْتِزامَهُ ∗∗∗ عَلى الصَّبْرِ مِن إحْدى الظُّنُونِ الكَواذِبِ

والشَّكْوى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا تُنافِي الصَّبْرَ. فَإنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. والنَّبِيُّ إذا وعَدَ لا يُخْلِفُ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكَذَلِكَ أيُّوبُ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ وجَدَهُ صابِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].

وَإنَّما يُنافِي الصَّبْرَ شَكْوى اللَّهِ، لا الشَّكْوى إلى اللَّهِ. كَما رَأى بَعْضُهم رَجُلًا يَشْكُو إلى آخَرَ فاقَةً وضَرُورَةً. فَقالَ: يا هَذا، تَشْكُو مَن يَرْحَمُكَ إلى مَن لا يَرْحَمُكَ؟ ثُمَّ أنْشَدَ:

؎وَإذا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فاصْبِرْ لَها ∗∗∗ صَبْرَ الكَرِيمِ فَإنَّهُ بِكَ أعْلَمُ

؎وَإذا شَكَوْتَ إلى ابْنِ آدَمَ إنَّما ∗∗∗ تَشْكُو الرَّحِيمَ إلى الَّذِي لا يَرْحَمُ.

[فصل: في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم]

فالمذموم: الصبر عن الله وإرادته ومحبته وسير القلب إليه فإن هذا الصبر يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خلق له وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمه وأبلغه فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه ألبتة كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد الله لأوليائه من كرامته مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فالزهد في هذا أعظم أنواع الزهد كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب لزهده "ما رأيت أزهد منك! "

فقال: "أنت أزهد مني أنا زهدت في الدنيا وهي لا بقاء لها ولا وفاء، وأنت زهدت في الآخرة فمن أزهد منا"

قال يحيى بن معاذ الرازي "صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون! "

وفي هذا قيل

؎الصبر يحمد في المواطن كلها ∗∗∗ إلا عليك فإنه لا يحمد

ووقف رجل على الشبلي فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟

فقال الصبر في الله.

قال لا.

فقال الصبر لله.

فقال لا.

قال فالصبر مع الله.

قال لا.

قال فإيش هو؟

قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تزهق.

وقيل: الصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء وقد أجمع الناس على أن الصبر عن المحبوب غير محمود فكيف إذا كان كمال العبد وفلاحه في محبته ولم تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل:

؎والصبر عنك فمذموم عواقبه ∗∗∗ والصبر في سائر الأشياء محمود

وقال آخر في الصبر عن محبوبه

؎إذا لعب الرجال بكل شيء ∗∗∗ رأيت الحب يلعب بالرجال

؎وكيف الصبر عمن حل منى ∗∗∗ بمنزلة اليمين مع الشمال

وشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال: لو كنت صادقا لما صبرت عنى.

؎ولما شكوت الحب قالت كذبتنى ∗∗∗ ترى الصب عن محبوبه كيف يصبر

فصل: وأما الصبر المحمود فنوعان: صبر لله وصبر بالله قال الله تعالى ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّه﴾

وقال ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ وقد تنازع الناس أي الصبرين أكمل فقالت طائفة الصبر له أكمل فإن ما كان لله أكمل مما كان بالله فإن ما كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة والغايات أشرف من الوسائل ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبرر أو تقربا إلى الله لأنه نذر له ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج اليمين لأنه حلف به فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجى من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته.

وقالت طائفة: الصبر بالله أكمل بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به كما قال تعالى ﴿واصْبِرْ﴾ فأمره بالصبر والمأمور به هو الذي يفعل لأجله

ثم قال ﴿وَما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ﴾ فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدمتها أخبر فيها إنه لا يمكنه الصبر إلا به وذلك يتضمن أمرين الاستعانة به والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة كقوله فبي يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبي يمشي وليس المراد بهذه الباء الاستعانة فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصى فإن ما لا يكون بالله لا يكون بل هي باء المصاحبة والمعية التي صرح بمضمونها في قوله ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ وهي المعية الحاصلة لعبده الذي تقرب إليه بالنوافل حتى صار محبوبا له فبه يسمع وبه يبصر وكذلك به يصبر فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا والله معه ومن كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله كما في الأثر الإلهي يعني "وما يتحمل المتحملون من أجلي" فدل قوله ﴿وَما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ﴾ على أنه من لم يكن الله معه لم يمكنه الصبر وكيف يصبر على الحكم الأمرى امتثالا وتنفيذا وتبليغا وعلى الحكم القدري احتمالا له واضطلاعا به من لم يكن الله معه فلا يطمع في درجة الصبر المحمود عواقبه من لم يكن صبره بالله كما لا يطمع في درجة التقرب المحبوب من لم يكن سمعه وبصره وبطشه ومشيه بالله.

وهذا هو المراد من قوله: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" ليس المراد إني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة وأن ذات العبد هي ذات الرب تعالى الله عن قول اخوان النصارى علوا كبيرا ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره ولا بين حالتي تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه ولا عبد ولا معبود ولا محب ولا محبوب فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجها تعرف بالتأمل الظاهر.

وقد فسر المراد من قوله: " كنت سمعه وبصره ويده ورجله" بقوله: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي " فعبر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابه بألطف عبارة وأحسنها تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله.

ونظير هذا قوله:"الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه".

ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن ينزل إلى منزلة ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب أنت روحى وسمعى وبصرى وفي ذلك معنيان أحدهما أنه صار منه بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره والثاني أن محبته وذكره لما استولي على قلبه وروحه صار معه وجليسه كما في الحديث "يقول الله تعالى: أنا جليس من ذكرني"

وفي الحديث الآخر "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه"

وفي الحديث "فإذا أحببت عبدي كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا"

ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا ألطف منها وإيضاح هذه العبارة مما يزيدها جفاء وخفاء.

والمقصود إنما هو ذكر الصبر بالله وأن العبد بحسب نصيبه من معية الله له يكون صبره وإذا كان الله معه أمكن أن يأتي من الصبر بما لا يأتي به غيره قال أبو على فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله معيته قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾.

وها هنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه وقد قيل إن الله سبحانه أوحى إلى داود "تخلق بأخلاق فإن من أخلاقى إني أنا الصبور" والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد فإنه جميل يحب الجمال عفو يحب أهل العفو كريم يحب أهل الكرم عليم يحب أهل العلم وتر يحب أهل الوتر قوى والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف صبور يحب الصابرين شكور يحب الشاكرين وإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف فهذه المعية الخاصة عبر عنها بقوله "كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا".

[فصل]

وزاد بعضهم قسما ثالثا من أقسام الصبر وهو الصبر مع الله وجعلوه أعلى أنواع الصبر وقالوا هو الوفاء ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع الله لما أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التي ذكرت وهي الصبر على أقضيته والصبر على أوامره والصبر عن نواهيه فإن زعم أن الصبر مع الله هو الثبات معه على أحكامه يدور معها حيث دارت فيكون دائما مع الله لا مع نفسه فهو مع الله بالمحبة والموافقة فهذا المعنى حق ولكن مداره على الصبر على الأنواع المتقدمة وإن زعم أن الصبر مع الله هو الجامع لأنواع الصبر فهذا حق ولكن جعله قسما رابعا من أقسام الصبر غير مستقيم.

واعلم أن حقيقة الصبر مع الله هو ثبات القلب بالاستقامة معه وهو أن لا يروغ عنه روغان الثعالب ها هنا وها هنا فحقيقة هذا هو الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه وزاد بعضهم قسما آخر من اقسامه وسماه الصبر فيه وهذا أيضا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له وهذا كما يقال فعلت هذا في الله وله كما قال خبيب:

؎وذلك في ذات الإله وإن يشأ ∗∗∗ يبارك على أوصال شلو ممزع

وقد قال تعالى ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾

وقال ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ﴾

وفي حديث جابر: "إن الله تعالى لما أحيا أباه وقال له تمن قال يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى أقتل فيك مرة ثانية"

وقال " ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد"

وهذا يفهم منه معنيان أحدهما أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره

كما في الحديث "تعلمت فيك العلم"

والثاني إنه بسببه وبجهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره وغالب ما يأتي قولهم "ذلك في الله" في هذا المعنى.

فتأمل قوله "ولقد أوذيت في الله"

وقول خبيب وذلك "في ذات الإله"

وقول عبد الله بن حرام "حتى أقتل فيك"

وكذلك قوله ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском